‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 13 سبتمبر 2016

هاريسون بيرجرون - قصة قصيرة - لكورت فونيغوت

ترجمة: ريم غنايم



كان العام 2081، وقد أصبح الجميع أخيرًا سواسية. لم يكونوا سواسية أمام الرّب والقانون وحسب. كانوا سواسية في كافّة النواحي. لم يكن هناك من هو أكثر ذكاء من الآخرين. لم يكن هناك من هو أجمل من الآخرين. لم يكن هناك من هو أقوى أو أسرع من الآخرين. يرجع سبب كلّ هذه المساواة إلى التعديلات الدستوريّة في البنود 211 و 212 و 213 وإلى الاحتراز المتواصل من قبل وكلاء جنرال التكافؤ في الولايات المتحدة.
مع ذلك، بعض الأمور المتعلّقة بالحياة لم تكن سليمة تمامًا. فقد ظلّ شهر نيسان، على سبيل المثال، يُزعج الناس لأنّه لم يكن ربيعًا. وفي ذلك الشهر النديّ، قام رجال جنرال التكافؤ باختطاف هاريسون، نجل جورج وهيزل بيرجيرون، البالغ من العمر أربعة عشر عامًا.
صحيح، كان الأمر مأساويًا، ولكن لم يكن في مقدور جورج وهيزل التفكير في الأمر بهذه الصعوبة. كانت هيزل متوسّطة الذكاء، أي أنها لم تستطع التفكير في شيء إلا في هيئة انفجارات قصيرة. ورغم أن جورج، كان بذكاء أعلى من المستوى العاديّ، إلا أنّه وضع في أّذنه جهاز إرسال إعاقة عقليّة صغير. كان لزامًا عليه بموجب القانون أن يضعه في كل الأوقات. وقد تم ضبطه مع محطة الإرسال الحكوميّة. كل عشرين ثانية أو نحو ذلك، أطلق جهاز الإرسال ضوضاء حادة لمنع أشخاص مثل جورج من الاستفادة غير العادلة من أدمغتهم.
كان جورج وهيزل يشاهدان التلفزيون. انهمرت الدموع على وجنتَي هيزل، لكنها نسيت للحظة سببها.
على شاشة التلفزيون ظهرت راقصات باليه.
تردّد صوتُ جرس في رأس جورج. فرّت أفكاره مذعورةً، مثل لصوص يفرّون من جهاز إنذار ينذر بالسطو.
“كانت رقصةً جميلةً جدًا، الرقصة التي أدّينها للتوّ”، قالت هيزل.
“هاه” قال جورج.
“تلك الرقصة- كانت جميلة”، قالت هيزل.
“نعم”، قال جورج. حاول أن يفكّر قليلا في راقصات الباليه. لم يكنّ رائعات تمامًا- وعلى كلّ، لم يكنّ أفضل من غيرهنّ. كنّ مثقلات بأوزان وأكياس من كريات الطلقات الناريّة، ومقنّعات الوجوه، بحيث إذا رأى أحدٌ إيماءةً رشيقةً وحرّة أو وجهًا جميلا، فلن يشعر بالقبح. كان جورج يعبث بالفكرة الغامضة بأنّه ربما لا ينبغي إعاقةُ الراقصات. لكنه لم يطل التفكير في ذلك قبل أن يشتّت جهاز الإرسال الموجود في أذنه أفكارَه.
جفل جورج. وجفلت أيضًا اثنتان من راقصات الباليه الثمانية.
رأته هيزل يجفل. لم تعانِ على الصعيد الشخصي من إعاقة عقليّة، فسألت جورج عن آخر صوت صدر.
“لقد بدا وكأنّ أحدهم ضرب زجاجة حليب بمؤخر مطرقة كرويّة” قال جورج.
“أظنّ أنه سيكون مثيرًا حقًا سماعُ كافّة الأصوات المختلفة”، قالت هيزل بشيء من الحسد. “كلّ الأشياء التي يدبّرونها”.
“أمم”، قال جورج. “فقط، لو كنتُ جنرالة تكافؤ، أتعرف ماذا كنت سأفعل؟” قالت هيزل. كانت هيزل، في واقع الأمر، تحمل شبها قويا بجنرالة التكافؤ، وهي امرأة تدعى ديانا مون غلامبرز.
قالت هيزل: “لو كنت ديانا مون غلامبرز، لقرعت أجراسًا يوم الأحد- أجراسًا وحسب. إجلالاً للدين”.
“أستطيع أن أتخيّل، لو كانت الأجراس وحدها،” قال جورج.
“حسنا، لعلّي أقرعها عاليًا”، قالت هيزل. “أظنني سأكون جنرالة تكافؤ جديرة”.
“جديرة مثل أي شخص آخر” قال جورج.
“من يعرف ما الطبيعيّ أفضل منّي؟” قالت هيزل.
“صحيح”، قال جورج. بدأ يفكر بتوهّج في هاريسون، ابنه الشاذ الذي يقضي الآن في السجن، ولكن إحدى وعشرين طلقة تحيّة في رأسه أوقفت تفكيره.
“يا للهول!” قالت هيزل، “كان ذلك مفزعًا، أليس كذلك؟”
كان مفزعًا لدرجة أن جورج شحب وارتجف، وانحبست الدموع عند حواف عينيه الحمراوين. اثنتان من راقصات الباليه الثماني انهارتا على أرضية الاستوديو، ممسكاتٍ أصداغهنّ.
“فجأة تبدو متعبا جدا”، قالت هيزلي. “لماذا لا تتمدد على الأريكة وتضع كيس العوائق على الوسائد، يا حلو؟”. كانت تشير إلى 21 كيلوغراما من كريات الطلقات الناريّة في كيس من القماش، كان محكم الإغلاق حول عنق جورج. “اذهب وأرِح الكيس لبعض الوقت”، قالت. “لا يهمني أن لا نكون سواسيةً لبعض الوقت.” وزن جورج الكيس بيديه. “لا أمانع”، قال. “لم أعد أنتبه للأمر. هو مجرّد جزء مني”. “كنتَ متعبًا جدا في الآونة الأخيرة- كأنّك منهك”، قالت هيزل.
“لو كانت هناك طريقة نستطيع من خلالها أن نحدث فتحة صغيرة في أسفل الكيس، ونأخذ فقط بضع طلقات. لا أكثر.”
“عامان في السجن وغرامة قدرها ألفا دولار على كل طلقة أُخرجُها”، قال جورج. “لا أسمّي ذلك صفقة”.
“لو أنّك تمكّنت فقط من إخراج بضع طلقات ناريّة عند عودتك من العمل إلى المنزل”، قالت هيزل. “أقصد- أنت لا تنافس أحدًا هنا. أنت فقط ترتاح.”
“لو حاولت الإفلات” قال جورج “، “فسيفلت أشخاص آخرون- وقريبا جدًا سنعود إلى العصور المظلمة مرة أخرى، حيث الكل ينافس الكل. ولن يروق لكِ ذلك، أليس كذلك؟ “.
“سأكره ذلك” قالت هيزل.
“أرأيت”، قال جورج. ” برأيك، ماذا سيحدث في المجتمع عندما يبدأ الشعب بالاحتيال على القوانين؟ ”
لو لم تكن هيزل قادرة على الخروج بإجابة على هذا السؤال، لما استطاع جورج توفير إجابة. صفارة الإنذار كانت تضجّ في رأسه.
“أحسبه سيتداعى”، قالت هيزل.
“من؟” قال جورج ببلادة.
“المجتمع”، قالت هيزل بالتباس .
“أليس هذا ما قلتِه للتو؟ “من يعرف؟” قال جورج.
فجأة انقطع البرنامج التلفزيوني لبث نشرة الأخبار.لم يكن واضحًا في البداية محور النشرة، لأن المذيع، ككُلّ المذيعين، عانى من إعاقة بالغة في النطق . زهاء نصف دقيقة، وفي حالة من الانفعال الشديد، حاول المذيع أن يقول “السيدات والسادة”. في نهاية المطاف استسلم، وسلّم النشرة لراقصة الباليه لتقرأها.
“لا بأس “قالت هيزل عن المذيع،” لقد حاول. هذا هو الأهم. حاول أن يفعل أفضل ما في وسعه بما وهبه الله له. ينبغي أن يكافأ بعلاوة لمحاولته الجاهدة”.
“السيدات والسادة”، قالت راقصة الباليه، وأخذت تقرأ النشرة.
لا بدّ أنّها كانت فاتنة، لأن القناع الذي ارتدته كان بشعًا. كان من السهل معرفة أنها الأقوى والأكثر رشاقة من بين جميع الراقصات، لأنّ أكياس العوائق خاصّتها كانت كبيرة مثل أكياس رجال يزنون تسعين كيلوغرامًا. وكان عليها أن تعتذر فورًا عن صوتها، فلم يكن من العدل أن تستخدم امرأة صوتًا كهذا. كان صوتها دافئًا، متقدا، كان نغما خالدا.
“عفوا -” قالت ، وأعادت الكرّة، جاعلةً صوتها عاجزًا تمامًا عن المنافسة.
“هاريسون بيرجيرون، ابن الرابعة عشر عامًا”، قالت بصوت عالٍ سواديّ، “هرب للتو من السجن، حيث كان محتجزا للاشتباه به بالتخطيط لقلب نظام الحكم. هو عبقري ورياضي، وليس متكافئًا، وينبغي اعتباره شخصًا خطيرًا جدًا “.
عُرضت صورة أمنية لهاريسون بيرجرون على أسفل الشاشة من فوق إلى تحت، ثم من الجانبين، ، ثم من فوق إلى تحت مرة أخرى، ثمّ من الجانب الأيمن إلى أعلى. أظهرت الصورة كامل طول هاريسون على خلفية معيّرة بالقدم والبوصة. كان بطول سبعة أقدام بالضبط. وكانت بقية مظهر هاريسون مخيفًا ومثقلاً بالمعدّات. لم يحمل أحد عوائق ثقيلة مثله. كان قد تجاوز العراقيل بشكل يفوق سرعة تفكير رجال جنرالة التكافؤ.
بدلا من جهاز إرسال الإعاقة العقليّة الصغير في الأذن، وضع زوج سماعات أذن ضخمًا، ونظارات ذات عدسات متموّجة سميكة. لم يكن الهدف من النظارات تحويله إلى نصف أعمى فقط، لكن أيضًا بغية إخضاعه لأوجاع رأس مدوية. علقت خردة معدنية في جميع أنحاء جسده. عادةً، كان هناك تناسق معين، تناسق عسكريّ للعوائق المخصصة للأٌقوياء، ولكن هاريسون بدا مثل ساحة خردة متجوّلة. في سباق الحياة، حمل هاريسون 136 كيلوغرامًا. ولموازنة وسامته، طالب رجال جنرالة العدل أن يضع الكرة المطاطية الحمراء للأنف طيلة الوقت، وأن يواصل حلق حاجبيه، وأن يكسو حتى أسنانه البيضاء بأغطية سوداء في حال نتوء سن على نحو عشوائيّ.
“إذا رأيتم هذا الصبيّ”، قالت راقصة الباليه، “إياكم – وأكرّر، إيّاكم – أن تحاولوا محادثته”.
صدرت صرخة من باب تمزقت مفصلاته. صراخ ونباح مخيف صدر من جهاز التلفزيون. قفزت صورة هاريسون بيرجيرون على الشاشة مرة تلو المرة، كما لو تراقصت على أنغام زلزال. ميّز جورج بيرجيرون بشكل سليم وقوع الزلزال، فقد تراقصَ منزِلُهُ على أنغام الزلزال. قال جورج “يا الهي،” “لا بدّ أن هذا هاريسون!”، تفجر الإدراك من عقله على الفور من صوت ارتطام سيارة في رأسه.
عندما تمكّن جورج من فتح عينيه مرة أخرى، اختفت صورة هاريسون. هاريسون الحيّ ملأ الشاشة. بدا هاريسون مُصلصلاً وأخرقَ، وضخمًا، ووقف وسط الاستوديو. كان مقبض باب استوديو المخلوع لا يزال في يده. راقصات الباليه، الفنيون الموسيقيين، والمذيعون جثموا على ركبهم مرتعدين أمامه، متوقّعين موتهم.
“أنا الإمبراطور!” صاح هاريسون. “هل تسمعون؟ أنا الإمبراطور! فليفعل الجميع ما أقوله فورًا!” وطىء بقدمه واهتز الاستوديو. “حتى وأنا أقف هنا” هدر، “مشلولا، متعثّرًا، مريضًا -! أنا حاكم أعظم من أيّ رجل عاش في أي وقت مضى. الآن شاهدوني وأنا أكون ما سأكون!” مزق هاريسون أشرطة عُدّة العوائق خاصّته مثل مناديل ورقية رطبة، مزق أشرطة ضمنت دعمًا ب 226 كيلوغرامًا. تحطمت أرضًا عوائق هاريسون المصنوعة من الخردة الحديديّة.
مد هاريسون إبهامه تحت مزلاج القفل الذي أمّن جهاز رأسه. انكسر المزلاج مثل الكرفس. هشّم هاريسون سماعات الأذن والنظارات على الجدار. خلع عنه كرة الأنف المطاطية، كشف عن رجل يُرهب إله الرعد ثور.
“سأختار الآن الإمبراطورة!” قال وهو ينظر إلى الناس الجاثمين مرتعدين خوفًا.
“دعوا أول امرأة تجرؤ على النهوض، تطالب بزوجها وعرشها!”
مرت لحظة، ومن ثم نهضت راقصة باليه، تتمايل مثل الصفصاف. دفع هاريسون عن أذنها العائق العقليّ، قطع عوائقها الجسدية بدقة رائعة. وأخيرا أزال قناعها. كانت جميلة حدّ العماء.
قال هاريسون “الآن-” ، وأخذ بيدها، “هل نري الشعب معنى كلمة رقصة؟ موسيقى!” قال آمرًا.
تدافع الموسيقيين عائدين الى كراسيهم، وجرّدهم هاريسون من عوائقهم، أيضا.
“اعزفوا افضل ما عندكم”، قال لهم، “وسوف أحولكم إلى بارونات ودوقات وايرليات”.
عزفت الموسيقى. كانت طبيعيّة في البداية، رخيصة، سخيفة وزائفة. ولكن هاريسون خطف اثنين من الموسيقيين من كراسيهم، ولوح بهم مثل الهراوات وهو ينشد الموسيقى كما أراد لها أن تكون . دفعهم إلى الخلف نحو كراسيهم. عزفت الموسيقى مرة أخرى، وتحسنت كثيرا. هاريسون وإمبراطورته استمعا فقط إلى الموسيقى لفترة من الوقت، استمعا بوقار، وكأنّهما ضبطا خفقات قلوبهم معها.
لكنهما حوّلا وزنيهما إلى أصابع أقدامهم. وضع هاريسون يديه الكبيرتين على خصر الفتاة الصغير، متيحًا لها الشعور بانعدام الوزن الذي سيتحقق لها قريبًا. ثم، وفي غمرة الفرح والنعمة، انطلقا في الهواء ! لم يتحررا فقط من قوانين الأرض، وإنما من قانون الجاذبية وقوانين الحركة كذلك. لفّا، اندفعا، دارا، انتفضا، قفزا، ,وثبا مرحًا، واستدارا. قفزا مثل غزال على سطح القمر. كان سقف الاستوديو بارتفاع ثلاثين قدما، ولكن كل قفزة قرّبت الراقصَين إليه. نيتهما بتقبيل السقف أصبحت واضحة. قبلاه. ثمّ، حيّدا الجاذبية بالحبّ والإرادة الصافية، وظلا معلقين في الهواء على بعد بوصات قليلة أسفل السقف، وتبادلا القبل طويلا، طويلا.
ثم كان أن دخلت ديانا مون غلامبرز، جنرالة التكافؤ، إلى الاستوديو ومعها بندقية من عيار 10 مزدوجة الماسورة. اطلقت النار مرتين، ومات الإمبراطور والإمبراطورة قبل يبلغا الأرضية. أعادت ديانا مون غلامبرز تلقيم البندقية. وجهتها نحو الموسيقيين وقالت لهم إنّهم يمتلكون عشر ثوان ليرتدوا عوائقهم من جديد. ثم حدث أن احترق جهاز تلفزيون آل بيرجرون. استدارت هيزل لتعقّب لجورج على الانقطاع. لكن جورج كان قد قصد المطبخ ليجلب علبة من الجعة. عاد جورج ومعه الجعة، توقف بينما هزته إشارة عائق. ثم عاد وجلس.
“كنت تبكين” قال لهيزل.
“نعم”، قالت.
“لماذا؟” قال.
“أنا أنسى”، قالت. “شيء محزن حقيقة على شاشة التلفزيون”.
“ماذا كان؟” قال.
“كلّ شيء اختلط في ذهني”، قالت هيزل.
“انسي الأشياء الحزينة”، قال جورج.
“أفعل دائما”، قالت هيزل.
“هذه هي فتاتي” قال جورج.
جفل. كان هناك صوت بندقيّة يثبت في رأسه.
“يا الهي، يمكنني أن أقول أن ذلك كان مفزعا”، قالت هيزل.
“يمكنك أن تقولي ذلك مرة أخرى” قال جورج.
“يا إلهي،” قالت هيزل، “يمكنني أن أقول أن ذلك كان مفزعا”.
ــــــ
كورت فونيغوت (1922-2007)  من أشهر وأهمّ كتّاب القصّة والرواية في أمريكا القرن العشرين. تتميز كتابة فونيغوت الأدبيّة بالهجائيّة والكوميديا السّوداويّة ويتّخذ الخيال العلميّ في أحيان كثيرة إطارًا يعكس فيه رؤاه حول العالَم والبشريّة. تشكّل الحرب العالميّة الثانية واشتراكه فيها، وأسره على يد الألمان في معركة الأردين، مرحلة مفصليّة في حياته أثّرت على وعيه الأدبيّ وحدّدت رؤيته للعالَم. ما يميّز عوالم فونيغوت الأدبيّة الإحساس بالاغتراب والوحدة، العالَم المثقل بالتكنولوجيا،  أوهام الإرادة الحرّة، المستقبل الظلاميّ أو ما يُسمّى بالديستوبيا (والتي تندرج قصة “هاريسون بيرجرون” ضمنها) وغيرها.
من أهمّ أعماله الروائيّة: مهد القطّة عام 1963، بارك الله بك يا سيّد روزووتر عام 1965، المسلخ الخامس عام 1969، فطور الأبطال 1973.
(*) القصة باللغة الانجليزية : http://www.tnellen.com/westside/harrison.pdf
المصدر : بيت الخيال

الاثنين، 12 سبتمبر 2016

دعينا نتمشى قليلاً.. إلى الأبد - قصة قصيرة- كورت فونيغوت

ترجمة : عمرو محمود السيد
مدونة : مرارة روح



كبرا كجارين على حدود أحد المدن وبالقرب من الحقول والغابات والبساتين, وتحت عيون أجراس جميلة اعتلت برجاً لمدرسة للمكفوفين. هم الآن في العشرين من عمرهما ولم يريا بعضهما الآخر منذ عام تقريباً. كان دفء مريح لطيف يسود علاقتهما, لكن لم يكن بينهما كلام المحبين. 
كان اسمه نيوت.. وكان اسمها كاثرين. مع بداية الظهيرة, طرق نيوت على الباب الأمامي لبيت كاثرين. جاءت إلى الباب وهي تحمل مجلة براقة كثيرة الورق كانت تقرأ فيها. كانت المجلة موجهة بالكامل للعرائس. قالت وهي مندهشة لرؤيته: 
- "نيوت!" 
قال: 
- "هل يمكن أن نتمشى قليلاً ؟ 
كان نيوت شخصاً خجولاً حتى مع كاثرين. كان يخفي حيرته بأن يتحدث دون أن يمرر الكلام على مشاعره وكأن ما يهمه بالفعل لا علاقة له بما يتحدث به.. يتحدث كما لو كان وسيطًاً سرياً, وسيط سري يتوقف كثيراً بين مآرب جميلة وقصية وخبيثة بينما يبلّغ رسالته. كانت هذه طريقة نيوت في الحديث على الدوام, حتى في الأمور التي كانت تهمه بشدة. 
تساءلت كاثرين: 
- نتمشى؟! 
أجاب نيوت: 
- نحرك أرجلنا.. بين الأشجار, فوق الجسور.. 
- لم يكن لدي أدنى فكرة أنك هنا في المدينة. 
- لقد أتيت للتو. 
- يبدو لي أنك لا تزال في الجيش. 
- بقي لي سبع أشهر أخرى في خدمتي. 
كان نيوت عريفاً في سلاح المشاة.. بدا زيه مجعداً, وحذاؤه أغبراً. كان من الواضح أنه يحتاج لحلاقة ذقنه.. مد يده لالتقاط المجلة. 
- دعينا نرى هذه المجلة الجميلة. 
أعطتها له: 
- إنني سأتزوج يا نيوت. 
- أنا أعرف.. دعينا نتمشى قليلاً. 
- أنا مشغولة بشدة يا نيوت. الزفاف بعد أسبوع واحد. 
- إذا ذهبنا للتمشية فإن هذا سيجعلك مشرقة.. عروس مشرقة. 
قلّب أوراق المجلة: 
- عروس مشرقة مثل هذه, وهذه, وهذه. (قالها بينما يشير إلى العرائس). 
تورد خدي كاثرين وهي تفكر في العرائس المشرقات. 
- سيكون هذا هدية لهنري ستيوارت تشيسنز إذا ما أخذتك للتمشية. سأعطيه عروس متوردة الخدين. 
قالت: 
- أنت تعرف اسمه؟ 
قال: 
- راسلتني أمي. هل هو من بيتسبرج؟ 
- نعم. حين ستراه ستحبه. 
- ربما. 
- هل.. هل ستستطيع أن تأتي للزفاف يا نيوت؟ 
- أشك في هذا. 
- إجازتك ليست طويلة بما يكفي؟ 
- إجازة؟ أنا لست في إجازة. 
كان نيوت يتفحص إعلاناً من صفحتين لمشغولات فضية.. 
قالت: 
- ماذا؟ 
- أنا الآن ما يطلقون عليه متهرب من أداء الواجب. 
- لا تقل ذلك يا نيوت! 
- هذه هي الحقيقة بكل تأكيد.. (قالها بينما كان ينظر في المجلة..) 
- لم يا نيوت؟ 
- كان علي أن أختار نقش الفضة المناسب لك. 
بدأ يقرأ أسماء النقوش الفضية من المجلة. 
- أمبارل؟ هيثر؟ ليجيند؟ رامبلر روز؟ 
رفع بصره إليها وابتسم: 
- أخطط لأن أهديك أنت وزوجك ملعقة. 
- نيوت.. نيوت, أخبرني.. 
- أريد أن أتمشى معك. 
عصرت يديها في ألم.. 
- نيوت.. أنت تكذب علي بشأن هروبك من الجيش. 
قلّد نيوت صوت سارينة الشرطة بصوت خفيض, ورفع حاجبيه. 
قالت: 
- أين.. من أين هربت؟ 
- من معسكر فورت براج. 
- نورث كارولينا؟ 
- هذا صحيح. بالقرب من فايتفيل.. حيث تعلمت سكارليت أوهارا. 
- كيف جئت إلى هنا؟ 
رفع إبهامه, وأشار به كما لو كان يشير إلى سيارة كي تقف على الطريق السريع:
- سافرتُ هكذا ليومين. 
- هل تعرف أمك؟ 
- لم آت لرؤية أمي. 
- من جئت لتراه إذاً؟ 
- أنتِ. 
- لماذا أنا؟ 
- لأنني أحبك. هل يمكننا أن نتمشى الآن؟ نحرك أرجلنا بين الأشجار وفوق الجسور.." 
بدءا في المشي في غابة أرضها بنية بلون الأرواق المتساقطة. كانت كاثرين غاضبة ومنزعجة وكانت على وشك البكاء. قالت: 
- نيوت, هذا جنون مطلق. 
- كيف هذا؟ 
- هذا توقيت جنوني لتخبرني فيه بأنك تحبني. لم تتكلم بهذه الطريقة من قبل.
توقفت عن المشي. 
- دعينا نستمر في التمشية. 
- لا, لن نتقدم خطوة أكثر بعد هذا. لم يكن يتوجب علي أن آت معك على الإطلاق" 
- لكنك فعلتِ. 
- كي أخرجك من المنزل. إذا ما خرج أحدهم وسمعك وأنت تتكلم معي بهذه الطريقة قبل أسبوع من زفافي.." 
- ماذا سيظن؟ 
- سيظن أنك مجنون. 
- لماذا؟ 
أخذت كاثرين نفساً عميقاً, ثم قالت: 
- دعني أخبرك أنني ممتنة جداً لهذا الفعل المجنون الذي تجشمته. لا أستطيع أن أصدق أنك هربت بالفعل, لكن ربما تكون كذلك. لا أستطيع أن أصدق أنك تحبني بالفعل, لكن ربما أنت تحبني.. لكن.." 
- أنا أحبك. 
- حسناً أنا ممتنة لذلك, وأنا مغرمة بك كصديق يا نيوت, مغرمة جداً, لكن التوقيت غير مناسب على الإطلاق 
خطت مبتعدة عنه: 
- إنك حتى لم تقبلني مطلقاً 
أخفت وجهها وراء يديها.. 
- لا أعني أنك ينبغي أن تفعل هذا الآن. أنا أعني فقط أن ما تقوله لم يكن متوقعاً. ليس لدي أدنى فكرة عن الطريقة التي ينبغي أن أرد بها عليك. 
- دعينا نتمشى قليلاً, نقضي وقتاً لطيفاً معاً. 
شرعا في المشي مرة أخرى: 
- ماذا توقعت أن يكون رد فعلي؟ 
- كيف لي أن أعرف ما أتوقعه وأنا لم أفعل شيئاً كهذا من قبل؟ 
- هل كنت تظن أنني سألقي بنفسي بين ذراعيك؟ 
- ربما. 
- آسفة لأنني خيبت أملك. 
- لم يخب أملي. لم أكن أعتمد على أن هذا سيحدث. ما يحدث الآن لطيف جداً. لنتمشى فقط. 
توقفت كاثرين مرة أخرى. 
- هل تعرف ما الذي سيحدث بعد هذه التمشية؟ 
- لا. 
- سنتصافح.. سنتصافح وننصرف كأصدقاء. هذا ما سيحدث. 
أومأ نيوت. 
- حسناً.. تذكريني من وقت لآخر. تذكري كم أحببتك. 
انفجرت كاثرين في البكاء رغماً عنها. أعطته ظهرها ونظرت إلى صفوف الأشجار اللامتناهية. قال: 
- ما الذي يعنيه هذا؟ 
- غضب! (قالتها وهي تقبض على يديها.) ليس لك حق في.. 
- كان علي أن أتأكد إذا ما كنت تحبينني أم لا. 
- لو كنت أحبك كنت أخبرتك من قبل.. 
- هل كنت ستفعلين؟ 
- نعم. 
قالتها وهي تتحول لتواجهه, بينما كان وجهها أحمر للغاية. 
- كنت ستعرف. 
- كيف؟ 
- كنت سترى الحب. النساء لسن ماهرات في إخفائه. 
نظر نيوت عن كثب إلى وجه كاثرين. أرعبها أن ما قالته كان صحيحاً, فالمرأة لا تستطيع أن تخفي حبها... في هذه اللحظة كان نيوت يرى حباً صادقاً في وجهها... وقد فعل ما كان عليه أن يفعله... 
قبّلها. 
عندما أفلت ذراعيه عنها, قالت: 
- لم يكن علي أن أسايرك. أنت شخص سيء يا نيوت. 
- أنا؟ 
- لم يكن عليك أن تفعل هذا. 
- ألم تعجبك؟ 
- ما الذي تتوقعه.. عاطفة ملتهبة فياضة؟ 
- أقول لكِ على الدوام إنني لا أتوقع ما سيحدث. 
- ما سيحدث أننا سنقول وداعاً. 
عبس قليلاً ثم قال: 
- حسناً. 
- لست آسفة على أنني قبلتك. كان هذا حلواً. كان ينبغي علينا أن نقبل بعضنا من قبل, لقد كنا قريبين جداً من بعضنا. سأتذكرك دائماً يا نيوت.. حظ سعيد. 
- حظ سعيد لك أيضاً.. 
ثم قال: 
- ثلاثون يوماً. 
- ماذا؟ 
- ثلاثون يوماً في السجن. هذا ما تكلفه لي هذه القبلة. 
- أنا.. أنا آسفة لكنني لم أطلب منك أن تهرب. 
- أنا أعرف. 
- وأنت لا تستحق مكافأة بطل على هذه الفعلة الحمقاء على أي حال. 
- لابد أنه من اللطيف أن يصبح المرء بطلاً.. هل هنري ستيوارت تشيسنز بطل؟ 
- ربما سيصبح إذا ما حانت الفرصة. 
لاحظت أنهما بدءا يمشيان مرة أخرى, وبدءا ينسيان الوداع اللذان كانا مقدمان عليه. 
- هل تحبينه بالفعل؟ 
- بالتأكيد أحبه! لم أكن لأتزوجه لو أنني لا أحبه! 
- ما الذي يجذبك إليه؟ 
- بهذه الصراحة! هل تعرف كم أنت مزعج؟ هناك الكثير والكثير من الصفات الحسنة في هنري! نعم وهناك الكثير من الأشياء السيئة أيضاً. لكن هذا ليس شأنك. أنا أحب هنري, وليس علي أن أناقش مميزاته معك!" 
- آسف. 
- حقاً! 
قبلها نيوت مرة أخرى. قبلها لأنها كانت تريده أن يقبلها.. 
أصبحا الآن في بستان كبير. 
- كيف ابتعدنا كثيراً جداً هكذا يا نيوت؟ 
- لقد حركنا أرجلنا بين الأشجار وفوق الجسور. 
- الخطوات الوئيدة أقصتنا كثيراً. 
رنت الأجراس في برج مدرسة المكفوفين المجاورة... قال نيوت: 
- مدرسة للمكفوفين. 
قالت: 
- مدرسة للمكفوفين. 
ثم هزت رأسها.. 
- ينبغي علي أن أعود. 
- قولي وداعاً. 
- يتم تقبيلي في كل مرة أودعك فيها على ما يبدو. 
جلس نيوت على عشب قصير تحت شجرة تفاح. 
- اجلسي. 
- لا. 
- لن ألمسك. 
- لا أصدقك. 
جلست تحت شجرة أخرى وأغلقت عينيها. 
- أتحلمين بهنري ستيوارت تشيسنز؟ 
- ماذا؟ 
- تحلمين بزوجك المستقبلي الرائع.. 
- حسناً سأفعل. 
أغلقت عينيها بشدة وقلبت صوراً لزوجها القادم.. 
تثاءب نيوت. كان النحل يطن بين الشجر وقد نامت كاثرين على الأغلب. عندما فتحت عينيها وجدت أنه قد نام بالفعل. بدأ يغط بصوت خفيض. تركته كاثرين ينام لساعة, وبينما كان نائماً شعرت بأنه تعشقه من كل قلبها. 
اتجهت ظلال أشجار التفاح نحو الشرق. دق الجرس ثانية وغنى طائر في السماء. من مكان بعيد, جاء صوت محرك سيارة يحاول القيام ثم يفشل, يحاول ويفشل. 
مشت كاثرين من تحت شجرتها وجثت على ركبتيها إلى جانب نيوت. قالت: 
- نيوت؟! 
- امم 
- تأخر الوقت. 
- أهلا يا كاثرين. 
- أهلا يا نيوت. 
- أنا أحبك. 
- أنا أعرف. 
- فات الوقت. 
- فات الوقت. 
وقف وتمطى بينما قال: 
- كانت تمشية لطيفة للغاية. 
- أعتقد هذا أيضاً. 
- هل يفترق الرفاق هنا؟ 
- أين ستذهب؟ 
- سأسافر متطفلا وسأسلم نفسي. 
- حظ سعيد. 
- حظ سعيد لك أنتِ أيضاً.. هل تتزوجينني يا كاثرين؟ 
- لا 
ابتسم وحملق في يدها للحظة ثم مشى بعيداً وبسرعة. شاهدته كاثرين وهو يتضاءل على المدى البعيد للظلال والشجر. كانت تعلم أنه إن توقف ونظر نحوها, إذا ما نادى عليها, فلن يكون لديها خيار. 
وقد توقف نيوت بالفعل, ونظر نحوها. ثم نادى عليها.. 
- كاثرين.. 
جرت نحوه ولفت ذراعيها حوله ولم تستطع أن تتحدث.

(1960)
ــــــــــــــــــــــ
(*) القصة من مجموعة (Welcome to the Monkey House) ، للروائي الأمريكي كورت فوتيغوت، التي نشرت سنة 1968.
(*) رابط تحميل المجموعة (Welcome to the Monkey House)، باللغة الانجليزية : من هنا 

المصدر : مدونة مرارة روح

الاثنين، 25 يوليو 2016

"وفـيّـات أصدقاء بـُعادى" قصة قصيرة للكاتب والناقد الأمريكي المعاصر جون أبدايك John Updike

ترجمة: انعام الشريفي 



عرف القارئ العربي الكاتب جون أبدايك من خلال روايته "الارهابي" التي صدرت في العام 2006. ومع هذه الرواية وربما مع وفاته حديثا ً2009 انطلقت الاقلام العربية لتقـدمه الى القـرّاء وتسلّط الأضواء عليه، لكن هذا الكاتب الذي نال اول جائزة تكريمية له عام 1959 وحاز عقبها على 28 جائزة تقديرية لأدبه الرفيع، وعـدّ النقـاد اثنان من رواياته التي سبقت "الارهابي" من روائع الفن، ونالت احداها "الأرنب غنيا" ثلاث من الجوائز الكبرى، لم يدخل الا ّ متعثراً الى قارئنا النهم التائق الى معرفة كبار الأدب والفن عبر الأطلسي، وغالبا من خلال مساسه المباشر بالواقع العربي. وفضلا عن الرواية والقصة والشعر كان أبدايك ناقداً أدبياً وفنياً.

أبدايك الذي دخل الى باطن أمريكا،امريكا: اندحار الدين وعلو المادة (كما يراها) واظهرها للناظرين صورة لابهاء فيها، يستحق وقفات كثيرة. وهذه احدى قصصه القصيرة من مجموعة قصصية نشرت له في العام 1987 . المترجمة

جون أبدايك "من أجود نـقــّادنـا....يشعّ بالخيال وتوقّد الذهـن" صحيفة الصندي تايمز Sunday Times
روائي وقاص وناقد أمريكي (1932-2009 ) ، نـُـشــِرَت له عشرون رواية وعشرات من القصص القصيرة وأدبيات الأطفال والنقد الأدبي. "اشتهـر ببراعته الحـِرَفيـّة الدقيقة واسلوبه النثري الفريد وغـزارة انتاجه" ، يتبدى في اسلوبه مفردات أخـّاذة مـُبطنِة لمعاني عميقة وغالباً ما تبدو مـُعـَدّة للنـُخبة. صوتـُه المـُقتـدر فيه الظرافة والمرارة والسخرية. ينتمي الى تراث الواقعية لكنه يسبرُ أغـوار شخوصه وخـَلـَجاتهم عبر العالم المادي المحسوس. (خلاصة مأخوذة من الموسوعة الحرّة Wikipedia ( المترجمة).


***


وفـيّـات أصدقاء بـُعادى

رغم انني كنت أجولُ لبضعة سنوات بين الزيجات في هرج ٍ ومرج ٍ استلـَبَ كل حواسي، فان الآخرين واصلوا بدورهم العـيـشَ والموت. لين، رفيق قديم في لعب الغولف، بين عشيـّة وضحاها حلّ بالمشفى لما قيل له أنـّه فحص روتيني، ووقع ميتاً في الحمام فوراً بعد أن انتهى من اتصال هاتفي بمخزن الخردوات ليعلمهم انه عائد صباحاً لمباشرة العمل. فهو صاحب المخزن واعتاد أن يعهد به الى مساعده في النهارات المُشمسة فقط.

كان تسديد ضربته خاطفا، وكان يلقي بثقله الخلفي على قدمه اليمنى، وغالبا ماتنبثق كرته الى اليسار دون أن تصل الهواء البتة لكنه يفلح في اليوم الواحد أن يغور بالكرة الى الهدف ببضعة ضربات ٍ موّفقة فـذة. وكان دوماً يظهر بملبس ٍ أنيق يوحي بآمالٍ عريضة للعبة التي يخوضها، فهو ببنطاله الأصفر الفضفاض بلون زهرة البتركب (i ) والياقة السمائية اللون الضيقة المنتصبة للأعلى وسترته الكشمير ذات اللون البرتقالي المُحمّر سيتغاير عن نـَسـَق الأخضر المحيط به، وآتي أنا وقد قدتُ الطريق من بوسطن عبر سحابات ٍ من الأسى والأرق والاضطرام المعنوي أجرجرُ عربتي عبر مساحة الاسفلت المخصّصة للوقوف، فـتـَصـِـرُّ حدوة َحذائي عند كلّ خطوة أخطوها مثل براثن الوحوش.

رغم أن لين كان قد عرف جوليا وأحبّها، وهي زوجتي التي كنت قد تركتها، فأنه لم ينبس ببنت شفة بشأني الشخصي عندما كنت أقود السيارة ساعة كاملة لألتقيه بخلاف ماكنت عليه سابقاً اذ آتيه بعشرة دقائق من الشارع المجاور. فقد كان الغولف بالنسبة لي اذ ذاك ملاذاً ومهجعا، حالما اجتـاز فيه كومة الرمل الأولى التي تحمل كرة الغولف في مسعاي للهدف، أحسّ بانني مطـَوّقٌ في حرم ٍ وسيع ٍ ووضـّاء، بمأمن ٍ من النساء والأطفال المهووسين والمحامين الوقورين والمعارف القدامى واستهجاناتهم والنظام الاجتماعي وغـيظهِ بكليته. فللغولف نُظـُمه الخاصّة وحبّه الخاص فبينما يترنح ثلاثتنا أوأربعتنا ونتصايح لنشقّ طريقنا كلٍّ الى حفرة الآخر، نضحك على سوء الحظ العاثر ونهلـّل للضربات النادرة ذات الجودة النسبية. وأحياناً نجد سماء الصيف قد أحلكت وتهب العاصفة فـنـتحلـّق تحت ظلّ قاطرة ٍ مهجورة أوتحت شجرةٍ تبدو اكثر أمناً من أخواتها من الصواعق. وعندها فأن نفاد صبرنا واهتياجنا العصبي المفطور فينا لانقطاع اللعب والاثارة يخلـُصُ بكليته في هذا الحيز من المحميّة الى مايكاد يقارب حرارة العشق، أنفاسُ وعرقُ رجال في متوسط العمر متراصّين تحت المطر الهاطل بلا انقطاع مثل قطيع ماشيةٍ في شاحنة النقل المغلقة كالصندوق. وكان في وجه لين بقعاً متقرّنة من الأشعاع وكان ينوي ازالتها جراحياً قبل أن تتحول الى سرطان الجلد. فمن كان يحـسب ان صاعقة شريانه التاجي ستـَبتـُرُ بتراً خططه ومشاريعه وتمسحهُ مسحا ًمن حياتي المتشابكة؟ فأنه ما من (رُقاقـتا ثلج ٍ ولا بصمتا أصبعين ولا خفقتا قلبٍ في جهاز الرسم البياني ولا رميتا كرة الغولف قد تماثـلتا أبداً)، هل أبداً سأبصر ملـَكـَته المتأنقة المـَلبـَس الباعثة على الأمل ثانية (هللو ياكرتي العزيزة، هكذا يمزح بينما يشرع بالتهادي الى جلسة القرفصاء) ويبّث كرة منخفضة الى اليسار بطريقته المتفرّدة ونسمعه هاتفا ً باحباط غاضب (فهو يُعَدّ ممن خاض ولادة روحية ثانية(ii)في الكنيسة المعمدانية ممّا أكسبه لغة ً شخصية تترفع عن اللعن المباشر): " ياكومة ً ممسوخة ً وسخة "
قدتُ سيارتي الى جنازة لين وحاولت أن أخبر ابنه: "كان أبوك رجلا ً عظيماً " الا ّ ان الكلمات تساقطت مترهلة في تلك الكنيسة المعمدانية الباردة. أن الوان لين المـُزَوّقة، وفورته الحماسية المسيحية، وتسديداته الواعدة والمهدورة للكرة، وصيحات ظفرنا في الذهاب والاياب، وجـَمعـُنا عبر كون ٍ مصنّع يتألف من أطوالٍ متغايرة وثابتة، وأنواع ٍ من العشب كانت جميعها مَـسـَحات حياةٍ أرقّ ُ من أن تـُأسر، بل لابدّ أن تـتـبدّد.

بعد برهة من الزمن قرأتُ في صحيفة أن الآنسة أيمي مـَير ِماونت ذات الواحد والتسعين عاماً قد قضت نحبها أخيراً فشابهت الورقة اليابسة التي تـُحال الى فــُتاة. كانت قد بدت دوماً شيئاً عتيقا ً، كانت أحدى أولئك الأنجليز المُحدَثين(iii)ومن الأواخر الذين يتداولون سيرة هنري جيمس (iv)وكأنه قد غادر الحجرة لتوّه. وكانت تمتلك رسائلا ً ماتلبث مطبقة ً أومبعثرة ً الى قطع بعثها هنري جيمس الى والديها حيث يـأتي على ذكرها لا كفتاةٍ صغيرة ولكن كسيـّدة فتيـّة "تشارفُ على "خصوصيتها"، على زهوتها التي تحُوطها تماما ً". كانت تعيش في بضعة غرف ٍ محتشدة بالقطع الأثريـّة في بيت ٍ ريفي ورثته وخصّصت القسم الأكبر منه للإيجار فحـُشـِرَت حشراً فيما تبقى منه. أما لـِمَ لم تتزوج أبدا ً فقد ظلّ هذا سراً هجـَع عليها هـَوناً ونعومة في شيخوختها ، فلعلّ ذلك الجمال السـَـلـِس الناحل الذي نشهده في الصور الفوتوغرافية الداكنة الحبريـّة اللون، وسيماء السـُلالة النبيلة وتوقـّد الذهن، والتحمّس (بالمعنى الروحي) الذي لم يبرحها قد أوقع الهلع في نفوس الكثير من طالبي يدها مثلما جـَذ َبتهم اليها عين ُ هذه الفضائل. ولعلـّه قد أوجد لديها، وهي في عهدٍ ماتلبث فيه مفردة "الطهر" ذات وقع و"نكران الذات" ذات مقام ٍ في عينيها، قيمة ً لا تعلو فيها تلك اللحظة المهيضة الجناح في أيّ موردٍ لهذه الفضائل. وكان لصوتها نبرة جافة تهكميـّة وفي سلوكها شيءٌ من التململ والرفض. كانت قد أشبعت نفسها تثقيفاً فهي تتابع التطورات الجديدة في العلم والفن وتتناول الطعام الطبيعي وتتعاطى في القضايا السياسية الساخنة يوم كانت كل هذه موضات سائدة. وكانت تحبّ أن يتحلّقُ حولها أناسٌ بغضاضة الشباب. فعندما انتقلنا أنا وجوليا الى المدينة مع الأطفال بوجوهنا الجديدة الطريّة، أصبحنا جزءاً من جلسة الشاي المعقودة لديها في اجواء ٍملؤها الفتور، ولولا ذلك الأفتتان المتبادل بيننا لـما دامت معرفتنا لعشرين سنة.

ولعل الأمر لم يكن بذلك الفتور، فاليوم أعتقد أن الآنسة مَـيرِماونت قد أحبـّتـنا أو بأضعف الايمان قد أحبـّت جوليا التي كانت ترفلُ بالدماثـة، وتزهو كأبنة ودودة حانية عبر تلك الحُجَر الشحيحة الدفء والمستمـِّدة ضيائها من النوافذ والتي يزدحم فيها متاع ٌ ريشي مستدقٌ ومتطاول من إرث ٍ كان يوما ً مفروشا ً عبر الطوابق الأربعة لبيت "باك بـَيْ " المَدني الطراز. ويخلـُد في ذاكرتي ألق ُ ذقن زوجتي السابقة المكتنز وحنجرتها واكتافها المكشوفتين التي تندمج مع المـَلـَس الشبحي لصور الأخوات مـيَرِماونت ذات الأطارات القديمة المـُصممّة للأستوديوهات. كانت الصور لثلاثة أخوات، نزلت بهما فجيعة الموت مبكـّراً في شبابهما كما لو أنهما أوصتا بقسطهما من السنين إرثا ً للثالثة، تلك الناجية التي تجلس معنا في كرسيـّها المُجنـَّح المـُوشّى بالذهب. وكان وجهها قد استحال بـُنـيـّا من الشيخوخة ً فلايمكن التنبؤ بما فيه، عاجاً بالتجاعيد كوجه هنديّ أحمر، هذا وثمـّة شيءٌ وحشيٌّ كوحشية الهندي الأحمر يلمع في عينيها المعتمتين. "أراها مخيبة للآمال بعض الشيء"، كانت قد تندّ ُ عن هذه الكلمات بجفاء عن أحد المعارف المشتركين الغائبين انذاك أو عن أحدى تلك اللواتي انفـَصَلت عن حلقتها :"لـَم تك ُ تماماً من الطراز الأول".

أن البحث عن الطراز الأول شيء من العهد البائد لجيلها، والآن لااتذكر من نال استحسانها كلياً مثل ماناله الأب دانيال بـَريجان والسـيِر كينيث كلارك. لقد شاهـَدت كلاهما في التلفاز. عيناها ذات البريق الداكن صارتا تخونانها، وكانت أوقات الأصيل الأثيرة الخاصة بالقراءة (التي يخمد الضوء فيها خلف النوافذ وتتراقص النار الناشئة من خشب البتولا في الموقد المؤطر بالنحاس الأصفر) قد استـُبدلت بساعاتٍ مـُجـَدولة منسقة حسب مايبثه التلفاز والمذياع من البرامج التثقيفية. في تلك السنوات الأخيرة كانت جوليا ترتاد منزلها لتقرأ لها قصة أوستن "مـِدِل مارج" وجوان ديديون وبعضاً من قصص بروست ومورياك بالفرنسية بعدما قرّرت الآنسة مـَيرماونت أن جوليا اجتازت اختبار الفرنسية بنجاح. وكانت جوليا تتمرّن بعض الشئ من خلال القراءة لي، وأنا بينما كنت اتطلّع الى شفتيها وهي تزمّها لتصنع صوت الفرنسية فتصغـُران وتــُدَوّران بشدة وكأنهما شفتا قناع أفريقي من العاج، كدتُ أن أقع في حبّها ثانية ً. إن الود بين النساء لـَمؤثـّرٌ ومؤلمٌ ومثيرٌ للرجل، وبرؤياي الخاصّة فأنه كجلسةِ شاي ٍ انتهت الى مجلس خمرٍ للشَري(v)الاسبانية في تلك الحُجـَر التي يغصّ فيها الأثاث بجـَلـَبة والتي اشتد فيها الشفق حتى صارت الصفحات البيضاء تـُدار ببطئ وأضحى النـَغـَم الصبور لصوت جوليا الأمارة الوحيدة الدالّة على الحياة. بلى إنه الحبّ ما كان ينداح بين تلك العجوز التي تفنى رويداً وزوجتي التي بدورها رويداً تـُمسي متوسطة العمر ويـُمسي ابنائنا بالغين وغائبين، وصوتها يظل ّ لايـُستـَمع اليه مثلما يـُستمع اليه هاهناك. ومامن شك أن ثمة أسرار كانت تودع بين تلك الصفحات. وكانت جوليا تعود من عند الآنسة ميرماونت لتحضير عشائي المتأخر وهي تبدو أكثر شباباً بل أكثر حبوراً وجرأة بعض الشيء.

في ذلك الطور الحرِج مابعد الحياة الزوجية وعندما كان الأصدقاء القدامى مايزالون يبعثون الدعوات بدافع الالتزام، وتجد نفسك لاتملك حضور الذهن الكافي لردها، وأجدني في تجمـّعات كبيرة تحضرها الآنسة مَـيرماونت. وكانت يومذاك عمياءَ تماماً وتصحبها فتاة صغيرة دائرية الوجه، أجيرةًٌ للصحبة ودليل. وكانت السيدة المـُسـّنة المتهالكة التي تـَعرضُ نفسها كريش الطاووس المـغطى بجرسٍ زجاجي مغروزة ً في كرسي مجنـّـح في زاوية الحجرة فيما يلي طاس خمر البنش(vi)ولدى اقترابي منها أحسـّت بجسم ٍ يدنو منها فمدّت يداً ذابلة لكنها أسقطتها حالما سمعت صوتي: "لقد أتيت َ شيئاً فظيعاً" ، نطقت بذلك بسحبة نفس طويلة واحدة. أشاحت بوجهها لتـُظهر أنفها الصـَقريّ من الجانب كما لو انني شوّشتُ نظرها. أمّا دليلتها الفتيّة فوجهها المـُدوّر كصحن الرادار سجّل لمحة ً تدلّ على الصدمة، الاّ انني ابتسمت وفي حقيقتي لم أكُ مستاءاً، فثمـّة َ راحة ً في سماع حُكم الآخرين حتى لو كان معادياً. إنه لمن المستحسن أن نعتقد أن هنالك في موضع ٍ ما جهاز تخطيط يسجـّل هزّاتنا وزلا ّتنا. وأنني لأتخيـّل موت الآنسة ميرماونت بأشهر ليست طويلة بعد ذلك، وكخيالٍ أخيرٍلها، في صورة خيطٍ ينبسط ُساكناً رائقاً بمحاذاة جهاز المراقبة الموصول بها في المشفى. وفي هذا الامتداد المنبسط بقي شيئٌ ما تهكميٌ ولاذع، شيئٌ من سداد الرأي لم يُدَنـّس، من الصبر الجليل في عالمٍ عجز لطيلة تسعين عاما ً أن يبرهن على شيء أكثرَ من خيبة الرجاء. ويومذاك كنا أنا وجوليا قد فرغنا من مراسيم الطلاق.

كلّ مافي جعبة البيت المهجور قد فـُقـِد حتماً، اللوحات المعلّقة على الجدران، الهيئة التي يتبارى فيها الظلّ والضوء وتفجـّر دفئ الأماسي ممـّا تجود به المدافئ. حيوانات المنزل: كانوت. كان كانوت كلب صيدٍ ذكر ذهبي اللون اقتنيناه عندما كان الأطفال مايزالون قبل سن البلوغ كطقم من البهلوانيين. وكان مصدر بهجة لاينقطع، كما هو العهد بهذا النوع من الكلاب، وقد ذاق طعم كل شيء حتى الاخصاء وكأن الحياة وابلٌ متواترٌ من البركات. ومن المثير أنه وقبل موته بقليل جلبته ابنتي الصغرى التي تغني في فرقة البانك(vii)الى البيت الذي أسكنه الآن مع زوجتي ليزا. فجعل يشّم هنا وهناك بتأدب واكتفى بعقف زاوية أذنيه بقلق لينمّ عن التساؤل لمَ حلّ سيده القديم في هذا البيت الغريب الرائحة. وانهار في النهاية مع تنهيدة عميقة على أرض المطبخ، وبدا سميناً وخاملا ً. وقالت ابنتي التي قــَصـّت شعرها قصيراً وصبغت رقعاً منه بالبنفسجي الزاهي إن الكلب صار يجوب الليالي وينهالُ على نفايات الجيران أو على طعام حصانهم. وبالنسبة لي فأن وراء هذا سوء ادارة، فصديق جوليا الجديد لاعب كرة ظهير ربعي في فريق دارتموث ولاعب تنس وغولف ومهووس بحمل حقيبة الظهر بعدّتها والخروج بها ولهذا فجوليا لاتكاد تتواجد في البيت وصارت منهمكة كلياً في مجاراته وفي تعلّم لعبات جديدة. فأ ُهمـِل البيت ومرج الحديقة وصار الأولاد ينساقون داخله وخارجه مع أصدقائهم ولا يتخلصون من الطعام المتعفن في الثلاّجة الا ّ بين الفينة والفينة. ولمّا أحسّت ليزا بما كابـَدْتـُه من انفعالات نطـَقـَت بكلمات لـِبقة ملّطفة وانحنت على كانوت لتهرش مؤخرة احدى اذنيه. ولأن اذنه كانت ملتهبة وحسّاسة فقد أطبق فكيّه عليها بوهن ومن ثم بسط ذيله على أرض المطبخ اعتذاراً.

ومثلما إلتُ اليه عندما نهرتني الآنسة مَرِماونت، بـَدَت لي زوجتي حينذاك ميّالة الى الاغتباط، فهي إذ تواجه شيئاً من المقاومة، فقد أمسى موضعها من العالم متجذ ّراً. وناقــَشـَتْ ابنتي حول مضادات الالتهاب الخاصة بالكلاب، وفي تلك الوقفة ومن أية نظرة عجلى اليهما لايمكن التنبؤ بأيّـتهما الاكبر سنـّاً رغم اتضّاح ايـّتهما صاحبة الشعر غير المألوف. وكما يـُقال في مثل هذا المقام من سقيم الكلام أن ليزا من الصِغـَر بحيث يمكن أن تكون ابنة ً لي. وطالما اني بلغت الخمسين الآن فأن أية انثى تحت الخامسة والثلاثين هي من الصِغـَر بحيث يمكن أن تكون ابنة ً لي، بل معظم أناسيّ هذا العالم هم من الصِغـَر بحيث يمكن ان يكونوا بناتاً لي.

اختفى كانوت لبضعة أيام بعد تلك الزيارة، وبعد بضعة أيام أُخـَر عـُثر عليه في المستنقعات القريبة من بيتي القديم بجسدٍ منتفخ. وقد شخـّص الضابط المسؤول حالته على انها سكتة قلبية، فتسائلت ان كان هذا يمكن ان يحدث لمخلوق ٍ بأربعة أقدام. لقد ضـَربـَتْ الصاعقة كلبي السابق عند ضوء القمر، وقـَلبُه ممتلئٌ بنشوة المستنقعات، ومعدتـُه محشوة بالنفايات، ولقد رَقـَدَ عـدّة أيام بفراء ٍ مـُنتـَفـِش والمدّ يدور فيه ويخرج منه. تلك الصورة تمنحني الرضا كمظهرِ شراع ٍ ملؤه الريح يـشـّـُد زورقه هـَرِعاً بمنأى عن الشاطئ. في واقع الأمر (ورغم أنه من المريع الأقرار) بأنّ كلٍ من هذه الميتات الثلاثة قد جعلتني قريراً هانئاً على نحوٍ ما، فشهود فضيحتي يـُمْحـَوْن، والعالم يـُصبـِح أقل وطأة. وفي نهاية المطاف لن يكون هناك من يذكـُرُني بشخصي في تلك السنين المارجة والمحرجة عندما كنت أعدو بخطى سريعة دون صـَدَفـَتي بين البيوت والزوجات، كثعبان بين أصناف الجلود، وحشٌ من الأنانية، حاجاتي المتنافرة الغريبة عارية ٌ ومخرّمة، وكياني الاجتماعي زريّ ٌ وبلا حصانة. فموت الآخرين يحملـُنـا شيئا ً فشيئا ً حتى لايتبقىّ شيء، وهذا بدوره ضربٌ من الرحمة. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
i نبتة زهرية صفراء تنمو كالآعشاب
ii الولادة الثانية تعبير كنسي سائد في أمريكا لمن يخوضون تجربة ما تخلق فيهم أثراً روحياً وتعيد ايمانهم
iii الحديث هنا عن الجالية الانجليزية من البيورتانيين غالباً التي قطنت أمريكا وجلبت معها الموروث البريطاني
iv روائي مولود في أمريكا لكنه عاش في انجلترا وبعض من رواياته تنصب من التراث البريطاني
v خمر مشهورة من الجنوب الاسباني
vi نوع من الكحول يقدم عادة مع طاس كبيرة الحجم وملعقة للغرف في الاحتفالات الكبرى والكرنفالات
vii The Punk حركة موسيقية منشقة عن موسيقى الروك نشأت وتطورّت في الأعوام 1974-1976 تعبر عن تمرد ورفض الشباب للأيدلوجيات المتسلطة وحاليا اندمجت بفرق الروك ثانية


انعام الشريفي

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : النور

الأحد، 24 يوليو 2016

واقعة جسر أوول كريك - قصة - أمبروس بيرس

ترجمة: علي سالم

الحوار المتمدن-العدد: 3430 - 2011 / 7 / 18 
المحور: الادب والفن


I

وقف رجل على جسر السكة الحديدية في ألاباما الشمالية ، ناظراً الى ماء النهر السريع مسافة عشرون قدماً الى الأسفل. كانت يدا الرجل خلف ظهره ، ومعصميه مقيدان بحبل . وثمة حبل يطوق عنقه بإحكام. كان الحبل مشدوداً الى خشبة قوية متصالبة فوق رأسه ، والجزء المتبقي من الحبل كان يتدلى عند مستوى ركبتيه . بعض الألواح الخشبية التي وضعت على عوارض السكة الحديدية لدعم معادنها شكلت موطئاً لقدميه واقدام جلاديه .. جنديان من جنود الجيش الاتحادي ، يوجههما رقيباً ربما في حياته المدنية كان يعمل نائباً لشريف. على مسافة قصيرة وعلى نفس المنصة المؤقتة كان ثمت ضابطاً مسلحاً يرتدي بزته العسكرية بكامل رتبها. كان ضابطا برتبة نقيب. حارسان على طرفي الجسر مسلحان بالبنادق كانا يقفان في الوضع المعروف باسم "الدعم" ، أي وضع البندقية بشكل عمودي أمام الكتف الأيسر ، وترك زندها يستقر على الساعد المنبسط عبر الصدر بشكل مستقيم .. وضع رسمي وغير طبيعي ، يجبر الجسد على الوقوف بإستقامة كاملة . لم يبد أن من واجب هذين الرجلين معرفة ماالذي كان يجري في منتصف الجسر؛ لأن واجبهما كان يتلخص ببساطة في سد مخرجي المنصة التي كانت تعترض مركز الجسر .



خلف أحد الحارسين إمتد الأفق؛ وإنسابت السكة الحديدية بشكل مستقيم داخل أعماق الغابة القريبة لمسافة مائة ياردة ، ثم ، إنحرفت وغابت عن الأنظار. بالطبع كان ثمة مخفر للحراسة يقع عند النهايات الخفية للسكة . كانت الضفة الأخرى للجدول عبارة عن أرض مفتوحة .. منحدر سلس من الأرض مغطى بحجاب من الجذوع العمودية ، تطل من فتحات فيه فوهات البنادق ، ومن خلال كوة وحيدة أطل خطم معدني لمدفع نحاسي جعل الجسر تحت مرمى نيرانه. عند منتصف المسافة بين الجسر والحصن وقف المراقبون .. كتيبة من المشاة في وضع " الإستراحة" ، أعقاب البنادق على الأرض ، والمواسير تميل إلى الوراء قليلا تجاه الكتف الأيمن ، والأيادي متصالبة على المقابض . على يمبن الخط وقف ضابطاً برتبة ملازم ، وطرف سيفه علىٰ الارض ، ويده اليسرى تستريح فوق يمناه. ، وقف الجميع بلاحراك ، في إنتظار ماستفعله المجموعة المؤلفة من أربعة رجال. الحارسان ، اللذان كانا يقفان قبالة ضفتي الجدول ، ربما كانا تمثالان وضعا هناك لتزيين الجسر. وقف النقيب بذراعين متصالبتين، صامتاً، ومراقباً أعمال مرؤوسيه ، لكن دون أن تبدر منه أية إشارة . الموت كبرياء جليل عندما يُعلن عن حضوره ينبغي أن يقابل بكل تجليات الإحترام والتبجيل اللازمة ، حتى من قبل أولئك الأكثر دراية به. في أخلاقيات السلوك العسكري يعتبر الصمت والتركيز شكلان من أشكال الإحترام.

بدا الرجل الذي كان على وشك ان يُنفذ بحقه حكم الإعدام شنقاً في الخامسة والثلاثين من العمر . كان مدنياً ، قياساً لمهنته وهي الفلاحة . كانت ملامحه وسيمة .. أنف مستقيم ، فم صارم ، جبهة عريضة ، يرتد عنها شعره الاسود المرسل ، ويتدلى خلف اذنيه حتى يلامس ياقة معطفه الفروك. كان له شارباً ولحية مدببة ، لكن دون سبلة على الجانبين؛ عيناه كانتا كبيرتان وذات لون رمادي داكن ، وعلى وجهه كان ثمة تعبير مسالم وحنون لايمكن توقعه في وجه رجل رقبته ملفوفة بحبل المشنقة . من الواضح أن هذا الشخص لم يكن قاتلاً مبتذلاً . رغم ذلك تنص القوانين العسكرية الليبرالية على اعدام أنواع كثيرة من الناس ، والمهذبون منهم ليسوا إستثناءاً. بعد أن إكتملت التحضيرات، تنحى الجنديان جانبا وسحب كل منهما اللوح الخشبي الذي كان واقفاً عليه. التفت الرقيب الى النقيب، أدى له التحية ووضع نفسه تماماً خلف ظهر هذا الضابط ، الذي بدوره خطى مبتعداً خطوة واحدة. تركت هذه الحركات الرجل المدان والرقيب واقفان على طرفي الخشبة نفسها ، والتي غطت ثلاثة من روابط السكة. الطرف الذي وقف عليه المدني تقريبا ، و ليس تماما ، كان يلامس الرابطة الرابعة .

كانت هذه الخشبة قد أستقرت في مكانها معتمدة على ثقل النقيب ؛ والآن بعد أن تنحى النقيب جانبا حل الرقيب محله . وفي إشارة من السابق سيتنحى الأخير ، وسيميل اللوح الخشبي وسيهبط الرجل المدان في الفجوة العازلة بين دعامتين . لقد بدا له هذا الترتيب بسيطاً وفعالاً. لم يكن وجهه مغطى بشيء ولم يكن ثمة غشاوة على عينيه. نظر في هذه للحظة الى " موطيء قدميه القلق " ، ثم تحولت نظراته الى دوامات النهر الهادر المتدافعة بقوة تحت قدميه. لفتت إنتباهه قطعة خشب طافية تابعها وهي تتخذ طريقها راقصة مع التيار. كم بدت له حركتها بطيئة، ياله من تيار كسول!

أغلق عينيه من أجل أن يركز تفكيره في زوجته وأولاده. لكن الماء ، يلامسه ذهب شمس الصباح الباكر ، وسحب الضباب الكئيبة المتماوجة تحت الضفتين على مسافة ما أسفل التيار ، والحصن ، والجنود ، وقطعة الخشب الطافية .. كل ذلك شتت إنتباهه. والآن أخذ يشعر بشيء آخر زاد من إنشداهه . صوت ما إخترق نسيج افكارة الحائمة حول احبائه . صوت ما عجز عن تجاهله أو فهمه ، أيقاع معدني ، حاد ، ومميز، مثل ضربة مطرقة الحداد على السندان ؛ له نوعية الرنين نفسه. تساءل في دخيلته عن كنه هذا الصوت ، وعما إذا كان بعيداً بعداً سحيقاً عنه أو قريباً منه .. لقد بدا الصوت بعيداً وقريباً في نفس الوقت. يتكرر بشكل منتظم ، لكنه كان بطيئاً مثل قرع ناقوس للموت. أخذ ينتظر بفارغ الصبر كل دقة من دقاته وشعر – دون أن يدري لماذا - بالخوف. لقد أصبحت فواصل الصمت أكثر طولاً بالتدريج ، واصبح التأخير مثيراً للسخط . ومع ندرة تكرار الصوت المتزايدة أصبح وقعه على أذنيه أكثر حدة وقوة . شعر به يؤذي أذنيه مثل نصل سكين؛ وخشي أن يشرع بالصراخ . ولم يكن ذلك الصوت سوى دقات ساعته لاغير .

فتح عينيه وشاهد مرة أخرى الماء الجاري تحته. " لو كان بمقدوري تحرير يدي" فكر، فسوف أتخلص من الأنشوطة واقفز في التيار. وسوف أغوص لكي أتمكن من تفادي الرصاص ، وأعوم بقوة ، حتى اصل الى الضفة ، ثم أتخذ طريقي عبر الغابة لأصل الى بيتي . بيتي ، أحمد لله ، أنه حتى الآن لايزال خارج خطوطهم؛ زوجتي وأطفالي الصغار لا يزالون بعيدين عن اقصى نقطة وصلها هولاء الغزاة ."
عندما شرعت هذه الأفكار ، التي لامناص من تدوينها هنا على شكل كلمات ، تومض في ذهن الرجل المحكوم بالإعدام بدلا من أن يقوم هو بالتفكير بها أشار النقيب براسه الى الرقيب . فتنحى الرقيب جانبا.

II

كان بيتن فاركوهار مزارعاً ناجحاً، ومن عائلة ألابامية عريقة كانت تحظى باحترام كبير. ولكونه كان مالكاً للعبيد فقد كان كبقية ملاك العبيد سياسياً و كان طبيعيا أن يكون من دعاة الإنفصال الحقيقيين ومن المدافعين المتحمسين لقضية الجنوب. لقد منعته ظروف ذات طابع ملح ، ليس من الظروري ذكرها الآن ، من الخدمة في الجيش الباسل الذي خاض الحروب الكارثية التي إنتهت بسقوط كورنث ، وظل يشعر بالحنق الشديد لقعوده غير المجيد عن الإشتراك في الحرب، مدفوعاً بشوق عارم للإفراج عن طاقاته ، ولعيش حياة الجندية العريضة ، ونيل الفرصة لكي يحيا حياة متميزة . كان يشعر بأن تلك الفرصة ، آتية اليه لامحالة ، لأنها تأتي الى الجميع في وقت الحرب. في الوقت نفسه فعل ماكان بوسعه أن يفعله . لم يفوت أي فرصة مهما كانت ضئيلة وشديدة التواضع بالنسبة له دون أن يستغلها في إنجاز شيء ما من أجل الجنوب ، ولم تثن من عزمه أي مخاطر مهما كانت كبيرة في سبيل الإشتراك بالمجهود الحربي إذا كان ذلك يتماشى مع شخصيته المدنية التي يخفق بين جنباتها قلب جندي ، كان بحسن نية ودون الكثير من المؤهلات يقر بحقيقة جزء على الاقل من مقولة خسيسة بشكل صريح مفادها أن كل شيء مباح في الحب والحرب .

ذات مساء حين كان فاركوهار وزوجته يجلسان على مقعد ريفي بالقرب من مدخل منزلهما، إقترب جندي ذو ملابس داكنة على صهوة جواد من البوابة وطلب أن يسقياه شربة ماء. تحركت السيدة فاركوهار بسرعة، شاعرة بسعادة وهي تقوم بخدمة الجندي بيديها البيضاوين. وبينما كانت مشغولة بجلب الماء اقترب زوجها من الفارس الرث وإستفسر منه بلهفة عن أخبار الجبهة .
"يقوم الشماليون باصلاح خطوط السكك الحديدية ،" قال الرجل ،" إنهم يستعدون لهجوم آخر. لقد الى وصلوا إلى جسر أوول كريك ، وأصلحوه وشيدوا حظيرة على الضفة الشمالية. لقد أصدر القائد أمرا ، تم نشره في كل مكان ، معلنا فيه أن أي مدني يُلقى القبض عليه وهو يحاول تخريب السكك الحديدية ، أو الجسور أو الأنفاق أو القطارات سوف يُعدم شنقا دون محاكمة. لقد رأيت الأمر بنفسي "
"كم يبعد جسر أوول كريك ؟ " سال فاركوهار .
ثلاثين ميلاً تقريباً ""
""هل هناك قوة في الجانب الآخر من النهر ؟
"فقط موقع للحراسة على بعد نصف ميل ، على السكة الحديدية ، وحارس وحيد على هذا الطرف من الجسر "

" لنفترض أن رجلا .. مدنياً.. ولايعير بالاً للشنق ، إستطاع أن يراوغ نقطة الحراسة ، و تمكن ربما من الإجهاز على الحارس ، قال فاركوهار ، مبتسما ،" ماالذي سيتمكن من تحقيقه؟ "
فكر الجندي. "كنت هناك قبل شهر " ، أجاب. "ولاحظت أن فيضان الشتاء الماضي قد كدس كمية كبيرة من الاخشاب الطافية على الرصيف الخشبي الكائن في نهاية الجسر. وهي الآن جافة تماماً ، ويمكن أن تحترق كنسالة الكتان ."

كانت السيدة قد جلبت الماء الآن الى الجندي الذي قام بشربه ثم شكرها بطريقة رسمية ، وإنحنى لزوجها وقاد جواده بعيدا مواصلاً سيره . بعد ساعة ، وبعد حلول الظلام ، مر ثانية بالقرب من المزرعة ، متجهاً شمالاً في الإتجاه الذي كان قد جاء منه . لقد كان كشافاً إتحادياً .


III

عندما سقط بيتن فاركوهار بشكل مستقيم الى الأسفل عبر الجسر فقد وعيه ، وبدا كما لو أنه كان ميتا بالفعل . أفاقه من هذه الحالة .. بعد عصور طويلة ، كما بدا له .. ألم مبرح متولد من ضغط حاد على رقبته ، تلاه شعور بالاختناق. سكرات موت لاذعة وحادة بدت وكأنها كانت تنبعث من رقبته منطلقة صوب كل نسيج من أنسجة جسده وأطرافه. بدت هذه الآلام وكأنها تومض على طول شبكة عريضة من التشعبات ذات الخطوط الواضحة المعالم وتضرب بتواتر سريع لا يصدق.

لقد بدت آلامه مثل تيارات نارية نابضة كانت تسخنه الى درجات حرارية لا تطاق. بالنسبة لرأسه ، لم يكن واعيا بشيء سوى شعور بالتخمة .. بالإحتقان . كانت هذه الأحاسيس غير مصحوبة بالتفكير. لقد إنطمس بالفعل ذلك الجزء من طبيعته العاقلة ؛ وبقيت له قوة الشعور فقط ، والشعور كان عذاب محض . كان واعيا للحركة. محاطاً بسحابة مضيئة ،لايشعر منها بغير قلبها الناري الذي كان هو نفسه ، دون جوهر مادي ، تارجح عبر أقواس من التذبذب لا يمكن تصورها، مثل بندول ساعة عملاق . ثم في الحال وعلى نحو مفاجيء ، إندفع النور المحيط به الى الأعلى ، مصحوباً بضوضاء طرطشة عالية ؛ وغمر أذنية طنين مخيف ، وشعر من حوله بالبرد والظلام. إستعاد قوة الفكر ؛ لقد عرف بأن الحبل قد إنقطع، وبأنه قد سقط في النهر. لم يعد ثمة شنق اضافي ؛ لكن حبل المشنقة الملفوف حول رقبته كان يخنقه بالفعل ويمنع الماء من الوصول الى رئتيه. الموت شنقا في أسفل النهر .. ! بدت له الفكرة سخيفة . فتح عينيه في الظلام ورأى فوقه بصيص من نور ، لكن كم كان بعيداً، وكم كان صعباً الوصول إليه ! كان لايزال يغرق لأن النور كان يصغر ويصغر ويصبح أكثر خفوتا حتى صار مجرد ومضة . ثم بدأ ينمو ويسطع ، وعرف أنه كان يرتفع نحو السطح .. عرف ذلك على تردد منه ، لانه كان الآن يشعر بالإرتياح الشديد . "أن تُشنق ويتم إغراقك" ، فكر ؟ "هذا ليس سيئا للغاية ، لكني لا أود أن تُطلق علي النار . لا ؛ لن أسمح بإطلاق النار علي ؛ هذا ليس عدلا."

لم يكن واعياً بأنه بذل أي جهد ، لكن ألماً حاداً في معصمه أخبره بأنه كان يحاول تحرير يديه. ومنح للكفاح جل إنتباهه ، لكنه كان يلاحظ نفسه كما يلاحظ مراقب كسول ألاعيب ساحر مشعوذ ، دون إهتمام بالنتائج. ياله من جهد رائع .. ! يالها من عظمة ، يالها من قوة خارقة! آه ، لقد كان ذلك جهداً طيباً! برافو! سقط الحبل بعيدا ؛ إفترقت ذراعيه وطفت نحو الأعلى ، يداه تبدوان غائمتين في غبش النور المتزايد . أخذ يراقبهما بإهتمام جديد عندما إنقضت واحدة منهما ثم الأخرى على الإنشوطة الملتفة حول عنقه . إنتزعت اليدان الإنشوطة وألقت بها جانباً بقوة ، تموجات الإنشوطة تشبه تموجات أفعى الماء. "أعيديها الى مكانها ، أعيديها الى مكانها !" ظن انه صرخ بهذه الكلمات مخاطباً يديه ، لأن فك خناق الأنشوطة حول عنقه تلته وخزة مروعة لم يشهد لها مثيلاً في حياته . إعترى رقبته وجع فظيع ، وإشتعل دماغة بنار من الم مبرح ، وقلبه ، الذي كان يدق دقات خافته ، قفز قفزة عظيمة ، محاولاً الخروج عنوة من فتحة فمه . غطى الألم جسده بأكمله ، وإستشعرت خلاياه عذاب كرب لا يطاق! لكن يداه المتمردتان لم تكترثا للأمر. وراحتا تشقان الماء بقوة بضربات سريعة الى الأسفل ، مجبرة إياه على الصعود إلى السطح. شعر برأسه يخرج ؛ وأعمى عينيه سطوع الشمس ؛ توسع صدره مرتعشاً، وبألم شديد لامزيد عليه عبت رئتيه أول دفقة من الهواء ، زفرها فوراً الى الخارج على شكل صرخة مدوية !

إستعاد السيطرة الآن على كامل حواسه الجسدية . لقد كانت ، في الواقع ، متحفزة ويقظه بشكل خارق للعادة. شيئ ما في الاضطراب المروع لنظامه العضوي قد شحذ حواسه وصقلها ، مانحاً إياها القدرة على تسجيل أشياء لم يكن يدرك وجودها من قبل. شعر بخفقان تموجات الماء على وجهه ، وسمع صوت كل مويجة على حدة ، وهي تضرب وجهه . تطلع الى الغابة الكائنة على ضفة الجدول ، ورأى الأشجار فرادى واحدة واحدة ، رأى الأوراق وتعرقات كل ورقة .. شاهد حتى الحشرات الزاحفة فوقها : الجراد ، والذباب ذو الأجسام اللامعة ، العناكب الرمادية وهي تنسج شباكها من غصين لغصين.لاحظ الألوان المنشورية في كل قطرة من قطرات الندى على مليون ورقة من أوراق العشب. سمع طنين البعوض المتراقص فوق دوامات التيار ، ورفيف "أجنحة " ذبابة التنين ، وضربات سيقان عناكب الماء ، مثل مجاذيف قارب .. كل هذه الاصوات إستقبلتها أذنيه بوضوح موسيقي عذب. انزلقت تحت ناظريه سمكة وسمع اندفاعة جسدها وهي تشق صفحة المياه.

لقد صعد إلى السطح ووجهه أسفل التيار ؛ في لحظة بدا له العالم المرئي وكأنه كان يدور حول نفسه ببطء، وشعر بأنه نفسه كان النقطة المحورية لذلك الدروان، وشاهد الجسر ، والحصن ، والجنود الواقفين على الجسر ، والنقيب ، والرقيب ، و الجنديان ، جلاديه . كان جلادوه تفاصيل في صورة ظلية قبالة السماء الزرقاء. كانوا يهتفون ويحركون اياديهم ، مشيرين له. كان النقيب قد سحب مسدسه ، لكنه لم يطلق النار؛ الآخرين لم يكونوا مسلحين. كانت حركاتهم بشعة ومرعبة ، بأشكالهم الضخمة.

فجأة سمع صوت دوي حاد صاحبه شيء ما ضرب سطح الماء بقوة على بعد بضع بوصات من رأسه ، ناثراً وجهه برذاذ الماء. سمع دوي ثان ، وشاهد واحدا من الحراس مع بندقيته على كتفه ، وسحابة خفيفة من الدخان الأزرق تنبعث من الفوهة. شاهد الرجل الموجود في النهر عين الرجل الواقف على الجسر تحدق في عينيه من خلال فتحة تسديد البندقية. لاحظ أنها كانت عين رمادية وتذكر انه قرأ بأن العيون الرمادية أشد مضاءاً من بقية العيون، وأن جميع الرماة الماهرين لهم عيون رمادية. ومع ذلك ، عجز صاحب هذه العيون الرمادية عن إصابة الهدف .
أمسكت دوامة معاكسة بفاركوهار وأدارته نصف دورة ؛ ومن جديد وجد نفسه ينظر الى الغابة الموجودة على الضفة المقابلة للحصن. إنبعث خلفه الآن صوت واضح وعال ذو رخامة رتيبة ، وإنساب عبر المياه بوضوح مميز اخترق وأخرس جميع الأصوات الأخرى ، حتى صفعات الأمواج في أذنيه. لم يكن فاركوهار جندياً ، رغم ذلك كان قد تردد في حياته على الكثير من المعسكرات ليعرف بمافيه الكفاية المغزى الرهيب لذلك النشيد المتأني البطيء الذي شرعت تستلمه أذناه ؛ كان الملازم الواقف على الشاطئ يشارك في أعمال الصباح. كم كان بارداً وبلا رحمة .. وباي تجويد رتيب وهاديء كان يصدر ذلك النشيد ، منذراً ، وفارضاً الهدوء على الرجال .. أي فواصل محسوبة بدقة كان يضعها بين تلك الكلمات الرهيبة :

" سرية ، إنتباه ! .. تنكب سلاح ! .. إستعد ! .. سدد !.. أطلق النار !.. "

غاص فاركوهار .. غاص الى أعمق مايستطيع . هدر الماء في أذنيه كصوت شلال، رغم ذلك سمع الدوي المكبوت لوابل الرصاص الذي إنهمر ، وعندما إرتفع مرة أخرى الى السطح ، قابلته قطع لامعة من المعدن ، مسطحة بشكل فريد ، تتأرجح هابطة ببطء نحو الأسفل . بعض منها لامست وجهه ويديه ، ثم سقطت بعيدا ، مواصلة هبوطها . واحدة علقت بين ياقته وعنقه ؛ كانت ساخنة بشكل غير مريح فقام بإنتزاعها من مكانها .
عندما صعد الى السطح ، لاهث الأنفاس ، لاحظ أنه أمضى وقتاً طويلاً تحت الماء ؛ كان من الواضح أنه قد تحرك لمسافه ما أسفل التيار الى موقع أقرب الى السلامة . كان الجنود قد إنتهوا تقريباً من إعادة حشو بنادقهم؛ مكابس البنادق المعدنية لمعت دفعة واحدة في ضوء الشمس عندما سُحبت من المواسير ، وأُديرت في الهواء ، وحُشرت في محاجرها. أطلق الحارسان النار ثانية، بشكل مستقل ودون تأثير.

شاهد الطريد ذلك كله من وراء كتفه ؛ إنه الآن يسبح بقوة مع التيار. كان دماغه يشتعل حيوية كما ذراعيه وساقيه؛ كان يفكر بسرعة البرق.
"لن يرتكب الضابط " فكر مع نفسه ، " خطأءه الصارم مرة ثانية. فمن السهل تفادي صلية من الرصاص سهولة تفادي رصاصة واحدة . على الأرجح أنه أعطى الأوامر بإطلاق النار بشكل عشوائي. ساعدني يارب على تفادي كل هذا الرصاص ! "

داهم النهر رشاش مروع ضمن نطاق ياردتين بعيداً عنه ، أعقبه صوت متسارع ، متضائل ، بدا له أن صداه كان يترجع عبر الهواء بإتجاه الحصن وينتهي بإنفجار هز النهر نفسه الى الأعماق !
تقوست فوقه ملاءة صاعدة من المياه ، وسقطت عليه ، أعمته، وخنقه! لقد إشترك المدفع في اللعبة إذاً. وعندما هز رأسه ليخلصه من ضجة المياه التي تعرضت لقذيفة مدفعية سمع الطلقة الشائهة تئز في الهواء فوق رأسه ، وفي لحظة كسرت وهشمت فروع الأشجار في الغابة خلفه .

" لن يفعلوا ذلك مرة أخرى" ، فكر ؛ " في المرة القادمة سوف يستخدمون عبوة عنقودية. يجب ان أتابع المدفع ؛ سيعلمني الدخان بذلك .. الدوي يصل متأخراً جداً؛ إنه يتلكأ خلف القذيفة. إنه مدفع جيد ."
فجأة شعر بنفسه يدور وبدور مثل دوامة .. وإختلط أمام أنظاره الماء بضفاف النهر ، بالغابة ، بالجسر الذي بات بعيدا الآن ، بالحصن بالرجال وغاب الجميع داخل صورة هلامية مشوشة . لم يعد يرى من الاشياء غبر ألوانها فقط ؛ مجرد خطوط لونية أفقية ودائرية .. ذلك كل ماكان بوسعه أن يراه . لقد أمسكت به دوامة ، راحت تبرمه بسرعة دوران وإندفاع شديدة الى الأمام حتى أصابته بالدوار والغثيان . وفي لحظات قليلة قذفته على الحصى عند سفح الضفة اليسرى للتيار .. الضفة الجنوبية .. وراء بقعة بارزة من الارض أخفته عن عيون أعدائه. التوقف المفاجئ لحركته ، وكشط واحدة من يديه على الحصى، أعادا له وعيه ، فجعل يبكي مسروراً. غرز أصابعه في الرمل ، وأخذ يحثو قبضات منه على نفسه مباركاً إياها بصوت مسموع . بدت له حبات الرمل مثل الماس والياقوت والزمرد؛ بل أكثر .. لقد تمثلت له ككل شيء جميل أمكن لذاكرته أن تسعفه به . كانت أشجار الضفة نباتات حدائقية عملاقة؛ لاحظ وجود نسق واضح في ترتيبها ، وعب بأنفه رائحة زهورها . نور وردي غريب أشرق عبر الفراغات الفاصلة بين جذوعها، وعزفت الريح بين فروعها ألحان قيثارات إيوليا.

لم يكن يرغب في إضفاء صفة الكمال على هروبه .. كان يرضيه أن يمكث في تلك البقعة الساحرة حتى يعيدوا إلقاء القبض عليه . أيقظه من حلمه أزيز وقعقعة ذخيرة عنقودية بين الأغصان المتدلية فوق راسه . المدفعي الحائر كان قد أطلق في أثره رشقة وداعية عشوائية . نهض واقفاً على قدميه ، وإندفع صاعداً الضفة المنحدرة ، وغاص في أعماق الغابة .

واصل المسير طوال ذلك اليوم ، مستدلاً بالشمس على وجهته . بدت الغابة بلا نهاية ؛ لم يكتشف أي قطع في إمتدادها الأبدي ، ولا حتى درب للحطابين . لم يعرف من قبل أنه كان يعيش في برية لها مثل هذا الإتساع . كان ثمة شيء غريب في هذا الإكتشاف .
وعندما حل الليل ألفى نفسه متعبا ، متقرح القدمين ، جائعاً. لكن التفكير في زوجته وأولاده حثه على مواصلة التقدم. أخيرا وجد الطريق الذي قاده الى ما يسمى بالإتجاه الصحيح . كان الطريق واسعاً ومستقيماً كأحد شوارع المدينة ، إلا أنه بدا غير مطروقاً من قبل . لاتوجد هنا حقول تحده ، ولامسكن على أي جنب من جنباته، ولاحتى نباح كلب على الأقل يشي بوجود بشر ساكنين على جانبيه. جذوع الاشجار السوداء وحدها شكلت جداراً مستقيماً على كلا الجانبين ، منتهية في الأفق عند نقطة ما ، مثل رسم تخطيطي في درس للمنظور. في الأعلى ، عندما رفع بصره لينظر من خلال ذلك الصدع الموجود في سقف الغابة، شعت نجوم كبيرة بدت له غير مألوفة ومتجمعة داخل تشكيلات غريبة. كان متأكدا من أنها كانت مرتبة حسب نظام ما ذو مغزى خبيث وسري . على الجانبين كانت الغابة حبلى بأصوات فريدة ، تتخللها مرة تلو الأخرى وشوشات وهمسات منطوقة بلسان غير معروف .

كانت رقبته تؤلمه وعندما رفع يده ليتلمسها وجدها متورمة تورماً فظيعاً. كان يعرف أنها كانت محاطة بشريط أسود خلفته كدمات الأنشوطة عليها . شعر بعينيه محتقنتان ؛ وأنه لم يعد من الممكن إغلاقهما. كان لسانه متورما من العطش ؛ وأخذ يخفف من سخونته بدفعه إلى الأمام من بين أسنانه في الهواء الباردة. ماأشد نعومة التربة التي كانت تغطي ذلك السبيل غير المطروق .. لم يعد يشعر بالطريق تحت قدميه !

لا شك في أنه ، رغم معاناته ، قد خر نائما أثناء سيره ، لأنه يرى الآن مشهداً آخر .. أوربما لأنه قد تعافى للتو من حالة هذيان. إنه يقف الآن على عتبه بوابة منزله. كل شيء كما تركه ، مشرق وجميل في نور شمس الصباح الباهر . لابد أنه قد سار الليل باكمله. وإذ يدفع البوابة ويسير فوق الممشى الابيض العريض ، يشاهد رفيف ثياب نسائية ، وزوجته ، التي تبدو طازجة ورائقة وحلوة ، تهبط من الشرفة لمقابلته. في الجزء السفلي من درجات الشرفة تقف في الانتظار ، مع ابتسامة فرح لا يوصف ، وهيئة لا مثيل لها من الرشاقة والكبرياء. آه ، ماأجملها ! يقفز الآن الى الأمام ماداً ذراعيه. وعندما يوشك على معانقتها يشعر بضربة صاعقة على الجزء الخلفي من عنقه ؛ ضوء أبيض معشي يشتعل من حوله مقروناً بصوت يشبه دوي مدفع .. ثم يغرق كل شيء في الظلام والصمت !
بيتن فاركوهار كان ميتاً؛ جسده ، المهشم العنق، كان يتأرجح برفق من جانب إلى جانب تحت أخشاب جسر أوول كريك .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبذة عن الكاتب :
أمبروس غوينيث بيرس 1842- 1913 ، كاتب إفتتاحيات أمريكي ، صحفي وكاتب قصة قصيرة ومؤلف حكايات فنطازية . يعرفه القراء من خلال قصته الأشهر " واقعة جسر أوول كريك " التي نقدم ترجمتها هنا بالإضافة الى شهرته المقرونة بقاموسه الساخر الموسوم ب " قاموس الشيطان " . أكسبته نظرته التهكمية للطبيعة البشرية التي أوحت له بكتابة اعماله بالإضافة الى ماعُرف عنه من كونه ناقداً يتصف بالشدة ، مستهدياً بشعاره الشخصي القائل " لاشيء يهم " أكسبته لقب " بيرس اللاذع " . يستخدم في أسلوبه القصصي البدايات المفاجئة ، والصور المظلمة ، الإشارات المقتضبة للزمن ، الأوصاف المحدودة ، ثيمة الحرب الأهلية الأمريكية ، والأحداث المستحيلة .
في عام 1913 ، سافر بيرس الى المكسيك ليكون على تماس مباشر مع الثورة التي كانت مندلعة في ذلك البلد. وبينما كان مسافرا مع القوات المتمردة ، اختفى الكاتب العجوز دون أن يترك خلفه أثراً .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واقعة جسر أوول كريك
أمبروس بيرس
An Occurrence at Owl Creek Bridge
by Ambrose Bierce
ترجمة : علي سالم

النص باللغة الانجليزية:
http://fiction.eserver.org/short/occurrence_at_owl_creek.html