الأربعاء، 13 يوليو 2016

الحوار الأخير مع وليم فوكنر: لا يؤمن بالتقنية .. ولا يوجد شيء اسمه وحي الكتابة

ترجمه: عاصف الخالدي*

تاريخ النشر: 6 يوليو 2016

في صيف العام 1952، وبعد ثلاث سنوات من حصول صاحب المقاطعة الروائية على جائزة نوبل، أجرت جين ستاين حواراً أخيراً مع ويليام فوكنر في مدينة نيويورك. وكان فوكنر أول أمريكي يحصل على جائزة نوبل بعد الحرب العالمية الثانية. فوكنر الذي استطاع النفاذ لعمق الإنسان والمكان في جنوب أمريكا. خاصة في زمن الحرب الأهلية الأمريكية. وأكد ضرورة الكتابة عن الإنسان من الداخل، ومن ثم، كان الروائي الذي اخترع مقاطعة خيالية تدور فيها أحداث رواياته، وهي المقاطعة التي جعلتها أمريكا فيما بعد منطقة حقيقية، بعدما كان الناس والقراء يزورون جنوب الميسيسيبي بحثاً عنها. في علامة نقدية وروائية فارقة على ما يمكن أن تصنعه الرواية من تأثير وتغيير في الواقع.

* سيد فوكنر، أنت تتجنب المقابلات الشخصية، فماذا عنك ككاتب؟
- بالطبع أتجنبها، لأنك لو أردت سؤالي عن شيء شخصي فحتماً لن أجيبك، لأن الإجابة ستتغير بين يوم وآخر. لكن ككاتب، فلو أنني لم أوجد، لكتبني آخرون، مثل هيمنغواي أو دوستيوفسكي. يذكرني هذا بشكسبير الذي يقال إن هنالك ثلاثة كتاب محتملين شاركوه كتابة مسرحياته، لكن الأهم، هو حضور هاملت وحلم ليلة صيف كأعمال خالدة. نص الكاتب أهم منه. لا يعنيني الكاتب، ولو أن كتاباً عظماء مثل بلزاك وسواه عاشوا لألف عام وأكثر، فلا أظن الناشرين سيرحبون بأعمالهم طوال الوقت.
* لكن، حتى لو لم يعودوا يملكون ما يقولونه أو يكتبونه، أليست استقلاليتهم عن العصر تقدم جديداً ما؟. إضافة إلى ذلك، كيف تقيم نفسك ومعاصريك من الكتاب؟
استقلالية الكاتب مهمة، وهي ما تعطي كتابته قيمة مضافة وربما تأثيراً على روح العصر أيا كانت، كل إنسان معني باستقلاليته. أظنني ومعاصري من الكتاب فشلنا جميعاً بأحلامنا نحو الكمال. وهذا جيد بالطبع. إني أقارن نسبة النجاح في الكتابة بمدى اقترابها مما هو مستحيل، وليس بنجاح مطلق لا يمكن أن يتحقق. أعترف أني لو أعدت كتابة أعمالي الآن لكتبتها بشكل أفضل، ضمن شروط أكثر صحية يجب أن تتوفر للفنان. إن الكتابة الروائية بالذات، تحتاج إلى كل شيء، إلى موهبة كبيرة، وعمل كثير، وأحلام لا تتوقف.
*  هل تعني أن على الكاتب أن يكون صلباً بكل شيء، وأن ويتخذ موقفاً من كل شيء؟.
- مسؤولية الكاتب الأساسية هي تجاه فنه. إذا كان الكاتب يملك حلماً ما، فإنه سوف يستمر بقوة تجاه حلمه ولن يتوقف حتى يصل إليه بشكل أو بآخر. ربما يتمتع الكاتب بالسعادة والراحة، أو بالشقاء والحزن، في الحقيقة، وفي كلتا الحالتين يجب أن يسعى تجاه حلمه، الفن لن يهتم أبداً سواء كان الكاتب مرتاحاً أو شقياً. لذا على الكاتب أن يكتب. لا أظن أن الراحة تمنع من إنتاج عمل أدبي مميز، بل العكس، قد تكون الظروف المريحة هي الأفضل، كل هذا متعلق بالكاتب وما يسعى إليه.
*   هل تعتقد أن هنالك بيئة مادية ومعنوية محددة يجب أن تتوفر للكاتب؟
 -  لا أظن الفن معني ببيئة الفنان أيضاً، ولا أقصد هنا ظروفاً مؤثرة في نتاجه الفني والأدبي بشكل مباشر. لو تجنب الكاتب الجوع والتشرد، ووجد سقفاً يؤويه، فإنه لن يحتاج بعد ذلك سوى لقلم وورق حتى يعمل. لا أظن التفرغ الفني والحصول على مال جاهز لأجل أن يقضي الكاتب وقته في الكتابة فقط، هو محفز كافٍ لإنتاج أعمال مميزة.
* هل تستخدم تقنية محددة لتنجز نصوصك كما يجب؟
- لا أؤمن بالتقنية!. وليتصرف الكاتب على أنه جراح أو عامل بناء ما دام يفكر في تقنية ما، وبشكل متعمد. لا أظن أنه توجد ميكانيكية ما لإنجاز عمل روائي. الكتاب الشباب يقعون بخطأ اتباع التقنيات كثيراً، الأفضل لهم أن يتعلموا من أخطائهم. الروائي الجيد يجب أن يعرف أن ما من أحد جيد كفاية حتى يقدم له النصيحة. ولا يقود هذا للتكبر، إنه يقود للاستماع ولكنه يقود إلى الاعتماد على النفس وبذل جهد أكبر تجاه كتابة الرواية.
* إذن، لا تؤمن نهائياً بالتقنية؟
 - في معظم الأحيان، وبلا فائدة ترجى، تستولي التقنية على حلم وفكرة الروائي قبل حتى أن يضع هو يده على النص ويخوض في عمقه. تتحكم التقنية وتفصل عن النص صيغة الحلم والدهشة ومن ثم تضع كل شيء في إطارها هي. كما قد تجبر الروائي على السير بالعمل وإنهائه وفقاً لما تحدده هذه التقنية. حصل هذا معي في روايتي: وأنا أحتضر. احتجت لستة أسابيع قضيت اثنتي عشرة ساعة في كل يوم منها، وأنا أعمل على الشخصيات إذ تخيلتها كلها ضمن تقنية ما ووضعتها جميعاً أمام حدث وقوع كارثة ما مثل زلزال أو فيضان وحاولت دراسة تصرفاتها حيال الأمر. حاولت التحكم إذن، ووضع مسار للشخوص. هذا لم يجد بالطبع، وازداد الأمر صعوبة وجموداً. من الأفضل ترك التقنية، لأن الشخوص سوف تستلم زمام المبادرة في مكان ما من الرواية، وتتحرك وتتصرف من تلقاء نفسها هي. وهذا أكثر عمقاً وواقعية. وهذا سوف يتيح لنا مساحة من التشويق، حيث إننا لو أغلقنا الرواية عند الصفحة 274 مثلاً، فقد نتمكن من التنبؤ بما سوف يحصل في الصفحة 275، لكننا لن نعرف فعلاً ما قد يحدث؛ لأن التقنية لم تتحكم بالأمور وتعطيها ترتيباً ما. لا يحكم الكاتب على عمله من خلال التقنية، يحكم عليه بحرية وبمصداقية، ويتطلع دوماً إلى العمل الذي أثار قلقه أكثر من أعماله الأخرى، بقدرته على عدم التوقع. تماماً مثلما كنت قلقاً مثلاً من شخصية الأم التي أحبت ابنها الذي صار مجرماً ولصاً أكثر من ابنها الذي صار راهباً  في رواية الصخب والعنف. ثم إن شخصية الأم في الرواية كانت لطيفة وكريمة وذكية، في الواقع، لقد كانت أفضل مني كشخص، لذا أحببتها كثيراً.
 * هل تعتمد في كتاباتك على تجارب شخصية، وهل ترى دوراً للوحي في أعمالك؟
-  ليست التجربة الشخصية عاملاً أساسياً ولا محوراً كافياً، لأعدها قيمة أساسية في كتابة الرواية، يحتاج الكاتب لرؤية مميزة وللخيال، ولتجربة شخصية إن كانت تفيده في العمل، في الصخب والعنف، بدأت فكرة الرواية كلها من صورة رأيتها أمامي، من مشهد. فيما بعد، أعدت تخيل الشخوص والحدث ونسجت الأفكار والسرد فيما حولهما. أما الوحي، وحي الكاتب الذي تتحدثين عنه، فلم أسمع به يوماً، لم أقابل هذا الوحي حتى أتحدث عنه. ما تنقصه التجربة الشخصية، يمكن تعويضه بخيال واسع وعميق.
* ما علاقة النقد بالكاتب في رأيك؟
 لا يملك الكاتب وقتاً للاستماع إلى النقد!. ربما يمكن لمن يريد أن يصير كاتباً، يمكن له متابعة قراءات الكتب والنقد حولها. ثم إن النقد ليس موجهاً لشخص الكاتب، إنه موجه لما يكتبه، الكاتب هو جزء بسيط من مادة النقد. وما يكتبه الكاتب من نصوص، هو ما يحرك النقد ويجعله يعمل. على الكاتب أن يكتب بجد. النقد يحرك كل شيء، ما عدا الكاتب الذي ينشغل في الكتابة فقط.
*عاصف الخالدي: روائي أردني.
الترجمة من الإنجليزية، عن مجلة: paris review issue 1958
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: ذوات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق