السبت، 16 يوليو 2016

ثلاثة قرون من الأدب الأمريكي - د. زياد الحكيم


تاريخ النشر: 10-12-2013

منذ بداية التاريخ الأمريكي وحتى يومنا هذا سجل الأدب الأمريكي قصة بحث، واتخذ هذا البحث أشكالا مختلفة في أوقات مختلفة. في القرن السادس عشر ، هاجر الأوروبيون إلى العالم الجديد بحثا عن قارة اتلانتيس المفقودة وعن مدن الذهب التي استحوذت على خيالهم . 
وتحولت هذه الأحلام الخيالية مع الزمن إلى أحلام بالنجاح أكثر واقعية دفعت بالملايين من الناس في القرى والمدن الصغيرة إلى الهجرة إلى المدن الكبيرة أملا في كسب الشهرة والثروة. وفي وقت من الأوقات اتخذ البحث شكل حجيج ديني . فمثلا ، أمل البيوريتانيون ان يغدو العالم الجديد مكانا يقيمون فيه مجتمعا يحظى برضى الله ، واجتاز المورمونيون السهول والأودية باتجاه ولاية يوتاه يحدوهم الأمل ذاته ، واتجه الرواد الآخرون - وكثير من الأمريكيين في فترات لاحقة أيضا - نحو الغرب مدفوعين بطموحات مادية او دينية . وبطريقة او بأخرى كان "السعي وراء السعادة" حافزا لعملية البحث هذه ، والأدب الأمريكي في واقع الأمر تسجيل لهذا البحث. 

أولا : القرن السابع عشر

هدفت الكتابات الأمريكية الأولى التي ألفها مؤلفون انجليز إلى تسجيل خبرات المهاجرين الأوائل وإمتاع القراء بهذه الخبرات . وأشهر هؤلاء المؤلفين هو جون سميث 1850-1631 الذي نشر كتابا عن خبراته في جيمستاون بعنوان "أنباء حقيقية عن أحداث في فيرجينيا" . وقدم الكتاب وصفا دقيقا للمنطقة ، ولكنه غالى في وصف سهولة الحياة بالنسبة الى المستوطنين . وفي هذه المغالاة ولدت الحكاية الطويلة للدعابة الأمريكية .

وصل الحجاج ، كما كانوا يسمون أنفسهم ، إلى ميناء بليموت عام 1630 فيما يسمى اليوم بماساتشوستس . وقد أرادوا ان ينفصلوا عن كنيسة انكلترة بحيث يستطيعون عبادة الله بالطريقة التي تروق لهم . وصف وليام برادفورد 1590-1657 في كتابه "تاريخ مستعمرة بليموث" الرحلة الملحمية التي قام بها الحجاج إلى أمريكا عن طريق هولندا والمشقات التي كابدوها في إقامة مستعمرتهم . ويعكس أسلوب برادفورد البساطة التي اتسمت بها حياة الحجاج ، اذ لم يكن ثمة مجال للزخرفة لا في الكتابة ولا في الحياة اليومية .

وبعد عشر سنوات من وصول الحجاج إلى العالم الجديد وصلت مجموعة أخرى من المستوطنين الانكليز الذين أقاموا مستعمرة خليج ماساتشوستس واستوطنوا سالم في بادئ الأمر ثم بوسطن . ويشترك هؤلاء القادمون الجدد الذي يدعون بالبيوريتانيين مع الحجاج بمعتقدات كثيرة ، غير أنهم أرادوا أن يحافظوا على عضويتهم في كنيسة انكلترا من اجل أن "يطهروها" بدل أن ينفصلوا عنها كما فعل الحجاج . كان البيوريتانيون أكثر ثراء من الحجاج ووصلوا الى العالم الجديد بأعداد اكبر وبمثقفين أكثر ، ولذلك سرعان ما بسطوا نفوذهم على انكلترة الجديدة - نيوانغلاند .

تضمنت الكتابات الأمريكية في القرن السابع عشر أنواعا عديدة مثل السير والمقالات والمواعظ الدينية وادب الرحلات . واما في المسرحية والرواية فكانت المنجزات نادرة نظرا لتعصب البيوريتانيين ضدهما . ومن أشهر الكتاب في ذلك العصر كوتون ماذر 1663-1728 الذي كتب فيما كتب عددا من التراجم . وهذا اللون من الكتابة صادف هوى في نفوس البيوريتانيين الذين كانوا يؤمنون بان الأحداث في حياة الناس هي انعكاس لحياتهم الروحية . وفي كتابه "ماغنيا كريستي امريكانا" 1702 ، زاوج ماذر بين الترجمة والتاريخ لرسم صورة رائعة لعقل انكلترا الجديدة . ومن المع الكتاب البيوريتانيين أيضا جوناثان ادواردز 1708-1758 الذي استطاع ان يناغم بين المعتقدات التاريخية للبيوريتانيين والمعرفة الجديدة في عصره . أشهر أعماله "حرية الإرادة" اما ادوارد تيلر 1644-1729 ، وهو رجل الدين الطبيب المولود في انكلترا ، فقد كان اقل تشاؤما من البيوريتاني العادي ، فنظم قصائد غنائية عبرت عن سروره بالعقيدة الدينية .

كان الأدب الأمريكي في القرن السابع عشر على طراز الأدب البريطاني في الفترة ذاتها . كانت كتابات جون سميث وفق تقليد الأدب الجغرافي ، وكان أسلوب برادفورد يشبه أسلوب الكتاب المقدس للملك جيمس ، كما كان نثر ماذر حسب الطراز السائد في بريطانيا في ذلك الحين ، بينما اقتفى تيلر اثر الشعراء الميتافيزيقيين من أمثال جورج هيربيرت وجون دن . وهكذا كان الأدب الأمريكي في القرن السابع عشر أدبا انكليزيا شكلا ومضمونا .

ثانيا : القرن الثامن عشر

1- عصر العقل : في حين ان البيوريتانيين شددوا على ان الانسان خاطىء ، نادى بنجامين فرانكلين 1706-1780 وغيره من مفكري القرن الثامن عشر بالتأكيد على العقل ، وأصر فرانكلين على ان الإنسان قادر على السيطرة على بيئته اذا هو استفاد من قدراته العقلية . نشر كتابه "تقويم ريتشارد الفقير" بين عامي 1733 و1758 ، والكتاب عبارة عن مجموعة من المعلومات المفيدة والأقوال المأثورة . وقد أصاب الكتاب شهرة واسعة في جميع أرجاء المستعمرات. أما كتابه "سيرة ذاتية " فقد حقق له شهرة خالدة ، فمن بين جميع السير الذاتية التي خطها الأمريكيون فان سيرة فرانكلين هي الأعظم والأكثر صراحة ومرحا وإلهاما .

وكان آخر من أكد على "عقلانية" الأشياء هو توماس بين 1737-1806 . وفي كتابه "عصر العقل" 1794 حاول بين أن يبرهن أن الله خلق الكون في دقة متناهية ، ثم ما أن أتم خلق الكون حتى ترك للإنسان موقع المسؤولية - الإنسان الذي يستطيع ان يفكر والقادر على المحاكمة . وبالرغم من أن بين ولد في انكلترة ، إلا انه كان شديد الحماسة للاستقلال الأمريكي . ففي كراسته "التفكير السليم" 1776 ومجموعة مقالاته "الأزمة الأمريكية" 1783 دافع عن سكان المستعمرات الأمريكية ضد البلاد الأم انكلترا .

كان هناك كتاب آخرون تبنوا القضية الأمريكية ودافعوا عنها من أمثال جون ديكنسون 1732-1808 في كتابه "رسائل من مزارع بنسلفانيا" 1726وتوماس جيفرسون 1743-1826 الذي كتب "إعلان الاستقلال .1776"

2- الرواية والمسرحية والشعر: كانت أول رواية أمريكية من تأليف وليام هيل براون (1765-1793) بعنوان "قوة التعاطف" 1789 وهي محاكاة ذكية للروايات المغرقة بالعاطفية التي كانت تكتب في انكلترا في ذلك الحين . اما المسرحية الوحيدة التي تستحق الذكر في هذه الفترة فهي "المقارنة" 1787 التي سخر فيها المؤلف رويال تايلر 1757-1826 من البريطانيين وأثنى على الأمريكيين . وفي ميدان الشعرفقد أراد الشعراء أن يمجدوا الأمة الأمريكية وأبطالها فنظم تيموثي دوايت 1752-1817 وجول بارلو 1754-1812 ، بجودة متفاوتة ، الملاحم والقصائد الطويلة .

ثالثا : القرن التاسع عشر

لقد حاول دوايت وبارلو وآخرون أن يضعوا أدبا ذا نكهة أمريكية متميزة بعد أن انتهت الثورة عام 1783 . وبإمكاننا أن نقول إن هؤلاء الكتاب فشلوا فيما حاولوه لأنهم حاولوا ان يحققوا الكثير. والواقع لم يكن للأدب الأمريكي أن يشتد عوده قبل واشنطن ايرفينغ1783- 1859 وجيمس فينمور كوبر 1789-1851 . لقد أحس كتاب ما بعد الثورة بالحرج لضآلة التاريخ الأمريكي ، فحل واشنطن ايرفينغ هذه المشكلة باختراع تاريخ في كتابه "تاريخ نيويورك" الذي درس فيه استيطان الهولنديين جزيرة مانهاتن وقدم ايرفنغ في عمله هذا اول بطل أسطوري أمريكي هو الأب نيكربوكر . وفي كتاباته عن رحلاته في أوربة، وسيرة حياة كولومبس بين ايرفينغ أن الكاتب يجب أن يكتب عن امريكا فقط من اجل أنيعتبر كاتبا وطنيا . 

وربما كان جيمس فينموركوبر على حظ أوفر من الشهرة . كتب رواية "الجاسوس" 1821، وهي قصة جاسوسية مثيرة تجري أحداثها في مدينة نيويورك في اثناء الثورة . ولكن اشهر ما كتبه هو رواية "الراداد" 1823 ، وهي الأولى من خمس رومانسيات عظيمة درس فيها القيم المتعارضة بين الطبيعة والحضارة ، وواصل كوبر دراسته للحضارة الامريكية بطريقة اكثر مباشرة في كتابه "الديمقراطي الأمريكي" .

وكان ادغار الان بو 1809-1849 أعظم كاتب في جنوب الولايات المتحدة قبل الحرب الأهلية الأمريكية . اشتهر بقصص الرعب مثل "سقوط منزل أشر" و"وليام ويلسون" و"قناع الموت القرمزي" . ويعود إليه الفضل في استحداث القصص البوليسية التي منها "جرائم شارع المشرحة" 1841 التي يعدها النقاد الأولى من نوعها . وحقق بو أيضا شهرة بقصائده مثل "الغراب" و"الاجراس" ، وكان تأثيره معتبرا في عدد من الشعراء الأمريكيين اللاحقين وبخاصة ايمي لويل وازرا باوند .

امرسون ، ثورو ، هوثورن، ميلفيل

بينما أكد كتاب القرن الثامن عشر أن العقل هو مصدر الحكمة والتقدم ، أكد امرسون على القلب ، فالعبقري في نظره ليس هو من يمتاز بالعقل والذكاء ولكنه هو الذي يستطيع أن يشعر بعمق وان يستخدم الحواس الخمس للاتصال بالحياة . وتمتاز اعماله بالعمق وروعة البيان . ومن هذه الأعمال "مقالات" 1841 ، ومن اشهر هذه المقالات "العالم الأمريكي " و"الاعتماد على الذات" . وقد أعطى امرسون قراءه إحساسا بالثقة بقدرة الفرد الأمريكي على السيطرة على مقدرات حياته .

أما هنرى ديفيد ثورو 1817-1862 فقد اخذ هذه الأفكار خطوة ابعد فآثر السجن على ان يدفع ضريبة الى الدولة لدعم المجهود الحربي في الحرب المكسيكية التي لم يناصرها . وفي مقالته "العصيان المدني" أكد ثورو ان الاحتجاج الفردي هو القوة الأكثر ثورية فيالعالم وان هذا الاحتجاج يمكن ان يحقق العدالة الاجتماعية بسرعة اكبر وبصورة أكمل من العمل الحكومي . واشهر ما قام به ثورو هو انه أقام في كوخ بالقرب من بحيرة والدن لمدة سنتين لأنه أراد أن يواجه حقائق الحياة الأساسية . وكتاب "والدن" 1854وهو وصف لتلك الخبرة وهو أفضل أعماله ، اذ ليس هناك وصف أمتع للعيش قرب الطبيعة من وصف ثورو .

وبالرغم من ان ناثانييل هوثورن 1804-1864 لم يستطع ان يقبل دين اسلافه البيوريتانيين الا انهشاركهم الاهتمام بمشكلة الخطيئة . ففي روايته "الحرف القرمزي" 1850 التي تعد واحدة من اعظم الروايات الامريكية استطاع هوثورن أن يسبر أغوار الضمير المعذب بالخطيئة لكل من هيستربرين وآرثر ديمزديل . وفي روياته "المنزل ذو السقوف السبعة" 1851 درس كيف ان الشر الذي يمارسه جيل من الاجيال يؤثر على الاجيال اللاحقة .وبرع هوثورن ، شأنه في ذلك شأن بو ، في كتابة القصة القصيرة . واشهر مجموعاته "حكايات مروية مرتين 1837 "كما ان هوثورن الف كتبا للأطفال مثل "كتاب العجائب .1851 "وفي كل ما كتبه اظهر هوثورن قدرة فائقة على التحليل النفسي ومعالجة المشكلات المعقدة . 

ومن أشهر كتاب القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة هيرمان ميلفيل 1819-1891 الذي لعب البحر في حياته وأعماله دورا رئيسيا ، اذ بعد تحصيل قليل في المدرسة عمل في سفينة صيد للحيتان وراح يجوب البحار . ورواياته حافلة بالمغامرات التي ترتكز على خبراته في بحار الجنوب، وهي تدرس موضوعات فلسفية حول الطبيعة الأخلاقية للكون .أشهر رواياته "موبي ديك" 1851 التي تعد أعظم رواية أمريكية تعنى بالمغامرات البحرية وواحدة من أكثر الروايات التي شغلت النقاد برموزها وتكاملها . والقصة من غير ريب أكثر من قصة موت حوت .إنها تجسد الصراع بين الخير والشر وتشرح رغبة الإنسان الأبدية في البحث عن خفايا الكون وفهمها. وفي روايته القصيرة "بيلي بد" 1891 يتحدث ميلفيل عن شموخ الروح الإنسانية في مواجهة متاعب الحياة.
ــــــــــــــــــ
المصدر: شبكة ضفاف


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق