‏إظهار الرسائل ذات التسميات هاربر لي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هاربر لي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 12 سبتمبر 2016

البدايات المتواضعة لأشهر الأدباء


الخبرات السابقة للكاتب لا تعتبر مضيعة للوقت

د. حمد العيسى




عندما ننظر إلى بعض مشاهير الكتاب في العالم يحسب البعض أنهم ولدوا مشهورين وأثرياء كما نراهم ولكن الحقيقة قد تكون خلاف ذلك كثيرا . يقول المثل الفرنسي «الألم العظيم ينتج عملا عظيما» ونعتقد أن هذا الأمر صحيح تماما في مجال الكتابة كما سنرى عندما نستعرض هنا البدايات الصعبة لبعض عمالقة الأدب في القرن العشرين التي جمعناها بسرعة من هنا وهناك. ولذلك نقول: نعم، إن معرفة البدايات المتواضعة للكتاب الأكثر نجاحا في التاريخ يمكن أن تكون تجربة علاجية لكتاب المستقبل لأن بعض أولئك المشاهير - ويا للعجب - عملوا في وظائف ليست لطيفة ولا مريحة على الإطلاق. وآخرون أثّرت بداياتهم المتواضعة في أعمالهم من شعر أو قصة أو رواية وهو ما يثبت مقولة إنكليزية قديمة وصادقة أصبحت مثل الكليشية: «الخبرات السابقة للكاتب لا تعتبر مضيعة للوقت». دعونا نأخذ جولة سريعة مع عشرة من عمالقة الأدب الحديث وماذا كانوا يفعلون من أجل لقمة العيش قبل شهرتهم: 


(1) جيه كيه رولينغ

بعد حصولها على شهادة البكالوريس في الفرنسية، لم تجد السيدة رولينغ وظيفة سوى سكرتيرة في فرع منظمة العفو الدولية في لندن ثم فقدت تلك الوظيفة المتواضعة واضطرت للعيش على مرتب «الضمان الاجتماعي» للعاطلين حيث عانت من اكتئاب عنيف وكادت أن تنتحر قبل أن تنتهي من تأليف كتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» وهي القصة الأولى من سلسلة هاري بوتر التي صدر منها 7 أجزاء للمؤلفة البريطانية المولودة عام 1965. وهكذا انتقلت رولينغ من قاع الفقر إلى قمة الثراء خلال خمس سنوات فقط. وهكذا دشنت هذه القصة سلسلة روايات نتج عنها إمبراطورية مالية هائلة ومدهشة بعد بيع 450 مليون نسخة تقريبا من كتب رولينغ وإنتاج بعض الأفلام التي حققت أعلى الإيرادات في تاريخ السينما على الإطلاق. 

(2) ستيفن كينغ

قبل نشره رواية «كاري» عام 1974 التي سبق أن رفضت عدة مرات من قبل الناشرين، كان ستيفن كينغ كاتبا محبطا. فبعد تخرجه من الجامعة عام 1970 بشهادة بكالوريوس في اللغة الإنكليزية لم يجد عملا كمدرس كما كان يحلم ولذلك اضطر للعمل فرّاشا في مدرسة ثانوية وكان يمسح الأرض ليكسب ما يسد رمقه. ولذلك، لا عجب أن أطفال المدارس كانت نهايتهم بشعة في رواياته. ولد الكاتب الأمريكي ستيفن كينغ عام 1947 واشتهر بلقب «ملك الرعب» بسبب رواياته التي تندرج ضمن أدب الرعب. وهو حائز على ميدالية مؤسسة الكتاب الوطنية لإسهاماته البارزة في الأدب الأمريكي. أصدر كينغ 49 رواية، و9 مجموعات قصصية، و9 كتب غير روائية وتم بيع أكثر من 350 مليون نسخه من كتبه حول العالم. تحول العديد من قصصه القصيرة ورواياته إلى أفلام سينمائية ناجحة. وحصل على عدد هائل من الجوائز نظير أعماله.

(3) تي إس إليوت

إذا كنت تظن أن الشعر والتمويل البنكي لا يوجد بينهما عامل مشترك، فعليك بإعادة التفكير لأن الشاعر الإنكليزي الأعظم تي. إس. إليوت (1888-1965) عمل موظفا في «بنك لويدز» في قسم حسابات المستعمرات والدول الأجنبية لمدة ثماني سنوات. وقال إليوت إن معظم أبيات قصيدته الخالدة «الأرض اليباب» تبلورت في مشواره من وإلى البنك. ثم ترك «بنك لويدز» ليعمل محررا لدى الناشر «فيبر آند غوير» ثم محررا لدى الناشر «فيبر آند فيبر» وواصل هذا العمل حتى أصبح مديرا للنشر في هذه الدار واستمر فيها حتى تقاعده. حصل على جائز نوبل في الأدب عام 1948. أصدر إليوت 26 ديوانا شعريا، ورواية واحدة، و9 مسرحيات، و44 كتابا أدبيا منوعا. يعتبر بحق أهم شاعر بالإنكليزية في القرن العشرين. تعتبر قصيدته «أغنية حب جي ألفرد بروفروك» تحفة فنية لحركة الحداثة وكان قد بدأها عام 1910 وأنهاها عام 1915.

(4) جيه دي سالينغر

كان مبغضا للناس بصورة أسطورية تصل للعداوة، منعزلا ومزدر ل «الزيف». سالينغر عمل ذات مرة كمقدم لبرامج الترفيه على مسرح سفينة سياحية سويدية فاخرة، ثم عمل في تجارة اللحوم، وربما ألهمت قصته القصيرة «تيدي». جيروم ديفيد سالينغر (1919 -2010) روائي أمريكي اشتهر بروايته «الحارس في حقل الشوفان» التي حققت نجاحا باهرا وصنفت بأنها من أهم روايات القرن العشرين. شارك في الحرب العالمية الثانية. واشتهر بطباعه الانعزالية التي بدأت عام 1953. لم ينشر سالينغر عملاً أدبياً مذ 1965. وكانت آخر مقابلة صحفية له عام 1980. أصدر ثلاثة روايات وخمس مجموعات قصصية وكان يعتبر مصدر إلهام لجيل كامل من الكتاب. باعت كتبه - رغم قلتها - 65 مليون نسخة.

(5) كورت فونيغوت 

قد يتذكره محبو الأدب لأفضل أعماله وهي رواية «المسلخ رقم خمسة»، لكن الخبراء في السيارات قد يفضلون أن يتذكروا فونيغوت كأول مدير معرض لوكالة سيارات «ساب» في أمريكا، في كيب كود في ولاية ماساتشوستس. كورت فونيغت (1922 - 2007) كاتب أمريكي من أصل ألماني مشهور برواياته وقصصه القصيرة وميوله اليسارية . التحق بالجيش الأمريكي عام 1943، وقاتل في الحرب العالمية الثانية. ورغم كونه ملحدا، إلا أنه قال عام 2005، في حوار ردا على سؤال عن رأيه في وصف دبليو بوش للإرهابيين بالجبناء: «أنا أعتبر من يفجر نفسه شجاعا جداً». وعند الضغط عليه للمزيد أضاف: «الانتحاريون يموتون من أجل تحقيق احترام الذات. من الفظيع حرمان شخص ما من احترامه لذاته. إنه مثل اعتبار أن ثقافتك لا شيء، وأصلك العرقي لا شيء، وأنت لا شيء ... واعتقد أنه من النبل والشرف، أن يموت شخص في سبيل ما يؤمن به». أشهر رواياته «المسلخ رقم خمسة» تعتبر مزيجاً من الكوميديا السوداء والخيال العلمي، وتقوم فكرتها على مناهضة الحرب لأنها تؤدي حتماً إلى قتل المدنيين حيث صور فيها قصف الحلفاء الوحشي لمدينة دريسدن الألمانية في الحرب العالمية الثانية حيث قدرت الخسائر البشرية آنذاك فيها بأكثر من 100 ألف مدني. أصدر فونيغوت 14 رواية، و13 مجموعة قصصية، و7 مسرحيات، و5 كتب أدبية منوعة (نقد، حوارات معه، سيرة، فن الكتابة، ...إلخ). 

(6) دوغلاس آدامز

رحلة دوغلاس آدمز من خلال الزمان والمكان وكوميديا كما في روايته الشهيرة «دليل المسافر إلى المجرة» جاءت إليه بينما كان يعمل حارس أمن لفندق في لندن. مما يجعلنا نشك أنه كان ينام فعلا أثناء العمل. دوغلاس نويل آدمز (1952-2001) روائي بريطاني وكاتب درامي إذاعى وموسيقار هاوي. من أشهر أعماله سلسلة روايات «دليل المسافر للمجرة» والتي بدأت كمسلسل إذاعى وتطورت فيما بعد لسلسلة روايات من خمس أجزاء (بيع منها أكثر من 15 مليون نسخه أثناء حياته) وتحولت إلى مسلسل تلفزيوني مبني على القصة وكتاب قصص مصورة ولعبة كمبيوتر وأخيرا فيلم سينمائي اكتمل بعد وفاته. 

(7) جيمس جويس

كان جيمس جويس عاطلا عن العمل لدرجه أنه لم يسعفه سوى صوته الرجولي الذي وفر له وظيفة مؤقتة كتينور Tenor في كورال أوبرالي قبل أن يصبح في نهاية المطاف مؤلفا. والتينور هو نوع من الأصوات الغنائية الرجالية، والذي يعتبر أعلى الأصوات الرجولية في المجال الوسطي. جيمس جويس (1882-1941) كاتب وشاعر أيرلندي وقد وصفت روايته «يوليسيز» (1922) التي قضى 7 سنوات في كتابتها وترجمت إلى العربية بعنوان «عوليس» بأنها «عرض كامل لحركة الحداثة» وتميزت بإتقان جويس فيها لحد الكمال تقريبا تقنية سيل الوعي أو تداعي الذاكرة. وضعته مجلة تايم عام 1999 ضمن أهم 100 شخصية في القرن العشرين لأنه «أحدث ثورة في فن كتابة الرواية». أصدر 3 روايات و3 دواوين شعر ومسرحية و3 كتب تحتوي على رسائله و6 كتب أدبية منوعة. وخضعت أعمال جويس لتدقيق شديد ودراسة من قبل كبار العلماء من جميع التخصصات لتقنيتها العالية. كما كان لها تأثير هام وكانت مصدر إلهام قوي لكتاب كبار مثل صمويل بيكيت، وخورخي لويس بورخيس، وجون أبدايك، وديفيد لودج، وجوزيف كامبل. 

(8) روبرت فروست

حتى الشعراء الكبار مثل روبرت فروست - الحائز أربع مرات على جائزة بوليتزر للشعر - ينبغي أن يبدأ في مكان ما. وفي حالة فروست عمل في مصنع في ولاية ماساشوستس كفني كهرباء حيث كان متخصصا في تغيير المصابيح (اللمبات) المحترقة. روبرت فروست (1874 - 1963) شاعر أمريكي يعتبر في نظر الكثيرين كواحد من أهم الشعراء باللغة الإنكليزية في القرن العشرين. إذ حاز خلال حياته أربع جوائز بوليتزر وهي أرفع جائزة أدبية أمريكية حيث تلقب بنوبل أمريكا. لم يكمل تعليمه الجامعي. يعرف فروست بأسلوبه البسيط والمباشر وبأوصافه المثيرة للمشاعر لمناظر منطقة نيو إنغلند الخلابة شمال شرق الولايات المتحدة. كتب 136 قصيدة صدرت في 31 ديوان، وصدر له 4 مسرحيات، و7 كتب أدبية منوعة (رسائل وحوارات ونقد ...إلخ). 

(9) هاربر لي

بينما كانت تعمل كبائعة تذاكر لخطوط إيسترن الجوية الأمريكية، كانت مشاكل السيدة هاربر لي المالية سيئة للغاية لدرجة أن العالم بأكمله تقريبا لم يستطع «أن يقتل عصفوراً محاكياً». ولحسن الحظ منحها صديقها المؤلف المسرحي في برودواي مايكل براون مارتن رواتبها لمدة سنة مقابل التفرغ الكامل للكتابة ما نتج عنها روايتها الشهيرة «أن تقتل عصفوراً محاكياً». نيلي هاربر لي مؤلفة أمريكية معاصرة ولدت عام 1926 واشتهرت بروايتها الرائعة «أن تقتل عصفوراً محاكياً» To Kill a Mockingbird التي فازت بجائزة بوليتزر عام 1960 وأصبحت من الراويات الكلاسيكية المقررة في المدارس والجامعات العالمية. وهي رواية تتناول قضايا التفرقة العنصرية ضد السود التي عايشتها المؤلفة في الجنوب الأمريكي في مسقط رأسها بولاية ألباما. نالت هاربر لي عام 2007 الميدالية الرئاسية للحرية عن مجمل مسيرتها الأدبية ولكنها رفضت دائما إلقاء الخطب في المناسبات التي تشارك فيها.

(10) وليام فولكنر

قد يكون رسب وانسحب Dropped Out من جامعة ولاية ميس يسيبي، ولكن ذلك لم يجعل مؤلف رواية «الصخب والعنف» ويليام فولكنر يتسكع. حقا لقد اضطر للعمل كمرسول بريد لمدة ثلاث سنوات في مدرسته الثانوية القديمة. ويليام كتبيرت فوكنر (1897 - 1962) روائي وشاعر أمريكي وأحد أكثر الكتاب الأمريكان تأثيراً في القرن العشرين. حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1949 نظير «مساهمته القوية والفريدة في تطوير الأدب الأمريكي الحديث»، كما نال جائزة بوليتزر الأمريكية الرفيعة مرتين عن اثنتين من رواياته (عامي: 1954، و1962). احتلت روايته «الصخب والعنف» المركز السادس في قائمة أفضل 100 رواية في القرن العشرين وشملت القائمة روايتين أخريين له. أصدر 19 رواية، وكتب 125 قصة قصيرة، ومسرحية وحيدة، و6 دواوين شعرية، وكتب 20 سيناريو لأفلام سينمائية.

انتهى

نقلا عن مصادر عديدة منها: «هافينغتون بوست»، و«لوس أنجليس تايمز»، و«صالون دوت كوم» و«غاديان»، و«ويكيبيديا» وغيرها.

ـــــــــــــــــــ

الجمعة، 29 يوليو 2016

«قتل عصفور ساخر» لهاربر لي: ضمير المحامي ضد عنصرية أميركا

إبراهيم العريس

تاريخ النشر: 17 ديسمبر 2014

العلاقة بين مهنة المحاماة والآداب والفنون في الولايات المتحدة ليست على ما يرام. ففي السينما بخاصة كما في الرواية، نادراً ما يقدّم المبدعون الأميركيون صورة إيجابية للمحامي... مع العلم ان الصورة التي تغلب عليها السلبية والتي غالباً ما يُقدّم بها المحامي، أحياناً في شكل جدي وأحياناً في شكل ساخر، تلقى عادة رضا الرأي العام، كنوع من الثأر من مهنة يعرفون انهم يحتاجون الى اصحابها في العديد من شؤونهم، ويعرفون ايضاً أنها تكلفهم كثيراً، في كل شأن من هذه الشؤون. وهذا الواقع هو الذي يجعل مهنة المحاماة واحدة من أكثر المهن دراً للأرباح. غير ان هذا لم يمنع الرأي العام الأميركي من اعتبار آتيكوس فينش، واحداً من كبار ابطالهم في القرن العشرين، مع انه محام. لكن المشكلة تكمن في ان فينش هذا لم يكن له وجود في واقع الأمر على الإطلاق، بل هو من بنات أفكار الكاتبة هاربر لي في الرواية الوحيدة التي كتبتها طوال عمرها المديد، وهي الرواية التي تعتبر واحدة من أشهر النصوص الأدبية في الولايات المتحدة خلال القرن العشرين، وتصنف دائماً بوصفها، وفق التعبير الأميركي، الرواية التي ينبغي ان يقرأها كل إنسان قبل ان يموت. الرواية عنوانها «قتل عصفور ساخر»، صدرت طبعتها الأولى العام 1960، وسرعان ما حوّلها روبرت ماليغان الى ذلك الفيلم الذي حمل العنوان نفسه، وفاز بجوائز أوسكار عدة، جاعلاً لآتيكوس فينش، منذ ذلك الحين، ملامح النجم السينمائي المحبوب غريغوري بيك الذي قام بالدور بنجاح مشهود فاعتبر واحداً من أقوى وأجمل الأدوار التي أداها في مساره السينمائي المرموق. بل يمكن ان نقول ايضاً ان هذا الفيلم والدور الذي لعبه بيك فيه هو الذي جعل هذا الأخير يعتبر دائماً الفنان المحبوب والأكثر شعبية في تاريخ السينما الأميركية. أما بالنسبة الى كاتبة الرواية هاربر لي، فإنها بعد ذلك المجد الكبير الذي عاشته بفضل روايتها، عجزت عن كتابة أية رواية أخرى، على رغم كل محاولاتها، فعاشت منزوية الى درجة ظن كثر معها انها ماتت، الى ان كرّمها الرئيس الأميركي جورج بوش خلال ولايته، فعادت الى الواجهة ولو إلى حين. غير ان الإنصاف يقتضي منا ان نشير الى ان هاربر لي، عادت قبل ذلك الى الحياة، لمناسبة تحقيق فيلمين متتالين عن فصول من حياة الكاتب ترومان كابوتي، إذ من المعروف ان هاربر كانت رفيقة طفولة هذا الأخير، ثم واكبت حياته لاحقاً، وكانت هي الكاتبة التي رافقته - كما يرينا الفيلمان - الى تلك البلدة الصغيرة في كنساس حيث كتب التحقيق الذي صار لاحقاً كتابه الأشهر «بدم بارد».

> مهما يكن من أمر هنا، لا بد من ان نذكر ايضاً ان ترومان كابوتي المراهق، يظهر كواحد من شخصيات الرواية، تحت اسم ديل، حيث ينضم الى الأخوين الصبيّة سكاوت والفتى جيم، في «مغامرتهما» المدهشة التي تشكل أساس «قتل عصفور ساخر». ذلك ان جزءاً اساسياً من احداث الرواية وشخصياتها، مستقى من سيرة هاربر لي نفسها، حيث وهي في بدايات مراهقتها، شهدت أحداثاً وتعاملت مع أوضاع، رفقة اخيها والصديق ديل، عادت حين كتبت الرواية، لتمزجها بأحداث وشخصيات أخرى، مستبدلة البلدة التي كانت تعيش فيها بالبلدة الوهمية التي أعطتها اسم مايكومب، في ولاية آلاباما. ولكن ما هي هذه الرواية وعم تتحدث؟ ببساطة تتحدث عن العنصرية، وعن وعي أطفال على الحياة، ثم بخاصة عن إنسان نزيه، غامر بكل شيء من اجل ان يحق الحق، فاستحق ان يكون بطلاً في بلدته، ثم بطلاً في طول أميركا وعرضها. وهذا البطل هو المحامي آتيكوس فينش، والد سكاوت وجيم، الأرمل الذي يعيش حياته اليومية الرتيبة - وفق ما تروي لنا سكاوت إذ انها هي راوية الحكاية - حتى اللحظة التي يتهم فيها شاب أسود من اهل البلدة باغتصاب فتاة بيضاء. في ذلك الحين، كان أسهل من أي شيء آخر في الولايات الجنوبية في اميركا، اتهام السود بكل الموبقات. انهم - أي السود - « المشبوهون المعتادون». ومن هنا كانت التهمة جاهزة والمحاكمة «طبيعية»، والحكم يكاد يكون صادراً سلفاً. لكن ولدي فينش، وقد انضم إليهما ديل الآتي للإقامة عندهما في إجازته، نظراً الى الأمر في شكل مختلف، لقد كانوا واثقين من ان الرجل واسمه توم روبنسون، لم يكن هو مغتصب الفتاة البيضاء ماييلا ايويل. ومن هنا تطوع آتيكوس فينش للدفاع عن روبنسون، وسط احتجاج اصدقائه، بل حض الناس البيض العاديين في البلدة، على ذلك التطوع. وانطلاقاً من هنا تدور الأحداث متنقلة بين قاعة المحكمة وحانات البلدة، ودارة آل فينش، وخصوصاً جوار ذلك البيت حيث يقطن شخص غريب غامض عزل نفسه، هو بو رادلي، الذي يكاد المراهقون الثلاثة يمضون جل وقتهم في محاولة إخراجه من منزله والتعرف إليه، فلا ينجحون إلا في جعله يتبادل الهدايا البسيطة والإشارات مع سكاوت. أما زمن احداث الرواية فهو زمن المحاكمة نفسها، حيث ان فينش يجابه خلال اشتغاله على قضية روبنسون، ليس بعداء ابناء جلدته البيض وحدهم، من الذين يهاجمونه في كل حين مطلقين عليه لقب «عاشق الزنوج»، بل كذلك بعداء كثر من السود فقدوا أية ثقة بالبيض وأي إيمان بالعدالة. غير ان هذا كله لا يردع آتيكوس من مواصلة دفاعه عن روبنسون. إن سكاوت هي التي تروي لنا هذا كله، كما تروي لنا كيف انها والفتيين الآخرين، راحوا يساعدون آتيكوس على الوصول الى الحقائق، على رغم انه منعهم من الدخول الى قاعة المحكمة. وبفضل هذه المساعدة، يتمكن آتيكوس من إثبات ان ماييلا وأباها، الذي كان - بطبيعة الحال - الأشد شراسة في إلصاق التهمة بالشاب الأسود، يكذبان. بل سيثبت آتيكوس ان ماييلا كانت هي - بسبب افتقارها الى الأصدقاء ولأن أحداً من شبان البلدة لم يكن يبالي بها - من حاول إغواء بول روبنسون مرات عدة من دون ان يستجيب الى إغوائها. ثم، في الوقت الذي يصل آتيكوس الى نهاية المطاف في تأكيده براءة روبنسون، تتجمع الظروف ضده وضد روبنسون، بحيث ان الحكم يصدر ضد هذا الأخير، فلا يكون أمامه إلا ان يحاول الهرب، لكنه يقتل فيما كان يقوم بالمحاولة. وهكذا يفقد جيم وآتيكوس إيمانهما بالعدالة.

> في الوقت نفسه كان بوب ايويل، والد ماييلا، إذ شعر انه أهين في المحكمة جراء مرافعة آتيكوس أمامها، يسعى الى الانتقام. انتقامه ينصب أول الأمر على أرملة روبنسون، لكنه حين لا يتمكن من ذلك، يسعى وراء سكاوت وجيم، ابني آتيكوس ومعه سكينه. وفي اللحظة التي يتمكن فيها من الوصول إليهما، يتدخل شخص مجهول - ستعرف سكاوت انه جارهم بو رادلي -، ويقتل بوب. وإذ يصل «الشريف»، يتجادل مع آتيكوس حول من قام بالجريمة، اذ ان الشريف يريد ان يبرهن ان سكاوت وجيم هما القاتلان... وفي النهاية يتوافق الإثنان ضمنيا على ان «بوب قتل نفسه لأنه، وهو الثمل، وقع فوق سكينه».

> على رغم ان كثراً رأوا في رسالة الفيلم نوعاً من الوسطية، وعلى رغم ان السود لم يرقهم ان يكون البطل ابيض. حققت رواية «قتل عصفور ساخر» من النجاح، قدراً هائلاً، واعتبرت اشبه برواية «كوخ العم توم» التي كانت صدرت في القرن الثامن عشر لتعيد الى السود حقهم المعنوي. وإلى اليوم لا تزال هذه الرواية تُقرأ على نطاق واسع، بل تدرّس حتى في المدارس الابتدائية والثانوية واعتبرت إرثاً قومياً. وكذلك حال الفيلم الذي أخذ عنها. اما هاربر لي، التي لم تكتب من بعدها سوى ثلاث أو أربع دراسات اجتماعية قصيرة، فإنها كانت حتى نهاية القرن العشرين لا تزال تعيش على أمجادها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة


الأربعاء، 27 يوليو 2016

رواية ثانية لهاربر لي بعد مرور نصف قرن على روايتها الاولى "قتل طائر محاكي"

نيويورك (رويترز(
تاريخ النشر : 28-02-2015

أحاط مزيج من الدهشة واللهفة ومسحة من التشكك أنباء بأن الروائية الأميركية هاربر لي الحائزة على جائزة بوليتزر الادبية عام 1960 ستنشر رواية ثانية بعد مرور نحو نصف قرن على روايتها الأولى والوحيدة"قتل طائر محاكي"التي أصبحت من كلاسيكيات الأدب الأميركي.

وحين أعلنت دار نشر هاربر التابعة لشركة هاربر كولينز انها ستنشر رواية"فلتعين لنفسك حارسا"في 14 يوليو تموز القادم كان قلة من الناس فقط على علم بوجود هذا الكتاب أصلا بل ان مؤلفته التي تبلغ من العمر 88 عاما كانت تظن انه فقد.

كتبت هذه الرواية في الخمسينات من القرن الماضي قبل ان تكتب لي رائعتها الوحيدة"قتل طائر محاكي"وظهر المخطوط على السطح حين اكتشفه محامي لي في خزانة مع المخطوط الأصلي لرواية"قتل طائر محاكي".

وتدور رواية لي الوحيدة حتى الان"قتل طائر محاكي"عن العنصرية والظلم في الجنوب الأميركي وتصدرت قائمة الكتب الأكثر مبيعا وبيع منها منذ ظهورها في الاسواق 40 مليون نسخة على مستوى العالم وتحولت الرواية الى فيلم بنفس الاسم نال جائزة أوسكار بطولة جريجوري بيك الذي قام بدور المحامي اتيكوس فينتش.


وكتبت لي أولى رواياتها"فلتعين لنفسك حارسا"وفيها شخصية فينتش أيضا الذي تجيء ابنته سكاوت لتزوره في بلدة مايكوم الخيالية بألاباما.

وكتبت لي رواية"قتل طائر محاكي"حين أقنعها الناشر بأن تكتب رواية من وجهة نظر الشابة سكاوت.
وتردد أنباء رواية لي الثانية بعد أشهر من وفاة شقيقتها أليس المحامية التي كانت ترعى مصالحها منذ عقود.
وأثار توقيت الحديث عن نشر الرواية الثانية تساؤلات بشأن مشاركة لي في اتخاذ القرار وهي التي تعرضت لجلطة في المخ عام 2007 وتعاني من مشاكل في السمع والبصر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : المدي