‏إظهار الرسائل ذات التسميات نيل كاسيدي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نيل كاسيدي. إظهار كافة الرسائل

السبت، 9 يوليو 2016

بعد 60 عاماً من الضياع الرسالة التي ألهمت كيرواك "على الطريق"


أحمد الشافعي
تاريخ النشر: 25 نوفمبر 2014


وصفت بأنها الرسالة التي أسَّست جنساً أدبياً كاملاً. ستة عشرة ألف كلمة حافلة بالتداعيات كتبها نيل كاسيدي لصديقه جاك كرواك سنة 1950، حسبما نشرت صحيفة غارديان البريطانية.

فور قراءتها، مزَّق كيرواك مخطوطة أولية من "على الطريق"، وفي فورة كتابية استمرت زهاء ثلاثة أسابيع، أعاد النظر في أسلوب روايته ليحيله إلى أسلوب شبيه بالذي اتبعه كاسيدي في كتابة الرسالة، وهو الأسلوب الذي سيعرف لاحقاً بأدب جيل البيت Beat literature.

رسالة تحَوُّل

قال كيرواك قبيل موته إن تلك الرسالة كانت لتحوِّل ملهمه كاسيدي إلى علم من أعلام الأدب لولا ضياعها. ويتبيَّن أنها لم تضع، بحسب ما يقول جو مادالينا الذي تعرض دار المزادات التابعة له في كاليفورنيا الرسالة للمزاد العلني في السابع عشر من ديسمبر (كانون الأول). يقول مادلاينا إن الرسالة لم تضع لكن مكانها ظل مجهولاً لأكثر من ستين عاماً.
تعرض الرسالة ضمن مجموعة تضم أوراقاً لـ (إي إي كاننغ، وكينيث ريكسروث، وروبرت بن وارن)، وغيرهم من الشخصيات الأدبية المرموقة. لكن مادالينا يعتقد أن المقتنين سوف يبدون رغبة أكبر في الحصول على رسالة كاسيدي المؤلفة من ثماني عشرة صفحة مكدسة الأسطر تصف زيارة كاسيدي المخمور، المتهم في قضايا جنسية، والطريف في بعض الأحيان، إلى موطنه دينفر.
قال مادلاينا إن الرسالة "تمثل قطعة تأسيسية من أدب جيل البيت، وقد أحاطت مصيرها شائعات وتكهنات كثيرة".
كان كيرواكقد قال لباريس رفيو في عام 1968 إن آلن غينسبرغ، أعار الرسالة لصديق كان يعيش في عوامة في كاليفورنيا، وأعرب كيرواك عن اعتقاده بأن ذلك الصديق قد رمى بها في الماء.

وأضاف كيرواك قائلاً "كانت ملكاً لي. رسالة موجهة إليّ، فما كان ينبغي لغينسبرغ أن يكون على ذلك القدر من الاستهانة بها، ولا الشخص صاحب العوامة".

أعظم نص

أما عن جودة الرسالة فقد وصفها كيرواك على النحو التالي "كانت أعظم نص مكتوب قرأته في حياتي، أفضل من أي نص لأي شخص في أمريكا، أو هي على أقل تقدير كفيلة بأن تقلقل ملفيل وتوين ودريزر وولف ولا أدري من أيضاً في قبورهم".

ويتبيّن أن غينسبرغ كان يحاول نشرها، فأرسلها إلى مطبعة غولدن غوز في سان فرانسيسكو، حيث بقيت في الدار دون أن تفتح، وحينما أوشك المالك أن يرمي الرسالة في سلة المهملات مع كثير من المخطوطات القديمة المرسلة للدار، حدث أن مرّ به مدير فرقة موسيقية صغيرة مستقلة كان يشاركه في البناية فأنقذ الرسالة ومعها جميع المخطوطات والرسائل والإيصالات التي وجدها في أرشيف غولدن غوز، ومضى بكل شيء إلى بيته.

تقول الموسيقية جان سبينوزا التي تقيم وتعمل في لوس أنجليس والتي عثرت على الرسالة وهي تنظف بيت أبيها قبل سنتين "إن أبي لم يكن يعرف من يكون آلن غينسبرغ، ولم يكن يعرف من يكون كاسيدي ، فلم يكن جزءاً من مشهد البيت، لكنه كان يحب الشعر، ولم يتقبل عقله كيف يرمي أحد كلمات كتبها أي شخص".

وبرغم أنها كانت تعلم شخصيات كرواك وكاسادي، لم تكن سبينوزا قد سمعت برسالة جوان آندرسن، وهو الاسم الذي منحه كيرواك للمرأة التي قال كاسيدي إنه أقام معها علاقة عابرة.

رسالة ملهمة

يقول المؤرخ دينيس مكنالي وكاتب سيرة كيرواك إن الرسالة "لا تقدر بثمن. لقد ألهمت كرواك كثيرا في الوجهة التي يريدها لروايته، والتي لم تكن غير هذا الأسلوب الكتابي العفوي المتبع في الرسالة التي خرجت من عقل نيل كاسيدي".

ذلك هو الأسلوب الذي وضعه في رواياته بعد ذلك، سواء "على الطريق" أو "رؤى كودي" التي تناول فيها حكاية كاسيدي من خلال تنكر واهٍ في اسمي دين موريارتي وكودي بوميروي. وظل كيرواك يستخدم ذلك الأسلوب في كتبه التالية مؤسساً به سمعته الأدبية بوصفه آحد آباء جيل البيت.

ويكتسب كاسيدي نزراً يسيراً من الشهرة بوصفه ملهم كرواك، في الوقت الذي اشتهر فيه ثلث رسالة جوان آندرسن بعدما نسخه شخص ما فذاع بين دارسي كيرواك.

عندما اكتشفت سبينوزا أن لديها الرسالة الكاملة، مضت بها إلى مادالينا، تاجر الوثائق التاريخية المرموق للتأكد من أصالتها. ويرفض مالادينا التكهن بقيمة الرسالة، وإن كانت مخطوطة "على الطريق" الأصلية قد بيعت بـ 2.4 مليون دولار في عام 2001، وكان الجميع يعرفون بوجودها. قال التاجر المرموق إن تقييم هذه الرسالة أصعب كثيرا، فهي شيء ما كان أحد يعرف بوجوده على الإطلاق.

من جانبها تقول سبينوزا إنها سعيدة لأن أباها أنقذ الرسالة من الضياع. وترجو ممن يشتريها أن يسمح للجمهور بمشاهدتها، مضيفة أن "الرسالة ممتازة، ويمكن لمن يقرأها أن يرى لماذا كانوا يحبون كاسيدي. أما الكتابة نفسها، فتوشك أن تتنفس في صفحاتها".

ـــــــــــــــــــــــ

نيل كاسيدي.. ملهم حركة جيل البيت

متمرد من «الهيبز» أشعل نيويورك بهتاف: السلطة للشعب

إعداد: أحمد عثمان
تاريخ النشر: السبت 09 يناير 2016


صدر مؤخرا الجزء الثاني من مراسلات نيل كاسيدي، صديق آلان غينسبرج، بطل رواية «على الطريق» ونصوص أخرى كتبها جاك كيرواك في إطار البحث عن الزمن الأمريكي المفقود. نيل كاسيدي، الملهم السري لجيل البيت، حسبما بيّن جاك كيرواك أن «رسالته عن جوان آندرسون» (الموجهة إليه في عام 1951، والمنشورة في الجزء الأول من المراسلات)، تمثل العمل الرائد الذي ألهمه وأرشده (في مسيرته الأدبية).
 أحيانا، ينظر إلى كاسيدي، على اعتبار أنه أحد أكبر السورياليين، الذين تحصلنا منه على بعض الرسائل ورواية أوتوبيوغرافية غير كاملة صدرت بعد الوفاة: «الثلث الأول» (بالإنجليزية)، أو «أول الشباب» (بالفرنسية). هذه المراسلات من الممكن قراءتها اليوم، على الرغم من عدم احتوائها على الرسائل الموجهة إلى كارولين، ملهمته وزوجه الثانية، بسبب مشاكل حقوق الملكية، والتي تتحدث عن الفترة التي قضاها في السجن خلال 1958 و1960، لحيازته «الماريجوانا».
 والمأمول أن تنشر هذه الرسائل قريبا تحت عنوان «Grace Beats Karma». يرجع هذا الجزء إلى عام 1951: في كاليفورنيا، تقابل نيل كاسيدي وكارولين للمرة الثانية، بعد أن هجرها من قبل لأجل ديانا هانسن، وانفصل عنها، واستعاد عمله كشداد فرامل في الساوثرن باسيفيك، حتى موته في عام 1968، على طريق سكة حديدية، في سن الثانية والأربعين. عدد ملحوظ من هذه الرسائل موجه إلى كارولين، أم لثلاثة من أطفاله الأربعة، التي عاش معها حالة حب كبيرة حتى الانفصال والطلاق في عام 1963. وفي نفس الوقت، كانت بطلة كيرواك، ثم أصبحت مؤرخة حركة البيت مع مذكراتها: «على طريقي» (1990).
 تسمح الملاحظات التي أضافتها (المترجمة) فاني والندورف إلى كل رسالة من إعادة بناء تاريخهما، تاريخ الحب العاصف، الرقيق والخالد، الذي يمثل في الوقت الراهن جزءا من أسطورة جيل البيت. بعد موت نيل، التي رفض كيرواك تصديقه، بدأت العلاقة بين كارولين كاسيدي والكاتب تتراجع، وتتعاظم بإدمان الكحوليات. وبعد عام علمت بوفاته. ولذلك، تنتمي كارولين إلى التاريخ، ورسائل كاسيدي الموجهة إليها لا تثير دهشتنا أبدا: بما أنها تمثل تتمة الرسائل المنشورة في الجزء الأول. بالمقابل، ننفعل بالرسائل التي وجهها كاسيدي إلى ابنه جون في نهاية حياته: الأبطال يشيخون ويصبحون آباء. ومع ذلك، بينما كان جاك كيرواك يسمن إلى جانب أمه العجوز، ويصرّح بأقوال «رجعية» أسيء فهمها من قبل معجبيه القدامى، وبينما أطلق آلن غينسبرج لحيته وأصبح ممثل الحركة وأخذ يهز قبضته إلى جانب (جون) لينون، السلطة للشعب، في الساحات النيويوركية، كان نيل كاسيدي، الدائم الشباب، كما وصفه (بوب) ديلان، ينبجس من الرماد في سن النضوج ويتجسد كأيقونة لجيل جديد، جيل الهيبز، الذي ظهر في الستينيات.
 وهكذا أخذ صديق كيرواك وغينسبرج يجول الولايات المتحدة الأمريكية رفقة كين كيزي وموسيقى الروك. أصبح بطل كيرواك بطل توم وولف أيضا (مؤلف أحد الكتب المهمة: تجربة الحامض). بينما ارتبط غينسبرج، «الشاب العجوز» المثير للشفقة بالنجم الصاعد ديلان لكي يبقى في النور (فيلم: «رينالدو وكلارا»، الفيلم الوحيد لديلان، النتاج الملعون. ديلان وغينسبرج يدعسان بأقدامهما أوراق الخريف، يتقابلان عند قبر كيرواك)، فإن نيل، غير الناضج، المتمرد، الجاهل (بالمعنى النبيل للكلمة: «إنه غير مثقف»، والذي حافظ على أصالته) ظل جزءا من مغامرة الستينيات. أخطأنا عندما اعتقدنا أن نيل، سائق الباص، الملاك خائر القوى، المتمرد، أصبح سائقا لدى السيد: إذا كان كين كيزي أجبره على قيادة باص «المساخر المبهجة»، لكي ينقل الكلام الهيبي عبر البلاد، فهذا لأن نيل كان يمثل الحرية المطلقة عن كيرواك وغينسبرج، المتخثرين في صورتيهما المعبرتين عن أصالة (وجود) البيت. وربما لأنه لم يكن كاتبا (بالمعنى الدارج)، ولكن قبل أي شيء شخصية لا يمكن اختزالها في مدرسة (حرة)، في تاريخ، في نموذج. كان نيل نجما، شمسا، حلما قادرا على تأجيج أجيال متتابعة، خافية بدائية.

ـــــــــــــــــــ
المصدر: الاتحاد

كاسادي كتب ثورته في رسائل السجن

باريس - أنطوان جوكي

تاريخ النشر: 11 يونيو 2015 


في نهاية الأربعينات، تصل رسائل مراهق من ولاية كولورادو الأميركية إلى جامعة كولومبيا، في نيويورك. الطلاب الذين اطّلعوا عليها، امتدحوا جميعاً أسلوبها الفريد. هالدون شايز، الذي كانت هذه الرسائل موجّهة إليه، يجزم بأن صديقه نيل كاسادي كتبها في السجن بعدما سرق نحو 500 سيارة، وأغوى عدداً مماثلاً من النساء. لكن ما كان يجهله هؤلاء الطلاب، أن إعصاراً كان على وشك اجتياح قلوبهم وحياتهم معاً. إعصارٌ من الطاقة والكلمات والحب. ما كان يجهله هؤلاء أيضاً، أنهم سيؤسسون لثورة ثقافية واجتماعية سيبلغ صداها كامل المعمورة، ويدخلون التاريخ تحت اسم «جيل البيت» (بيت جينريشين).

ثمرة طموحات طائفة من الشعراء والفنانين الجانحين، واجهت هذه الثقافة المضادة، ثقافة أميركا الاستهلاكية، مفجّرةً في طريقها التقاليد الراسخة ومحرّرةً الأخلاق في شكلٍ لا سابق له. الأجيال اللاحقة حفظت أسماء جاك كيرواك وألان غينسبرغ وويليام بوروز، واعتبرتهم الوجوه المؤسسة لهذه الحركة. ولا شك في أن كل واحد منهم وضع، في حمّى هذه الثورة، تحفة أدبية طليعية («في مهب الطريق»، «صراخ»، «الوليمة العارية»). وبتحقيقهم سفرهم الداخلي الكبير عبر تنقّلهم الثابت داخل بلدهم، أعادوا إحياء الأسطورة الأميركية.

لكن رسائل كاسادي الأولى، مثل تلك التي كتبها لاحقاً لرفاقه وزوجاته الثلاث، تكشف واقعاً آخر، أكثر غنى وإثارة مما هو معروف، رسائل نتوقّف عندها اليوم لبقائها مجهولة حتى عام 2005، ولصدور ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار Finitude في جزءين: الجزء الأول (1944 ـ 1950) صدر العام الماضي بعنوان «شيءٌ جميل يتضمن كل شيء»، والجزء الثاني (1951 ـ 1968) صدر حديثاً بعنوان «مجنون بالحياة، بك وبكل شيء».

ما يتجلّى لنا لدى قراءة هذه الرسائل، أن كيرواك وغينسبرغ وبوروز لم يكونوا من المتمرّدين في بداية مسيرتهم، ولم يتطلّبوا شيئاً إلا من ذاتهم، ولم يروا أنفسهم كحركة طليعية. كل ما في الأمر، أنهم ساروا على الطريق الذي أرادوا أن ينفتح أمامهم، توجّههم ضرورة حميمة نحو ولوج البعد الروحي للوجود بطُرُقٍ جديدة. وبالتالي، قصّتهم هي، قبل أي شيء، قصة بحثٍ مشترَك، قصة مشروع وجودي كان يجمعهم ويمرّ حتماً بالكتابة. ويتعلّق الأمر بالاستجابة إلى دعوة الحياة التي جسّدها لهم كاسادي نظراً إلى تلبيته هذه الدعوة، قبل أي واحد منهم، بطاقة حيوانٍ مفترس.

ولكن مَن هو هذا الرجل الذي تسلّط على أرواح - وأعمال - رفاق دربه، وكشف لكيرواك الأسلوب الذي يتوجّب اتّباعه في الكتابة؟ تسمح رسائله الغزيرة بنسيان أسطورته لمصلحة حقيقته كإنسان.

حين وصل كاسادي إلى نيويورك، كان صيته قد سبقه إلى هذه المدينة. ولم تلبث فتنته وشخصيته المغناطيسية أن تُنجزا ما تبقّى من صورته. فبمعاشرته، اتّسع واقع رفاقه اليومي وصار كل شيء متوهّجاً، متفجّراً. ونظراً إلى حماسته وعبقريته وتحرّره من أيّ كبت، أصبح بسرعة الأخ والعشيق والنموذج. ولعلّ أفضل وصف لشخصيته المعقّدة والفريدة، ما كتبته زوجته كارولين عنها: «ماسةٌ خام بوجوه متعددة». ولفهم هذه الشخصية، لا بد من التذكير بالظروف الصعبة التي اختبرها كاسادي منذ نعومة أظافره، إذ فقد أمه في سن العاشرة، وعاش في شوارع مدينة دينفر مع والده المتشرّد والسكير. وبالتالي، ثقّف نفسه بنفسه ضمن طموحٍ في الارتقاء لن يغادره أبداً، ورغبة في تعلّم - وفهم - كل شيء، وفي ممارسة الكتابة. وإذ منحته حماسته ثقةً كبيرة بنفسه، فإن مرحه فتح له كل الأبواب.

ولأنه كان قادراً على عيش حيوات عدة في آنٍ، تعذّر على الآخرين التنبّؤ بسلوكه المتوتّر والمتهوِّر الذي أذهل الجميع. من هنا تساؤل كيرواك في شأنه: «أيُّ نور يلمع في روحه كي يكون على هذا النحو؟». في إحدى رسائله، يجيبه كاسادي: «لا أفعل شيئاً آخر سوى الاستسلام لما يتحكّم بي، أي الانفعال الصافي». وما إفراطه في التجارب سوى وسيلة لمنح معنى لما كان يعيشه، وتلبية رغبته في معرفة ذاته والتعبير عن نفسه. بعبارة أخرى، كان كاسادي عرضة لإثارة لا حدود لها، «كما لو أن كل شيء يصعقه في القلب ويلتهمه بنارٍ سرمدية»، على تعبير بوكاوسكي. وفي الواقع، اتّبع الشاعر غريزته بطريقة فضائحية، وجعل من كل شيء مصدر إلهامٍ له، علماً أن هذه الإثارة كانت تتوارى أحياناً أمام فترات اكتئاب طويلة.

أما كتابته، فعلى صورة طبعه. حيوية إلى أقصى حدود، تتناول موضوعات عدة في آن، وتتجاوز غالباً نيات صاحبها الذي كتب، لهذا السبب، بلا ترقيم، ملتصقاً بحبل أفكاره وأحاسيسه، ومخضعاً النحو لإيقاعه الداخلي. ومن موضوع إلى آخر، نراه يبتكر كلمات، يتوقف في منتصف مقطعٍ، ثم يتابع جملته ممدداً إياها إلى ما لا نهاية، قبل أن يقرر ختمها، تماماً كما كان يقود سيارته، أي متجنّباً الفرملة حتى اللحظة الأخيرة.

وفي الكتابة أيضاً، اختبر كاسادي وبحث، متلاعباً باللغة والمفردات حتى الإنهاك. وأحياناً، نستشفّ لديه صعوبة في الإمساك بـ «رسن» كتابته، خصوصاً حين كان يكتب تحت تأثير الكحول أو المخدرات، كما نلاحظ تبنّيه أساليب عدة، وفقاً للشخص الذي كان يكتب إليه، وإدراجه اقتباسات ومقاطع من كتب مختلفة، وتيهه في اعتبارات مجرّدة، قبل أن يعود إلى موضوعه المفضّل، أي سرد فصولٍ من حياته.

لهذه الأسباب كلّها، اعتبره جميع رفاقه الكاتب الحقيقي بينهم، وصرّح كيرواك غالباً بأن رسائل كاسادي هي التي شرّعت أبواب الكتابة أمامه، وبأنه تدرّب أشهراً طويلة للكتابة مثله، بصيغة المتكلّم وبتفاصيل كثيرة، من دون الاكتراث لقوانين السرد المعهودة. ولأنه كان على يقين بأن صديقه سيصبح كاتباً كبيراً، جعل منه مادّته الرئيسة، فسجّل حواراته معه وزار أماكن طفولته ونسخ رسائله لدمجها في روايته «على الطريق».

عمل كاسادي طويلاً على سيرته الذاتية، «فتوّة أولى»، لكنه يئس مراراً من عدم تمكّنه من إنجازها، علماً أنه سيُنجزها، من حيث لا يدري، في رسائله التي تشكّل مجتمعةً أفضل بورتريه ذاتي له، ورواية مساريّة فريدة من نوعها تشكّل خير تعبيرٍ عن طبعه وحياته ومواقفه. ففيها، نستخلص عدم اكتراثه للمادّية السائدة، وحذره الشديد من الجمود الذي يفرضه المجتمع، ودعوته الملحّة لنا إلى الاختبار والابتكار.

ــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة اللندنية.