الأربعاء، 27 يوليو 2016

سيرة الكتابة الحياتية والقصصية في تجربة همنغواي

صدور مذكرات همنغواي الباريسية «الوليمة المتنقلة» بالعربية في الذكرى الأربعين لوفاته
بقلم: عبد الرحيم العلام
تاريخ النشر: 16 يوليو 2001

تحل في شهر يوليوز (تموز) الذكرى الأربعون لوفاة الكاتب الأميركي إرنست همنغواي (توفي يوم 12 يوليو 1961). وتصادف هذه الذكرى صدور الترجمة العربية لأحد أعماله الأدبية الرائعة «الوليمة المتنقلة»، عن دار المدى للثقافة والنشر (2001)، قام بترجمتها إلى العربية الكاتب العراقي، المقيم في المغرب، الدكتور علي القاسمي.

ويعد المترجم أحد الفاعلين في المشهد الثقافي المغربي والعربي، بحيث ما فتئ يساهم، من موقعه كباحث لغوي وأديب ومترجم، في إثراء الساحة الثقافية العربية بعطاءاته المتعددة في مجال علم المعجم واللغة والكتابة الإبداعية والنقدية والترجمة. وفي ترجمته لنص «الوليمة المتنقلة»، يمكن أن نتوقف عند مجموعة من الخصائص والمميزات المرتبطة بالترجمة، سواء من حيث الأسلوب، وما يرتبط به من نقاء العبارة وقوة اللغة وإبداعيتها، ومن سخرية بليغة وتهكم ضمني، أو من زاوية امتلاك المترجم لمعرفة كبيرة بمختلف العوالم التي يتحدث عنها همنغواي في هذا النص، بما هي عوالم تفترض توفر معرفة دقيقة بالجغرافيا الباريسية وما يرتبط بها من أسماء المواقع والأحياء والشوارع والمتاحف، ومعرفة دقيقة بعوالم الأدب والرسم وأسماء الأدباء وأعمالهم، وأنواع الأكل والشرب واللعب.. وغيرها من الأمور الدقيقة التي يغتني بها هذا النص، مما يجعل منه نصا صعبا على مستوى الترجمة، كما يتطلب مجهودا استثنائيا، بمثل ذلك المجهود الذي أضفاه المترجم على ترجمته.

وعلي القاسمي، في ذلك كله، إنما يضيف إلى المكتبة العربية رائعة أخرى من روائع الآداب العالمية، إلى جانب المتعة والمعرفة اللتين يوفرهما المترجم للقارئ العربي، من خلال عمل سردي يحكي عن حياة فرد، كما يؤرخ لحياة مدينة وجماعة. انتقل همنغواي بين العديد من الدول والعواصم، كما اشتغل في مجموعة من المنابر والمواقع، حيث بدأ حياته بالعمل بإحدى الصحف الأميركية (كانساس سيتي ستار). سافر إلى أوربا للمشاركة في الحرب. وهناك عمل سائقا لسيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر. وفي 1918 عبر باريس ـ التي سيعود إليها ليستقر فيها لسنوات ـ في اتجاه ميلانو، فعمل على توزيع السجائر والشكولاته على الجنود. أصيب بكسر في ساقيه، فقضى فترة علاج بمستشفى ميلانو. مرض بعد ذلك، ثم تلقى العلاج، مرة أخرى، بنفس المستشفى، فسقط في حب ممرضة شابة (وهي التي تشكل نموذج بطلة روايته الشهيرة «وداعا للسلاح»). ارتبط الحب عند همنغواي بالحرب، في حياته كما في أعماله. عاد إلى الولايات المتحدة الأميركية، فعمل صحافيا في شيكاغو، ثم انتابه الحنين إلى باريس التي حل بها في عام 1921، رفقة زوجته الأولى. وهذا الارتباط بين همنغواي وأوروبا عموما، يأتي من الرغبة في التجذر من جديد في الزمن والمكان. وهذا بالضبط ما ذهب همنغواي لأجله في فرنسا وإسبانيا (جورج مدبك).

كتب همنغواي، خلال العقد العشريني، عددا من القصص القصيرة الجيدة بأسلوب جديد، موظفا تيمات جديدة. وتعتبر مجموعته القصصية «من أيامنا هاته» من بين المجموعات القصصية التي جعلت منه واحدا من كبار كتاب الأدب الحديث .أصبحت له شهرة واسعة، فكتب عددا من القصص القصيرة، فاعتبره البعض، على اثر ذلك، أحد أساتذة القصة القصيرة في العالم.

استغل همنغواي تجربته في السفر والرياضة في مجال الكتابة، فبدأت العديد من التيمات الجديدة تتسلل إلى كتاباته، القصصية والروائية. كما وهبته الحرب الأهلية الإسبانية مجالا خصبا للإبداع، إذ مكنته من الوسائل اللازمة لكتابة رائعته «لمن تقرع الأجراس»، وفيها وظف همنغواي جميع الإمكانيات الأوتوبيوغرافية المستمدة من تجاربه في مرحلة الشباب. وتعتبر تلك الرائعة الرواية الأكثر طموحا وطولا من بين رواياته الأخرى. كما اعتبرت لحظة صدورها أهم نص كتبه همنغواي. وعموما، فإن الحروب التي عمل همنغواي كمراسل في مواقعها (حرب إيطاليا، الحرب الإسبانية، الحرب الصينية، الحرب العالمية الثانية) قد أغنت تجاربه الحياتية والكتابية.

كما أن هواياته (من رياضة وصيد ولعبة الرهان) كان لها دور هام في تلوين مجموعة من نصوصه بمحطات من تجاربه الذاتية، وهو الذي يقول، في إحدى مقدماته: «تشكل حياة كل شخص رواية بحد ذاتها».

وتبقى روايته «العجوز والبحر» من بين أهم النصوص التي كتبها همنغواي، وجلبت له المجد والخلود (جائزة بليتزر 1952، وجائزة نوبل 1954) قبل أن يضع حدا لحياته بانتحاره مثل أبيه، مخلفا ثروة أدبية مهمة، وتجارب غنية في الكتابة والحب والزواج والحياة والمغامرات والاستجوابات الشهيرة (استجوابه لتولستوي وتشيتشيران).

أما نص «الوليمة المتنقلة»، فيحكي، ببساطة عميقة، عن ذكريات همنغواي في باريس العشرينات من القرن الماضي، وفي بعض المدن الأخرى التي زارها أو مر بها، انطلاقا من باريس. وهو نص لم يصدر إلا بعد وفاة همنغواي بسنتين، فاهتم به الفرنسيون، كذلك، فترجموه تحت عنوان مغاير، هو «باريس هي حفل» (Paris est une fete). وفي اعتقادي، أن الفرنسيين كان يهمهم، في البداية، إبراز مدينتهم على مستوى العنوان والغلاف، بدل أن يتركوه هكذا مجردا. باريس هاته التي أعجب بها همنغواي أشد إعجاب، فخلدها في واحد من أجمل نصوصه.

وإذا كان لكل كاتب «باريسه»، فإن باريس همنغواي قد تختلف كثيرا عن باريس غيره من الكتاب، بعد كل ما أضفاه عليها من فتنة إبداعية نادرة، بعد كل ما منحته له من نشاط وتوافق مع الحياة. ففيها «عرف فائدة الأقنعة التي تحمي الهوية وتخفي الضعف البشري أمام أعين الآخرين» (جورج مدبك)، بحيث بهرته هذه المدينة ولازمته طوال حياته، على اعتبار أن باريس سنوات العشرينات، شكلت بالنسبة لهمنغواي مكانا مثاليا ومرتعا خصبا للتلقي الأدبي والإبداع والانطلاق نحو الشهرة، كما اعتبرت السنوات السبع التي قضاها فيها ـ الممتدة من 1921 إلى 1926 ـ من أجمل سنوات عمره وأسعدها وأغناها، وهو الذي يقول: «إذا واتاك الحظ بما فيه الكفاية لتعيش في باريس وأنت شاب، فإن ذكراها ستبقى معك أينما ذهبت طوال حياتك، لأن باريس وليمة متنقلة» (إرنست همنغواي، من رسالة إلى صديق عام 1950، في مفتتح النص).

ويمكننا أن نتتبع، في «الوليمة المتنقلة» تبلور العديد من السير، المتوازية والمتجاورة في ما بينها، في المحكي العام. فإلى جانب سيرة همنغواي ـ المشار إليه باسمه الحقيقي في هذا النص ـ الخاصة والعائلية والكتابية، تنحكي سيرة مدينة باريس، القديمة والحديثة، بفضاءاتها المفتوحة والمغلقة (من شوارع وأحياء ومقاه ومطاعم وفنادق وأكشاك ومكتبات ومتاحف وحلبات سباق الخيل وصالونات ومقاه أدبية، ومن أشهرها صالون جرتورد شتاين التي كانت تستضيف فيه أشهر الأدباء والرسامين، ومن بينهم همنغواي نفسه ـ قبل أن تسيء علاقته بها ـ الذي أرَخ لصالونها في وليمته، بعد كل ما قدمته له شتاين من نصائح وتشجيع على الكتابة والخلق والتعبير بشكل أفضل)، وأيضا في تحول فصولها ووصف جغرافيتها ومسالكها. إلى جانب ذلك، يحكي النص عن سير مجموعة من الكتاب والفنانين العالميين الآخرين.

هكذا يقدم لنا همنغواي نصا اسثتنائيا وطافحا بالحياة والمعرفة والمتعة، وغنيا بالمعطيات التاريخية والاجتماعية والأدبية والفنية حول العديد من المحافل والأحداث. كما أنه نص طافح بالحديث عن عادات الأكل والشرب واللباس والسفر، إلى جانب حكيه، أيضا، عن سيرة الكتابة القصصية والروائية، كما كانت تتشكل في تجربة همنغواي، أو في تجارب غيره من الكتاب الآخرين، من الأصدقاء ومن غيرهم، ممن أقاموا بدورهم في باريس. ثم حكيه، أيضا، وبجرأة نادرة، عن فن الرسم في تلك المرحلة، وعن مسألة القراءة والانتشار، وقضاياالنشر والنقد الأدبي.

تلك، إذن، هي باريس همنغواي، كماعاش واشتغل فيها، وكما تنقل داخل فضاءاتها وعوالمها ومقاهيها وحاناتها ومتاحفها، وأيضا كما أثرت في حياته وفي ذاكرته الفنية والأدبية والتاريخية. وكأننا بهمنغواي، في هذا النص، يكتب عن باريس التي كانت، انطلاقا من ذكرياته فيها، وذلك على اعتبار أن جل كتاباته السردية تنبثق، كما قيل بصددها، من حياته هو، ومما اكتسبه من تجارب وخبرات، ومما خاضه من مغامرات مفرحة ومحزنة، ناجحة أو محبطة، ومما قام به من سفريات وجولات وانتقالات بين العديد من الأقطار العالمية، بحكم مهماته ونشاطه الصحافي.

هكذا، نجد أن طبيعة المحكي السيروي الذي يؤطر الفضاء الحكائي لنص «الوليمة المتنقلة» يجعل منه فضاء ينضح بالعديد من الذكريات والأسماء والوجوه والفضاءات والقراءات والكتب والمغامرات، كما يجعل منه نصا بعيدا جدا عن قالب الرواية، كما كتبها همنغواي في النصوص السابقة. فقيمة هذا النص تأتي من طبيعة المادة الحكائية التي يقدمها في سيولة تعبيرية ورشاقة حكائية ممتعة، مستثمرا فترة إقامته في باريس بتفاصيلها الدقيقة، كما سبق له أن فعل ذلك في نص آخر يحكي فيه عن فترات من حياته وتجاربه، كما قضاها في كوبا. وهذا التوجه العام في الكتابة عند همنغواي، هو الذي يؤطر الأسس الجوهرية لنظريته الأدبية التي كونها في سنوات العشرينات بباريس، حيث «إن التخييل عنده يجب أن يتأسس على تجربة شعورية وعلى ثقافة حقيقية».

ومما ساعد همنغواي، في تمثله الدقيق ورصده الباهر لهذه المدينة، في وليمته المتنقلة، كونه يتميز بحس مرهف وبقدرة خارقة على التصوير والوصف والتقاط التفاصيل، الصغرى والجزئية. وفي هذا النص، نصادف العديد من المشاهد التي نخالها تتحرك أمامنا بواسطة كاميرا، وليس بواسطة عين لاقطة وذاكرة حية. ويشكل هذا النص جزءا واحدا فقط عن باريس، كما يشير، إلى ذلك، النص نفسه: «هذه نهاية الفصل الأول من باريس، وباريس لن تكون المدينة نفسها مرة أخرى على الرغم من أنها دائما باريس، ونحن تغيرنا، كما تغيرت» (ص205). ففي تلك الفترة، كما تحكي البيوغرافيات التي صيغت بصدد حياة همنغواي، وكما يروي هو بنفسه في وليمته، كسب همنغواي صداقة كبار الفنانين والكتاب المهمين، كهنري جيمس وإزرا باوند وسكوت فتزجيرالد وفورد مادوكس فورد وبيكاسو.. هؤلاء، حسب ما ورد في «معجم الكتاب» هم الذين مكنوه من نشر أعماله وشجعوه على قراءة كيبلنج وكونراد وستيفان كران وتولستوي وفلوبير وموباسان وستندال. وهؤلاء كذلك هم الذين أثروا في فكره وفنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : الشرق الأوسط

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق