‏إظهار الرسائل ذات التسميات أمبروز بيرس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أمبروز بيرس. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 25 يوليو 2016

قاموس الشيطان : أمبروز بيرس


قاموس الشيطان (بالإنجليزية: The Devil's Dictionary) للكاتب أمبروز بيرس. نشر في عام 1911 وهو كتاب ساخر يقدم تفسيرا لمصطلحات بطريقة ساخرة وهزلية وفي عام 1967 نشرت نسخة موسعة من قاموس الشيطان.

الكاتب والبداية:

الكاتب الساخر أمبروز بيرس هو صحافي وكاتب قصص قصيرة ولد في أوهايو سنة 1842 وتوفي سنة 1914 شارك في الحرب الاهلية. تعود جذور فكرة قاموس الشيطان عندما كان امبروز بيرس كاتب عمود في مجلة اسمها رسالة الأخبار (نيوز ليتير)وهي مجلة مختصة بالنقد الساخر ثم أصبح رئيس تحريرها وهي تصدر في سان فرانسيسكو. كما كتب لمجلة ماجازين فن بين عامي (1872-1875) حيث كتب ثلاثة كتب منهم: (خيوط العنكبوت والجمجمة الفارغة) عام 1874 ومن أشهر اعماله التهكمية كتاب الساحر عام 1906 وقاموس الشيطان عام 1911.

بعض مصطلحات قاموس الشيطان مترجمة للعربية:

الإصلاحات: ترهات تقال في كل حملة انتخابية، وتصبح طي النسيان بمجرد الفوز في الانتخابات.
الحب الأفلاطوني: تسمية حمقاء لعلاقة بين طرف مصاب بالعجز وآخر مصاب بالبرود.
الجدل: طريقة منطقية تماما وملائمة لتقوية أخطاء الآخرين.
التجربة: علم يسمح لنا بألا نعترف رسميا بالجنون، الذي استطعنا السيطرة عليه، وبأن ننظر إليه كموضوع قديم لم تعد له أهمية ،اسم يطلقه الناس على أخطائهم وحماقاتهم.
الشوكة: آلة ينقل بها الإنسان الحيوانات الميتة إلى فمه.
المتفائل: هو ذلك الذي يكافح من أجل إثبات أن الأسود أبيض.
دفتر المذكرات: تدوين يومي لزوايا من حياتنا اليومية، نستطيع من دون أن نحمر خجلا، أن نرويها حتى لأنفسنا.
تفاحة آدم: بروز في مقدمة الرقبة يحول دون انزلاق حبل المشنقة.
الشاه: رتبة أعلى من الملك مثل "الآس" بالنسبة إلى الملك في لعبة الورق.
السلام: في دنيا السياسة، هو فترة نفاق بين حربين صادقتين.
الأطباء: مجرمون بالفطرة، يسخرون كل طاقاتهم لقتل المرضى.
القسيس: هو ذلك الذي يستطيع الاحتيال حتى على السيد المسيح.
العقل : هو عضو مهم يوجد في جسم الإنسان يبدأ بالعمل منذ ولادة الشخص حتى يتزوج.
الدبلوماسي : هو من يستطيع ان يقنع زوجته بان معطف الفرو لايليق بها ويذهب بجمالها.
الشخص الغني : هو من يملك المال أكثر مما تستطيع ان تنفقه زوجته.
العثة : هي تلك الحشرات الغريبة الاطوار حيث انها تقضي الصيف في معطف الفرو وتقضي الشتاء في ملابس السباحة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : ويكيبديا

نهاية «الأجنبي العجوز»

ترجمة جودت جالي

التاريخ: 27-11-2013


قبل 100 سنة، في مثل هذا الشهر، شرع الصحافي أمبروز بيرس البالغ من العمر 71 عاما بمهمته الأخيرة، متخليا عن حياة شبه التقاعد المريحة في واشنطن، منطلقا نحو مكسيكو ليكتب ريبورتاجات عن الثورة. أرسل رسالة إلى ابنة أخيه يقول فيها: "وداعا.. إذا علمتِ بأني أوقفت إلى جدار حجري مكسيكي ورميت بالرصاص حتى تحولت إلى مزق فأرجوك أن تعلمي بأني أرى أنها طريقة جميلة لمغادرة هذه الحياة. إنها أفضل من الشيخوخة، والمرض، أو السقوط من السلم. أن يكون المرء Gringo في مكسيكو، آه... إنه شيء يثير الحماس!". (Gringo)تعني بالإسبانية الأميركية الأجنبي المتحدث بالإنكليزية تحديدا-المترجم.

من الممكن تماما أنه حصل على ما تمناه. كتب رسالة إلى صديق في (يوم الملاكمة) من العام 1913 عندما كان في رفقة القائد الثوري (بانشو فيلا) إلى مدينة (شيهواهوا)، تنتهي الرسالة بهذه الكلمات: "بالنسبة إلي.. سأغادر هذا المكان غدا الى وجهة مجهولة" ولم يُسمع عنه شيء بعدها أبدا.

إن لم يكن اسم بيرس مألوفا عندك فلا شك أنك تمثلت بأحد أقواله دون أن تعلم أنه له، فأشهر كتبه (قاموس الشيطان) 1913 هو مجموعة من الحكم نذكر منها: "ساخر. اسم. حقير ترى رؤيته المختلة الأشياء كما هي وليست كما يجب أن تكون". و"الحب. اسم. هو اعتلال مؤقت يداوى بالزواج". و"يبتهل. فعل. هو أن يسأل الغاء قوانين الكون لصالح متوسل واحد لا يستحق الإجابة باعترافه".

ولد بيرس في تموز 1842 وكان العاشر من بين 13 طفلا تبدأ أسماؤهم كلهم بحرف أ. باشر مهنته الصحفية في سن الخامسة عشر قبل أن يقاتل لصالح الاتحاديين في الحرب الأهلية عندما كلف بإنقاذ رفيق له تحت نار كثيفة. انتهى به المطاف كاتب عمود في جريدة (سان فرانسيسكو إيكزامينير) حيث قيل انه كان الصحافي الوحيد في التاريخ الأميركي الذي كان يُنشر له دون أن تُغير كلمة واحدة مما يكتب. وبتقدمه في العمر أصبحت الحياة في أميركا برأيه "عالما من الجهل، والتعصب الأعمى، والقسوة،...." عكس ما كان يراها في شبابه. ربما سنرى مستقبلا كاتبا أو عددا من كتابنا يذهبون إلى مجاهل الأرض هربا من مواجهة فيس بوك. لكن بيرس كان يدرك أيضا أن الحرب الأهلية قد أوحت اليه بأروع أعماله وكان تواقا إلى استعادة هذا الإلهام الذي يبرز من معمعان المعركة.

الاحتمال الأقرب لتفسير اختفائه هو أنه قتل في معركة أوجيناغا في كانون الثاني 1914 ولكن يوجد عدد كبير من نظريات المؤامرة في هذا الموضوع منها أنه قُتل لكي لا يكشف حقيقة ما، ومنها أيضا أن بيرس نفسه قد أخفى وجهته الحقيقية ليذهب للعلاج في مستشفى أمراض عقلية بكاليفورنيا.

في رواية (الأجنبي العجوز) 1985 وهي أول رواية مكسيكية تصبح من أعلى الكتب مبيعا في الولايات المتحدة يتخيل كاتبها كارلوس فوينتس أن بيرس امتد به العمر وأصبح عدوا للثوار محتقَرا، مؤديا الدور التقليدي للأميركي الذي يواجه مشكلة في فهم الثقافة المكسيكية، وقد اقتبست الرواية الى فيلم مثل فيه غريغوري بيك بدور بيرس. لقد ألهم لغز بيرس أفلام رعب عديدة، وبالمناسبة هو أستاذ من أساتذة كتابة قصص الرعب، من هذه الأفلام (ابنة الشناق) 2000 الذي يكون فيه بيرس شخصية رئيسة ويختفي لأنه أصبح مصاص دماء. لكن أليس من المخجل أن تأخذ قضية موت بيرس تأثيرا ثقافيا أكثر من كتاباته. بودي أن أرى اهتماما أكبر بطبع قصصه القصيرة، وقد أعلنته جريدة نيويورك تايمز مؤخرا "أقوى كاتب قصص رعب يحتل مكانه بجدارة بين (بو) و (لوفكرافت)". ويتميز عن هذين الكاتبين بأسلوب يجعل الجو المخيف واقعا معيشا كما في قصته (ليلة صيفية)، كما أن أعظم قصصه هي التي استمد مواضيعها من تجاربه في الحرب الأهلية والتي استطاع فيها أن يوصل للقارئ بثلاث صفحات أكثر مما يوصله فيلم (إنقاذ الجندي رايان) بثلاث ساعات. أرى أنه من الأفضل قضاء الوقت في قراءة قصصه خير من أن نفكر في موته، ولنبدأ بتعريفه للسنة:" اسم. فترة زمنية مكونة من 365 خيبة"!

جيك كيرج/ عن جريدة تيليغراف
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : الصباح

أمبروز بيرس.. سليط اللسان الذي أسس لفن القصة


إعداد وترجمة:  جمال المراغى



أمبروز بيرس(1842-1914 ) قاص وكاتب مقال ومتخصص في اللغة الإنجليزية، يمتاز أسلوبه بالتهكمية علي طبيعة البشر. لهذا باتت شهرته "الساخر بيرس"  وعرفت عنه الجرأة الشديدة والتطاول أحيانا، لهذا لقبته الصحافة بـ  "سليط اللسان". وكان أمبروز شديد الحماس للشباب وتشجيع الكتاب الصغار،  ومنهم  الشعراء جورج سترلينج،  وجيمس كامبل ادوين، وماديسون كاوين، وكتاب القصة القصيرة مارك توين،  وسايروس تاونسند برادي، وإيملي تشنبوك، وإديث مود ايتون.

لبيرس أسلوب مميز يجمع بين السخرية واستخدام الصور المظلمة والضبابية والغموض الزمني، والاقتصاد في الوصف،  والتكثيف،  ورسم صورة دقيقة لمشاهد واقعية من الحروب، وما تحدثه من تأثير سييء في النفس البشرية،وإيذاء إنساني بشكل عام. 

نشأ بيرس بمدن صغيرة بين ولايتي أوهايو وأنديانا، وهما من الولايات الأمريكية الفقيرة في عصره، كما كان الابن العاشر بين ثلاثة عشر طفلا، وهو ما أثر في بناء شخصية المبدع عنده. تطوع بيرس في قوات الجيش المتحد بأنديانا خلال الحرب الأهلية الأمريكية، وقلد برتبة تعادل الملازم أول عام 1862، حيث خدم في وحدات القائد وليم هازان كمهندس تخطيط ومصمم قطع وراسم خرائط لوحدات القتال. وشارك في المعارك نهاية 1862. وعاش تجارب إنسانية عديدة خلالها، وفي ذلك أيضا واحدة من أهم الدعامات التي ساهمت في بناء شخصيته. 

   تعرض بيرس لإصابة شديدة في رأسه عام 1864، وظل يعالج منها لعدة أشهر. بعدها وفي بداية العام التالي تم تسريحه من الخدمة وتقليده برتبة عالية تعادل رتبة الرائد تكريما له. وفي الوقت الذي تخيل أن علاقته بالمعركة وميادينها انتهت، تلقي عرضا لا يرفض بالعمل صحفيا ومراسلا لمجلة سان فرانسيسكو من قلب الحدث ومن وسط ميادين الحرب. 

    لم يكتف بهذه المجلة فحسب بل عمل مع غيرها مثل الأرجونت، البرق الشهرية والعقرب، واكتسب شهرة واسعة خلال تلك الفترة، وتشبعت نفسه بمعاناة الحرب حتي الثمالة. ثم شعر بأنه في حاجة إلي الابتعاد عن بؤرة الأحداث والبحث عن رؤية جديدة من زاوية مغايرة، ومكان آخر بطبيعة مختلفة، فرحل إلي انجلترا، وقبل دعوة أحد أصدقائه الذي نقل بعضا من صيته إلي لندن، فكتب لعدة مجلات، وهناك اكتشف فيه اللندنيون سخرية أسلوبه وحنكته في ذلك، ما ساعده علي التعاون مع مجلات مثل " لندن مورال "،  "فيجارو "،  "تايم "،  "فن". 

ورغم ما حققه من نجاح،  إلا أن حنينه إلي بلاده  جعله يعود إليها مسرعا وخاصة سان فرانسيسكو عام 1875،  واستمر في  عمله بالصحافة،  وفي 1887، وضع لمسة جديدة من لمساته بكتابة عمود بعنوان "ثرثرة " ليصبح أول عمود في تاريخ الصحافة، ومن خلاله بدأ بيرس مرحلة أخري،  وزادت سخريته،  ولم يترك صغيرة ولا كبيرة دون نقد،  وأطلق عليه خلال هذه الفترة لقب "سليط اللسان".

بدأ بيرس كتابة القصة القصيرة من عام 1871،  وساهمت رحلته إلي إنجلترا في تبلور قدراته في هذا الجانب،  واستغل الخلفية التي اكتسبها مما مر به خلال فترة نشأته ثم خدمته في الجيش،  وكانت أولي قصصه بعنوان " الوادي المسكون " ثم "بهجة الشيطان " عام 1872،  وتوالت أعماله بعد ذلك ومن أبرزها " أنسجة من جمجمة فارغة»  " عيون النمر"  " الرجل والثعبان" " أجساد ميتة "  " خلف الحائط "،  "الغريب "وهي قصص  بدت غريبة علي القراء، ومن أهم مجموعاته "قاموس الشيطان " والتي عبر فيها عن سخطه وسخريته من التخبط الأخلاقي الذي يعاني منه المجتمع بكافة طبقاته،  خاصة الطبقات العليا والتي تشغل المناصب المرموقة فيه.

    رحل بيرس إلي المكسيك في مطلع 1913،  لاكتساب قدر أكبر من المعرفة المباشرة وأن يعيش التجربة في خضم الثورة هناك،  وبينما كان يتتبع عن كثب فلول القوات المتمردة،  كانت تلك المرة الأخيرة التي رآه فيها شهود العيان،  واختفي بعدها تماما.

مؤخرا، وبعد سنوات من التغني بعظمة بو وتوين، وهما يستحقان مكانتهما لا شك في ذلك،  أكد اتحاد كتاب ومبدعي الولايات المتحدة أن قصص بيرس القصيرة هي الأفضل علي الإطلاق خلال القرنين التاسع عشر والعشرين،  وأنه الرائد الحقيقي للقصة القصيرة، حتي وإن سبق بذلك وضع مسمي محدد لهذا الشكل الأدبي،  وهو ما أكدته أغلفة تلك المجموعات القصصية، التي لم يرد فيها من قريب أو بعيد ذكر كلمة قصيرة، جاءت كل مجموعة معنونة باسم أحدي القصص ويلحق به عبارة "وقصص أخري".

     تمتاز كتابة بيرس في استخدامه للغة الإنجليزية البحتة أو كما يحبذ أن يسميها البعض "اللغة الإنجليزية النقية" وهو أمر غير معتاد في الولايات المتحدة الأمريكية،  كما أنه مزج بين أسلوبه الصحفي الساخر وبين العناصر القصصية  التي لم تكن حددت قواعدها وأسسها بعد. لكن لا يمكن أن نقتصر ما أنجزه بيرس في قصصه القصيرة المستوحاة من الحرب الأهلية رغم أهميتها،  ولكنها جزء من نسيج كبير،  فما كتبه أكثر عمقا، وكان لكل كلمة في مكانها وموقعها معني ودلالة.

    ومن المثير أن بيرس كان صديقا للكاتب الشهير مارك توين والذي رغم صغر سنه كان منافسا قويا لبيرس،  وعلي الرغم من ذلك،  لم ينل بيرس شهرته ومكانته،  وبالمثل إدجار آلن بو،  واللذان أخذا عنه هذه النوعية من الشكل القصصي،  ويبدو أن تواري ريادته يعود إلي شخصية بيرس اللاذعة وتطاوله الذي جعله غير محبوب حتي يعطيه معاصروه حقه،  بخلاف توين وبو صاحبي الشخصية المحببة لأصدقائهما المقربين ولجموع الجماهير.

يعد الإرث القصصي الذي تركه بيرس،  نموذجا مثاليا لأسس وقواعد وعناصر القصة القصيرة،  سبق بها كل من كتبوا أو دنوا من شكلها ونمطها،  وهذا يعني أنهم استقوها من قصصه، ثم قصص تلاميذه الذين نقلوها عنه، حيث تميزت قصصه بعدد من العناصر الهامة بخلاف البداية والعقدة والنهاية ، وأهمها التكثيف وقصر الزمن القصصي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : "أخبار الأدب" المصرية، 04-07-2015

أمبــروز بيــرس..وغمــوض النهايـــــــة!

لميس علي
فضاءات ثقافية
الأحد 2-9-2012


لربما.. أرادوا أن تكون حياتهم معادلاً موضوعياً لجنون إبداعهم.. مسلكاً.. ومنهجاً حياتياً أو لعله ختامياً.. وربما لم يشفِ بياض الورق غليلهم.. فاستبدلوه بسواد نهاية توازي بغرائبيتها غرائبية أدبهم..
هل كانوا يدركون أن نهاياتهم تلك ستمنحهم شهرة أكثر مما حصدوه أدبياً؟!‏
هل أوهمهم شطط الإبداع أن في الإمكان منافسة أبطال، على الورق، أوجدوهم؟‏

الطريف، لو أنهم أصيبوا بعدوى البطولة التي ألبسوها أبطالهم الورقيين.. مع أن الكاتب والصحفي الأمريكي أمبروز بيرس، في آخر ما يُذكر عنه، كان ذاهباً للقاء بطل واقعي، المناضل المكسيكي بانشو بيلا عام 1913، في المكسيك، أراد للقائه معه أن يكون أساساً لكتاب رغب في تأليفه.. لكن، هناك فُقد أثره و لم تُعرف له نهاية واضحة.. ما أثار تساؤلات عديدة محيّرة عن هذا الكاتب.‏

و مع ذلك فإن اختفاءه يعطي بعداً واقعياً ويمد جسوراً لا مرئية مع طبيعة كتاباته التي اتصفت بشيء من الغموض والغرائبية.‏

ولد بيرس عام 1842 في مدينة أوهايو وكان الطفل التاسع (الأخير) لعائلة بسيطة، لم يعش طفولته كما ينبغي. عمل في إحدى المطابع لكنه التحق عام 1861 للمشاركة بالحرب الأهلية, فشاهد مجريات هذه الحرب التي ستختزنها ذاكرته لتنعكس يوماً ما في أدبه. بعد ذلك عمل صحفياً في العديد من الدورات الأميركية.. وانتقل عام 1872 إلى انكلترا وعمل في مجلات مثل: فن، فيغارو، لانترن، و غيرها. تنقّل بيرس في الكثير من الدوريات إلى أن ترك العمل الصحفي، ولو مؤقتاً، لصالح الذهاب إلى داكوتا بحثاً عن الذهب..‏

نتف المعلومات المعروفة عن بيرس تدلل على أنه عاش الحياة فعلياً.. غامر.. وربما قامر.. المهم أنه اقتحم مغامرات اختارها بملء رغبته.. لعله كان يريد الامتلاء من العيش حد التخمة.. ولعلها كانت طريقته للسخرية من الحياة، هو الذي كان يرى الموت الاحتمال الوحيد المفتوح في وجه الإنسان.‏

من أهم أسباب شهرته، كما يرى النقاد، أن ما من كاتب أميركي صوّر ويلات الحرب وكارثيتها كما فعل في مجموعته (في قلب الحياة).. كان دائم الترديد أن ما نقله من جحيم لقرائه, عاشه هو منذ الطفولة.‏
واجه بيرس جحيمه بكثير من السخرية السوداوية المتقنة أدبياً، مع أن الكثير من قصصه تتخذ من الموت والقلق والرعب ثيمةً لها.. ومن المحتمل أن ما زاد من استخدام سلاح السخرية لديه تعرّفه في فترة من فترات حياته على الساخر الكبير مارك توين.‏

يرى البعض أنه تأثر بمواطنه إدغار ألن بو.. بغرائبيته وأسلوب السخرية. وإن كان هذا الأخير تميّز عن بيرس بشاعرية أكثر.. إلا أن بيرس بقي الأقدر على منح جذر واقعي لقصص الخوف والرعب التي كتب عنها، مستفيداً مما خزّنته ذاكرته من مشاهدات الحرب.. ليبقى الخيال هو المعين الوحيد لإدغار.‏

من عناوين القصص التي كتبها بيرس: (بهجة الشيطان)، (الوادي المسكون)، (خيوط العنكبوت والجمجمة الفارغة)، وأيضاً من أهم مؤلفاته يُذكر "قاموس الشيطان"، وهو كتاب ساخر يقدم تفسيراً للمصطلحات بطريقةٍ ساخرة.‏

مؤخراً تعود مجموعته (في قلب الحياة) إلى الذاكرة بسبب نقده وإدانته المبطنة للحرب.. مجموعة لها طعمها الخاص الذي يجعلها منتشلة حقيقةً من صلب واقع الحياة.. واقع الحرب الذي عايشه بيرس.. مصوراً هول ما وصل إليه الإنسان من تشييء وإفلاس داخلي.. فهل كان ذلك الصمت الذي صدمنا به وهو يحيط بأرض المعركة إلا صمت ضمير الإنسان عن قبح جرائمه؟ وهل رسمه لشخصية الفتى الضائع الذي يلعب لعبة الحرب فيبدأ بإطلاق نار لايكاد ينتهي على رؤوس من بقوا أحياء.. ليس أكثر من تأكيد على فجائعية الحاصل في الحرب.. الصدمة الحقيقية حين يكشف لقارئه أن هذا الفتى أصم أبكم.. رمزية ربما دلّت على سمات من يصطنع الحروب ويبتغيها.‏
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الثورة


«في قلب الحياة» لأمبروز بيرس: سخرية وقلق قبل اختفاء غامض

ابراهيم العريس

تاريخ النشر : 18 كانون الثاني 2013

بعض الكتاب تكون أعمالهم التي كتبوها أهم شيء في سيرتــهم، فيما يكون لدى بعضهم الآخر نوع من التوازن بين الأعمال والحياة المعاشة. ولكن، هناك طائفة ثالثــة من الكتّاب، تكون حياة أفرادها أكثر رسوخاً وقوة من كل ما كتبوا، أو بالأحرى لا يكون ما كتبوا سوى انعكاس (باهت أحياناً) لما عاشوا أو لكل تلك الغوامض التي تحيط بحياتهم، ما يحوّلهم هم أنفسهم إلى نوع من الأسطورة، ولا يعود ما كتبوا سوى وسيلة للتحري عن كل ما يتعلق بتلك الأسطورة. ومن هذا الصنف الأخير الكاتب الأميركي أمبروز بيرس، الذي، وكما تقول سيرته المتداولة التي ألهمت عشرات الكتّاب والمؤرخين، إنه عاش حياة في منتهى الغرابة والتنقل، ثم اختفى ذات يوم من دون أن يعرف أحد أين اختفى ولماذا وكيف؟ كل ما عرف الناس عنه في ذلك الحين، أي في العام 1913، هو أنه كان يحاول متـــابعة مآثر الثائر المكسيكي بانشو فيلا ومغامراته وتنـــقلاته في أصقاع المكسيك، ثم فــقد الجميع أثره ولم يعد أحد يـــراه أو يعرف عنه شيئاً منذ ذلك الحين. ترى، هل رتّب هو اختفاءه ليعيش كما يحلو له بعد ذلك؟ هل مات وسط واحدة من مغامراته التي كان يحكمها خوفه الدائم من الموت؟ هل ضاع في الطريق؟ هذه الأسئلة طُرحت دائماً، وزاد من حدة الطرح أنه بمقدار ما كان الناس يقرأون كتاباته التي تركها مجموعة أو متفرقة، في شكل قصص قصيرة أو طويلة، كانوا يرون بين سطوره وفي ثنايا حكاياته إرهاصاً بتلك النهاية. أو - كما يؤكد بعض كاتبي سيرته - سيناريو موضوعاً مسبقاً يتحدث عن تلك النهاية ولكن شرط أن يــتمكن القــارئ من أن يــقرأ بين السطــور، طالما أن كتابات بيــرس مثل كل أدب كبير، إنما هي نــــصوص تُـــقرأ بين السطور أكثر كثيــراً مما تُقرأ عند المستوى الأول من المطالعة.

* على رغم أن أمبروز بيرس، في معظم أعماله القصصية والروائية على الأقل، يُقارن عادة بمواطنه المؤسس إدغار آلن بو، مع قدر أقل من الشاعرية، وأحياناً مع قدر أكبر من الغرائبية وحس السخرية الطاغي، فإن مؤرخي الأدب ونقاده، لم ينظروا عند البداية إلى أدب هذا الكاتب على انه ينتمي إلى ما يمكن أن يسمى بـ «الأدب الكبير». كما أشرنا، اعتُبرت كتاباته فقط مهمة ولافتة في ضوء حياته، كما أشرنا أول هذا الكلام، وفي شكل أكثر تحديداً، في ضوء نهايته الغامضة.

* مع هذا، يمكننا أن نقول إن لأمبروز بيرس قراؤه المتعصبون له، وهم يثمّنون عالياً تلك النصوص التي كتبها وامتلأت دائما بسخرية مُرة تضافرت مع إحساس هائل بحتمية الموت، وبأن الموت هو الاحتمال الوحيد المفتوح أمام الإنسان. الموت ولكن القتل ايضاً. وحسبنا ان نذكر هنا قوة الصدمة التي شعر بها قراء بيرس ذات يوم حين قرأوا له نصاً يبدأ بالعبارة الآتية: «عند فجر يوم صيفي، في السنة الفضيلة 1872، قتلت والدي، وهي فعلة أحدثت في حينه تأثيراً عميقاً في نفسي». ترى هل كان في وسع احد غير بيرس أن يقنع القراء بحيادية موقفه تجاه قتله والده على هذه الشاكلة؟ إن القراء الذين اعتقدوا أنفسهم يقرأون، في ذلك الحين، بداية اعترافات مجرم خطير يخضع للمحاكمة أمام العدالة، سرعان ما أدركوا انهم أمام عبارة تفتح سلسلة من اربع حكايات جمعت في عنوان واحد هو «نادي قاتلي الآباء»، ووقّعها ذاك الذي كان قد بدأ يُنظر إليه في ذلك الحين على أنه صاحب واحد من الأقلام الأكثر سخرية وسوداوية عند نهاية القرن التاسع عشر. وتذكّر القراء حينها كيف أن أدب أمبروز بيرس كله مطبوع بذلك الموقف البارد، بل الجليدي، المرمي كقفاز التحدي في وجه الموت. وتذكروا أيضاً، أن كتابات بيرس «سواء بدت أشبه بهزليات قبيحة يلعبها أحد ما لإرعاب أحياء يخيفهم إحساسهم بوجود الأشباح تحيط بهم من كل مكان، أو في شكل نصوص وثائقية مستوحاة من تجربة الكاتب الخاصة إزاء الموت، وأكثر تحديداً إزاء الخوف من الموت، فإنها في نهاية الأمر نصوص مقلقة، غريبة، كتبها شخص يعرف أنه يهزأ، خصوصاً من ضعف الآخرين ومخاوفهم التي لا تنتهي إلا بموتهم».

* ترك أمبروز بيرس كتباً عدة، إضافة إلى «كتاب» حياته الغريبة واختفائه الأكثر غرابة، ومع هذا يبقى بارزاً كتابه «في قلب الحياة» الذي هو مجموعة قصصية حقّقت، ما إن نشرت، نجاحاً هائلاً. والقصص التي جُمعت في هذا الكتاب مستوحاة جميعها من أحداث جرت، أو ادعى بيرس أنها جرت خلال حرب الانفصال الأميركية أواسط القرن التاسع عشر.

* «في قلب الحياة» الذي يجد كثر من الدارسين، أسبابا تدفعهم إلى إقامة المقارنة بينه وبين مجموعة رسوم «أهوال الحرب» للإسباني غويا، هو عبارة عن فسيفساء مذهلة تقترب من حدود الهذيان، عن إفلاس الإنسان، أخلاقياً ومعنوياً، حين يترك نفسه على سجيتها فريسة لشياطينه من دون أن يكون ثمة رادع أو وازع يضبطه. وحسبنا للتيقّن من هذا أن نذكر الرعب الصامت الذي يصفه بيرس مخيّماً على ميدان المعركة في شيكاموغا، حيث يقابلنا فتى ضائع بين الجثث وأجساد الجرحى، يسير مترنحاً شبه ضائع وغائب الفكر تماماً، وهو يبدو غير واع حجم المأساة التي حلت هنا، فيروح يلعب لعبة الحرب، مطلقاً رصاصاته على رؤوس الذين بقوا أحياء... إن غرابة الصمت الذي يحيط بالفتى، إذ يصفها بيرس بواقعية لا تضاهى، هي التي تعطي القارئ ذلك الإحساس المرعب بالقلق. وتكون المفاجأة حين نكتشف في النهاية أن الفتى أصم أبكم. وإذ نقرأ قصة «عن الذي حدث على جسر آول كريك»، لا يمكننا أن ننسى آلام الجنوبي بيتون فاركوهار، الذي كان اعتقل وها هم الشماليون يتهيأون اليوم لإعدامه شنقاً، فإذا بحواسه تحمله نحو ذكريات صاخبة مسهبة في ظلّ إحساس واضح لديه بما يشبه الهبوط إلى هاوية ما لها قرار، وهو في خضمّ ذلك كله يجد نفسه ذهنياً وقد عاد إلى بيته. نعم، يعود بالفعل هادئ النفس مستريح البال، وينعكس ذلك ابتسامة وديعة على محياه حتى اللحظة التي يفتح فيها باب البيت ليجد زوجته في انتظاره فرحة.. لكنه في تلك اللحظة بالذات، اللحظة التي تفتح فيها امرأته ذراعيها لاستقباله، يفيق من حلمه، ويصبح كل شيء ظلاماً وآلاماً. ومثل ذلك القلق، وربما ايضاً ما هو اشد منه إيلاما، يطالعنا في النصوص الأخرى، ولا سيما منها في شكل خاص نصّ القصة المعنونة «العصفور الساخر» حيث يتحول لقاء الأخوين غريروك بعد فراق إلى معاناة لا ترحم وهذيان ضد الشيخوخة.

* إن في وسعنا أن نعثر في شكل دائم في أدب امبروز بيرس، على ذلك القلق، وبشكل خاص على تلك الخبطة المسرحية التي تأتي عادة في النهاية لتضع القارئ على حافة جحيمه. ولقد قال بيرس نفسه إن هذا الجحيم الذي ينقله الى قرائه سبق أن عاشه هو نفسه منذ طفولته، هو المولود في اوهايو العام 1842، طفلاً في عائلة فقيرة لديها 9 أولاد كان هو اصغرهم، ما يجعل من المنطقي انه لم يعش طفولة سعيدة، بل كان هاجس الموت والأشباح وتخويف الكبار له، مذاقَ حياته اليومي. ولعل هذا ما جعله يكنّ للبشرية جمعاء كل تلك الكراهية التي أُثرت عنه. ومنذ العام 1866 كرس أمبروز حياته للكتابة والصحافة، فبدأ ينفث سمومه الساخرة على أعمدة صحيفة «نيوز ليتر» في سان فرانسيسكو. ونراه في ذلك الحين يصادق مارك توين ويتأثر به. ثم بين 1871 و1876 نراه يعيش في لندن ثم يعود إلى كاليفورنيا وقد زادت شهرته، ولكن، بعد سنوات يبدأ الغوص في الكتابة والمغامرة بروح وثّابة قلقة، حتى اختفائه في المكسيك مخلفاً عشرات الكتب وأعداداً كبيرة من الصفحات غير المنشورة.

alariss@alhayat.com
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : الحياة


الأحد، 24 يوليو 2016

واقعة جسر أوول كريك - قصة - أمبروس بيرس

ترجمة: علي سالم

الحوار المتمدن-العدد: 3430 - 2011 / 7 / 18 
المحور: الادب والفن


I

وقف رجل على جسر السكة الحديدية في ألاباما الشمالية ، ناظراً الى ماء النهر السريع مسافة عشرون قدماً الى الأسفل. كانت يدا الرجل خلف ظهره ، ومعصميه مقيدان بحبل . وثمة حبل يطوق عنقه بإحكام. كان الحبل مشدوداً الى خشبة قوية متصالبة فوق رأسه ، والجزء المتبقي من الحبل كان يتدلى عند مستوى ركبتيه . بعض الألواح الخشبية التي وضعت على عوارض السكة الحديدية لدعم معادنها شكلت موطئاً لقدميه واقدام جلاديه .. جنديان من جنود الجيش الاتحادي ، يوجههما رقيباً ربما في حياته المدنية كان يعمل نائباً لشريف. على مسافة قصيرة وعلى نفس المنصة المؤقتة كان ثمت ضابطاً مسلحاً يرتدي بزته العسكرية بكامل رتبها. كان ضابطا برتبة نقيب. حارسان على طرفي الجسر مسلحان بالبنادق كانا يقفان في الوضع المعروف باسم "الدعم" ، أي وضع البندقية بشكل عمودي أمام الكتف الأيسر ، وترك زندها يستقر على الساعد المنبسط عبر الصدر بشكل مستقيم .. وضع رسمي وغير طبيعي ، يجبر الجسد على الوقوف بإستقامة كاملة . لم يبد أن من واجب هذين الرجلين معرفة ماالذي كان يجري في منتصف الجسر؛ لأن واجبهما كان يتلخص ببساطة في سد مخرجي المنصة التي كانت تعترض مركز الجسر .



خلف أحد الحارسين إمتد الأفق؛ وإنسابت السكة الحديدية بشكل مستقيم داخل أعماق الغابة القريبة لمسافة مائة ياردة ، ثم ، إنحرفت وغابت عن الأنظار. بالطبع كان ثمة مخفر للحراسة يقع عند النهايات الخفية للسكة . كانت الضفة الأخرى للجدول عبارة عن أرض مفتوحة .. منحدر سلس من الأرض مغطى بحجاب من الجذوع العمودية ، تطل من فتحات فيه فوهات البنادق ، ومن خلال كوة وحيدة أطل خطم معدني لمدفع نحاسي جعل الجسر تحت مرمى نيرانه. عند منتصف المسافة بين الجسر والحصن وقف المراقبون .. كتيبة من المشاة في وضع " الإستراحة" ، أعقاب البنادق على الأرض ، والمواسير تميل إلى الوراء قليلا تجاه الكتف الأيمن ، والأيادي متصالبة على المقابض . على يمبن الخط وقف ضابطاً برتبة ملازم ، وطرف سيفه علىٰ الارض ، ويده اليسرى تستريح فوق يمناه. ، وقف الجميع بلاحراك ، في إنتظار ماستفعله المجموعة المؤلفة من أربعة رجال. الحارسان ، اللذان كانا يقفان قبالة ضفتي الجدول ، ربما كانا تمثالان وضعا هناك لتزيين الجسر. وقف النقيب بذراعين متصالبتين، صامتاً، ومراقباً أعمال مرؤوسيه ، لكن دون أن تبدر منه أية إشارة . الموت كبرياء جليل عندما يُعلن عن حضوره ينبغي أن يقابل بكل تجليات الإحترام والتبجيل اللازمة ، حتى من قبل أولئك الأكثر دراية به. في أخلاقيات السلوك العسكري يعتبر الصمت والتركيز شكلان من أشكال الإحترام.

بدا الرجل الذي كان على وشك ان يُنفذ بحقه حكم الإعدام شنقاً في الخامسة والثلاثين من العمر . كان مدنياً ، قياساً لمهنته وهي الفلاحة . كانت ملامحه وسيمة .. أنف مستقيم ، فم صارم ، جبهة عريضة ، يرتد عنها شعره الاسود المرسل ، ويتدلى خلف اذنيه حتى يلامس ياقة معطفه الفروك. كان له شارباً ولحية مدببة ، لكن دون سبلة على الجانبين؛ عيناه كانتا كبيرتان وذات لون رمادي داكن ، وعلى وجهه كان ثمة تعبير مسالم وحنون لايمكن توقعه في وجه رجل رقبته ملفوفة بحبل المشنقة . من الواضح أن هذا الشخص لم يكن قاتلاً مبتذلاً . رغم ذلك تنص القوانين العسكرية الليبرالية على اعدام أنواع كثيرة من الناس ، والمهذبون منهم ليسوا إستثناءاً. بعد أن إكتملت التحضيرات، تنحى الجنديان جانبا وسحب كل منهما اللوح الخشبي الذي كان واقفاً عليه. التفت الرقيب الى النقيب، أدى له التحية ووضع نفسه تماماً خلف ظهر هذا الضابط ، الذي بدوره خطى مبتعداً خطوة واحدة. تركت هذه الحركات الرجل المدان والرقيب واقفان على طرفي الخشبة نفسها ، والتي غطت ثلاثة من روابط السكة. الطرف الذي وقف عليه المدني تقريبا ، و ليس تماما ، كان يلامس الرابطة الرابعة .

كانت هذه الخشبة قد أستقرت في مكانها معتمدة على ثقل النقيب ؛ والآن بعد أن تنحى النقيب جانبا حل الرقيب محله . وفي إشارة من السابق سيتنحى الأخير ، وسيميل اللوح الخشبي وسيهبط الرجل المدان في الفجوة العازلة بين دعامتين . لقد بدا له هذا الترتيب بسيطاً وفعالاً. لم يكن وجهه مغطى بشيء ولم يكن ثمة غشاوة على عينيه. نظر في هذه للحظة الى " موطيء قدميه القلق " ، ثم تحولت نظراته الى دوامات النهر الهادر المتدافعة بقوة تحت قدميه. لفتت إنتباهه قطعة خشب طافية تابعها وهي تتخذ طريقها راقصة مع التيار. كم بدت له حركتها بطيئة، ياله من تيار كسول!

أغلق عينيه من أجل أن يركز تفكيره في زوجته وأولاده. لكن الماء ، يلامسه ذهب شمس الصباح الباكر ، وسحب الضباب الكئيبة المتماوجة تحت الضفتين على مسافة ما أسفل التيار ، والحصن ، والجنود ، وقطعة الخشب الطافية .. كل ذلك شتت إنتباهه. والآن أخذ يشعر بشيء آخر زاد من إنشداهه . صوت ما إخترق نسيج افكارة الحائمة حول احبائه . صوت ما عجز عن تجاهله أو فهمه ، أيقاع معدني ، حاد ، ومميز، مثل ضربة مطرقة الحداد على السندان ؛ له نوعية الرنين نفسه. تساءل في دخيلته عن كنه هذا الصوت ، وعما إذا كان بعيداً بعداً سحيقاً عنه أو قريباً منه .. لقد بدا الصوت بعيداً وقريباً في نفس الوقت. يتكرر بشكل منتظم ، لكنه كان بطيئاً مثل قرع ناقوس للموت. أخذ ينتظر بفارغ الصبر كل دقة من دقاته وشعر – دون أن يدري لماذا - بالخوف. لقد أصبحت فواصل الصمت أكثر طولاً بالتدريج ، واصبح التأخير مثيراً للسخط . ومع ندرة تكرار الصوت المتزايدة أصبح وقعه على أذنيه أكثر حدة وقوة . شعر به يؤذي أذنيه مثل نصل سكين؛ وخشي أن يشرع بالصراخ . ولم يكن ذلك الصوت سوى دقات ساعته لاغير .

فتح عينيه وشاهد مرة أخرى الماء الجاري تحته. " لو كان بمقدوري تحرير يدي" فكر، فسوف أتخلص من الأنشوطة واقفز في التيار. وسوف أغوص لكي أتمكن من تفادي الرصاص ، وأعوم بقوة ، حتى اصل الى الضفة ، ثم أتخذ طريقي عبر الغابة لأصل الى بيتي . بيتي ، أحمد لله ، أنه حتى الآن لايزال خارج خطوطهم؛ زوجتي وأطفالي الصغار لا يزالون بعيدين عن اقصى نقطة وصلها هولاء الغزاة ."
عندما شرعت هذه الأفكار ، التي لامناص من تدوينها هنا على شكل كلمات ، تومض في ذهن الرجل المحكوم بالإعدام بدلا من أن يقوم هو بالتفكير بها أشار النقيب براسه الى الرقيب . فتنحى الرقيب جانبا.

II

كان بيتن فاركوهار مزارعاً ناجحاً، ومن عائلة ألابامية عريقة كانت تحظى باحترام كبير. ولكونه كان مالكاً للعبيد فقد كان كبقية ملاك العبيد سياسياً و كان طبيعيا أن يكون من دعاة الإنفصال الحقيقيين ومن المدافعين المتحمسين لقضية الجنوب. لقد منعته ظروف ذات طابع ملح ، ليس من الظروري ذكرها الآن ، من الخدمة في الجيش الباسل الذي خاض الحروب الكارثية التي إنتهت بسقوط كورنث ، وظل يشعر بالحنق الشديد لقعوده غير المجيد عن الإشتراك في الحرب، مدفوعاً بشوق عارم للإفراج عن طاقاته ، ولعيش حياة الجندية العريضة ، ونيل الفرصة لكي يحيا حياة متميزة . كان يشعر بأن تلك الفرصة ، آتية اليه لامحالة ، لأنها تأتي الى الجميع في وقت الحرب. في الوقت نفسه فعل ماكان بوسعه أن يفعله . لم يفوت أي فرصة مهما كانت ضئيلة وشديدة التواضع بالنسبة له دون أن يستغلها في إنجاز شيء ما من أجل الجنوب ، ولم تثن من عزمه أي مخاطر مهما كانت كبيرة في سبيل الإشتراك بالمجهود الحربي إذا كان ذلك يتماشى مع شخصيته المدنية التي يخفق بين جنباتها قلب جندي ، كان بحسن نية ودون الكثير من المؤهلات يقر بحقيقة جزء على الاقل من مقولة خسيسة بشكل صريح مفادها أن كل شيء مباح في الحب والحرب .

ذات مساء حين كان فاركوهار وزوجته يجلسان على مقعد ريفي بالقرب من مدخل منزلهما، إقترب جندي ذو ملابس داكنة على صهوة جواد من البوابة وطلب أن يسقياه شربة ماء. تحركت السيدة فاركوهار بسرعة، شاعرة بسعادة وهي تقوم بخدمة الجندي بيديها البيضاوين. وبينما كانت مشغولة بجلب الماء اقترب زوجها من الفارس الرث وإستفسر منه بلهفة عن أخبار الجبهة .
"يقوم الشماليون باصلاح خطوط السكك الحديدية ،" قال الرجل ،" إنهم يستعدون لهجوم آخر. لقد الى وصلوا إلى جسر أوول كريك ، وأصلحوه وشيدوا حظيرة على الضفة الشمالية. لقد أصدر القائد أمرا ، تم نشره في كل مكان ، معلنا فيه أن أي مدني يُلقى القبض عليه وهو يحاول تخريب السكك الحديدية ، أو الجسور أو الأنفاق أو القطارات سوف يُعدم شنقا دون محاكمة. لقد رأيت الأمر بنفسي "
"كم يبعد جسر أوول كريك ؟ " سال فاركوهار .
ثلاثين ميلاً تقريباً ""
""هل هناك قوة في الجانب الآخر من النهر ؟
"فقط موقع للحراسة على بعد نصف ميل ، على السكة الحديدية ، وحارس وحيد على هذا الطرف من الجسر "

" لنفترض أن رجلا .. مدنياً.. ولايعير بالاً للشنق ، إستطاع أن يراوغ نقطة الحراسة ، و تمكن ربما من الإجهاز على الحارس ، قال فاركوهار ، مبتسما ،" ماالذي سيتمكن من تحقيقه؟ "
فكر الجندي. "كنت هناك قبل شهر " ، أجاب. "ولاحظت أن فيضان الشتاء الماضي قد كدس كمية كبيرة من الاخشاب الطافية على الرصيف الخشبي الكائن في نهاية الجسر. وهي الآن جافة تماماً ، ويمكن أن تحترق كنسالة الكتان ."

كانت السيدة قد جلبت الماء الآن الى الجندي الذي قام بشربه ثم شكرها بطريقة رسمية ، وإنحنى لزوجها وقاد جواده بعيدا مواصلاً سيره . بعد ساعة ، وبعد حلول الظلام ، مر ثانية بالقرب من المزرعة ، متجهاً شمالاً في الإتجاه الذي كان قد جاء منه . لقد كان كشافاً إتحادياً .


III

عندما سقط بيتن فاركوهار بشكل مستقيم الى الأسفل عبر الجسر فقد وعيه ، وبدا كما لو أنه كان ميتا بالفعل . أفاقه من هذه الحالة .. بعد عصور طويلة ، كما بدا له .. ألم مبرح متولد من ضغط حاد على رقبته ، تلاه شعور بالاختناق. سكرات موت لاذعة وحادة بدت وكأنها كانت تنبعث من رقبته منطلقة صوب كل نسيج من أنسجة جسده وأطرافه. بدت هذه الآلام وكأنها تومض على طول شبكة عريضة من التشعبات ذات الخطوط الواضحة المعالم وتضرب بتواتر سريع لا يصدق.

لقد بدت آلامه مثل تيارات نارية نابضة كانت تسخنه الى درجات حرارية لا تطاق. بالنسبة لرأسه ، لم يكن واعيا بشيء سوى شعور بالتخمة .. بالإحتقان . كانت هذه الأحاسيس غير مصحوبة بالتفكير. لقد إنطمس بالفعل ذلك الجزء من طبيعته العاقلة ؛ وبقيت له قوة الشعور فقط ، والشعور كان عذاب محض . كان واعيا للحركة. محاطاً بسحابة مضيئة ،لايشعر منها بغير قلبها الناري الذي كان هو نفسه ، دون جوهر مادي ، تارجح عبر أقواس من التذبذب لا يمكن تصورها، مثل بندول ساعة عملاق . ثم في الحال وعلى نحو مفاجيء ، إندفع النور المحيط به الى الأعلى ، مصحوباً بضوضاء طرطشة عالية ؛ وغمر أذنية طنين مخيف ، وشعر من حوله بالبرد والظلام. إستعاد قوة الفكر ؛ لقد عرف بأن الحبل قد إنقطع، وبأنه قد سقط في النهر. لم يعد ثمة شنق اضافي ؛ لكن حبل المشنقة الملفوف حول رقبته كان يخنقه بالفعل ويمنع الماء من الوصول الى رئتيه. الموت شنقا في أسفل النهر .. ! بدت له الفكرة سخيفة . فتح عينيه في الظلام ورأى فوقه بصيص من نور ، لكن كم كان بعيداً، وكم كان صعباً الوصول إليه ! كان لايزال يغرق لأن النور كان يصغر ويصغر ويصبح أكثر خفوتا حتى صار مجرد ومضة . ثم بدأ ينمو ويسطع ، وعرف أنه كان يرتفع نحو السطح .. عرف ذلك على تردد منه ، لانه كان الآن يشعر بالإرتياح الشديد . "أن تُشنق ويتم إغراقك" ، فكر ؟ "هذا ليس سيئا للغاية ، لكني لا أود أن تُطلق علي النار . لا ؛ لن أسمح بإطلاق النار علي ؛ هذا ليس عدلا."

لم يكن واعياً بأنه بذل أي جهد ، لكن ألماً حاداً في معصمه أخبره بأنه كان يحاول تحرير يديه. ومنح للكفاح جل إنتباهه ، لكنه كان يلاحظ نفسه كما يلاحظ مراقب كسول ألاعيب ساحر مشعوذ ، دون إهتمام بالنتائج. ياله من جهد رائع .. ! يالها من عظمة ، يالها من قوة خارقة! آه ، لقد كان ذلك جهداً طيباً! برافو! سقط الحبل بعيدا ؛ إفترقت ذراعيه وطفت نحو الأعلى ، يداه تبدوان غائمتين في غبش النور المتزايد . أخذ يراقبهما بإهتمام جديد عندما إنقضت واحدة منهما ثم الأخرى على الإنشوطة الملتفة حول عنقه . إنتزعت اليدان الإنشوطة وألقت بها جانباً بقوة ، تموجات الإنشوطة تشبه تموجات أفعى الماء. "أعيديها الى مكانها ، أعيديها الى مكانها !" ظن انه صرخ بهذه الكلمات مخاطباً يديه ، لأن فك خناق الأنشوطة حول عنقه تلته وخزة مروعة لم يشهد لها مثيلاً في حياته . إعترى رقبته وجع فظيع ، وإشتعل دماغة بنار من الم مبرح ، وقلبه ، الذي كان يدق دقات خافته ، قفز قفزة عظيمة ، محاولاً الخروج عنوة من فتحة فمه . غطى الألم جسده بأكمله ، وإستشعرت خلاياه عذاب كرب لا يطاق! لكن يداه المتمردتان لم تكترثا للأمر. وراحتا تشقان الماء بقوة بضربات سريعة الى الأسفل ، مجبرة إياه على الصعود إلى السطح. شعر برأسه يخرج ؛ وأعمى عينيه سطوع الشمس ؛ توسع صدره مرتعشاً، وبألم شديد لامزيد عليه عبت رئتيه أول دفقة من الهواء ، زفرها فوراً الى الخارج على شكل صرخة مدوية !

إستعاد السيطرة الآن على كامل حواسه الجسدية . لقد كانت ، في الواقع ، متحفزة ويقظه بشكل خارق للعادة. شيئ ما في الاضطراب المروع لنظامه العضوي قد شحذ حواسه وصقلها ، مانحاً إياها القدرة على تسجيل أشياء لم يكن يدرك وجودها من قبل. شعر بخفقان تموجات الماء على وجهه ، وسمع صوت كل مويجة على حدة ، وهي تضرب وجهه . تطلع الى الغابة الكائنة على ضفة الجدول ، ورأى الأشجار فرادى واحدة واحدة ، رأى الأوراق وتعرقات كل ورقة .. شاهد حتى الحشرات الزاحفة فوقها : الجراد ، والذباب ذو الأجسام اللامعة ، العناكب الرمادية وهي تنسج شباكها من غصين لغصين.لاحظ الألوان المنشورية في كل قطرة من قطرات الندى على مليون ورقة من أوراق العشب. سمع طنين البعوض المتراقص فوق دوامات التيار ، ورفيف "أجنحة " ذبابة التنين ، وضربات سيقان عناكب الماء ، مثل مجاذيف قارب .. كل هذه الاصوات إستقبلتها أذنيه بوضوح موسيقي عذب. انزلقت تحت ناظريه سمكة وسمع اندفاعة جسدها وهي تشق صفحة المياه.

لقد صعد إلى السطح ووجهه أسفل التيار ؛ في لحظة بدا له العالم المرئي وكأنه كان يدور حول نفسه ببطء، وشعر بأنه نفسه كان النقطة المحورية لذلك الدروان، وشاهد الجسر ، والحصن ، والجنود الواقفين على الجسر ، والنقيب ، والرقيب ، و الجنديان ، جلاديه . كان جلادوه تفاصيل في صورة ظلية قبالة السماء الزرقاء. كانوا يهتفون ويحركون اياديهم ، مشيرين له. كان النقيب قد سحب مسدسه ، لكنه لم يطلق النار؛ الآخرين لم يكونوا مسلحين. كانت حركاتهم بشعة ومرعبة ، بأشكالهم الضخمة.

فجأة سمع صوت دوي حاد صاحبه شيء ما ضرب سطح الماء بقوة على بعد بضع بوصات من رأسه ، ناثراً وجهه برذاذ الماء. سمع دوي ثان ، وشاهد واحدا من الحراس مع بندقيته على كتفه ، وسحابة خفيفة من الدخان الأزرق تنبعث من الفوهة. شاهد الرجل الموجود في النهر عين الرجل الواقف على الجسر تحدق في عينيه من خلال فتحة تسديد البندقية. لاحظ أنها كانت عين رمادية وتذكر انه قرأ بأن العيون الرمادية أشد مضاءاً من بقية العيون، وأن جميع الرماة الماهرين لهم عيون رمادية. ومع ذلك ، عجز صاحب هذه العيون الرمادية عن إصابة الهدف .
أمسكت دوامة معاكسة بفاركوهار وأدارته نصف دورة ؛ ومن جديد وجد نفسه ينظر الى الغابة الموجودة على الضفة المقابلة للحصن. إنبعث خلفه الآن صوت واضح وعال ذو رخامة رتيبة ، وإنساب عبر المياه بوضوح مميز اخترق وأخرس جميع الأصوات الأخرى ، حتى صفعات الأمواج في أذنيه. لم يكن فاركوهار جندياً ، رغم ذلك كان قد تردد في حياته على الكثير من المعسكرات ليعرف بمافيه الكفاية المغزى الرهيب لذلك النشيد المتأني البطيء الذي شرعت تستلمه أذناه ؛ كان الملازم الواقف على الشاطئ يشارك في أعمال الصباح. كم كان بارداً وبلا رحمة .. وباي تجويد رتيب وهاديء كان يصدر ذلك النشيد ، منذراً ، وفارضاً الهدوء على الرجال .. أي فواصل محسوبة بدقة كان يضعها بين تلك الكلمات الرهيبة :

" سرية ، إنتباه ! .. تنكب سلاح ! .. إستعد ! .. سدد !.. أطلق النار !.. "

غاص فاركوهار .. غاص الى أعمق مايستطيع . هدر الماء في أذنيه كصوت شلال، رغم ذلك سمع الدوي المكبوت لوابل الرصاص الذي إنهمر ، وعندما إرتفع مرة أخرى الى السطح ، قابلته قطع لامعة من المعدن ، مسطحة بشكل فريد ، تتأرجح هابطة ببطء نحو الأسفل . بعض منها لامست وجهه ويديه ، ثم سقطت بعيدا ، مواصلة هبوطها . واحدة علقت بين ياقته وعنقه ؛ كانت ساخنة بشكل غير مريح فقام بإنتزاعها من مكانها .
عندما صعد الى السطح ، لاهث الأنفاس ، لاحظ أنه أمضى وقتاً طويلاً تحت الماء ؛ كان من الواضح أنه قد تحرك لمسافه ما أسفل التيار الى موقع أقرب الى السلامة . كان الجنود قد إنتهوا تقريباً من إعادة حشو بنادقهم؛ مكابس البنادق المعدنية لمعت دفعة واحدة في ضوء الشمس عندما سُحبت من المواسير ، وأُديرت في الهواء ، وحُشرت في محاجرها. أطلق الحارسان النار ثانية، بشكل مستقل ودون تأثير.

شاهد الطريد ذلك كله من وراء كتفه ؛ إنه الآن يسبح بقوة مع التيار. كان دماغه يشتعل حيوية كما ذراعيه وساقيه؛ كان يفكر بسرعة البرق.
"لن يرتكب الضابط " فكر مع نفسه ، " خطأءه الصارم مرة ثانية. فمن السهل تفادي صلية من الرصاص سهولة تفادي رصاصة واحدة . على الأرجح أنه أعطى الأوامر بإطلاق النار بشكل عشوائي. ساعدني يارب على تفادي كل هذا الرصاص ! "

داهم النهر رشاش مروع ضمن نطاق ياردتين بعيداً عنه ، أعقبه صوت متسارع ، متضائل ، بدا له أن صداه كان يترجع عبر الهواء بإتجاه الحصن وينتهي بإنفجار هز النهر نفسه الى الأعماق !
تقوست فوقه ملاءة صاعدة من المياه ، وسقطت عليه ، أعمته، وخنقه! لقد إشترك المدفع في اللعبة إذاً. وعندما هز رأسه ليخلصه من ضجة المياه التي تعرضت لقذيفة مدفعية سمع الطلقة الشائهة تئز في الهواء فوق رأسه ، وفي لحظة كسرت وهشمت فروع الأشجار في الغابة خلفه .

" لن يفعلوا ذلك مرة أخرى" ، فكر ؛ " في المرة القادمة سوف يستخدمون عبوة عنقودية. يجب ان أتابع المدفع ؛ سيعلمني الدخان بذلك .. الدوي يصل متأخراً جداً؛ إنه يتلكأ خلف القذيفة. إنه مدفع جيد ."
فجأة شعر بنفسه يدور وبدور مثل دوامة .. وإختلط أمام أنظاره الماء بضفاف النهر ، بالغابة ، بالجسر الذي بات بعيدا الآن ، بالحصن بالرجال وغاب الجميع داخل صورة هلامية مشوشة . لم يعد يرى من الاشياء غبر ألوانها فقط ؛ مجرد خطوط لونية أفقية ودائرية .. ذلك كل ماكان بوسعه أن يراه . لقد أمسكت به دوامة ، راحت تبرمه بسرعة دوران وإندفاع شديدة الى الأمام حتى أصابته بالدوار والغثيان . وفي لحظات قليلة قذفته على الحصى عند سفح الضفة اليسرى للتيار .. الضفة الجنوبية .. وراء بقعة بارزة من الارض أخفته عن عيون أعدائه. التوقف المفاجئ لحركته ، وكشط واحدة من يديه على الحصى، أعادا له وعيه ، فجعل يبكي مسروراً. غرز أصابعه في الرمل ، وأخذ يحثو قبضات منه على نفسه مباركاً إياها بصوت مسموع . بدت له حبات الرمل مثل الماس والياقوت والزمرد؛ بل أكثر .. لقد تمثلت له ككل شيء جميل أمكن لذاكرته أن تسعفه به . كانت أشجار الضفة نباتات حدائقية عملاقة؛ لاحظ وجود نسق واضح في ترتيبها ، وعب بأنفه رائحة زهورها . نور وردي غريب أشرق عبر الفراغات الفاصلة بين جذوعها، وعزفت الريح بين فروعها ألحان قيثارات إيوليا.

لم يكن يرغب في إضفاء صفة الكمال على هروبه .. كان يرضيه أن يمكث في تلك البقعة الساحرة حتى يعيدوا إلقاء القبض عليه . أيقظه من حلمه أزيز وقعقعة ذخيرة عنقودية بين الأغصان المتدلية فوق راسه . المدفعي الحائر كان قد أطلق في أثره رشقة وداعية عشوائية . نهض واقفاً على قدميه ، وإندفع صاعداً الضفة المنحدرة ، وغاص في أعماق الغابة .

واصل المسير طوال ذلك اليوم ، مستدلاً بالشمس على وجهته . بدت الغابة بلا نهاية ؛ لم يكتشف أي قطع في إمتدادها الأبدي ، ولا حتى درب للحطابين . لم يعرف من قبل أنه كان يعيش في برية لها مثل هذا الإتساع . كان ثمة شيء غريب في هذا الإكتشاف .
وعندما حل الليل ألفى نفسه متعبا ، متقرح القدمين ، جائعاً. لكن التفكير في زوجته وأولاده حثه على مواصلة التقدم. أخيرا وجد الطريق الذي قاده الى ما يسمى بالإتجاه الصحيح . كان الطريق واسعاً ومستقيماً كأحد شوارع المدينة ، إلا أنه بدا غير مطروقاً من قبل . لاتوجد هنا حقول تحده ، ولامسكن على أي جنب من جنباته، ولاحتى نباح كلب على الأقل يشي بوجود بشر ساكنين على جانبيه. جذوع الاشجار السوداء وحدها شكلت جداراً مستقيماً على كلا الجانبين ، منتهية في الأفق عند نقطة ما ، مثل رسم تخطيطي في درس للمنظور. في الأعلى ، عندما رفع بصره لينظر من خلال ذلك الصدع الموجود في سقف الغابة، شعت نجوم كبيرة بدت له غير مألوفة ومتجمعة داخل تشكيلات غريبة. كان متأكدا من أنها كانت مرتبة حسب نظام ما ذو مغزى خبيث وسري . على الجانبين كانت الغابة حبلى بأصوات فريدة ، تتخللها مرة تلو الأخرى وشوشات وهمسات منطوقة بلسان غير معروف .

كانت رقبته تؤلمه وعندما رفع يده ليتلمسها وجدها متورمة تورماً فظيعاً. كان يعرف أنها كانت محاطة بشريط أسود خلفته كدمات الأنشوطة عليها . شعر بعينيه محتقنتان ؛ وأنه لم يعد من الممكن إغلاقهما. كان لسانه متورما من العطش ؛ وأخذ يخفف من سخونته بدفعه إلى الأمام من بين أسنانه في الهواء الباردة. ماأشد نعومة التربة التي كانت تغطي ذلك السبيل غير المطروق .. لم يعد يشعر بالطريق تحت قدميه !

لا شك في أنه ، رغم معاناته ، قد خر نائما أثناء سيره ، لأنه يرى الآن مشهداً آخر .. أوربما لأنه قد تعافى للتو من حالة هذيان. إنه يقف الآن على عتبه بوابة منزله. كل شيء كما تركه ، مشرق وجميل في نور شمس الصباح الباهر . لابد أنه قد سار الليل باكمله. وإذ يدفع البوابة ويسير فوق الممشى الابيض العريض ، يشاهد رفيف ثياب نسائية ، وزوجته ، التي تبدو طازجة ورائقة وحلوة ، تهبط من الشرفة لمقابلته. في الجزء السفلي من درجات الشرفة تقف في الانتظار ، مع ابتسامة فرح لا يوصف ، وهيئة لا مثيل لها من الرشاقة والكبرياء. آه ، ماأجملها ! يقفز الآن الى الأمام ماداً ذراعيه. وعندما يوشك على معانقتها يشعر بضربة صاعقة على الجزء الخلفي من عنقه ؛ ضوء أبيض معشي يشتعل من حوله مقروناً بصوت يشبه دوي مدفع .. ثم يغرق كل شيء في الظلام والصمت !
بيتن فاركوهار كان ميتاً؛ جسده ، المهشم العنق، كان يتأرجح برفق من جانب إلى جانب تحت أخشاب جسر أوول كريك .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبذة عن الكاتب :
أمبروس غوينيث بيرس 1842- 1913 ، كاتب إفتتاحيات أمريكي ، صحفي وكاتب قصة قصيرة ومؤلف حكايات فنطازية . يعرفه القراء من خلال قصته الأشهر " واقعة جسر أوول كريك " التي نقدم ترجمتها هنا بالإضافة الى شهرته المقرونة بقاموسه الساخر الموسوم ب " قاموس الشيطان " . أكسبته نظرته التهكمية للطبيعة البشرية التي أوحت له بكتابة اعماله بالإضافة الى ماعُرف عنه من كونه ناقداً يتصف بالشدة ، مستهدياً بشعاره الشخصي القائل " لاشيء يهم " أكسبته لقب " بيرس اللاذع " . يستخدم في أسلوبه القصصي البدايات المفاجئة ، والصور المظلمة ، الإشارات المقتضبة للزمن ، الأوصاف المحدودة ، ثيمة الحرب الأهلية الأمريكية ، والأحداث المستحيلة .
في عام 1913 ، سافر بيرس الى المكسيك ليكون على تماس مباشر مع الثورة التي كانت مندلعة في ذلك البلد. وبينما كان مسافرا مع القوات المتمردة ، اختفى الكاتب العجوز دون أن يترك خلفه أثراً .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واقعة جسر أوول كريك
أمبروس بيرس
An Occurrence at Owl Creek Bridge
by Ambrose Bierce
ترجمة : علي سالم

النص باللغة الانجليزية:
http://fiction.eserver.org/short/occurrence_at_owl_creek.html