‏إظهار الرسائل ذات التسميات وليم فوكنر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وليم فوكنر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 12 سبتمبر 2016

البدايات المتواضعة لأشهر الأدباء


الخبرات السابقة للكاتب لا تعتبر مضيعة للوقت

د. حمد العيسى




عندما ننظر إلى بعض مشاهير الكتاب في العالم يحسب البعض أنهم ولدوا مشهورين وأثرياء كما نراهم ولكن الحقيقة قد تكون خلاف ذلك كثيرا . يقول المثل الفرنسي «الألم العظيم ينتج عملا عظيما» ونعتقد أن هذا الأمر صحيح تماما في مجال الكتابة كما سنرى عندما نستعرض هنا البدايات الصعبة لبعض عمالقة الأدب في القرن العشرين التي جمعناها بسرعة من هنا وهناك. ولذلك نقول: نعم، إن معرفة البدايات المتواضعة للكتاب الأكثر نجاحا في التاريخ يمكن أن تكون تجربة علاجية لكتاب المستقبل لأن بعض أولئك المشاهير - ويا للعجب - عملوا في وظائف ليست لطيفة ولا مريحة على الإطلاق. وآخرون أثّرت بداياتهم المتواضعة في أعمالهم من شعر أو قصة أو رواية وهو ما يثبت مقولة إنكليزية قديمة وصادقة أصبحت مثل الكليشية: «الخبرات السابقة للكاتب لا تعتبر مضيعة للوقت». دعونا نأخذ جولة سريعة مع عشرة من عمالقة الأدب الحديث وماذا كانوا يفعلون من أجل لقمة العيش قبل شهرتهم: 


(1) جيه كيه رولينغ

بعد حصولها على شهادة البكالوريس في الفرنسية، لم تجد السيدة رولينغ وظيفة سوى سكرتيرة في فرع منظمة العفو الدولية في لندن ثم فقدت تلك الوظيفة المتواضعة واضطرت للعيش على مرتب «الضمان الاجتماعي» للعاطلين حيث عانت من اكتئاب عنيف وكادت أن تنتحر قبل أن تنتهي من تأليف كتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» وهي القصة الأولى من سلسلة هاري بوتر التي صدر منها 7 أجزاء للمؤلفة البريطانية المولودة عام 1965. وهكذا انتقلت رولينغ من قاع الفقر إلى قمة الثراء خلال خمس سنوات فقط. وهكذا دشنت هذه القصة سلسلة روايات نتج عنها إمبراطورية مالية هائلة ومدهشة بعد بيع 450 مليون نسخة تقريبا من كتب رولينغ وإنتاج بعض الأفلام التي حققت أعلى الإيرادات في تاريخ السينما على الإطلاق. 

(2) ستيفن كينغ

قبل نشره رواية «كاري» عام 1974 التي سبق أن رفضت عدة مرات من قبل الناشرين، كان ستيفن كينغ كاتبا محبطا. فبعد تخرجه من الجامعة عام 1970 بشهادة بكالوريوس في اللغة الإنكليزية لم يجد عملا كمدرس كما كان يحلم ولذلك اضطر للعمل فرّاشا في مدرسة ثانوية وكان يمسح الأرض ليكسب ما يسد رمقه. ولذلك، لا عجب أن أطفال المدارس كانت نهايتهم بشعة في رواياته. ولد الكاتب الأمريكي ستيفن كينغ عام 1947 واشتهر بلقب «ملك الرعب» بسبب رواياته التي تندرج ضمن أدب الرعب. وهو حائز على ميدالية مؤسسة الكتاب الوطنية لإسهاماته البارزة في الأدب الأمريكي. أصدر كينغ 49 رواية، و9 مجموعات قصصية، و9 كتب غير روائية وتم بيع أكثر من 350 مليون نسخه من كتبه حول العالم. تحول العديد من قصصه القصيرة ورواياته إلى أفلام سينمائية ناجحة. وحصل على عدد هائل من الجوائز نظير أعماله.

(3) تي إس إليوت

إذا كنت تظن أن الشعر والتمويل البنكي لا يوجد بينهما عامل مشترك، فعليك بإعادة التفكير لأن الشاعر الإنكليزي الأعظم تي. إس. إليوت (1888-1965) عمل موظفا في «بنك لويدز» في قسم حسابات المستعمرات والدول الأجنبية لمدة ثماني سنوات. وقال إليوت إن معظم أبيات قصيدته الخالدة «الأرض اليباب» تبلورت في مشواره من وإلى البنك. ثم ترك «بنك لويدز» ليعمل محررا لدى الناشر «فيبر آند غوير» ثم محررا لدى الناشر «فيبر آند فيبر» وواصل هذا العمل حتى أصبح مديرا للنشر في هذه الدار واستمر فيها حتى تقاعده. حصل على جائز نوبل في الأدب عام 1948. أصدر إليوت 26 ديوانا شعريا، ورواية واحدة، و9 مسرحيات، و44 كتابا أدبيا منوعا. يعتبر بحق أهم شاعر بالإنكليزية في القرن العشرين. تعتبر قصيدته «أغنية حب جي ألفرد بروفروك» تحفة فنية لحركة الحداثة وكان قد بدأها عام 1910 وأنهاها عام 1915.

(4) جيه دي سالينغر

كان مبغضا للناس بصورة أسطورية تصل للعداوة، منعزلا ومزدر ل «الزيف». سالينغر عمل ذات مرة كمقدم لبرامج الترفيه على مسرح سفينة سياحية سويدية فاخرة، ثم عمل في تجارة اللحوم، وربما ألهمت قصته القصيرة «تيدي». جيروم ديفيد سالينغر (1919 -2010) روائي أمريكي اشتهر بروايته «الحارس في حقل الشوفان» التي حققت نجاحا باهرا وصنفت بأنها من أهم روايات القرن العشرين. شارك في الحرب العالمية الثانية. واشتهر بطباعه الانعزالية التي بدأت عام 1953. لم ينشر سالينغر عملاً أدبياً مذ 1965. وكانت آخر مقابلة صحفية له عام 1980. أصدر ثلاثة روايات وخمس مجموعات قصصية وكان يعتبر مصدر إلهام لجيل كامل من الكتاب. باعت كتبه - رغم قلتها - 65 مليون نسخة.

(5) كورت فونيغوت 

قد يتذكره محبو الأدب لأفضل أعماله وهي رواية «المسلخ رقم خمسة»، لكن الخبراء في السيارات قد يفضلون أن يتذكروا فونيغوت كأول مدير معرض لوكالة سيارات «ساب» في أمريكا، في كيب كود في ولاية ماساتشوستس. كورت فونيغت (1922 - 2007) كاتب أمريكي من أصل ألماني مشهور برواياته وقصصه القصيرة وميوله اليسارية . التحق بالجيش الأمريكي عام 1943، وقاتل في الحرب العالمية الثانية. ورغم كونه ملحدا، إلا أنه قال عام 2005، في حوار ردا على سؤال عن رأيه في وصف دبليو بوش للإرهابيين بالجبناء: «أنا أعتبر من يفجر نفسه شجاعا جداً». وعند الضغط عليه للمزيد أضاف: «الانتحاريون يموتون من أجل تحقيق احترام الذات. من الفظيع حرمان شخص ما من احترامه لذاته. إنه مثل اعتبار أن ثقافتك لا شيء، وأصلك العرقي لا شيء، وأنت لا شيء ... واعتقد أنه من النبل والشرف، أن يموت شخص في سبيل ما يؤمن به». أشهر رواياته «المسلخ رقم خمسة» تعتبر مزيجاً من الكوميديا السوداء والخيال العلمي، وتقوم فكرتها على مناهضة الحرب لأنها تؤدي حتماً إلى قتل المدنيين حيث صور فيها قصف الحلفاء الوحشي لمدينة دريسدن الألمانية في الحرب العالمية الثانية حيث قدرت الخسائر البشرية آنذاك فيها بأكثر من 100 ألف مدني. أصدر فونيغوت 14 رواية، و13 مجموعة قصصية، و7 مسرحيات، و5 كتب أدبية منوعة (نقد، حوارات معه، سيرة، فن الكتابة، ...إلخ). 

(6) دوغلاس آدامز

رحلة دوغلاس آدمز من خلال الزمان والمكان وكوميديا كما في روايته الشهيرة «دليل المسافر إلى المجرة» جاءت إليه بينما كان يعمل حارس أمن لفندق في لندن. مما يجعلنا نشك أنه كان ينام فعلا أثناء العمل. دوغلاس نويل آدمز (1952-2001) روائي بريطاني وكاتب درامي إذاعى وموسيقار هاوي. من أشهر أعماله سلسلة روايات «دليل المسافر للمجرة» والتي بدأت كمسلسل إذاعى وتطورت فيما بعد لسلسلة روايات من خمس أجزاء (بيع منها أكثر من 15 مليون نسخه أثناء حياته) وتحولت إلى مسلسل تلفزيوني مبني على القصة وكتاب قصص مصورة ولعبة كمبيوتر وأخيرا فيلم سينمائي اكتمل بعد وفاته. 

(7) جيمس جويس

كان جيمس جويس عاطلا عن العمل لدرجه أنه لم يسعفه سوى صوته الرجولي الذي وفر له وظيفة مؤقتة كتينور Tenor في كورال أوبرالي قبل أن يصبح في نهاية المطاف مؤلفا. والتينور هو نوع من الأصوات الغنائية الرجالية، والذي يعتبر أعلى الأصوات الرجولية في المجال الوسطي. جيمس جويس (1882-1941) كاتب وشاعر أيرلندي وقد وصفت روايته «يوليسيز» (1922) التي قضى 7 سنوات في كتابتها وترجمت إلى العربية بعنوان «عوليس» بأنها «عرض كامل لحركة الحداثة» وتميزت بإتقان جويس فيها لحد الكمال تقريبا تقنية سيل الوعي أو تداعي الذاكرة. وضعته مجلة تايم عام 1999 ضمن أهم 100 شخصية في القرن العشرين لأنه «أحدث ثورة في فن كتابة الرواية». أصدر 3 روايات و3 دواوين شعر ومسرحية و3 كتب تحتوي على رسائله و6 كتب أدبية منوعة. وخضعت أعمال جويس لتدقيق شديد ودراسة من قبل كبار العلماء من جميع التخصصات لتقنيتها العالية. كما كان لها تأثير هام وكانت مصدر إلهام قوي لكتاب كبار مثل صمويل بيكيت، وخورخي لويس بورخيس، وجون أبدايك، وديفيد لودج، وجوزيف كامبل. 

(8) روبرت فروست

حتى الشعراء الكبار مثل روبرت فروست - الحائز أربع مرات على جائزة بوليتزر للشعر - ينبغي أن يبدأ في مكان ما. وفي حالة فروست عمل في مصنع في ولاية ماساشوستس كفني كهرباء حيث كان متخصصا في تغيير المصابيح (اللمبات) المحترقة. روبرت فروست (1874 - 1963) شاعر أمريكي يعتبر في نظر الكثيرين كواحد من أهم الشعراء باللغة الإنكليزية في القرن العشرين. إذ حاز خلال حياته أربع جوائز بوليتزر وهي أرفع جائزة أدبية أمريكية حيث تلقب بنوبل أمريكا. لم يكمل تعليمه الجامعي. يعرف فروست بأسلوبه البسيط والمباشر وبأوصافه المثيرة للمشاعر لمناظر منطقة نيو إنغلند الخلابة شمال شرق الولايات المتحدة. كتب 136 قصيدة صدرت في 31 ديوان، وصدر له 4 مسرحيات، و7 كتب أدبية منوعة (رسائل وحوارات ونقد ...إلخ). 

(9) هاربر لي

بينما كانت تعمل كبائعة تذاكر لخطوط إيسترن الجوية الأمريكية، كانت مشاكل السيدة هاربر لي المالية سيئة للغاية لدرجة أن العالم بأكمله تقريبا لم يستطع «أن يقتل عصفوراً محاكياً». ولحسن الحظ منحها صديقها المؤلف المسرحي في برودواي مايكل براون مارتن رواتبها لمدة سنة مقابل التفرغ الكامل للكتابة ما نتج عنها روايتها الشهيرة «أن تقتل عصفوراً محاكياً». نيلي هاربر لي مؤلفة أمريكية معاصرة ولدت عام 1926 واشتهرت بروايتها الرائعة «أن تقتل عصفوراً محاكياً» To Kill a Mockingbird التي فازت بجائزة بوليتزر عام 1960 وأصبحت من الراويات الكلاسيكية المقررة في المدارس والجامعات العالمية. وهي رواية تتناول قضايا التفرقة العنصرية ضد السود التي عايشتها المؤلفة في الجنوب الأمريكي في مسقط رأسها بولاية ألباما. نالت هاربر لي عام 2007 الميدالية الرئاسية للحرية عن مجمل مسيرتها الأدبية ولكنها رفضت دائما إلقاء الخطب في المناسبات التي تشارك فيها.

(10) وليام فولكنر

قد يكون رسب وانسحب Dropped Out من جامعة ولاية ميس يسيبي، ولكن ذلك لم يجعل مؤلف رواية «الصخب والعنف» ويليام فولكنر يتسكع. حقا لقد اضطر للعمل كمرسول بريد لمدة ثلاث سنوات في مدرسته الثانوية القديمة. ويليام كتبيرت فوكنر (1897 - 1962) روائي وشاعر أمريكي وأحد أكثر الكتاب الأمريكان تأثيراً في القرن العشرين. حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1949 نظير «مساهمته القوية والفريدة في تطوير الأدب الأمريكي الحديث»، كما نال جائزة بوليتزر الأمريكية الرفيعة مرتين عن اثنتين من رواياته (عامي: 1954، و1962). احتلت روايته «الصخب والعنف» المركز السادس في قائمة أفضل 100 رواية في القرن العشرين وشملت القائمة روايتين أخريين له. أصدر 19 رواية، وكتب 125 قصة قصيرة، ومسرحية وحيدة، و6 دواوين شعرية، وكتب 20 سيناريو لأفلام سينمائية.

انتهى

نقلا عن مصادر عديدة منها: «هافينغتون بوست»، و«لوس أنجليس تايمز»، و«صالون دوت كوم» و«غاديان»، و«ويكيبيديا» وغيرها.

ـــــــــــــــــــ

الأربعاء، 13 يوليو 2016

الحوار الأخير مع وليم فوكنر: لا يؤمن بالتقنية .. ولا يوجد شيء اسمه وحي الكتابة

ترجمه: عاصف الخالدي*

تاريخ النشر: 6 يوليو 2016

في صيف العام 1952، وبعد ثلاث سنوات من حصول صاحب المقاطعة الروائية على جائزة نوبل، أجرت جين ستاين حواراً أخيراً مع ويليام فوكنر في مدينة نيويورك. وكان فوكنر أول أمريكي يحصل على جائزة نوبل بعد الحرب العالمية الثانية. فوكنر الذي استطاع النفاذ لعمق الإنسان والمكان في جنوب أمريكا. خاصة في زمن الحرب الأهلية الأمريكية. وأكد ضرورة الكتابة عن الإنسان من الداخل، ومن ثم، كان الروائي الذي اخترع مقاطعة خيالية تدور فيها أحداث رواياته، وهي المقاطعة التي جعلتها أمريكا فيما بعد منطقة حقيقية، بعدما كان الناس والقراء يزورون جنوب الميسيسيبي بحثاً عنها. في علامة نقدية وروائية فارقة على ما يمكن أن تصنعه الرواية من تأثير وتغيير في الواقع.

* سيد فوكنر، أنت تتجنب المقابلات الشخصية، فماذا عنك ككاتب؟
- بالطبع أتجنبها، لأنك لو أردت سؤالي عن شيء شخصي فحتماً لن أجيبك، لأن الإجابة ستتغير بين يوم وآخر. لكن ككاتب، فلو أنني لم أوجد، لكتبني آخرون، مثل هيمنغواي أو دوستيوفسكي. يذكرني هذا بشكسبير الذي يقال إن هنالك ثلاثة كتاب محتملين شاركوه كتابة مسرحياته، لكن الأهم، هو حضور هاملت وحلم ليلة صيف كأعمال خالدة. نص الكاتب أهم منه. لا يعنيني الكاتب، ولو أن كتاباً عظماء مثل بلزاك وسواه عاشوا لألف عام وأكثر، فلا أظن الناشرين سيرحبون بأعمالهم طوال الوقت.
* لكن، حتى لو لم يعودوا يملكون ما يقولونه أو يكتبونه، أليست استقلاليتهم عن العصر تقدم جديداً ما؟. إضافة إلى ذلك، كيف تقيم نفسك ومعاصريك من الكتاب؟
استقلالية الكاتب مهمة، وهي ما تعطي كتابته قيمة مضافة وربما تأثيراً على روح العصر أيا كانت، كل إنسان معني باستقلاليته. أظنني ومعاصري من الكتاب فشلنا جميعاً بأحلامنا نحو الكمال. وهذا جيد بالطبع. إني أقارن نسبة النجاح في الكتابة بمدى اقترابها مما هو مستحيل، وليس بنجاح مطلق لا يمكن أن يتحقق. أعترف أني لو أعدت كتابة أعمالي الآن لكتبتها بشكل أفضل، ضمن شروط أكثر صحية يجب أن تتوفر للفنان. إن الكتابة الروائية بالذات، تحتاج إلى كل شيء، إلى موهبة كبيرة، وعمل كثير، وأحلام لا تتوقف.
*  هل تعني أن على الكاتب أن يكون صلباً بكل شيء، وأن ويتخذ موقفاً من كل شيء؟.
- مسؤولية الكاتب الأساسية هي تجاه فنه. إذا كان الكاتب يملك حلماً ما، فإنه سوف يستمر بقوة تجاه حلمه ولن يتوقف حتى يصل إليه بشكل أو بآخر. ربما يتمتع الكاتب بالسعادة والراحة، أو بالشقاء والحزن، في الحقيقة، وفي كلتا الحالتين يجب أن يسعى تجاه حلمه، الفن لن يهتم أبداً سواء كان الكاتب مرتاحاً أو شقياً. لذا على الكاتب أن يكتب. لا أظن أن الراحة تمنع من إنتاج عمل أدبي مميز، بل العكس، قد تكون الظروف المريحة هي الأفضل، كل هذا متعلق بالكاتب وما يسعى إليه.
*   هل تعتقد أن هنالك بيئة مادية ومعنوية محددة يجب أن تتوفر للكاتب؟
 -  لا أظن الفن معني ببيئة الفنان أيضاً، ولا أقصد هنا ظروفاً مؤثرة في نتاجه الفني والأدبي بشكل مباشر. لو تجنب الكاتب الجوع والتشرد، ووجد سقفاً يؤويه، فإنه لن يحتاج بعد ذلك سوى لقلم وورق حتى يعمل. لا أظن التفرغ الفني والحصول على مال جاهز لأجل أن يقضي الكاتب وقته في الكتابة فقط، هو محفز كافٍ لإنتاج أعمال مميزة.
* هل تستخدم تقنية محددة لتنجز نصوصك كما يجب؟
- لا أؤمن بالتقنية!. وليتصرف الكاتب على أنه جراح أو عامل بناء ما دام يفكر في تقنية ما، وبشكل متعمد. لا أظن أنه توجد ميكانيكية ما لإنجاز عمل روائي. الكتاب الشباب يقعون بخطأ اتباع التقنيات كثيراً، الأفضل لهم أن يتعلموا من أخطائهم. الروائي الجيد يجب أن يعرف أن ما من أحد جيد كفاية حتى يقدم له النصيحة. ولا يقود هذا للتكبر، إنه يقود للاستماع ولكنه يقود إلى الاعتماد على النفس وبذل جهد أكبر تجاه كتابة الرواية.
* إذن، لا تؤمن نهائياً بالتقنية؟
 - في معظم الأحيان، وبلا فائدة ترجى، تستولي التقنية على حلم وفكرة الروائي قبل حتى أن يضع هو يده على النص ويخوض في عمقه. تتحكم التقنية وتفصل عن النص صيغة الحلم والدهشة ومن ثم تضع كل شيء في إطارها هي. كما قد تجبر الروائي على السير بالعمل وإنهائه وفقاً لما تحدده هذه التقنية. حصل هذا معي في روايتي: وأنا أحتضر. احتجت لستة أسابيع قضيت اثنتي عشرة ساعة في كل يوم منها، وأنا أعمل على الشخصيات إذ تخيلتها كلها ضمن تقنية ما ووضعتها جميعاً أمام حدث وقوع كارثة ما مثل زلزال أو فيضان وحاولت دراسة تصرفاتها حيال الأمر. حاولت التحكم إذن، ووضع مسار للشخوص. هذا لم يجد بالطبع، وازداد الأمر صعوبة وجموداً. من الأفضل ترك التقنية، لأن الشخوص سوف تستلم زمام المبادرة في مكان ما من الرواية، وتتحرك وتتصرف من تلقاء نفسها هي. وهذا أكثر عمقاً وواقعية. وهذا سوف يتيح لنا مساحة من التشويق، حيث إننا لو أغلقنا الرواية عند الصفحة 274 مثلاً، فقد نتمكن من التنبؤ بما سوف يحصل في الصفحة 275، لكننا لن نعرف فعلاً ما قد يحدث؛ لأن التقنية لم تتحكم بالأمور وتعطيها ترتيباً ما. لا يحكم الكاتب على عمله من خلال التقنية، يحكم عليه بحرية وبمصداقية، ويتطلع دوماً إلى العمل الذي أثار قلقه أكثر من أعماله الأخرى، بقدرته على عدم التوقع. تماماً مثلما كنت قلقاً مثلاً من شخصية الأم التي أحبت ابنها الذي صار مجرماً ولصاً أكثر من ابنها الذي صار راهباً  في رواية الصخب والعنف. ثم إن شخصية الأم في الرواية كانت لطيفة وكريمة وذكية، في الواقع، لقد كانت أفضل مني كشخص، لذا أحببتها كثيراً.
 * هل تعتمد في كتاباتك على تجارب شخصية، وهل ترى دوراً للوحي في أعمالك؟
-  ليست التجربة الشخصية عاملاً أساسياً ولا محوراً كافياً، لأعدها قيمة أساسية في كتابة الرواية، يحتاج الكاتب لرؤية مميزة وللخيال، ولتجربة شخصية إن كانت تفيده في العمل، في الصخب والعنف، بدأت فكرة الرواية كلها من صورة رأيتها أمامي، من مشهد. فيما بعد، أعدت تخيل الشخوص والحدث ونسجت الأفكار والسرد فيما حولهما. أما الوحي، وحي الكاتب الذي تتحدثين عنه، فلم أسمع به يوماً، لم أقابل هذا الوحي حتى أتحدث عنه. ما تنقصه التجربة الشخصية، يمكن تعويضه بخيال واسع وعميق.
* ما علاقة النقد بالكاتب في رأيك؟
 لا يملك الكاتب وقتاً للاستماع إلى النقد!. ربما يمكن لمن يريد أن يصير كاتباً، يمكن له متابعة قراءات الكتب والنقد حولها. ثم إن النقد ليس موجهاً لشخص الكاتب، إنه موجه لما يكتبه، الكاتب هو جزء بسيط من مادة النقد. وما يكتبه الكاتب من نصوص، هو ما يحرك النقد ويجعله يعمل. على الكاتب أن يكتب بجد. النقد يحرك كل شيء، ما عدا الكاتب الذي ينشغل في الكتابة فقط.
*عاصف الخالدي: روائي أردني.
الترجمة من الإنجليزية، عن مجلة: paris review issue 1958
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: ذوات

الثلاثاء، 12 يوليو 2016

"الصخب والعنف" لويليام فوكنر : إنه عالم ينهار

إبراهيم العريس

تاريخ النشر: 21-02-2012


"أقل ما يمكننا أن نقول عن هذا الكاتب انه رجل أمسك بسر الأدب... وجعل لأميركا أدباً تجابه به الأدب الأوروبي". هذا ما قاله ذات يوم الكاتب الفرنسي ألبير كامو عن زميله الأميركي وليام فوكنر، الذي إذ مات بعد كامو بعامين تقريباً كان من آخر ما قاله عن نفسه:"... ولكنني على رغم كل شيء لم أتمكن من التقاط سر الموت ولا الإمساك بسر الزمن". والحال اننا أمام عمل متكامل وكبير مثل عمل فوكنر الأدبي، لا نجدنا في نهاية الأمر إلا على حيرة من أمرنا في التأرجح بين"سر الأدب"من ناحية، و"سر الزمن والموت"من ناحية ثانية. وما قراءتنا لروايات فوكنر، بعد أكثر من نصف قرن على موته، سوى غوص في هذا التأرجح. وهذا الغوص في حد ذاته انما هو غوص في الجحيم، جحيم الفرد وجحيم الجماعة الذي عبّر عنه فوكنر دائماً، هو الذي كان يحلو له أن يقول انه"بعد كل شيء"لم يكتب في حياته سوى رواية واحدة، بصيغ عدة لا تنتهي، رواية هي محاولة في البحث عن عالم كان هذا الكاتب يشعر انه غريب عنه: عالم لم يعد قائماً، وها هو يبحث عمّن يعيد بناءه. صحيح ان فوكنر تنطّح في نصوصه الى مهمة اعادة بناء هذا العالم، لكنه في خضم قيامه بتلك المهمة، كان دائماً يجد نفسه منشدّاً الى العالم القائم، فيرسمه كما هو ثم يرسم غربته عنه، باحثاً من جديد عن عالم مفقود لـ... يعيد بناءه.
* كان فوكنر جنوبياً في أميركا، وكان يشعر بقوة تحدّره من أسرة ارستقراطية، وكان شخصياً منعزلاً منطوياً على نفسه. وهو في الأحوال الثلاثة هذه ظل غير قادر على الاندماج في شيء. ولعل من يقرأ واحدة من روايات فوكنر الأساسية،"الصخب والعنف"، يتساءل حقاً: ترى لماذا يتعين على شخص ما أن يندمج في مثل هذا العالم؟ في مثل هذه الحال قد يبدو منطقياً أن قول ان رسم فوكنر لعالم"الصخب والعنف"يبدو وكأنه ذريعة لرفض هذا العالم. لقد أعاد فوكنر في أعماله خلق عالم الجنوب الأميركي، وحرّك شخصياته داخل هذا العالم، محمّلاً إياها أقصى درجات السقوط واليأس. والغريب ان هذا أتى - كتابة - في زمن كان فيه الحلم الأميركي لا يزال مشعّاً وواعداً... إذ علينا أن نلاحظ ان كاتبنا هذا نشر"الصخب والعنف"عام 1929، عام الأزمة الاقتصادية المالية الأميركية الكبرى، أي انه كتبها قبل حدوث ذلك الشرخ المريع في الحلم الأميركي. ومع هذا تبدو الرواية وكأنها رواية ذلك الشرخ الكبير.
* رواية"الصخب والعنف"هي، بالطبع، أشهر أعمال وليام فوكنر، حتى وإن كان ثمة من بين الدارسين والنقاد من لا يعتبرها أقوى أعماله فيفضل عليها، مثلاً"نور في آب"أو"فيما احتضر"أو حتى"ابشالوم ابشالوم". غير ان"الصخب والعنف"على رغم آراء هؤلاء تبدو عملاً صامداً قوياً - حتى في ظل صعوبة قراءته - ينتمي الى تلك الحفنة القليلة من الأعمال الروائية الكبيرة التي ظهرت - في أوروبا بخاصة - خلال العقود الأولى من القرن العشرين، بتوقيع جيمس جويس "أوليس"، أو مارسيل بروست "البحث عن الزمن الضائع"، أو سيلين "رحلة الى آخر الليل"، أعمال اخترعت حداثة ذلك القرن، وأعادت الاشتغال على الأدب وعلى موقع الانسان في ذلك الأدب، وعلى مفهوم الزمن تحت وطأة شبح الموت والسقوط المخيّم دائماً. الى مثل هذه الأعمال، لا الى الأدب الأميركي الذي كانت قد باتت له عراقته، وبساطته في الوقت نفسه، تنتمي"الصخب والعنف"إذاً... ما جعل كتاباً يسألون دائماً بصدد الحديث عنها وعن أدب فوكنر في شكل عام: ترى ما الذي راح الموت والزمن يفعلانه في بلاد البساطة؟

* حين نشر فوكنر،"الصخب والعنف"كان في الثانية والثلاثين من عمره وكان قد كوّن لنفسه اسماً أدبياً لا بأس به خلال الأعوام القليلة السابقة، مع نشر"رواتب الجنود"1926 و"بعوض"1927، ثم"سارتوريوس"- أول عمل كبير حقيقي له - عام 1928. وهي رواية كان خيّل اليه حين انجز كتابتها انها هي التي ستعطيه المجد المنشود، لذلك لم يتوان عن تقديم تنازلات، في سبيل قبول الناشرين لها - تتضمن اختصار ربع مخطوطتها الأولية! - ولكن من دون جدوى. وحين ظهرت"الصخب والعنف"على أي حال، بدا واضحاً أن فوكنر عرف أخيراً كيف يصل الى مكانته، إذ سرعان ما تلقفها الكتّاب ليروا فيها، ليس فقط عملاً أدبياً كبيراً، بل أيضاً - وبخاصة -، أولى الروايات التجريبية الحقيقية في الأدب الأميركي: تجريبية من ناحية رسم الشخصيات، ومن خلال اسلوبها السيمفوني الشديد الصعوبة المملوء بأفكار متداخلة متحررة من كل عبودية للغة ومن أي خضوع للمنطق... وتجريبية خصوصاً من ناحية علاقتها بالزمن. إذ على رغم طول الرواية نحو 400 صفحة في الترجمة العربية الرائعة التي قام بها جبرا ابراهيم جبرا، أحد كبار المتخصصين في أدب فوكنر في الساحة الثقافية العربية، نلاحظ انها تروي أحداث حياة وسقوط أسرة بأسرها - وأسرة جنوبية تحديداً تمثل في هبوطها هبوط الجنوب وقيمه كلها في آن معاً -، من خلال التقاط أربعة أيام، لكل يوم منها شخصية ترويه، وتلعب فيه وفي أحداث الأيام الأخرى دوراً أساسياً. وقد صاغ فوكنر روايته هذه بحيث تبدو حكاية كل يوم من هذه الأيام، أشبه بحركة سيمفونية متكاملة. ففي اليوم الأول 7 نيسان/ ابريل - 1928 هناك الحركة الأولى، وأحداث تروى من طريق بنجي بنجامين معتوه عائلة كمبسن. ومنها نقفز الى يوم 2 حزيران يونيو 1910، حيث تطالعنا احداث يرويها كوينتن - الابن الآخر للعائلة - والذي ينتهي به الأمر - في اليوم نفسه - الى الانتحار. وفي الحركة الثالثة هناك يوم 6 نيسان 1928، الذي يرويه لنا جاسن، الأخ الآخر، شرير العائلة ولصّها، والذي لا يحسب للأخلاق أو الحسّ العائلي أي حساب. أما اليوم الرابع فهو 8 نيسان 1928، الذي يقدم لنا في ما يشبه حركة سيمفونية رابعة يلتقط الكلام فيها المؤلف نفسه. صحيح ان الأيام الروائية هنا - أي أيام الأحداث الأساسية تقع في هذه الأيام الأربعة... لكن الرواية من خلالها، وكذلك من خلال تكرار أحداث تروى لنا وهي نفسها بين يوم وآخر، تعود في الماضي نحو مئتي سنة الى الوراء لتروي لنا تاريخ أسرة كمبسن الأسرة الجنوبية ذات المجد الارستقراطي القديم والتي نطالع في الرواية كلها حكاية انهيارها بسقوط الاخوة الثلاثة كوينتن وجاسن وبنجي تباعاً، وبتحول الأخت كانديس الى عاهرة، بل تتقدم الرواية زمنياً، حتى بعد اليوم الأخير في أحداثها الأساسية 8 نيسان 1928 تتقدم حتى عام 1943 لتسمع ان كانديس أضحت، بعد ممارسة العهر طويلاً، عشيقة لجنرال ألماني في باريس...
* انطلاقاً من الأيام الأربعة التي يحددها الكاتب، لدينا هنا حكاية ازدهار وانهيار أسرة اميركية جنوبية، قدمها الكاتب كالكلمات المتقاطعة محطماً زمناً لا وجود له في حقيقة الأمر إلا في ذاكرة شخصيات الرواية... ذلك اننا حين نبدأ في قراءة الرواية سنجد أن كل احداثها وقعت قبل تلك البداية، بحيث ان ما يطالعنا أساساً انما هو تذكّر الشخصيات المعنية لها، وتفاصيل ما تتركه من آثار في نفس هذه الشخصيات.
* وويليام فوكنر 1897 - 1962 حائز نوبل للآداب عام 1950، يعتبر واحداً من كبار الأدباء في القرن العشرين. وقد انطلق أدبه الى العالم كله، معبراً عن أميركا وتعلقه بها، على رغم ان كل هذا الأدب تركز، من ناحية حيّزه الجغرافي، في مكان"وهمي"في الجنوب الأميركي سماه يوكناباتوفا، له عاصمة تدعى جفرسون... وما كان هذان سوى كناية عن ولاية ميسيسيبي الجنوبية وعاصمتها اكسفورد - موطن المؤلف -. والحال ان روايات فوكنر التي تدور احداثها في هذا الحيّز له دائماً نفس"الأبطال تقريباً... وهم أبطال يشبهون الى حد كبير شخصيات مرت في تاريخ أسرة فوكنر نفسها وفي تاريخ الولاية والمدينة. غير ان هذه"المحلية"لم تمنع أدب فوكنر من أن يغزو العالم الخارجي - غير الأميركي - الذي كان فوكنر يعرفه جيداً من خلال تجوال طويل فيه، سبق سنوات شهرته ثم لحقها.
ـــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة اللندنية

alariss@alhayat.com

الأحد، 10 يوليو 2016

قريبا..صدور أعمال وليام فوكنر الكاملة بالعربية

تاريخ النشر: 23 يوليو 2008


دبي: تستعد إحدى دور النشر العربية في دبي لإصدار الأعمال الكاملة للروائي الأميركي وليام فوكنر.

أثّر فوكنر في الروائيين على مستوى العالم، باعتراف روائيين معاصرين كبار. بصمات فوكنر ظاهرة في روايات الروائية الأميركية توني موريسون - حاملة جائزة نوبل للأداب 1993 - التي تخرجت في جامعة “هوارد” في واشنطن بعدما قدمت أطروحتها المعنونة “الانتحار في روايات وليام فوكنر وفرجينيا وولف” كما في روايتي “الجاز” و”الفردوس”.

كذلك يعترف الروائي الكولومبي جابريل جارسيا ماركيز - حائز جائزة نوبل 1982- كما نقلت عنه صحيفة “الجريدة” الكويتية بتأثير فوكنر القوي فيه، يقول ماركيز “اذا كانت رواياتي جيدة فذلك لسبب واحد هو أنني حاولت أن أتجاوز فوكنر في كتابة ما هو مستحيل وتقديم عوالم وانفعالات، يستحيل أن تقدمها الكتابة والكلمات مثل فوكنر، ولكن لم أستطع أن أتجاوز فوكنر أبداً إلا أنني اقتربت منه”.

أيضا قال الروائي البيروفي ماريو فارجاس يوسا أثناء زيارته إلى سوريا: “تأثير فوكنر في أعمالي كبير جداً، وضعه الكثير من كتاب العالم في مصاف كبار القرن العشرين، فهو اخترع نظاماً عالمياً للرواية، وابتكر حبكة جيدة للقصة وأدخل إلى النثر الإثارة والترقب. تشبه عوالم فوكنر عوالم أميركا اللاتينية: مجتمع ريفي فيه الكثير من العناصر الإقطاعية والإثنية، وجعل هذا التقارب الكثير منا يتأثرون به. اكتشفته حين كنت شاباً، انبهرت من طريقته البارعة في تنظيم الحبكة، الزمن المتشابك، طريقته في توليد الأحداث. لا يوجد كاتب من أميركا اللاتينية من جيلي لم يتأثر بشكل مباشر بفوكنر”.

لا يقتصر تأثير فوكنر في الروائيين فحسب، فحين خطب المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية باراك أوباما بخصوص القضية العرقية في الحياة الأميركية، استشهد بعبارة لفوكنر تقول “إن الماضي لم يمت ويدفن، وهو في الحقيقة ليس ماضيا”، وأن يستشهد اوباما بفوكنر فهذا إيماء الى أهمية هذا الأخير. حظيت رواياته باهتمام بالغ في أميركا وخارجها لما لها من تأثير كبير في إبراز حقيقة التناقضات في المجتمع الاميركي خصوصاً في الجنوب، حيث التمييز العنصري والتفاوت الطبقي الحاد والتوتر.

ولد فوكنر قرب أوكسفورد، المسيسيبي عام 1897. كان جده الأول وهو الفريق ويليام فوكنر من الشخصيات القوية التي عرفت في جنوب البلاد. رفضه الجيش الأميركي في الحرب العالمية الأولى، لكنه عمل في ما بعد قبطانا في القوات الجوية الكندية. بعد الحرب درس في جامعة المسيسيبي لفترة من الوقت واشتغل في بعض الأعمال الصغيرة والمتناقضة ليكسب قوته.

ظهرت روايته الأولى “أجر الجندي” عام 1926. تزوج عام 1929، وعمل بصفة وقاد ليلي في محطة للطاقة، وكانت هذه هي الصورة التي هيمنت على روايته “حينما أرقد محتضرا” التي كتبها ليلا بين منتصف الليل والرابعة صباحا. ثم صدرت له رواية “الملاذ” وكتب عددا من السيناريوهات لهوليوود، توفي عام 1962.

حاز جائزة نوبل للآداب عام 1949، وجائزة البوليتزر عن روايته “آل ريفيرز” التي تشبه في بنيتها نموذج الاسكتشات، وتستلتهم أقدار عائلة في مواجهة خاسرة مع مستقبلها ومع التطورات الاجتماعية التي تعصف بالعالم.

من أعماله الأخرى: “ضوء في آب”، “اهبط يا موسى”، “جنازة الراهبة”، “أبشالوم – أبشالوم”.

وتعد روايته “الصخب والعنف” في رأي النقاد “رواية الروائيين”، تركيبها الفني، على صعوبته،

معجزة من معجزات الخيال. وغاية فوكنر في هذه الرواية هي أن يصور انحلال أسرة آل كمبسن،

ضمن الانحلال العام في “الجنوب” الذي يتألف من الولايات المتحدة التي انتعشت على زراعة القطن واستخدمت الزنوج رقيقاً إلى أن اندلعت نيران الحرب، وألغي الرق، وغزا الشمال الجنوب بوسائل شتى وتغيرت معالم الحياة فيه. وهذا التغير، بما فيه من انحطاط أو سموّ، من شهامة أو حقارة،

وبما سبقه أو تلاه من جرائم وصراع وهتك أعراض، هو موضوع فوكنر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: محيط شبكة الإعلام العربية

«الصخب والعنف» درة القرن العشرين النادرة بـ «قصور الثقافة»

شيماء فؤاد

تاريخ النشر: 18 فبراير 2014

صدرت منذ أيام تحفة الروائي الأمريكي الشهير وليام فوكنر، الفائز بجائزة نوبل، رواية “الصخب والعنف”، ضمن سلسلة “الـ100 كتاب”، التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.. في قرابة الأربعمائة صفحة من القطع المتوسط.

“الصَّخَب والعُنف”: دُرَّة الرواية الأمريكية، وإحدى روائع القرن العشرين النادرة. رواية فريدة، عصيةٌ على الاستهلاك، عسيرةٌ على الامتلاك؛ ضد السهولة والتقليدية والخفة في الإبداع والقراءة.

هو تعدد مستويات الوعي، وجغرافيات الشخوص، واللغة، مندمجين في بنية مُركَّبة، لا تعرف التحديد الزمني التقليدي، المستقيم والأفقي ، و مُنح فُوكنر جائزة نوبل على “مساهمته القوية والفريدة فنيًّا في الرواية الأمريكية الحديثة”.

والترجمةٌ جاءت مرهفة تتقصَّى ما وراء السطح اللغوي، دون انتهاك غموضه الإبداعي، وتشابكاته المعقدة، لم يكن بقادر على إنجازها سوى مترجم قدير صبور، له رهافة وثقافة وخبرة المترجم القدير محمد يونس.

كما قدم المترجم للقارئ أول ترجمة عربية لمقال جان بول سارتر عن “الزمن.. في الصخب والعنف”، وثلاثة مقالات لوليام فوكنر نفسه حول الفن الروائي عمومًا، و”الصخب والعنف” خصوصًا.

يذكر أن وليَام فُوكنَر أهم روائي في تاريخ الأدب الأمريكي، وأحد كبار روائيي القرن العشرين (1897-1962). فاز بجائزة نوبل في الآدب (1949)، وجائزة البوليتزر الأمريكية (1962).

و”الصَّخَب والعُنف” (1929) هي فاتحة أعماله الكبرى: “وأنا أرقد محتضرة” (1930)، “الملجَأ” (1931)، “ضوء في أغسطس” (1932)، “أبسالوم، أبسالوم!” (1936)، “النخيل البري” (1939)، فضلاً عن “ال- هاملت”، و”المدينـة”، و”قُداس لراهبة”، وروايات أخرى، وخمس مجموعات قصصية.

المترجم محمَّـد يُونس ليسانس الآداب في الفلسفة، ودبلوم الدراسات العليا في الفلسفة 1970. من ترجماته المنشورة “الماركسية والقيم الإنسانية” للفيلسوف الإنجليزي موريس كورنفورث، و”الفرويديون الجدد” تأليف ف. دوبرينكوڤ، ورواية “حياة وزمن مايكل ك” تأليف ج . م. كوتسي (نوبل عام 2003). وصدرت له- في “آفاق عالمية”- ترجمة “فلسفة الفن” لجوردون جراهام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: محيط شبكة الإعلام العربية

«الصخب والعنف» لوليام فوكنر ... انهيار عائلة

شعبان ناجي

تاريخ النشر: 10 نوفمبر 2015

رواية «الصخب والعنف» المنشورة في سلسلة «المئة كتاب» - الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، بترجمة محمد يونس، هي قطعاً أشهر أعمال وليام فوكنر الحائز نوبل للآداب العام 1950، وإن صدرت له بعدها روايات أكثر أهمية مثل «الملجأ» 1931، و «نور في آب» 1932، و «أبشالوم أبشالوم» 1936. لكن ما يميز «الصخب والعنف»، أنها عمل صامد عسير على الهضم تتعدد فيه مستويات الوعي المركب والشخصيات المعقدة، وهي في المجمل رواية لا تعترف بالزمن التقليدي، وهو الأمر الذي جعل سارتر يتساءل في حديثه عن هذه الرواية: «ما الذي جعل فوكنر يجزئ الزمن في روايته ويمزج هذه الأجزاء بلا ترتيب، ولماذا كانت أول نافذة تفتح على العالم الروائي فيها مروية على لسان شخص معتوه؟».
يُعتبر الروائي الأميركي وليام فوكنر واحداً من كبار الأدباء في القرن العشرين، على رغم أن أدبه ينطلق من بيئة محلية وحيز جغرافي ضيق، وهو الجنوب الأميركي حيث ولاية ميسيسيبي ـ موطن فوكنر. كل رواياته تقريباً تدور أحداثها داخل هذا الحيز الذي يعرفه المؤلف جيداً قبل أن تطبق شهرته الآفاق، كما أن أبطاله يتشابهون في معظم أعماله، وهم في الحقيقة يشبهون إلى حد كبير شخصيات مرت في تاريخ أسرة فوكنر، وفي تاريخ مدينته التي طالما تعلق بها.
عندما صدرت «الصخب والعنف» عام 1929، تلقّفها الكتاب والنقاد معتبرين إياها أولى الروايات التجريبية المغامرة في الأدب الأميركي، وذلك من خلال رسمها الشخصيات وأفكارها المتشابكة المتحررة من كل عبودية لغوية.
الرواية تحكي أحداث انهيار أسرة تعيش في الجنوب الأميركي، وهو ما يمثل انهياراً لهذا الجنوب في قيمه وموروثاته عموماً. تُروى الأحداث في أربعة أيام، وتقوم كل شخصية برواية يوم من هذه الأيام، ولا تكتفي هذه الشخصيات بالحكي، بل تؤثر في أحداث هذا اليوم، وفي أحداث الأيام الثلاثة الأخرى سلباً وإيجاباً، وقد صاغ فوكنر روايته هذه بحيث تبدو الحكايات الأربع كحركة دائرية سيمفونية متكاملة الأركان. فمثلاً، في اليوم الأول «7 أبريل 1928»، توجد الحركة الأولى من خلال أحداث يرويها «بنجامين»، معتوه عائلة «كمبسن» المكونة - إضافة إلى الأب - من الزوجة كارولين وأربعة أبناء من ضمنهم «بنجامين» الذي كانت حياته تقوم على ثلاثة أشياء: الأول هو المرعى المملوك للأسرة، والذي بيع من أجل زواج الأخت «كانديس»، والثاني: حبه الجارف لهذه الأخت منكودة الحظ، والتي وقعت في الخطيئة وأنجبت طفلاً أسمته «كوينيكن»، ثم تزوجت من شاب يعيش في «أنديانا»، لكنها طلقت منه بعد أقل من عام واحد على الزواج، لتتزوج بعد ذلك من رجل يعمل في مجال السنيما في هوليوود، لكنها سرعان ما طلقت منه باتفاق بينهما في المكسيك ثم تختفي عن الأنظار بعد ذلك.
أما الشيء الثالث الذي تقوم عليه حياة «بنجامين»، فهو «ضوء النار» الذي يعتبره مرادفاً للأخت الحبيبة، والذي كان يراه متجسداً في المواقد التي كانت تصنع بدورها أشكالاً براقة تظهر له عندما يخطفه النعاس.
في الحركة الثانية، نقفز هابطين إلى يوم «2 يونيو 1910» حيث تطالعنا أحداث مأسوية يرويها «كوينتين» - الابن الآخر للعائلة - الذي كان يعاني على الدوام من فوبيا الموت، والذي استسلم له غريقاً في نهر في مدينة كامبريدج.
في الحركة الثالثة، نقفز صاعدين مرة ثانية وذلك مع يوم «6 أبريل 1928»، حيث يروي جاسن، «شرير العائلة» الذي لا يحسب للأخلاق أي حساب، فقد سرق ابنة أخته وقام بخصي أخيه المعتوه، ثم تخلّص منه نهائياً بعد موت الأم.
عند الحركة الرابعة ومع يوم «8 أبريل 1928»، يقفز المؤلف نفسه إلى سطح الأحداث ليروي لنا تاريخ أسرة «كمبسن»، تلك الأسرة الجنوبية ذات المجد الأرستقراطي القديم، والتي تنهار بسقوط الإخوة الثلاثة «كوينتين وبنجامين وجاسن» تباعاً، ثم بتحول الأخت كانديس إلى عاهرة لعدد من الرجال، كان آخرهم جنرال ألماني يعيش في باريس.
وانطلاقا من تلك الأيام الأربعة التي قدمها الكاتب مثل الكلمات المتقاطعة محطماً زمناً لا نجد له وجوداً في الأصل، اللهم إلا في ذاكرة أبطال الرواية، لأننا قد نحسّ بالفعل عند قراءة الرواية أن أحداثها ربما تكون وقعت قبل تلك البداية بزمن ليس بالقصير.
ونستطيع القول إن «الصخب والعنف» من الأعمال الروائية التي تتشابه مع الأعمال التي لمعت مع بدايات القرن العشرين، مثل «البحث عن الزمن الضائع» لمارسيل بروست، و «عوليس» لجيمس جويس، وهي أعمال اخترعت حداثة هذا القرن، وأعادت الاشتغال على الأدب وعلى موقع الإنسان من هذا الأدب، وكذا على مفهوم الزمن تحت وطأة شبح السقوط الذي يجهز علينا دائماً.
بعد الانتهاء من قراءة «الصخب والعنف»، نكتشف أن الرواية متحققة تماماً في «الحركة الأولى» التي روى أحداثها «بنجامين»،
لكن عندما قام فوكنر بكتابة الحركات الثلاث الأخرى وذلك على حدّ زعمه لشرح القسم الأول وتوضيحه، حوَّل الرواية ومن دون قصد إلى حسبة لوغاريتمية.. هل كان يهرب من تأثير كتابات فلوبير، وكونراد، وتورجنيف عندما أضاف هذه الحركات؟
الإجابة هي أنه لم يستطع الهروب في شكل كبير، فقد ظل تأثير هؤلاء موجوداً في صورة ما في الحركة الأولى من الرواية، وهو ما يؤكده فوكنر نفسه عندما اعترف بأنه حينما شرع في كتابة هذه الرواية لم تكن لديه خطة على الإطلاق. «الصخب والعنف» هي رواية انهيار الجنوب الأميركي الذي وصفه وليام فوكنر بأنه عجوز انسحبت من عينيه لمعة الحياة والتفاؤل، وذلك نتيجة ما تركته الحرب الأهلية من مآسٍ، وكوارث اقتصادية، واجتماعية ونفسية.
ــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة اللندنية