الاثنين، 25 يوليو 2016

أمبــروز بيــرس..وغمــوض النهايـــــــة!

لميس علي
فضاءات ثقافية
الأحد 2-9-2012


لربما.. أرادوا أن تكون حياتهم معادلاً موضوعياً لجنون إبداعهم.. مسلكاً.. ومنهجاً حياتياً أو لعله ختامياً.. وربما لم يشفِ بياض الورق غليلهم.. فاستبدلوه بسواد نهاية توازي بغرائبيتها غرائبية أدبهم..
هل كانوا يدركون أن نهاياتهم تلك ستمنحهم شهرة أكثر مما حصدوه أدبياً؟!‏
هل أوهمهم شطط الإبداع أن في الإمكان منافسة أبطال، على الورق، أوجدوهم؟‏

الطريف، لو أنهم أصيبوا بعدوى البطولة التي ألبسوها أبطالهم الورقيين.. مع أن الكاتب والصحفي الأمريكي أمبروز بيرس، في آخر ما يُذكر عنه، كان ذاهباً للقاء بطل واقعي، المناضل المكسيكي بانشو بيلا عام 1913، في المكسيك، أراد للقائه معه أن يكون أساساً لكتاب رغب في تأليفه.. لكن، هناك فُقد أثره و لم تُعرف له نهاية واضحة.. ما أثار تساؤلات عديدة محيّرة عن هذا الكاتب.‏

و مع ذلك فإن اختفاءه يعطي بعداً واقعياً ويمد جسوراً لا مرئية مع طبيعة كتاباته التي اتصفت بشيء من الغموض والغرائبية.‏

ولد بيرس عام 1842 في مدينة أوهايو وكان الطفل التاسع (الأخير) لعائلة بسيطة، لم يعش طفولته كما ينبغي. عمل في إحدى المطابع لكنه التحق عام 1861 للمشاركة بالحرب الأهلية, فشاهد مجريات هذه الحرب التي ستختزنها ذاكرته لتنعكس يوماً ما في أدبه. بعد ذلك عمل صحفياً في العديد من الدورات الأميركية.. وانتقل عام 1872 إلى انكلترا وعمل في مجلات مثل: فن، فيغارو، لانترن، و غيرها. تنقّل بيرس في الكثير من الدوريات إلى أن ترك العمل الصحفي، ولو مؤقتاً، لصالح الذهاب إلى داكوتا بحثاً عن الذهب..‏

نتف المعلومات المعروفة عن بيرس تدلل على أنه عاش الحياة فعلياً.. غامر.. وربما قامر.. المهم أنه اقتحم مغامرات اختارها بملء رغبته.. لعله كان يريد الامتلاء من العيش حد التخمة.. ولعلها كانت طريقته للسخرية من الحياة، هو الذي كان يرى الموت الاحتمال الوحيد المفتوح في وجه الإنسان.‏

من أهم أسباب شهرته، كما يرى النقاد، أن ما من كاتب أميركي صوّر ويلات الحرب وكارثيتها كما فعل في مجموعته (في قلب الحياة).. كان دائم الترديد أن ما نقله من جحيم لقرائه, عاشه هو منذ الطفولة.‏
واجه بيرس جحيمه بكثير من السخرية السوداوية المتقنة أدبياً، مع أن الكثير من قصصه تتخذ من الموت والقلق والرعب ثيمةً لها.. ومن المحتمل أن ما زاد من استخدام سلاح السخرية لديه تعرّفه في فترة من فترات حياته على الساخر الكبير مارك توين.‏

يرى البعض أنه تأثر بمواطنه إدغار ألن بو.. بغرائبيته وأسلوب السخرية. وإن كان هذا الأخير تميّز عن بيرس بشاعرية أكثر.. إلا أن بيرس بقي الأقدر على منح جذر واقعي لقصص الخوف والرعب التي كتب عنها، مستفيداً مما خزّنته ذاكرته من مشاهدات الحرب.. ليبقى الخيال هو المعين الوحيد لإدغار.‏

من عناوين القصص التي كتبها بيرس: (بهجة الشيطان)، (الوادي المسكون)، (خيوط العنكبوت والجمجمة الفارغة)، وأيضاً من أهم مؤلفاته يُذكر "قاموس الشيطان"، وهو كتاب ساخر يقدم تفسيراً للمصطلحات بطريقةٍ ساخرة.‏

مؤخراً تعود مجموعته (في قلب الحياة) إلى الذاكرة بسبب نقده وإدانته المبطنة للحرب.. مجموعة لها طعمها الخاص الذي يجعلها منتشلة حقيقةً من صلب واقع الحياة.. واقع الحرب الذي عايشه بيرس.. مصوراً هول ما وصل إليه الإنسان من تشييء وإفلاس داخلي.. فهل كان ذلك الصمت الذي صدمنا به وهو يحيط بأرض المعركة إلا صمت ضمير الإنسان عن قبح جرائمه؟ وهل رسمه لشخصية الفتى الضائع الذي يلعب لعبة الحرب فيبدأ بإطلاق نار لايكاد ينتهي على رؤوس من بقوا أحياء.. ليس أكثر من تأكيد على فجائعية الحاصل في الحرب.. الصدمة الحقيقية حين يكشف لقارئه أن هذا الفتى أصم أبكم.. رمزية ربما دلّت على سمات من يصطنع الحروب ويبتغيها.‏
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الثورة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق