‏إظهار الرسائل ذات التسميات ريموند كارفر Raymond Carver. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ريموند كارفر Raymond Carver. إظهار كافة الرسائل

السبت، 9 يوليو 2016

الكاتدرائية - قصة للكاتب الأميركي ريموند كارفر

ترجمة: عبد الكريم بدرخان


الرجل الأعمى، وهو صديق قديم لزوجتي، كان قادماً لقضاء الليلة عندنا. تُوفيتْ زوجتُه منذ فترة، ولذا كان في زيارةٍ عند أقرباء زوجته في "كونيتيكيت". اتصلَ بزوجتي من بيت حميه، واتفقا معاً، بأنْ يسافر بالقطار في رحلةٍ تستغرق خمس ساعات، بينما تنتظره زوجتي في المحطة. لم ترهُ زوجتي منذ أنْ كانت تعمل عنده في "سياتل" قبل عشرة أعوام، لكنها بقيتْ على تواصلٍ معه، إذ كانا يسجّلانِ أشرطةً صوتيةً ويتبادلانها عبر البريد. لم أكنْ متحمّساً لزيارته، فهو رجلٌ لا أعرفه أبداً، ولكونه أعمى فقد أزعجني أكثر. كلُّ ما أعرفه عن العميان اكتسبتُه من خلال مشاهدة الأفلام، وفي الأفلام يتحرّك العميانُ ببطءٍ ولا يضحكون أبداً، وأحياناً يهتدون في سيرهم بمساعدة كلابٍ غير عمياء. رجلٌ أعمى في منزلي! لم يكن شيئاً أرغب به.

ذات صيفٍ في "سياتل"، كانت زوجتي بحاجةٍ إلى عملٍ لكونها مفلسةً، ولأنّ الرجل الذي كانتْ تنوي الزواج به عند نهاية الصيف؛ ما زال طالباً في مدرسة الضباط، أي مفلساً أيضاً. لكنها كانت تحبّه، وهو يحبّها...إلخ. لمحتْ إعلاناً في الجريدة: "نرجو المساعدة – القراءة لرجل أعمى" مع رقم الهاتف، فاتصلتْ وذهبتْ لزيارته، وحصلتْ على الوظيفة فوراً، وعملتْ عند الأعمى طوال الصيف. لقد قرأتْ له كتباً ودراساتٍ اجتماعية وتقارير صحفية وغيرها، وساعدتْهُ في تنظيم مكتبه الصغير في دائرة الخدمات الاجتماعية، ثم أصبحا صديقين مقرّبين، نعم.. زوجتي والرجل الأعمى. كيف عرفتُ هذه الأشياء؟ هي من أخبرني بذلك، بل أخبرتْني أكثرَ من ذلك، ففي آخر يومٍ من عملها عنده، طلبَ الأعمى أنْ يلمس وجهها، فوافقتْ! وأخبرتْني أنه مرّر أصابعه على كامل أجزاء وجهها، حتى أنفها ورقبتها!، كما أنها حاولتْ أن تكتبَ قصيدةً عن ذلك، فهي دائماً تحاول أن تكتب قصيدة، وكانتْ تكتب قصيدة أو قصيدتين كل عام، غالباً بعد حدوثٍ أمرٍ مهمّ في حياتها.

عندما بدأنا نخرج معاً – أنا زوجتي، أرتْني القصيدة، في القصيدة كانت تسترجعُ أصابعَهُ والطريقةَ التي مرّرها بها على كامل وجهها، وفي القصيدة أيضاً تصفُ مشاعرها في تلك اللحظات، وما جالَ في ذهنها عندما كان الأعمى يلمسُ أنفها وشفتيها. أذكرُ أنني لم أُعِـرْ اهتماماً للقصيدة، بالطبع لم أخبرْها بذلك، ربما لأنني لا أفهمُ الشعر، وعادةً لا أمدُّ يدي إلى كتبِ الشعر عندما أنوي القراءة.

المهمّ؛ ذلك الرجل الذي استمتعَ بجمالها قبلي، والذي سيصبحُ ضابطاً، كان حبيبها منذ أيام الطفولة. أقولُ ذلك لأشير أنه في نهاية الصيف الذي سمحتْ به للأعمى أنْ يلمسَ وجهها، ودّعتِ الأعمى وتزوّجتْ حبيبَ الطفولة... إلخ، والذي غدا ضابطاً رفيعاً وانتقلت معه من "سياتل"، لكنها بقيتْ على اتصالٍ بالأعمى، فأجرتْ أول اتصالٍ به بعد سنة، ذات ليلةٍ من قاعدة القوى الجوية في "آلاباما"، يومها كانتْ بحاجةٍ لشخصٍ تُـسِـرُّ له، فتحدّثا وطلبَ منها أنْ ترسلَ شريطاً مسجّلاً تروي فيه تفاصيل حياتها الجديدة، وفعلاً أرسلتْ شريطاً تتحدثُ فيه عن زوجها وتفاصيل حياتهما في الجيش، وأخبرت الأعمى إنها تحبّ زوجها، لكنها لا تحبّ مكان إقامتهما، ولم ترتحْ لعمله في الصناعات الحربية، وأخبرت الأعمى أنها كتبتْ قصيدةً، وكانت القصيدة عنه، وأنها ستكتب قصيدةً عن معاناة زوجة ضابط في القوى الجوية.

سجّل الأعمى شريطاً صوتياً أيضاً، وأرسله لها، فردّتْ عليه بشريطٍ آخر، واستمرّ هذه الحالة لسنوات. كان ضابطُ زوجتي ينتقل من قاعدة عسكرية إلى أخرى، وكانت زوجتي ترسل الأشرطة المسجّلة من عدّة قواعد للقوى الجوية، منها: "مودي- ماك غواير- ماك كونيل" وآخرها قاعدة "ترافيس" قرب سكرامنتو، حيث كانت تشعر بالوحدة الشديدة والعزلة عن الناس، وبالضيَاع وسطَ حياةٍ دائمة التنقل، لدرجةٍ لم تعدْ تحتملُ فيها انتقالاً آخر، يومها ابتلعتْ كلَّ حبوب الأدوية الموجودة في خزانة الأدوية المنزلية، وشربتْ زجاجةً من الجِـنّ، ثم أخذتْ حمّاماً ساخناً، فأُغميَ عليها.

وبدلاً من أنْ تموت، مرضتْ فقط. ضابطُها (وما حاجتُه إلى الاسم؟ لقد كان حبيبها منذ أيام الطفولة، فماذا يريد أكثر؟) عاد إلى البيت من مكانٍ ما، فوجدها على حالتها تلك واتصل بالإسعاف. وعلى الفور سجّلتْ كلَّ ما حدث معها على شريط، وأرسلتْه إلى الأعمى، كعادتها خلال السنوات الماضية، تسجّلُ كل شيءٍ على أشرطةٍ وترسلها إليه. وبالإضافة إلى كتابتها لقصيدةٍ كل سنة، كانت الأشرطة وسيلتَها الأساسية للتسلية. في أحد الأشرطة أخبرتِ الأعمى أنها قرّرتِ العيش بعيداً عن ضابطها لفترةٍ من الزمن، في شريطٍ آخر أخبرته بطلاقها. بعد ذلك بدأنا نخرج معاً، ومن المؤكّد أنها أخبرت الأعمى بذلك، فهي تخبرهُ بكل شيء أو هكذا يبدو لي. مرةً طلبتْ مني أنْ أسمعَ آخر شريطٍ أرسله الأعمى، كان ذلك منذ عامٍ تقريباً، وأضافتْ أنني مذكورٌ في التسجيل. أحضرتُ مشروباً وجلسنا في غرفة المعيشة جاهزين للاستماع، في البداية وضعتِ الشريط في المسجّلة وعدّلتْ مفاتيحَ الصوت، ثم بدأ شخصٌ ما بالحديث بصوتٍ عالٍ، فأخفضَتْ صوتَ المسجّل. وبعد دقائق من الثرثرة البريئة سمعتُ اسمي على شفتيّ الغريب، حين قال: "لم أكنْ أعلم، ومن خلال كلّ ما قلتِه عنه، يمكنني فقط أنْ أسنتنتج..."، وعندها ثمة من قاطَعنا، ربما قُرعَ جرسُ الباب أو حدث أمرٌ آخر، ومن بعدها لم نعُدْ لمتابعة الشريط. ربما كان ذلك أفضلَ بالنسبة لي، فقد سمعتُ كل ما أريد سماعه.

والآن، الرجلُ الأعمى نفسه، قادمٌ لينام في منزلي!.
قلتُ لزوجتي: "ربما آخذهُ معي لنلعبَ البولينغ"، كانت تطهو البطاطا بالصلصة في المطبخ، فوضعت السكينَ من يدها، والتفتتْ إليّ وقالت: "إذا كنتَ تحبّني.. فـقُـمْ بواجبه من أجلي، وإذا كنتَ لا تحبّني.. فحسناً، لكنْ لو كان عندكَ صديق، أيُّ صديق، وجاءَ لزيارتنا، كنتُ سأقوم بواجبه على أكمل وجه".
قلتُ: "لكنْ ليسَ عندي أصدقاءٌ عميان"، فجفّفتْ يديها بمنشفة الأطباق وصاحتْ: "أنتَ لا تملكُ أيَّ أصدقاءٍ أصلاً"، وأضافت: "اللعنة! لقد تُوفيتْ زوجته منذ فترة، ألا تفهم؟ الرجل فقدَ زوجته!".

لم أجبْها، وراحتْ تحدّثني عن زوجة الأعمى، اسمها بيولا، بيولا! إنه اسمٌ لامرأةٍ سوداء، فسألتُ: "هل كانت زوجته زنجية؟"
- "أنتَ مجنون؟ هل فقدتَ عقلك فجأةً؟!"
التقطتْ زوجتي حبّة من البطاطا، ضربتْ بها الأرض ثم تدحرجتْ تحت الفرن، وقالت: "ما مشكلتك؟ هل أنتَ سكران؟!"
- "إنه مجرّد سؤال".
بعد ذلك أخبرتني زوجتي عن تفاصيل أكثرَ بكثيرٍ مما كنتُ أودُّ سماعه، فسكبتُ كأساً وجلستُ على طاولة المطبخ مُستمعاً، وبدأتْ شظايا القصّة تتساقطُ في أرجاء المكان.

ذهبتْ بيولا للعمل عند الرجل الأعمى بعد أنْ تركتْ زوجتي العملَ عنده، وبعد فترةٍ قصيرةٍ تزوّجتْ بيولا والأعمى زواجاً كنسياً، كان حفلُ زفافهما صغيراً (من سيذهبُ إلى زفافٍ كهذا أصلاً؟)، حيث اقتصر حضورُ الحفل على الزوجين، بالإضافة إلى القسّ وزوجته. لكنه كان حفل زفافٍ كنسيّ كالعادة، وكما كانت بيولا تريدُه حسبَ قول الأعمى. وبالرغم من أنّ بيولا كانت مصابةً بسرطان الغُدد، إلا أنه وبعد ثماني سنواتٍ من ارتباطها مع الأعمى (سـمّـتْـهُ زوجتي "ارتباطاً")، تدهورتْ صحّتُها سريعاً، وتوفيتْ في إحدى غرف مشفى "سياتل"، حيثُ كان الأعمى جالساً قربَ سريرها ممسكاً بيدها. لقد تزوّجا، عاشا وعملا معاً، ناما معاً (وبالتأكيد مارسَا الجنس)، وبعدها صار على الرجل الأعمى أنْ يدفن زوجته. حدثَ كلُّ ذلك دون أن يستطيع يوماً رؤية وجهِ زوجته المسكينة، كان هذا فوق قدرتي على الاستيعاب، وبسماعي لهُ أحسستُ ببعض الأسى على الأعمى. ثم بدأتُ أفكّر بالحياة التعيسة التي عاشتها تلك المرأة، تصوّرْ امرأةً لم تستطعْ أنْ ترى نفسها في عيون الرجل الذي يحبُّها، امرأةً تعيشُ يوماً بعد يومٍ دون أنْ تسمعَ كلمة غزلٍ واحدةٍ من حبيبها، امرأةً لا يستطيع زوجها قراءةَ تعابير وجهها، يا لها من مأساة!. امرأةً يمكنها أنْ تتبرّج أو لا تتبرّج دون أن يختلف شيءٌ بالنسبة لزوجها، يمكنها أنْ تضع ظِـلّاً حول عينٍ واحدةٍ فقط، ودبوساً غريباً في فتحة أنفها، قد ترتدي بنطالاً أصفرَ وحذاءً أحمرَ، لا فرق!. ثم خطفها الموتُ ويدُ الأعمى فوق يدها، وعيناهُ العمياوان تسكبان الدموع - أتخيّلُ المشهد الآن-، ربما كان آخرَ ما فكّرتْ به وهي على عربة الموتى، أنه لم يعرفْ يوماً كيف يبدو شكلُها. وتركتْ زوجَها وحيداً، لا يملكُ سوى عقد تأمينٍ محدود، ونصفَ قطعةٍ نقديةٍ من فئة العشرين بيسو المكسيكية، أما النصفُ الثاني من القطعة نفسها، فقد بقيَ معها في التابوت، يا للبؤس!.

عندما حان الموعد، ذهبتْ زوجتي إلى محطة القطار لتجلبه معها، فجلستُ وحدي منتظراً، فلا شيء عندي في هذه الحالة سوى الانتظار الذي ألومُ الأعمى عليه بالتأكيد. كنتُ أشربُ كأساً وأشاهد التلفاز عندما سمعتُ سيارةً تقف أمام المنزل، نهضتُ من الأريكة حاملاً كأسي بيدي، واتجهتُ إلى النافذة لألقي نظرة.

شاهدتُ زوجتي تضحكُ وهي تركنُ السيارة، ثم رأيتُها تخرج من السيارة وتغلق الباب، وما زالت الابتسامةُ مرسومةً على وجهها، مذهل!. ثم استدارتْ حول السيارة باتجاه الجانب الآخر، حيثُ كان الأعمى يتهيّأ للنزول. كان الرجلُ الأعمى - تخيّلْ ذلك- يرتدي لحيةً عملاقة!، لحيةٌ فوق رجلٍ أعمى! هذا كثير. اتجه الأعمى إلى المقعد الخلفي وسحب حقيبته من عليه، أمسكتْ زوجتي بذراعه وأغلقتْ باب السيارة، مشيَا من مصفِّ السيارات إلى الرواق الأمامي للبيت، وهما يتحدثان طوال الطريق. أنهيتُ شرابي وغسلتُ الكأس وجففتُ يدي، ثم اتجهتُ إلى باب البيت.

قالتْ لي زوجتي: "أريدكَ أنْ تتعرّف على روبرت"، وقالتْ له: "هذا زوجي يا روبرت، حدثتكَ عنه"، كانت تبتسمُ وهي تمسكُ بذراع الأعمى.
وضع الأعمى حقيبته أرضاً، مدّ يده إليّ، أخذتُها.. فعصرَها بقوّة، وبقي ممسكاً بيدي لبرهةٍ ثم أفلتها. وزمجرَ قائلاً: "أحسُّ وكأننا التقينا من قبل". قلتُ: "وأنا أيضاً" فلم يكنْ عندي شيءٌ آخر لأقوله، ثم قلتُ: "أهلاً وسهلاً، سمعتُ كثيراً عنك". وشرعنا المسيرَ إلى غرفة الجلوس، زوجتي تقودهُ من ذراعه بينما يحمل حقيبته بيده الأخرى، كانت زوجتي تقول أشياء من قبيل "إلى اليسار روبرت، أحسنت، الآن انتبهْ فهنالك كرسيّ، نعم هنا، اجلسْ هنا على الأريكة، لقد اشترينا هذه الأريكة منذ أسبوعين".

كنتُ أودُّ الحديث عن الأريكة القديمة، فقد كانت غاليةً عليّ، لكنني لم أقل شيئاً. ثم أردتُ الحديث عن المناظر الطبيعية التي يشاهدُها المسافرُ بالقطار على طول نهر "هودسون"، فعندما تسافر إلى نيويورك يجب أنْ تجلس في الجانب الأيمن من القطار، وعندما تعود يجب أن تجلس في الجانب الأيسر. سألتُ: "هل كانتْ رحلتُكَ بالقطار موفقةً؟ وبالمناسبة، في أي جانبٍ من القطار كنتَ جالساً؟".

ردّتْ زوجتي: "يا لهُ من سؤالٍ يُسأل! وما الفرق في أي جانبٍ كان؟"
- "مجرّد سؤال".
قال الأعمى: "في الجانب الأيمن، لم أركب القطار منذ قرابة أربعين عاماً، يومها كنتُ طفلاً يسافر مع أهله، كان ذلك منذ زمن بعيد، حتى أني نسيتُ ذاك الشعور، فالشتاءُ يغزو لحيتي في هذا العمر، هكذا يقولون لي. على كلّ حال هل أبدو مميزاً يا عزيزتي؟"
أجابت زوجتي: "أنتَ حقاً مميّز يا روبرت، روبرت.. ما أسعدني برؤيتك يا روبرت!". وأخيراً رفعتْ زوجتي عينيها عن الأعمى ونظرتْ إليّ، أحسستُ أنها لم تكنْ راضيةً عمّا بدرَ مني، فهززتُ لها كتفيّ بلا مبالاة.

لم ألتقِ، ولم أعرف بشكلٍ شخصيّ، رجلاً أعمى من قبل. هذا الأعمى كان في أواخر العقد الرابع من عمره، بديناً.. أصلعَ.. بأكتافٍ منحنيةٍ وكأنه يحمل وزناً ثقيلاً فوقها، لابساً بنطالاً بنيّاً وحذاءً بنيّاً، وقميصاً بنيّاً فاتحاً مع ربطة عنق، كان أنيقاً حقاً، وأيضاً كان يرتدي تلك اللحية العملاقة. لكنه لا يحمل عكازاً ولا يضع نظّارةً سوداء، لطالما ظننتُ أن النظاراتِ السوداء فَرضٌ على العميان. في الحقيقة، تمنّيتُ لو يضعُ نظارةً سوداء، حين نظرتُ في عينيه لأوّل مرةٍ؛ بدتْ لي مثل عيون جميع الناس، لكن إذا أمعنتَ النظرَ تلحظ الاختلاف في عينيه، فهما شديدتا البياض، وتلحظُ البؤبؤ وهو يدورُ في محجر العين دون معرفة صاحبه بذلك، ودون أنْ يقدر على إيقافه، وكأنه لا يحسُّ به. عندما حدّقتُ في وجهه رأيتُ بؤبؤ العين اليسرى يتّجه نحو الأنف، بينما يحاول بؤبؤ العين اليمنى البقاءَ في مكانه جاهداً، لكنها مجرّدُ محاولة، إذ سرعانَ ما تابع تجواله في العين دون معرفة الأعمى أو إرادته.

سألته: "سأحضّرُ الشراب، أيّ نوعٍ تفضّل؟ عندي تشكيلةٌ من كافة الأنواع، وهذه إحدى هواياتي"، فأجاب بسرعةً وبنبرةٍ عالية: "صديقي، ويسكي استكتلندية"، قلتُ: "حسناً يا صاح، لقد عرفتُ ذلك".
مدّ يده إلى حقيبته المتكئة جانب الأريكة، وكأنه يحاول تحديد الاتجاهات لينهضَ ويسير، لم ألُـمْه على ذلك. قالت زوجتي: "سوف أحملُ حقيبتك إلى غرفتك في الأعلى"، فأجاب: "لا عليكِ، سآخذها معي حين أصعد إلى الأعلى". سألتُ: "هل تريد بعض الماء مع الويسكي؟".

- "القليل القليل".

- "فهمت".

وأردف قائلاً: "القليل من الماء فقط، لأن الممثل الإيرلندي باري فيتزجيرالد، وهو صديقي العزيز، يقول عندما يراني أمزجُ الويسكي بالماء: يومياً نشرب الماء، لكن عند الويسكي، أريدها ويسكي فقط". ضحكتْ زوجتي وحدَها من هذه النكتة السَمِجة، رفع الأعمى لحيته بيده، ثم تركها تنزلُ ببطء.

حضّرتُ المشروب، ثلاث كؤوس كبيرة من الويسكي مع رشّةٍ ماءٍ في كلٍّ منها، جلسنا باسترخاءٍ وتحدثنا عن أسفار روبرت، أوّلها الرحلة الجوية الطويلة من الساحل الغربي إلى "كونيتيكيت"، ثم من "كونيتيكيت" إلى هنا بالقطار، وسكبنا كؤوساً جديدة.

تذكّرتُ أنني قرأتُ ذات يوم، أنّ الأعمى لا يدخّن، وقد فسّرتُ ذلك بكونه لا يستطيع رؤية الدخان الذي ينفثه، أعتقد أنه الشيء الوحيد الذي أعرفه عن العميان. لكنّ هذا الأعمى دخّن سيجارته حتى عقبها، ثم أشعل واحدةً أخرى، إلى أنْ ملأ منفضة السجائر، فقامت زوجتي لإفراغها.

جلسنا على طاولة العشاء مع كؤوس جديدة، ملأتْ زوجتي طبقَ روبرت بشرائح اللحم، والبطاطا المطهية بالصلصة، والفاصولياء الخضراء، وقد أعطيتُه أنا رغيفين من الخبز المدهون بالزبدة. رشفتُ من كأسي وقلت: "الآن.. دعونا نصلّي"، أخفضَ الرجلُ الأعمى رأسه، نظرتْ إليه زوجتي فاغرةً فمها. فقلتُ: "دعونا نصلّي ألّا يرنّ الهاتف، وألّا يبرد الطعام".

انغمسنا في الطعام، أكلنا كلَّ شيءٍ قابلٍ للأكل على الطاولة، أكلنا وكأنه آخرُ يومٍ لنا في الحياة. لم نتحدث، كنا نأكل فقط، كنا منهمكين بالطعام بشكلٍ جدّي. وكان الأعمى يأكل من طبقه الموضوع أمامه، ويعرف تماماً مكانَ كلِّ صنفٍ في الطبق، شاهدته بإعجابٍ وهو يتناول اللحمَ بالشوكة والسكين، يقطع قطعةً من اللحم، يأكلها بالشوكة، يُتبعها بالبطاطا ثم الفاصولياء، وبعدها يأكل قطعةً من الخبز المدهون بالزبدة، ويختمُ هذه السلسلة بجرعةٍ كبيرة من الحليب.

أنهينا كل شيء، بالإضافة إلى نصف فطيرة الفراولة، وجلسنا منهكين لعدة دقائق، والعرقُ يتصبّب من وجوهنا، ثم نهضنا عن الطاولة تاركينَ بقايا المائدة المتسخة وراءنا، ودون أيّ التفاتٍ إلى الخلف، اتجهنا إلى غرفة الجلوس عائدين إلى أماكننا. جلسَ روبرت وزوجتي على الأريكة، بينما جلستُ على الكرسيّ الكبير، وشرعا يتحدثان عن الأمور المهمّة التي لم يتحدثا عنها بشكلٍ كافٍ خلال السنوات العشر الماضية، كنتُ مستمعاً معظم الوقت، ثم قررتُ المشاركة بالحديث لكي لا يظنّ الأعمى بأني غادرتُ الغرفة، أو تشعر زوجتي بأنني أصبحتُ شخصاً هامشياً. كانا يتحدثان عن الأشياء التي حدثت معهما –فقط هما- خلال عشر سنوات، انتظرتُ أنْ أسمع اسمي على شفتيّ زوجتي العذبتين، كأن تقول: "ثـمّ دخل زوجي العزيز إلى حياتي"، لكنني لم أسمع شيئاً من هذا القبيل، واستمرّ الحديث عن روبرت. يبدو أنّ روبرت هذا اشتغل في مختلف المجالات، ويبدو بارعاً في كل الأعمال، وكان آخرُها عندما عمل مع زوجته في شركة دولية للتسويق، ومنها –كما فهمتُ- كانا يؤمّنان مصاريفَ حياتهما (إذا اعتبرناها حياةً). الرجل الأعمى أيضاً، كان يعمل مذيعاً في إذاعة للهواة، وحدّثنا بصوتهِ الجهور عن الحوارات التي دارتْ بينه وبين زملائه في الإذاعة، بعضُهم من الفيليبين، وآخرون من آلاسكا، وأيضاً من تاهيتي، وقال إنه يملك العديد من الأصدقاء في حال رغبَ بزيارة تلك المناطق. بين الفينة والأخرى كان يدير وجهه إليّ، يضع يده على لحيته ويسألني شيئاً مثل: منذ متى وأنت على رأس عملك؟ (ثلاث سنوات)، وهل تحبّ عملك؟ (لا)، هل ستبقى فيه؟ (وهل لديّ خياراتٌ أخرى؟)، وأخيراً عندما شعرتُ أنه ذاهبٌ إلى النوم، أشعلتُ التلفاز.

نظرتْ زوجتي إليّ بحنق، كادتْ أنْ تنفجر من الغضب، ثم نظرتْ إلى الأعمى وقالت: "روبرت، هل عندك تلفاز؟"، فأجاب: "عزيزتي، عندي اثنان، تلفازٌ ملوّن وتلفازٌ قديمٌ بالأبيض والأسود. ومن المضحك أنني عندما أشعل التلفاز، وهو دائماً مشعلٌ عندي، فإنني أشعلُ التلفاز الملوّن. مضحكٌ! أليسَ كذلك؟"
لم أعرف ما أقول، لم يكن عندي شيءٌ لأقوله، ولا أيُّ رأي. ولذا تابعتُ نشرة الأخبار، وحاولتُ الإصغاء لما يقوله المذيع.

"هذا تلفازٌ ملوّن" قالها الأعمى وأضاف: "لا تسألني كيف عرفتُ ذلك".
قلتُ: "اشتريناه منذ فترةٍ قريبة".
شرب الأعمى كأساً أخرى، أمسكَ لحيته ورفعها، اشتنشقها ثم أفلتها، انحنى على الأريكة، وضع منفضة السجائر على طاولة القهوة، أشعلَ سيجارةً، أرجع ظهره إلى الخلف واضعاً رجلاً على رجل.
وضعتْ زوجتي يدها على فمها وتثاءبت، تمطّتْ قليلاً وقالت: "أعتقد أنني سأصعد إلى الأعلى وأرتدي ثوب النوم. روبرت.. تصرّفْ وكأنك في منزلك"، فقال الأعمى: "أنا مرتاحٌ هكذا"، ردّت: "أريدكَ أن تشعر بالراحة حقاً"، فأجاب: "إني مرتاحٌ حقاً".

بعد أن غادرتِ الغرفة، استمعتُ مع الأعمى إلى النشرة الجوية ثم الأخبار الرياضية. لقد أطالتْ زوجتي غيابها، ولم أكنْ أعلم إنْ كانت ستعود أم لا، حسبتُ أنها قد نامت، وتمنّيتُ لو تعود بسرعة، لأني لا أريد البقاء وحيداً مع رجلٍ أعمى. سألتُه إذا كان يرغب بكأسٍ أخرى، فأجاب: "بالتأكيد"، ودعوته لتدخين سيجارة ماريوانا معي، فقال: "سأجرّب بعضها معك"، قلت: "عظيم! هذا ما أريد".

أحضرتُ كأسين وجلستُ بجانبه على الأريكة، ثم لففتُ لكلينا سيجارتي ماريوانا عريضتين، أشعلتُ واحداً ووضعتُه بين أصابعه، فأخذه وعبَّ منه. قلتُ: "استنشقْ بأكثرَ مما تستطيع"، أحسستُ أنه لا يجيد تدخين الماريوانا.

عادت زوجتي إلى غرفة الجلوس، لابسةً ثوب النوم الوردي، وخفَّ النوم الوردي. قالت: "ما هذه الرائحة؟!"، فقلتُ: "قررنا تجريب بعضٍ من الماريوانا". ألقتْ زوجتي نظرتها المتوحشة عليّ، وقالت للأعمى: "روبرت، لم أكنْ أعلم أنك تدخّن الماريوانا"، فأجاب: "إني أدخّنها الآن، إنها المرة الأولى، لكني لم أشعر بتأثيرها بعد". وهنا تدخّلتُ: "هذا النوع ممتعٌ جداً، ومعتدلٌ أيضاً، إنه من النوع الذي يبقيكَ صاحياً، ولا يشوّش الذهن"، فقال: "لا يبدو كما تقول"، وضحك.

جلستْ زوجتي على الأريكة بيني وبين الأعمى، أعطيتُها سيجارة الماريوانا فسحبتْ منها وأعادتها إلي، وقالت: "إلى أين نحن ماضون؟ لا ينبغي أنْ أدخّن من هذا، فأنا بالكاد أستطيعُ إبقاء عينيّ مفتوحتين، هذا العشاء قضى عليّ، كان من الأجدر ألّا آكل كثيراً".

"هذا بسبب فطيرة الفراولة"، قالها الأعمى وتابع: "الفطيرةُ قضتْ عليكِ"، وضحكَ ضحكته المزمجرة التي تنتهي باهتزازاتٍ من رأسه. قلتُ: "بقيَ القليلُ من فطيرة الفراولة"، وأضافتْ زوجتي: "هل تريد المزيد يا روبرت؟"، فأجاب: "ربما بعد قليل".

عدنا لمشاهدة التلفاز، تثاءبتْ زوجتي مرةً أخرى وقالتْ: "السرير جاهز إذا أردتَ النوم يا روبرت، أعرف أنكَ أمضيتَ يوماً طويلاً، وعندما تودّ النوم أخبرنا"، هزّتْـهُ من ذراعه وصاحتْ: "روبرت!".
صحا من غفوته وقال: "لقد أمضيتُ وقتاً رائعاً، يفوق كل الأشرطة المسجّلة، أليس كذلك؟"، فقلتُ: "هذا عائدٌ إليك"، وضعتُ السيجارة بين أصابعه، استنشقها بعمقٍ ثم أطلق غمامةً، بدا لي وكأنه يدخّن الماريوانا منذ أن كان في التاسعة من عمره.

قالتْ زوجتي: "سأبقى جالسةً بينكما، وعيناي مغمضتان، إذا كان هذا لا يزعجكما، وعندما تنزعجانِ أخبراني، وإذا لم يحدثْ ذلك سأبقى جالسةً بعينين مغمضتين إلى أنْ تقرّرا الذهاب إلى النوم". ثم قالتْ لروبرت: "سريرك جاهزٌ في الغرفة المجاورة لغرفتنا في الطابق العلوي"، وأغلقتْ عينيها ونامت.
انتهى البرنامج الإخباري فغيّرتُ القناة، تمنّيتُ لو لم تكنْ زوجتي متعبةً بهذا الشكل، رأسُها متّكئٌ على كتف الأريكة، فمُها مفتوح، ثوبُـها منحسرٌ عن ساقيها كاشفاً فخذاً شهيّاً، مددتُ يدي وغطّيتُ ساقيها، بعد أنْ تأكّدتُ أنّ الأعمى لا يراني، ماذا بحقّ الجحيم! لقد انكشفَ فخذُها مجدّداً.

قلتُ: "هل أنتَ متعبٌ؟ هل تريدني أنْ آخذكَ إلى السرير؟ هل أنتَ جاهزٌ للنوم؟"
"ليس بعد، سأبقى معك يا صاح، سأبقى معكَ حتى تقرّر أنتَ الذهاب إلى النوم. لم تسنحْ لنا الفرصةُ للكلام، تعرفُ ما أعنيه، أحسُّ أننا - أنا وهي- احتكرنا كامل الأمسية". رفعَ لحيته بيده ثم تركها تهوي، وتناول علبة السجائر والولاعة.

قلت: "رائع! إني سعيدٌ برفقتك"، وربما كنتُ فعلاً كذلك، فكلَّ ليلةٍ أدخّن الماريوانا وحدي، وأبقى صاحياً لأطول فترةٍ أقدر عليها ثم أخلدُ إلى النوم. من النادر أنْ أذهبَ مع زوجتي إلى النوم بنفس الوقت، وحين أنامُ تزورني تلك الأحلام الشريرة، فأستيقظُ بسببها كالمجنون.

كان التلفاز يعرضُ شيئاً ما عن الكنيسة والعصور الوسطى، لم يكن برنامجاً تافهاً كما أحبّ، أردتُ مشاهدة شيءٍ آخر، قلّبتُ بين القنواتِ فلم أجدْ شيئاً يصلُح للمشاهدة، ولذا عدتُ إلى القناة الأولى واعتذرت. قال الأعمى: "لا عليكَ يا عزيزي، أنا سعيدٌ بكل الأحوال، أيّ شيءٍ تريد مشاهدته سيكون جيّداً بالنسبة لي، فأنا أتعلّم من كل شيء، التعلُّم لا ينتهي، لنْ يضرّني أنْ أتعلّم شيئاً جديداً هذه الليلة، لا تنسَ.. لديّ أذنان".

لم نقلْ شيئاً لبرهةٍ من الزمن، كان الأعمى منحنياً إلى الأمام، وأذنه اليمنى تتجه إلى مصدر الصوت. بين الفينة والأخرى كانتْ أجفانُـه تتدلّى فوق عينيه، ثم يرفعها بحركةٍ سريعة، يمسكُ لحيته ويشدّها، وكأنه يفكّر بما يسمعه من التلفاز.

على شاشة التلفاز، كان بضعةُ رجالٍ يرتدون القلانس، يتعرّضون للتعذيب من قبل رجالٍ يرتدون هياكل عظمية، ورجالٌ يلبسون ما يوحي بأنهم شياطين، الرجالُ الشياطين كانوا يلبسون أقنعةَ الشيطان ذات القرون، والأذيال الطويلة. هذا العرضُ كان جزءاً من كرنفال، وقال المذيع الإنكليزي الذي يعلّق على المشهد؛ إنّ ذلك يحدث في إسبانيا مرةً كل عام. حاولتُ أنْ أشرح للأعمى ما يحدث، فقال: "هياكل عظمية، أعرف الهياكل العظمية"، ثم أومأ ونام.

كان التلفاز يعرض كاتدرائيةً واحدة، ثم ثلاث كاتدرائيات طوال، وبعدها انتقل المشهدُ إلى تلك الكاتدرائية الشهيرة في فرنسا، بعوارضها الطائرة وأبراجها الممتدة حتى السحاب، انسحبتْ الكاميرا لتُظهر الكاتدرائيةً كاملةً وهي تغفو على خطّ الأفق.

في بعض الفترات، كان المذيع الذي يعلّق على المشاهد؛ يصمت تاركاً الكاميرا تتجول بين الكاتدرائيات، وأحياناً في الأرياف المجاورة، مُظهرةً رجالاً يسيرون خلف الثيران في الحقول. انتظرتُ لأطول مدة ممكنة، ثم شعرتُ بضرورة أنْ أقول شيئاً، فقلتُ: "إنهم يعرضون الكاتدرائيات من الخارج الآن، نوافير المياه، تماثيل صغيرة منحوتة على شكل وحوش. أعتقد أنهم في إيطاليا الآن، نعم إنها إيطاليا، فهنالك لوحات على جدران الكنيسة". سألني: "هل هي لوحات جصّية؟"، ثم رشفَ من كأسه. مددتُ يدي إلى كأسي فوجدتُها فارغة، حاولتُ أن أتذكّر ما عليّ تذكُّره: "تسألُني إنْ كانتْ هذه اللوحات جصّية؟ إنه سؤال وجيه، لكني لا أعرف".

انتقلت الكاميرا إلى كاتدرائية قرب لشبونة، لا توجد فروقٌ كبيرة بين الكاتدرائيات البرتغالية والكاتدرائيات الفرنسية والإيطالية، لكنها موجودة، ومعظمُ الفروق في التصميم الداخلي. ثم خطرَ شيءٌ في بالي فقلتُ: "يخطرُ لي شيء، هل تملكُ أدنى فكرةٍ عمّا تكون الكاتدرائيات عليه؟ هل تعرف كيف تبدو؟ هل تفهمُ عليّ؟ إذا ذكرَ أحدُهم كلمة "كاتدرائية" أمامك، فهل لديكَ أيُّ تصوّر عمّا يتحدث؟ هل تعرف الفرق بين الكاتدرائية والكنسية؟ قُـلْ!".

نفثَ الدخان من فمه بشكلٍ متقطّعٍ وقال: "أعرف أنها تحتاج مئات الرجال، وخمسين أو مائة سنة حتى يتمّ بناؤها"، لقد سمعتُ هذا للتوّ، أعرف أنّ أجيالاً من نفس العائلة عملوا على بناءِ كاتدرائيةٍ واحدة، سمعتُ هذا من المذيع أيضاً، الرجالُ الذين بدأوا حياتهم في بنائها؛ لم يعيشوا إلى زمنٍ يرونَ فيه اكتمال ما بنوه. وفي هذه النقطة، هم لا يختلفون عنا بشيء، صحيح؟"، ضحكَ الأعمى وتدلّى جفناه على عينيه، وبدا وكأنه يأخذ قيلولة، وربما يتخيّل نفسه في البرتغال.

كان التلفاز يعرض كاتدرائيةً في ألمانيا، والمذيع يتابع السرد بصوته الرتيب. "كاتدرائيات!" قالها الأعمى وهو يستيقظ ويحرّك رأسه إلى الأمام والخلف: "في الحقيقة يا عزيزي، كلُّ ما أعرفه عن الكاتدرائيات هو ما قلتُه قبلَ قليل، وقد عرفتُه من المذيع. لكنْ هل تصف لي إحداها؟ أتمنّى أنْ تفعل ذلك، سأحبّ ذلك، فأنا لا أملكُ فكرةً جيدةً عنها". حدّقتُ طويلاً في الكاتدرائية المعروضة على الشاشة، كيف أبدأ بالشرح؟ لكنْ فلْأقُـلْ إنّ حياتي متوقفةٌ على ذلك، فلْأقُـلْ إنّ حياتي مهدّدةٌ من قِبل شخصٍ مجنون، أمرَني بأنْ أصفَ لهُ الكاتدرائية أو أموت.

"إنها تمتدُّ إلى الأعلى، عالياً جداً حتى السماء، إنها كبيرةٌ جداً، لبعضِ الكنائس دعائم كبيرة تحفظ لها تماسكها، يمكن قول الكثير من الأشياء، الدعائم تسمّى عوارض، إنها تذكّرني بالجسور لسببٍ ما، لكنكَ ربما لا تعرفُ ما هي الجسور أيضاً؟ أحياناً يكون في الكاتدرائية شياطينُ منحوتةٌ أمامها، أحياناً تماثيل لملوكٍ وسيّدات، لكنْ لا تسألني لماذا". كان الأعمى يهزّ برأسه، بل إن الجانب العلوي من جسده كان يتحرّك للأمام والخلف. قلتُ: "إني لا أجيدُ الشرح، أليس كذلك؟"، توقّفَ عن الاهتزاز، وحنى جذعه إلى الأمام ليصغي إليّ، مرّر أصابعه داخل لحيته. لم أستطعْ إيصال الفكرة له، بدا ذلك واضحاً، لكنه انتظرني لكي أتابع الشرح على نفس المنوال، أومأ ليْ وكأنه يشجعني، فكّرتُ بشيءٍ آخر يمكن قوله: "الكاتدرائيات كبيرة جداً، إنها عملاقة، مبنيةٌ من الحجارة، ومن الرخام أحياناً. في ذلك الزمن الذي بُنيتْ فيه الكاتدرائيات؛ أرادَ الناسُ أن يكونوا على مقربةٍ من الله، في تلك الأيام البعيدة؛ كان الدين جزءاً أساسياً من حياة كل إنسان، يمكنكَ معرفةُ ذلك من الكاتدرائيات التي بنوها. أعتذر؛ فهذا كل ما أستطيع فعله لك، فأنا لا أجيد الشرح".

قال الأعمى: "هذا جيّد يا عزيزي، اسمعني، آملُ ألا تمانع أنْ أطلب منكَ شيئاً، هل لي أنْ أطلب منك؟ دعني أسألكَ سؤالاً بسيطاً، نعم أم لا؟ إني رجلٌ فضوليّ فحسب، ولا أقصد الإساءة، دعني أسألكَ هل أنت - بطريقةٍ ما- رجلٌ مؤمن؟ لنْ تغضب إذا سألت؟!". أومأتُ له برأسي لكنه لم يرَ ذلك، فالغمزُ بالعين هو نفسُ الإيماءة بالنسبة للأعمى: "أظنُّ أني لستُ مؤمناً بأي شيء، أعتذرُ إذا كان كلامي قاسياً، أتفهمني؟"

- "بالتأكيد".

تابع المذيع سرده للمشاهد، بينما تنهّدتْ زوجتي أثناء نومها، ثم أخذتْ نفساً عميقاً وواصلت النوم. قلتُ: "سامحني لأني لا أستطيعُ إخباركَ كيف تبدو الكاتدرائية، ربما لا أملكُ هذه الموهبة، ولا أستطيع فعلَ أكثر مما فعلت". بقيَ الأعمى صامتاً لدقائق ورأسه منحنٍ إلى الأمام مصغياً إليّ، فقلتُ: "في الحقيقة، الكاتدرائيات لا تعني شيئاً مهمّاً بالنسبة لي، إنها أشياء تشاهدها في نهاية السهرة التلفزيونية، هذا كلّ شيء عنها، هذا جوهرُها". ابتلعَ الأعمى ريقه، أخرجَ منديلاً من حقيبته، ثم قال: "فهمتُ عليكَ يا صديقي، لا عليك، يحدثُ هذا عادةً، لا تقلقْ"، وأضاف: "هل تخدمني بشيء؟ خطرتْ في بالي فكرة، لماذا لا تجلبُ ورقةً كبيرة وقلماً؟ سوف نصنعُ شيئاً، سوف نرسمُ كاتدرائيةً معاً، أحضرْ قلماً وورقةً كبيرة، هيّا بسرعة، أحضر الأشياء".

صعدتُ إلى الطابق العلوي، أحسستُ بساقيَّ وقد خارتْ قواهما، أحسستُ بتعبٍ وكأنني كنتُ أركضُ لمسافةٍ طويلة. أجلتُ نظري في غرفة زوجتي، وجدتُ بضعة أقلامٍ في سلّةٍ صغيرةٍ على الطاولة، ثم تساءلتُ أين سأجدُ الورقة الكبيرة التي طلبها الأعمى؟. في المطبخ الواقع في الطابق السفلي، وجدتُ كيساً ورقياً فيه بقايا من قشور البصل، أفرغتُ الكيس ونفضتُه، أخذتُ الكيس معي إلى غرفة الجلوس، وجلستُ على الأرض قرب ساقيّ الأعمى. نظّفتُ الطاولة، فردتُ الثنياتِ التي كانت في الكيس، ومددته على طاولة القهوة.

نهض الأعمى من الأريكة وجلس بجواري على السجادة، مرّر أصابعه على الورقة من الأعلى إلى الأسفل، ثم على الجوانب، وعلى الزوايا الأربع أيضاً، وقال: "حسناً، لنبدأ العمل". تلمَّسَ يدي التي تمسكُ بالقلم، أغلقَ قبضته على يدي، وقال: "ابدأ يا صديقي، ارسُمْ، سوف ترى كيف سألحق بيدك، سيكون عملاً جيداً، فقط ابدأ كما أقول لك، ارسُمْ".

وهكذا بدأتُ، في البداية رسمتُ مربّعاً يشبه البيت، قد يكون بيتاً عشتُ فيه سابقاً، ثم وضعتُ للبيت سقفاً، وعلى طرفيّ السقف رسمتُ بُرجين عاليين، يا للجنون!. خلال ذلك كان الأعمى يقول: "ممتاز، رائع، أنت تقوم بعمل عظيم. لم تحلُمْ أنّ شيئاً كهذا قد يحدثُ معكَ طوال حياتك، أليس كذلك؟ في الحقيقة الحياةُ غريبة، جميعنا يعرف هذا. تابعْ، أبدعْ". أضفتُ نوافذَ مقنطرة، رسمتُ العوارضَ الطائرة، وعلّقتُ أبواباً ضخمة، لم أكنْ أستطيع التوقف عن الرسم. انتهى بثُّ القناة التلفزيونية، وضعتُ القلم جانباً، أغلقتُ أصابعي وفتحتُها. وضع الأعمى يده على الورقة، مرّر رؤوسَ أصابعه على الخطوط التي تركها القلم، ثم هزّ برأسه: "عملٌ رائع!".

التقطتُ القلم ثانيةً، أمسك الأعمى بيدي، وتابعنا الرسم، لستُ رسّاماً جيداً، لكني تابعتُ بنفس الطريقة. فتحتْ زوجتي عينيها وحدّقتْ بنا، كانت على الأريكة وما زالتْ ساقاها مكشوفتان، وقالت: "ماذا تفعلان؟ أخبراني، أريد أنْ أعرف". لم أجبْها، فقال الأعمى: "إننا نرسمُ كاتدرائية، نعمل كلانا عليها"، ثم قال لي: "اضغطْ بقوة، هذا جيّد، نعم رائع. طننتَ أنكَ لا تستطيعُ فعلَ ذلك، لكنكَ استطعت، أليس كذلك؟ أنتَ الآن تطهو على نارٍ هادئة، أتفهمُ ما أقول؟ سوف ننجزُ عملاً هاماً بعد دقيقة، انسَ ذراعكَ القديمة، ضعْ قليلاً من الناس في الداخل، فما قيمةُ الكاتدرائية من دون الناس؟!".

قالت زوجتي: "ما الذي يحدثُ يا روبرت؟ ماذا تفعلان؟ ما الذي يجري هنا؟!". فأجابها: "كلُّ شيء على ما يرام"، ثم قال لي: "أغـلِـقْ عينيكَ الآن"، ففعلتُ وأغلقتُهما كما طلب. وأضاف: "هل هما مغمضتانِ حقاً؟ لا تغشّ!".

- "إنهما فعلاً مغمضتان".
- "أبقيهما كذلك، ولا تتوقفْ، تابع الرسم".

تابعنا الرسم معاً، أصابعُه تركبُ فوق أصابعي، بينما تسيرُ يدي على الورقة. كان ذلك شيئاً لم يحدث معي طوال حياتي. ثم قال: "أعتقدُ أننا نجحنا، لقد فعلتها!، انظرْ إليها الآن، ما رأيك؟".

لكنّ عينيّ ما زالتا مُغلقتين، اعتقدتُ أنه يجب عليّ إبقاؤهما مغمضتين لفترةٍ أطول، أحسستُ أنه أمرٌ واجبٌ عليّ. قال الأعمى: "حسناً، هل أنتَ تنظر الآن؟".

أبقيتُ عينيّ مغمضتين، كنتُ في بيتي، أعرفُ ذلك، لكنني لم أشعرْ أنني في أيّ مكان، وقلتُ: "إنها حقاً جميلة!".
هوامش
* مصدر القصة:
• Carver, Raymond. Cathedral, New York: Knopf (1983).

* ريموند كارفر (Raymond Carver): أبرز كاتب قصة قصيرة أمريكي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ولد في الولايات المتحدة عام 1938 وتوفي فيها عام 1988، ومن المجموعات القصصيّة التي أصدرها: "رجاءً هل تصمت؟" 1976، "ما نتحدّث عنه عندما نتحدّث عن الحبّ" 1981، "الكاتدرائية" 1983، "الفيل" 1988. بالإضافة لكونه شاعراً أصدر ثماني مجموعاتٍ شعرية، وكاتب سيناريو للأفلام السينمائية. يُلقبّه بعض النقاد بـ "تشيخوف واشنطن".


المصدر : قصة "الكاتدرائية"

حدّة العين القارسة

إسماعيل غزالي

نشرت في 9 أبريل 2012


قاص من طراز خاص، يندر حفيف عبوره المدوي في الكتابة السردية، مثل الطيور الجارحة التي لا تعمر طويلاً في حياتها، وتترك أثر مخالبها الغائرة في ذاكرة الغابة، لم يتجاوز الخمسين عاماً، كما لم يشرع في الكتابة إلاّ متأخرا وقد جاءها من الباب الخلفي للحياة، عبر تجربة فادحة من العنف والقساوة التي خبرها في أكثر من حرفة امتهنها، عاملاً في منشرة الخشب وحارساً ليلياً لمستشفى وسائق شاحنة .

إنه القاص الأمريكي ريموند كارفر، الذي عدّه الكاتب الياباني هاروكي موراكامي أستاذاً أثيراً له، بل جعل أحد عناوين كتبه حول الركض عما أتحدث عندما أتحدث عن الركض منحولاً عن عنوان لمجموعة قصصية لكارفر موسومة ب عم أتحدث عندما أتحدث عن الحب؟ .

تجدر الإشارة إلى أن عنوان هذه المجموعة الأصلي هو: مبتدئون، ومحرر كارفر المدعو ليش هو من غيّره وتصرف حتى في نصوص المجموعة بشطب الكثير من الجمل والفقرات، وهذا ما شجبه كارفر ورفضه بشدة رغم صدور المجموعة ونجاحها .

صاحب أسلوبية المينيماليزم، كما وسمه النقد، يكتب قصة ذات منأى عن الترهلات، جافة بكل ما تعنيه الكلمة من رشاقة وليست محض تقشف، وعارية بكل ما تستنزفه الدلالة من حدّة وليس محضت هشاشة . خرط صوره الإنسانية بنصل خياله في مملكة السرد وكان ابناً ضالاً فتح للقصة جيباً من جيوب هامشها الكوني على التجربة الحافية لكائن الملهاة اليومية ومسرح العيش المحتدم .

في قصة ثلاث زهرات صفر، يفاجئنا ريموند كارفر، باختيار مستحب لشخصية أنطون تشيخوف موضوعاً حكائياً، ويقف بتخييله المدهش عند تفاصيل الأيام الأخيرة في حياته، أثناء مرضه المزمن بالسل، ومعه كانت الزوجة والممثلة أولغا، حيث استقر بهما المآل في بادنفايلر قريباً مدينة بال الألمانية .

تصور القصة التداعيات الهذيانية لحالة تشيخوف وردود أفعال من حوله، وتعتمد في تناولها الجسور حواشي من يوميات الممثلة أولغا، وكذلك رسائل تشيخوف إلى أمه وأخته وبرقيات الصحافيين وجملة من اعترافاته إلى زوجته أولغا .

تنجح القصة في تأثيث فضائها السردي باستيلاد حكاية ثانية للطبيب شفورر، ثم ثالثة وهي لحظة الألمعية التي ينضج فيها النص، مع ظهور الصبي الخادم في الفندق، بطلب من الطبيب عبر هاتف الغرفة كي يحمل أفخر زجاجة مشروب، مع ثلاث كؤوس، كانت فكرة ملهمة منه ليشرب الثلاث: أي تشيخوف المحتضر والطبيب والزوجة نخب موته بعد أن استعصى مرضه ودخوله في غيبوبة .

يعاود الصبي الحضور مرة ثانية بعد مغادرة الطبيب الذي منحه قطعاً نقدية، وهو يحمل مزهرية بثلاث ورود صفر، الأمر الذي تستغرب له أولغا، فهي لا تتذكر أنها طلبت منه ذلك .

وبعد أن يعجز الصبي في استمالة انتباهها، وهي شاردة في موت زوجها القاص الشهير، سيسترعي انتباهه شخوص عينيها على سدادة زجاجة المشروب، الملقاة على السجادة، ويحاول أن يلتقطها بصعوبة لأنه مايزال يحمل المزهرية .

وحين تخبره بأن يأتيها بأشهر وأمهر دفّان موتى في البلدة، عندها يدرك أن الشخص الملقى من دون حركة في الغرفة المقابلة قد مات .

تمنحه أوراقاً مالية أخرى وتنبهه بصرامة إلى ما يجب أن يفعله من أجلها وبحرص مفرط، يحمل الصبي المزهرية معه، وهو يفكر في كل حرف نبسته بصوت مهموس ويهدي المزهرية لدفّان الموتى، على عتبة بابه، فيما يفكر في سدادة زجاجة المشروب .

رقم ثلاثة يتكرر في القصة بشكل وظيفي، ويخلق شبكة تأويلية مجانبة لكل اعتباطية، بدءاً بثلاث زهرات في العنوان، ثم ثلاث كؤوس، وثلاث دورات لعقرب الساعة عندما كان تشيخوف يحتضر إلى نقرات مطرقة الباب البرونزية الثلاث إلخ .

هذه الثلاثية العلاماتية تتحقق معها بلاغة ثلاثية فنية داخل النص، لامعة هي: بلاغة التصوير السينمائي، بلاغة الحد الأدنى للقول، بلاغة التخييل المدهش .

لعل الخلاصة الدامغة، هي أن القصة وردة محبة من كارفر إلى أيقونة القص الكوني: تشيخوف .

التوصيف المدهش ورسم الأشياء بنظرة جافة واستقصاء الأشياء العادية والكتابة بلغة مشذبة تؤسس لشعرية الاختزال (المينيماليزم) هي الخصائص القوية لصاحب طرق مختصرة التي تحولت إلى فيلم على يد روبرت ألتمان . اختصار الطرق هذه يمكن أن ينسحب على فرادة أسلوبيته وجماع ميكانيزمات اشتغال نصوصه، نصوص بإحداثيات لا يمكن أن ينجزها بحدّةِ صقْرٍ إلا عين قارسة كتلك التي يمتلكها نحّات القساوة: ريموند كارفر .

ــــــــــــــــــــــــــ

لماذا يا صغيري؟ -قصة- ريموند كارفر

ترجمة : محمد عبد النبي



سيدي العزيز:
فوجئتُ للغاية عند ما تلقيتُ رسالتك التي تستفسر فيها عن ابني، كيف عرفتَ بمكاني هنا؟ لقد انتقلتُ إلى هنا قبل أعوام، بعد أن بدأت الحكاية. لا أحد يعرف هُنا مَن أنا، لكني أظن أن الأمر سواء، فأنا لا أخشى إلا منه هو. عندما أنظر إلى الصحف أهز رأسي وأتعجب. أقرأ ما يكتبوه عنه وأسأل نفسي هل هذا الرجل هو ابني حقاً، أهو من يقوم فعلاً بتلك الأشياء؟ 
كان صبياً طيباً باستثناء نوبات غضبه وأنه لم يكن بوسعه أن يقول الحقيقة بالمرة. لا يمكنني أن أقدم لك أي أسباب. بدأ الأمر ذات صيف بعد احتفالات الرابع من يوليو، كان على وشك أن يتم الخامسة عشر من عمره. اختفت قطتنا ترودي وظلت غائبة طوال الليل والنهار التالي. في المساء جاءتني السيدة كوبر التي تسكن وراءنا، لتقول لي إن ترودر قد زحفت إلى باحتهم الخلفية في تلك الظهيرة نفسها لتمت هناك. قالت إن ترودي كانت ممزقة الجسم، ولكنها تعرفت عليها. وقام السيد ترودي بدفن الرفات.
قلتُ لها: ممزفة، ماذا تقصدين؟
رأى السيد كوبر صبييت يضعان المفرقعات النارية في أذني ترودي وفي ذلك الموضع الآخر الذي تعرفينه. حاول أن يوقفهما ولكنها هربا راكضين. 
مَن؟ من ذلك الذي يُقدم على فعلة كهذه؟ هل رأى من كانا؟ 
لم يتعرف على الصبي الآخر، ولكن أحدهما جرى في هذا الاتجاه، ويظن السيد كوبر أنه كان ابنك. 
هززتُ رأسي. كلا، هذا غير ممكن، إنه لن يقوم بشيءٍ كهذا، كان يحب ترودي، وترودي كانت جزءاً من الأسرة لسنوات، كلا، لم يكن هذا ابني. 
أخبرته بأمر ترودي ذلك المساء وتصرف كالمندهش المصدوم وقال إن علينا الإعلان عن جائزة. دقّ شيئاً ما على الآلة الكاتبة ووعد بتعليقها في المدرسة. ولكن بينما كان متوجهاً لغرفته تلك الليلة قال لا تغتمي لهذا الأمر يا أمي، لقد كانت عجوزاً، حسب أعمار القطط يمكن أن تكون بلغت 65 أو 70 سنة، لقد عاشت عمراً طويلاً. 
التحق بعمل خلال فترة ما بعد الظهيرة وأيام الآحاد، كصبيٍ يجلب المؤن والبضائع في متجر هارتلي. أخبرتني صديقةٌ تعمل هناك، اسمها بيتي ويلكس، بشأن الوظيفة، وقالت إنها سوف تزكيه بكلمة. ذكرت له أمر الوظيفة في المساء نفسه فقال هذا جيد، من الصعب أن يجد الشبان الصغار عملاً.
الللية التي كان سيحصل فيها على أول راتب له أعددت له طعامه المفضل وكان كل شيءٍ جاهزاً على المائدة حين دخل. وصل رجل البيت، هكذا قلت واحتضنته. أنا فخورة بك للغاية، كم بلغ أجرك يا صغيري؟ قال، ثمانون دولاراً. أصابني الذهول. هذا رائع، يا صغيري، إنني لا أستطيع أن أصدق. قال إنني ميت من الجوع، فلنأكل. 
كنتُ سعيدة، لكنني لم أستطع أن أستوعب الأمر، فقد كان المبلغ يفوق ما أكسبه أنا. 
وأنا أجمع الغسيل المتسخ وجدت كعب الوصل الخاص بمتجر هارتلي في جيبه، كان المبلغ ثمانية وعشرين دولاراً، وكان قال ثمانون. لماذا يعجز عن قول الحقيقة ببساطة؟ لم أفهم. 
كنتُ أسأله إلى أين ذهبتَ ليلة أمس يا صغيري؟ فيجيب شاهدتُ عرضاً ما. ثم أكتشف أنه ذهب إلى مدرسة الرقص أو أنه أمضى المساء راكباً في سيارة أحدهم متجولين. وكنت أفكر أي فرق يمثله هذا، لمَ لا يكون صادقاً وحسب، فما من سببٍ يدفعه للكذب على أمه. 
أذكرُ ذات مرة أنه كان من المفترض به الذهاب إلى رحلة ميدانية، فسألته ما الذي شاهدته في الرحلة الميدانية، يا صغيري؟ وهز منكبيه قائلاً تكوينات أرضية، وصخرة بركانية، ورماد، كما عرضوا لنا المكان الذي كانت تشغله بحيرةٌ كبيرة قبل مليون عاماً وهو الآن مجرد صحراء. ونظر إلى عينيّ مواصلاً حديثه. ثم تلقيتُ رسالة من المدرسة في اليوم التالي تقول إنهم يطلبون الإذن بقيامه برحلة ميدانية، وما إذا كنتُ أسمح له بالذهاب. 
وقُبيل انقضاء سنة تخرجه اشترى سيارة وصار بالخارج دائماً. كنت قلقةً بشأن درجاته، لكنه كان يضحك وكفى. أنت تعرف أنه كان طالباً متفوقاً، لابد وأنك تعرف هذا إن كنت مُلماً بأي شيء. بعد ذلك اشترى بندقية وسكين صيد. 
أنا كرهتُ رؤية تلك الأشياء في المنزل وأخبرته بذلك فضحك، كان دائماً مستعداً بضحكة من أجلك. قال إنه سيحتقظ بالبندقية والسكين في حقيبة سيارته، قال إن ذلك سوف يُسهّل عليه الوصول لهما على أي حال. 
لم يرجع إلى البيت في ليلة من ليالي السبت ودفع بي القلق إلى حالة رهيبة. وفي العاشرة صباحاً تقريباً دخل وطلب مني أن أعد له إفطاراً، وقال إن رحلة الصيد تلك قد رفعت شهيته، وقال إنه آسف لغيابه بالخارج طوال الليل، وقال إنهم رحلوا بسياراتهم لمسافات طويلة من أجل الوصول إلى ذلك المكان. بدا لي غريباً، وكان متوتراً. 
إلى أين ذهبتم؟ 
حتى ويناس. أطلقنا بعض طلقات. 
ومع من ذهبت يا صغيري؟ 
فريد. 
فريد؟ 
حدقّ فيّ فلم أنطق بشيء. 
يوم الأحد التالي مباشرة تسللت بهدوء إلى غرفته لآخذ مفاتيح سيارته. كان قد وعد بجلب بعض الأطعمة للإفطار في طريق عودته للبيت في الليلة السابقة واعتقدتُ إنه ربما ترك الأشياء في السيارة. 
رأيتُ حذاءيه نصف بارزين من تحت فراشه ومغطيين باوحل والرمل. فتح عينيه.
صغيري، ماذا حدث لحذاءك؟ انظر إلى حذاءك. 
نفد مني الوقود، واضطررت للمشي لجلب الوقود. نهذض جالساً. لماذا تهتمين بهذا؟ 
إنني أمك. 
بينما كان يستحم أخذت المفاتيح وخرجت إلى سيارته. فتحت الصندوق. لم أجد البقالة. رأيت البندقية ملقاة على لحاف والسكين أيضاً ورأيتُ قميصاً من قمصانه مطوياً ومكوراً ففردته وكان مغطى بالدماء. كان مازال مبتلاً فألقيته به. أغلقت الصندوق ووجهت نظري ناحية المنزل، فرأيته ينظر من وراء الزجاج وفتح الباب. 
قال، نسيتُ أن أخبرك، لقد نزف أنفي نزفاً سيئاً، ولم أدر ما إذا كان يمكن غسل هذا القميص أم يجب التخلص منه. ابتسم. 
بعد بضعة أيام سألته عن أحواله في العمل. قال، رائع، وقد حصل على علاوة. لكنني قابلتٌ بيت ويلكز في الشارع، وقالت إنهم جميعاً آسفون في متجر هارتلي بسبب فصله من العمل، وقالت بيتي ويلكز إنه كان شخصاً محبوباً للغاية. 
بعدها بليلتين، كنت راقدة في الفراش ولكن بلا قدرة على النوم. رحتُ أحدق في السقف. سمعت صوت سيارته تتوقف بالخارج واستمعت إلى صوت المفتاح يديره في القفل، ودخل إلى المطبخ ومر بالردهة إلى غرفته وأغلق الباب من وراءه. 
نهضتُ. رأيتُ نوراً من تحت بابه، طرقت ودفعت الباب وقلت ألا تحب تناول كوب من الشاي الساخن، يا صغيري، فأنا لا أستطيع النوم. كان منحنياً على طاولة الزينة، ولدى سماعي أغلق أحد الأدراج بعنفٍ، والتفت نحوي صارخاً اخرجي، اخرجي من هنا، لقد سئمتُ من تجسسك. ذهبتُ إلى غرفتي وجعلتُ أبكي حتى نمت. لقد كسر قلبي في تلك الليلة. 
في الصباح التالي نهض وخرج قبل أن أتمكن من رؤيته، ولكنني لم أنزعج لهذا. قررتُ أن أعامله منذ ذلك الحين فصاعداً مثل ساكن بالإيجار. إلا إذا أراد أن يصلح من شأنه، طفح بي الكيل. سيكون عليه أن يعتذر إذا أراد لنا أن نكون أكثر من مجرد غريبين يقيمان معاً تحت سقفٍ واحد. 
حين عدتُ إلى المنزل ذلك المساء وجدته قد أعد العشاء. قال، كيف حالك؟ وتناول عني معطفي. كيف كان يومك؟ 
قلت إنني لم أذق طعم النوم ليلةَ أمس، يا صغيري. لقد عاهدتُ نفسي ألا أفتح الموضوع من جديد، وأنا لا أحاول أن أُشعرك بالذنب، لكني لم أتعود أن يخاطبني ابني بهذه الطريقة. 
قال لي، أريد أن أريك شيئاً. وعرض علي هذه المقالة التي كان يكتبها من أجل مادة الحقوق المدنية. أظن أنه كان يتناول العلاقات بين الكونجرس والمحكمة العليا. (كان هو البحث نفسه الذي نال عنه جائزة عند تخرجه!) حاولتُ أن أقرأه ولكن عندئذ قررتُ أنه قد حان وقت المصارحة. صغيري، أود أن أتحدث إليك، من العسير تربية طفل وسط الظروف التي عشناها في تلك الأيام، وكان من العسير علينا خصوصاً أن نمضي بلا أبٍ معنا في المنزل، بدون رجلٍ نلجأ إليه وقت الحاجة. توشك أن تصير راشداً الآن، ولكني مازلت مسئولة عنك وأرى أنني أستحق بعض الاحترام والمراعاة، وطالما حاولتُ أن أكون نزيهة وصريحة معك. أريد الحقيقة يا بُني، هذا هو كل ما أطلبه منك، الحقيقة. صغيري، قلتُ والتقطت أنفاسي، افترض أن لك طفلاً عندما تسأله عن شيء، أي شيء، مثل أين كان أو إلى أين سيذهب، وكيف يقضي وقته، أي شيء، فإنه لا يخبرك بالحقيقة ولا مرة واحدة، لا يقول الحقيقة بالمرة، بالمرة. طفل إذا سألته ما إذا كانت السماء تمطر بالخارج، سيجيبك كلا، الجو لطيف ومشمس، وربما يضحك في نفسه ظناً منه أنك بلغتَ من الكبر أو الغفلة ما يجعلك لا تلحظ أن ثيابه مبتلة. ما الذي يدعوه للكذب؟ هكذا ستسأل نفسك، ماذا يجنيه من هذا؟ أنا لا أفهم؟ ظللت أسأل نفسي هذا السؤال دون أن أجد جواباً. فلماذا يا صغيري؟ 
لم يقل شيئاً، ظل يحدق فيّ، ثم تحرك صار إلى جانبي، وقال سأريك. إنه الخضوع، قال، هذا ما لدي. الخضوع والركوع أرضاً، قال، هذا ما لدي، هذا السبب الأول عندي. 
هرعت إلى غرفتي وأغلقت بابها. وقد غادر في تلك الليلة نفسها، أخذ أشياءه، أخد كل ما أراه وغادر. وصدق أو لا تصدق فإنني لم أرد مرة ثانية. رأيته في حفل تخرجه، ولكنه كان ذلك وسط كثيرٍ من الناس حولنا. جلست بين الجمهور وراقبته وهو يتسلم شهادته وجائزة على المقال، ثم سمعته يلقي كلمة، وبعدها رحتُ أصفق مع الآخرين طوال الوقت. 
عدت للمنزل بعدها. 
ولم أره بعد ذلك أبداً. بالطبع رأيته على شاشة التليفزيون ورأيته صوره في الجريدة. 
علمت أنه انضم إلى قوات المارينز، ثم سمعت من أحدهم أنه ترك المارينز وعاد ليدرس سنة الكلية للتأهل هناك في الشرق، ثم تزوج تلك الفتاة، واقتحم عالم السياسة. بدأتُ أرى اسمه في الجريدة. عرفت عنوانه فكتبت إليه، كتبتُ إليه خطاباً كل بضعة شهور، ولم أتلق رداً أبداً. رشح نفسه كحاكم للولاية ونجح في الانتخابات، صار شهيراً عندئذٍ. في ذلك الحين بدأ القلق يساورني. 
راحت كل تلك المخاوف تتزايد بداخلي، وصرتُ خائفة، توقفت عن الكتابة إليه بالطبع وتمنيت أن يظن أنني توفيت. انتقلتُ إلى هنا. وطلبت أن تكوني نمرتي غير واردة في الدليل. وبعده تعين علي أن أغير اسمي. إذا كنتَ رجلاً صاحب نفوذ وأردت العثور على أحدهم تستطيع أن تجده، لن يكون ذلك بالأمر العسير عليه. 
يجدر بي أن أشعر بالفخر، ولكنني خائفة للغاية. الأسبوع الماضي رأيتُ في الشارع سيارة وبداخلها رجل أعلم أنه كان يراقبني، عدتُ للبيت مباشرة واحكمت غلق الباب من وراءي. قبل بضعة أيام راح جرس التليفون يدق طويلاً، كنت راقدة. التقطت السماعة ولم يكن هناك شيء على الطرف الآخر.
إنني عجوز. إنني أمه. ينبغي أن أكون أكثر الأمهات شعوراً بالفخر في الأرض كلها، ولكنني خائفة فقط.

شكراً لأنك كتبتَ لي. أردتُ من أحدهم أن يعلم. أنا في غاية من الحرج والخجل.
أردتُ أيضاً أن أسأل كيف وصلتَ لاسمي وعرفت أين تراسلني، كنت أدعو الله ألا يعرف أحد. لكنك عرفت. فلماذا؟ لماذا وصلت لي؟ أرجوك أن تخبرني لماذا؟ 

المخلصة.

ــــــــــــــــــــــ

لمَ لا ترقصان؟ .. قصة «ريموند كارفر»

ترجمة: محمد عبد النبي


فى المطبخ، صبّ شرابا آخر ونظر إلى أثاث غرفة النوم فى باحته الأمامية. كانت المرتبة عارية والملاءات المخططة مطروحة بجانب وسادتين على الشيفونيرة. باستثناء هذا فقد بدت الأشياء إلى حدٍ كبير كما كانت تبدو فى غرفة النوم، كمودينو ومصباح قراءة على جانبه من الفراش، كمودينو ومصباح قراءة على جانبها من الفراش. 
جانبه، جانبها.
راح يفكر فى هذا بينما يرشف الويسكى.
تقف الشيفونيرة على مبعدة أقدام معدودة من طرف الفراش. لقد أفرغ الأدراج فى صناديق كرتون ذلك الصباح، والكراتين فى غرفة المعيشة. إلى جانب الشيفونيرة مدفأة يسهل نقلها. عند طرف الفراش كرسى خيزران عليه وسادة للزينة. أمّا أدوات المطبخ الألمونيوم اللامعة فقد شغلت جزءا من مدخل السيارات. مفرش أصفر من الموسلين، أكبر من اللازم، هدية، غطى المائدة وتدلى من الجوانب. كانت على المائدة نبتة سرخس فى أصيص، وعلى مبعدة بضعة أقدام من هذا انتصبت أريكة ومقعد وأباجورة طويلة. تمّ دفع المكتب إلى باب المرآب. على المكتب أوان قليلة، إلى جانب ساعة حائط واثنين من الصور المطبوعة فى إطارات. فى ممر السيارات كذلك كرتونة فيها أكواب، وكؤوس، وأطباق، كل شىء ملفوف فى ورق الصحف. ذلك الصباح كان قد نظّف الخزائن، وفى ما عدا الكراتين الثلاث الموجودة فى غرفة المعيشة، كانت جميع محتوياتها خارج البيت. مد سلك توصيلة للخارج فأصبحت كل الأجهزة موصولة. كلها كانت تعمل، دون أى اختلاف عمّا كانت عليه حين كانت فى الداخل.
بين الحين والآخر تبطئ سيارة من سيرها ويحدّق أشخاص. ولكن لا أحد توقف.
خطر له أنه هو أيضا لو كان مارّا لما توقف.
قالت الفتاة للشاب: «لا بد أنهم يبيعون أشياءهم القديمة».
هذه الفتاة وهذا الشاب كانا يؤثثان شقة صغيرة.
قالت الفتاة: «تعال نرى كم يريدون مقابل الفراش».
قال الشاب: «والتليفزيون».
دخل الشاب بالسيارة من ممر السيارات ثم توقف قُبالة مائدة المطبخ.
خرجا من السيارة وبدآ يتفقدان الأغراض، لمست الفتاة مفرش الموسلين، وصّل الشاب الخلاط بالتيار الكهربائى وضغط زر الفرم، التقطت الفتاة الوعاء الحرارى، أدار الشاب جهاز التليفزيون وأخذ يضبطه بتعديلات صغيرة.
جلس على الأريكة ليشاهد التليفزيون. أشعل سيجارة، تطلع حوله، ألقى بالثقاب بين العُشب.
جلست الفتاة على الفراش. نزعت نعليها ورقدت على ظهرها. فكرت أنها تستطيع أن ترى نجمة.
قالت: «تعال هنا يا جاك، جرب هذا السرير. هات واحدة من تلك المخدات».
قال: «ما حالته؟».
قالت: «جربه».
تطلع حوله. كان المنزل مظلما.
قال: «عندى إحساس غريب. الأحسن أن نرى هل هناك أحدٌ بالبيت».
أخذت تنطّ على الفراش.
قالت: «جرّبه أولا».
رقد على الفراش ووضع الوسادة تحت رأسه.
قالت: «ما رأيك؟»
قال: «متين».
استدارت على جانبها ووضعت يدها أمام وجهه.
قالت: «قبلنى».
قال: «لننهض».
أغمضت عينيها. أمسكت به.
قال: «سأرى إن كان هناك أى شخص بالمنزل».
لكنه اكتفى بالجلوس حيث هو، متظاهرا بأن كان يشاهد التليفزيون.
أضاء نور منازل الشارع على الناحيتين.
«ألن يكون من المضحك لو ...» قالت الفتاة وابتسمت ولم تكمل.
ضحك الشاب، ولكن دون سبب وجيه. ودون سبب وجيه أضاء مصباح القراءة.
أبعدت الفتاة بعوضة بيدها، فنهض الشاب واقفا وسوّى قميصه بداخل سرواله.
قال: «سأرى إن كان هناك أى شخص بالبيت، لا أظن أنه يُوجد أى شخص. ولكن إذا كان هناك أى شخص، سأرى إلى أين تمضى الأمور».
قالت: «أيا كان ما يطلبون نزّل السعر عشرة دولارات. إنها فكرة جيدة على الدوام».
«وعلاوة على هذا، لا بدّ أنهم يائسون أو شىء كهذا».
قال الشاب: «جهاز التليفزيون بحالة جيدة جدا».
قالت الفتاة: «اسألهم عن سعره».
اقترب الرجل سائرا على الرصيف ومعه شنطة من السوق. كان قد أحضر ساندوتشات وبيرة وويسكى. رأى السيارة فى ممر العربات والفتاة على الفراش. رأى جهاز التليفزيون يعمل والشاب على الرواق الأمامى لمدخل البيت.
قال الرجل للفتاة: «مرحبا، لقد عثرتُ على الفراش. هذا جيّد».
قالت الفتاة: «مرحبا»، ونهضت. ربتت على الفراش وهى تقول: «كنت أجربه فقط».
«إنه فراش جيد جدا».
«فراش جيد»، قال الرجل، ووضع الشنطة وأخرج منها البيرة والويسكى.
قال الشاب: «لقد ظننا أنه لا يوجد أحدٌ هنا، إننا مهتمان بالفراش وربما بجهاز التليفزيون. وربما المكتب أيضا. كم تريد مقابل الفراش؟».
قال الرجل: «كنتُ أفكر فى خمسين دولارا مقابل الفراش؟».
قالت الفتاة: «أترضى بأربعين؟».
قال الرجل: «أرضى بأربعين».
أخرج كأسا من الكرتونة. أزال ورق الصحف عن الكأس. خلع سدادة زجاجة الويسكى.
قال الشاب: «ماذا عن التليفزيون؟».
«خمسة وعشرين».
فقالت الفتاة: «أترضى بخمسة عشر؟».
فقال الرجل: «لا بأس بخمسة عشر. أرضى بخمسة عشر».
نظرت الفتاة إلى الشاب.
قال الرجل: «يا شباب، لو ستشربان ستجدان الكؤوس فى تلك الكرتونة. أنا سأقعد، سأقعد على الأريكة».
جلس الرجل على الأريكة، واضطجع، وحدّق فى الشاب والفتاة.
وجد الشاب كأسين وصبّ ويسكى.
قالت الفتاة: «هذا كافٍ، أظن أننى أريد ماءً عليه».
جرّت مقعدا وجلست إلى مائدة المطبخ.
قال الرجل: «يوجد ماء فى ذلك الصنبور التى هناك، افتح ذلك الصنبور».
عاد الشاب بالويسكى المخفف بالماء. تنحنح وجلس إلى مائدة المطبخ. ابتسم. لكنه لم يشرب أى شىء من كأسه.
حدّق الرجل فى التليفزيون. أنهى مشروبه وبدأ آخر. مدّ يده ليضىء الأباجورة الطويلة. حدث عندئذٍ أن أفلتت سيجارته من بين أصابعه ووقعت وسط الوسائد.
نهضت الفتاة للمساعدة فى العثور عليها.
قال الشاب للفتاة: «إذن ما الذى تريدينه؟».
أخرج الشاب دفتر الشيكات ورفعه أمام شفتيه كما لو كان يفكر.
قالت الفتاة: «أريد المكتب؟ المكتب كم من المال؟»
لوّح الرجل بيده إزاء هذا السؤال غير المعقول.
قال: «قولا رقما».
نظر إليهما إذ جلسا إلى المائدة. فى ضوء الأباجورة، كان هناك شىء ما فى وجهيهما. كان لطيفا أو مقرفا. لم تكن ثمة حكاية.
قال الرجل: «سوف أغلق التليفزيون وأدير تسجيلا موسيقيا، هذا المسجّل سيذهب أيضا. رخيص. قدما لى عرضا».
صبّ مزيدا من الويسكى وفتح علبة بيرة.
قال الرجل: «كل شىء سيذهب».
قدمت الفتاة كأسها وصبّ الرجل لها.
قالت: «شكرا لك، أنت لطيف جدا».
قال الشاب: «إنه يدير الرأس هذا، أشعر به يلعب برأسى الآن». رفع كأسه ورجرجه.
أنهى الرجل شرابه وصبّ آخر، وعندئذٍ وجد صندوق الأسطوانات.
قال الرجل للفتاة: «اختارى شيئا»، وهو يمسك بالأسطوانات أمامها.
كان الشاب يكتب الشيك.
«هذه»، قالت الفتاة، وهى تختار شيئا، تختار أى شىء، فهى لم تكن تعرف الأسماء الموجودة على أغلفة تلك الأسطوانات. نهضت من على المائدة ثم جلست من جديد. لم تشأ أن تبقى ساكنة.
قال الشاب: «سأحرر الشيك لحامله».
قال الرجل: «أكيد».
شربوا. استمعوا إلى الأسطوانة. وبعدها وضع الرجل أسطوانة أخرى.
لماذا لا ترقصان يا شباب؟ قرّر أن يقول لهما ذلك، ثم قاله. «لم لا ترقصان؟»
قال الشاب: «لا أظن ذلك».
قال الرجل: «هيا، انطلقا، إنها باحتى. يمكنكما الرقص إذا شئتما».
بأذرع ملفوفة حول أحدهما الآخر، وجسدين مضغوطين معا، أخذ الشاب والفتاة يتحركان على طول ممر السيارات. كانا يرقصان. وحين انتهت الأسطوانة، أدارا أسطوانة أخرى، وحين انتهت هذه، قال الولد: «أنا سكران».
فقالت البنت: «أنت لست سكران».
فقال الشاب: «لا، أنا سكرت بجد».
أدار الرجل الأسطوانة مجددا وقال الشاب: «سكرت».
«ارقص معى»، قالتها الفتاة للشاب ثم للرجل، وحين نهض الرجل واقفا، اقتربت منه بذراعين مفتوحتين على اتساعهما.
قالت: «هؤلاء الناس هنا، يتفرجون علينا».
قال: «لا يهم، إنه مكانى».
قالت الفتاة: «دعهم يتفرجون».
قال: «هذا صحيح، إنهم يحسبون أنهم سيرون كل ما يجرى هنا. ولكنهم لم يروا هذا، صح؟».
أحسّ بأنفاسها على عنقه.
قال: «أتمنى أن يكون سريرك قد أعجبك».
أغمضت الفتاة عينيها ثم فتحتهما. دفنت وجهها فى كتف الرجل. جذبته إليها أقرب.
قالت: «لا بدّ أنك يائس أو شىء كهذا».
بعد أسابيع، قالت: «كان الرجل فى منتصف العمر تقريبا. وكل أشياءه كانت هناك فى باحته. بلا كذب. سكرنا بجد ورقصنا. فى مدخل السيارات. آه، يا ربنا. لا تضحكوا. شغّل لنا ثلاث أسطوانات. انظروا إلى مُشغل الأسطوانات هذا. لقد أعطاه لنا الرجل العجوز. وكل هذه الأسطوانات العفنة. هلّا نظرتم إلى هذا الخراء؟»
ظلّت تتحدث. حكت للجميع. كان هناك المزيد بهذا الشأن، وقد حاولت أن تصيغه لتنطق به. بعد وقت، كفّت عن المحاولة.
■ ■ ■
ريموند كارفر (1938 - 1988) القاص الأمريكي الأكثر شعبية فى النصف الثانى من القرن العشرين، وأحد أقطاب اتجاه «الواقعية القذرة»، كانت زوجته هى الشاعرة تيس جالاجر واشترك معها فى كتابة السيناريو الوحيد له «دستوفسكى»، وهو أيضا الرجل الذى كابد الفقر والإدمان أكثر من عشرين عاما، ورأى الموت أربع مرات ثم أفاق من سكرته فى آخر المطاف ليكتب شعرا و قصصا من أبدع ما يكون. قبل أن يودى سرطان الرئة بحياته المرتبكة العسيرة. اعترف فى أحد مقالاته بأنه لم يكن ليكتب ما كتب ما لو لم تكن حياته كما كانت.
وُلد كارفر فى كالاتسكانى، ولاية أوريجون، وتنقل فى حياته بين عدد من الولايات الأمريكية، منها واشنطن ونيويورك، حتى وفاته فى بورت أنجلز.
ـــــــــــــــــــــ
المصدر: 

الجمعة، 8 يوليو 2016

القصة الأميركية الحديثة كما «صنعها» ريموند كارفر

نشرت في الحياة اللندنية
1 تشرين الثاني 2009 


كانت ثنائية أدبية صنعت اسم ريموند كارفر وأزمته في آن واحد. عندما التقى الكاتب الأميركي المحرر الأدبي في «اسكواير» غوردن ليش نشر هذا قصصه الأولى ثم نقح في 1976 مجموعته «هل تصمت من فضلك؟» التي انحازت الى الصوت المقتصد، المقتضب، المحايد عاطفياً. على أن كارفر اختار أسلوباً مختلفاً في مجموعته الثانية «مبتدئون» التي اتسع مجالها اللغوي، وتصاعدت العاطفة فيها بينما بقي ليش أميناً لطرح «الأقل كثير». أعاد المخطوطة الى كارفر بعدما غيّر العنوان الى «ما نتحدث عنه عندما نتحدث عن الحب» وبلغ الشطب فيها أحياناً ثمانين في المئة من النص الأصلي. ضمت المجموعة أولى القصص التي كتبها بعد شفائه من إدمان الكحول، وانفصاله عن زوجته الأولى ماريان برك، وبداية علاقته بالشاعرة المعروفة تس غالاغر. ارتبط بإحساس قوي بالهوية والبداية الجديدة، وجلس موجعاً ذات صباح صيفي جميل في 1980 يكتب الى ليش. «غوردن الأعز، عليّ الانسحاب من هذا المشروع». قال انه قارن بين المخطوطتين الى درجة قاربت عيناه الوقوع من رأسه، وأن الأمر يتعلق كثيراً بإقلاعه عن الشرب وسلامته العقلية الجديدة الهشة. لم يستطع هضم التغيير الكبير ولا سيما في «مبتدئون» و «شيء صغير طيب» و «أخبر النساء أننا ذاهبون»... «مع أنها قد تكون أقرب الى العمل الفني من النسخة الأصلية فإنها قد تتسبب بنهايتي (...) لا أستطيع الخضوع لجراحة استئصال الأطراف وزرعها لكي يسهل ادخالها في علبة الكرتون وإغلاق الغطاء عليها».

لم تمنع أزمة كارفر صدور المجموعة في ربيع 1981 بعنوان ليش ونصه. هل كان الكاتب سعيداً بالنجاح الهائل الذي حققته وتخصيص الملحق الأدبي في «نيويورك تايمز» صفحته الأولى لمراجعة مفتونة بها؟ صنعت «ما نتحدث عنه عندما نتحدث عن الحب» اسم كارفر وتسببت بخلاف بين الرجلين في الوقت نفسه. في 1983 و1988، سنة وفاته، أصدر مجموعتيه: «كاتدرائية» و «فيل» اللتين ضمتا أفضل قصصه من دون مساعدة ليش أو غيره من المنقحين، ثم قضى بسرطان الرئة وترك إرثه لأرملته. 

في آخر عام 2007 نشرت تس «مبتدئون» بنصها الأصلي، وجاء في المقدمة ان العودة الى كتاب كارفر الثاني «عملية ترميم وشفاء». صدرت «مبتدئون» أخيراً في بريطانيا عن دار كيب وكشفت عن صوت واسع، عاطفي، أكثر تمدداً وبوحاً. كثر الحديث في الأعوام الأخيرة عن تدخل ليش الكبير في قصص كارفر، وأثار التساؤل حول مكانته ككاتب القصة الأبرز منذ سبعينات القرن العشرين على رغم تأكيده قدرته الكبيرة في عمليه الأخيرين. استفاد كتّاب كثر من مراجعة المحررين، واشتهرت شراكة سكوت فتزجيرالد وماكسويل بركنز، وكذلك وليم غولدينغ وتشارلز مونتيث الذي يعود اليه الفضل في نشر «سيد الذباب». ولئن استفاد كارفر غالباً من المجزرة التي ارتكبها ليش، فإنه عانى أيضاً من تجاوزات لا مبرر لها عند تغيير الأسماء والعناوين والتقطيع وأرقام الغرف، اضافة الى أن التدخل لم يحسن النص دائماً. تعلق الأمر أساساً بالذائقة الأدبية، اذ فضّل ليش أسلوب الحد الأدنى واختزل الحوار ليحفظ غموض الشخصيات في الوقت الذي حرص على صورة الكاتب ممثلاً للطبقة العاملة، وألغى اشارات الشخصيات غير المتعلمة الى الأدب. 

تنتهي قصة «فطيرة» التي غيّر ليش عنوانها الى «حديث جدي» بعنف زوجي لا يتلاءم مع ايقاع الأحداث المرح الذي ينبع من سلوك الراوي المدمن على الكحول. يستبدل ليش النهاية بسرقة صغيرة نالت مديح كارفر الذي وجد التغيير «مؤثراً ورائعاً». في «مبتدئون» التي أصبح عنوانها «ما نتحدث عنه عندما نتحدث عن الحب» يحذف ليش تطوراً يتعلق بزوجين مسنّين ويحرم القصة الصدى العاطفي. يلتقي فيها أربعة أشخاص يتحدثون ويشربون، ويروي طبيب القلب هيرب قصة لا تتفق نهايتها السعيدة مع مسارها. تقول زوجته ان صديقاً سابقاً كاد يقتلها من فرط حبه لها، وأنه شرب سم الجرذان عندما تركته، فيرد هيرب ان الحب الحقيقي روحي لا عنف فيه، وأن صديقها كان مجنوناً لا عاشقاً. يذهب الى الحمام فتبكي وتبوح للزوجين الصديقين انه مكتئب ويفكر بالانتحار، فيخشيان أن يكون انتحر فعلاً عندما يطول غيابه.

في «الهدوء» يصغي رجل يقص شعره عند الحلاق الى صياد يروي مغامراته المزعجة ذلك النهار بصوت يقول كارفر انه كان مؤنثاً لا يلائم جسده. يحذف ليش وصف الصوت كما يحذف قول شاب لعروسه «نحن مثل الاوز الكندي. انه يتزوج مرة واحدة»، وقول آخر: «سجل موت دومي بالنسبة إلي نهاية طفولتي الاستثنائية الطول، وأوصلني سواء كنت جاهزاً أم لا الى عالم الرجال حيث الهزيمة والموت أقرب الى طبيعة الأشياء». يلغي ليش نحو 80 في المئة من «شيء طيب صغير» التي تدهس فيها سيارة طفلاً يوم عيد ميلاده فيلزم والداه القلقان سريره في المستشفى وينسيان قالب الحلوى في المخبز. يتصل صاحبه بالبيت ويترك رسائل غاضبة ثم يحاول التعويض عن قسوته عندما يلتقي الأهل بتقديم حلوى مجاناً. يضعف الاختزال القصة وينهيها قبل أن تتطور في حين يكثف كارفر المناخ النفسي ويبلغ ذروته.

ربح الكاتب والمنقح من التعاون الملتبس بينهما، اذ جعل أسلوب كارفر صفة أدبية أثرت في كتاب تراوحوا بين توباياس وولف وجاي ماكينرني، وأثارت التساؤل حول مساهمة كل منهما وأهميتها. كتب ليش القصة والرواية ونظم مشاغل كتابية، لكنه نجح محرراً أكثر منه كاتباً، وشعر بالخيانة عندما استغنى كارفر عن مساعدته واستقل عنه تماماً في عمليه اللاحقين. بعد وفاة كارفر بعشرة أعوام قال لصحيفة «نيويورك تايمز» انه اكتشف كاتباً عادياً وجعله شهيراً. في المقابل كره كارفر وصفه بكاتب الحد الأدنى ووجده متعلقاً بليش الذي لا تراه غالاغر شريراً بالضرورة. كل ما أرادته من نشر العمل الأصلي اظهار «النسيج الرابط» بين مجموعتيه الأولى والأخيرة الذي يوضح أن لا قفزة هناك في أسلوبهما. 

دام زواج كارفر من ماريان برك عقدين، وكتبت في مذكراتها عن استيائها من تغيير ليش «الجريء» لعنوان «مبتدئون» وقوله انها لا تستطيع مساعدة زوجها إلا اذا حرّرته من قيود الأسرة. على أن ليش ما كان ليتبرع بهذه النصيحة لو لم يتذمر كارفر بمرارة من حياته العائلية. في مقالته «نيران» صدم قراءه بوصف التأثير «الظالم والخبيث» لولديه اللذين «التهماني وأنا حي».

طمأنينة ريموند كارفر المفقودة

باريس - أنطوان جوكي

نشرت في 27 يناير 2016


نعرف الأميركي ريموند كارفر (1938 - 1988) كأحد أهم كتّاب القصة القصيرة في القرن العشرين لتمكّنه من إعادة ابتكار هذا النوع الأدبي من خلال نصوص قصيرة جداً ومكثّفة، سيّر فيها شخصيات تبدو على حدود الانهيار لتمزّق أحلامها وافتقادها للحب والسعادة داخل مجتمع أميركي يتسلّط عليه نموذج عيش موحّد.

لكنّ ما لا يعرفه معظمنا عن كارفر هو أنه شاعر قبل أي شيء ترك لنا ليس أقل من ثماني مجموعات شعرية. في مناسبة صدور الجزء التاسع والأخير من أعماله الكاملة عن دار «لوليفيي» الباريسية، الذي يتضمن مجموعاته الشعرية الثلاث الأخيرة: «حيث يتّحد الماء مع الماء» (1985)، «سرعة الماضي الصاعقة» (1986) و»حتى الشلال» (1989)، نتوقّف عند هذا الجانب من إبداعه الذي خسفته موهبته النثرية وأيضاً قلّة قرّاء الشعر في زمننا السطحي. وهو ما يفسّر قرار الدار المذكورة عدم نشر سوى المجموعات المذكورة من إنتاجه الشعري، في المجلد الأخير من «الأعمال (غير) الكاملة»، لكن من دون أن يبرّره.

ووفقاً لكارفر، «كتاباتي الأولى كانت قصائد، وأوّل نص نُشر لي هو قصيدة. أتمنى أن يُحفر على قبري الكلمات التالية: «شاعر، كاتب قصصي، باحث»، وفي هذا الترتيب».

ومَن يقرأ هذه القصائد التي تُترجم للمرة الأولى إلى الفرنسية يلاحظ فوراً إلى أي حد تشكّل كلاً متكاملاً مع قصصه. فعلى رغم الغنائية التي تتجلى فيها من حين إلى آخر، إلا أن الشاعر يحافظ داخلها على تلك النبرة المحرّرة من الأوهام التي تميّز قصصه: «اِفْعَلي ذلك من أجلي هذا الصباح/ أسدِلي الستار وعودي إلى السرير/ أهمِلي القهوة./ سنتظاهر/ بأننا في الخارج، وعشّاق». قصائد تتشارك أيضاً مع قصصه مواضيعها، كالحياة والسعادة («يأتي/ فجأةً، ويذهب في الواقع إلى أبعد/ من كل ما يمكن أن نروي حوله هذا الصباح»)، والذكريات («تتغيّر الفصول/ تشتعل الذاكرة»)، ورحلات الصيد التي تحضر مراراً للتدليل على متعة أو لاستخلاص أمثولة حياة. قصائد نقرأها كما نقرأ قصصاً قصيرة، حيث نقع فجأة على قول يحفر ثلماً في ذهننا: «رئتاي مليئتان بدخان/ غيابك».

النقطة الوحيدة التي تميّز هذه القصائد عن قصص كارفر هي استعانته فيها أحياناً بصيغة المتكلم للتعبير عن مشاعره ورغباته وماضيه: «أعرف أنه حان الوقت كي أستبدل حياتي./ هذه الحياة بتعقيداتها/ والهاتف الذي يرن باستمرار/ لا تناسبني/ إنها مضيعة للوقت».

ويعكس هذا المقطع الشعري جانب السيرة الذاتية في قصائده الأخيرة والسؤال الذي كان يقضّ مضجعه: كيف نعثر على الطمأنينة أو حتى نبحث عنها حين نعيش محاطين بأشخاص من المفترض أن نحبّهم، لكنهم يعيشون على سطح الأشياء؟ سؤال يختصر شعور الشاعر بمأساوية الحياة التي لطالما صوّرها في قصصه، ولم يلطّف وقعها على حياته سوى حبّه لزوجته تيس غالاغِر التي ألهمته قصائد رائعة، وشغفه بالأدب والفن عموماً، وبأعمال كوكبة من الكتّاب والفنانين تحديداً الذين أهدى كل منهم واحدة من قصائده، مثل تشيكوف وكافكا وأخماتوفا وأرتو وموراكامي وغوته ورونوار وبونار وماشادو. فبهؤلاء العمالقة احتكّ الشاعر، كما يحتك حجرَيّ صوّان، الأمر الذي خلّف شرارات منيرة، كقوله إثر قراءته أرتو: «حسناً، يا أنتونان، أوافقك على أنه لم يعد هنالك من روائع أدبية/ لكن كانت يداك ترتجفان حين قلتَ ذلك/ وخلف كل ستار/ كما كنتَ تعرف/ ثمة دائماً ذلك الحفيف».

ولكن في سماء كارفر، هنالك نجمٌ يشعّ أكثر من غيره، ونقصد تشيكوف الذي يمنح إعجاب الشاعر به مجموعته الأخيرة شكلاً مفككاً في ظاهره، يشبه شكل الوصية التي تسعى إلى التوفيق بين الذكريات السعيدة والخيبات. ففي أماكن متفرّقة من هذه المجموعة، تحضر مقتطفات عديدة من قصص الكاتب الروسي تتناغم مع ما يقوله الشاعر، لعل أبرزها تلك المقابلة المثيرة، حول موضوع العذاب، بين قصيدة «ما قاله الطبيب» والمقتطف من نص تشيكوف «الحب منطقة مثيرة جداً للاهتمام» الذي يجاورها. مقتطفات يتملّكها كارفر بالطريقة الماهرة لشاعر أعطى الأدب ما يكفي للسماح لنفسه بالأخذ قليلاً من أجمل صفحاته.

وبالتالي، لم يكن كارفر شاعراً في مطلع مسيرته الكتابية فحسب، بل أيضاً حتى خاتمتها، وقد ذهب به الأمر إلى حد تفضيل الكتابة الشعرية في وقت كان يمكن للنجاح الذي لاقته قصصه أن يثنيه عنها. وعلى مستوى قيمته، لا يحتل شعره مرتبةً ثانية أو ثانوية خلف قصصه، على رغم التجديد المهم الذي أنجزه في ممارسة النوع الأدبي الأخير. بالعكس، تبدو قصيدته كخلاصة لما كتبه في ميدان القصة القصيرة ونموذجاً لها في ما يتعلّق بفن التكثيف والقفلة، وبالإيجاز في رسم تلك الحيوات داخل حبكة الأيام المنسّلة، إيجاز هو في الواقع فنٌّ في الدقّة لديه وليس إضماراً أو هرمسية.

وفعلاً، قصائد كارفر سردية في طبيعتها، تروي قصصاً زهيدة، أو عظيمة بطابعها الزهيد، ووقائع صغيرة لها ثقلٌ كبير على حيوات «أبطالها»، وإن صعب تقييم هذا الثقل أو تحمّله. حيوات غالباً بائسة لكن مشدودة نحو ذلك البحث المجنون عن السعادة. حيوات أشخاص متواضعين وشجعان بقدر ما هم مترنّحون، مستعدّون لتحمّل كل الفواجع لبلوغ السعادة، مهما كانت كلفتها، مترجّحين بين إدمانٍ ومُتَع خاطفة يمنحون أنفسهم إياها كما نكذب على أنفسنا. وهنا تكمن بصيرة الشاعر وكآبته، في شهادته على أن الكينونة ليست في ماهيّتها سوى ترتيب ما مع الحياة، ترقيع من أجل حفظ الأثاث وماء الوجه، كوننا لا نفعل سوى التشبّث بما نحن قادرين على التشبّث به، ونجهد في محاولة تحويل مصادر الأسف والندم إلى مصادر أملٍ. أما عزلتنا فنستنتجها من دون الرضوخ إليها، ونشدّها نحو الآخر، نحو مستقبلٍ أفضل.

باختصار، تشهد قصائد كارفر على خللٍ أو عطبٍ في مشهد العالم، لكنها لا تدّعي تحديد هذا الخلل أو العطب - على رغم شفافية كتابته - بمقدار ما تسعى إلى تصويره داخل الضبابية التي تلفّه، حيث «يتّحد الماء مع الماء»، حيث يولد الانفعال ويحيا من التباسه المؤسِّس، من لغزه، داخل مشاهد حيواتٍ كئيبة ومؤثّرة. وفي النهاية، لا شيء يأتي ليبدد كآبة هذه الحيوات ويفكّ لغزها الذي تتكوّن منه، وتكبر فيه، قبل أن تتوارى في طيّاته.

ــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة اللندنية ، 27 يناير 2016.