‏إظهار الرسائل ذات التسميات راي برادبري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات راي برادبري. إظهار كافة الرسائل

السبت، 20 أغسطس 2016

حوار مع الكاتب راي برادبوري ( 2 )

ترجمة وتقديم لطفية الدليمي


* لماذا تكتب رواية الخيال العلمي؟

رواية الخيال العلمي هي رواية أفكار ، والأفكار تثيرني على الدوام ومتى ما بهرتني فكرة ما ،غمرني الأدرينالين كما أنني في الوقت ذاته أستمد طاقتي في الكتابة من الأفكار ذاتها . رواية الخيال العلمي تتناول أية فكرة تحوم في الرأس ولكنها لم تتحقق على الأرض بعد لكنها ستفعل يوما ما وستغير كل شيء وستغير كل واحد منا ولن يبقى شيء دون أن يطوله التغيير، ومتى ما كانت لديك فكرة تطوف بذهنك ويمكن لها أن تغير ولو جزءاً صغيراً من العالم تكون آنذاك مشروعاً لكاتب خيال علمي واعد . رواية الخيال العلمي هي دوما رواية الممكن وليست أبدا رواية المستحيل . تخيل مثلا قبل ستين سنة عند بداية مهنتي الكتابية لو انني فكرت بكتابة قصة عن امرأة تتناول حبة ( اشارة الى حبة منع الحمل ، المترجمة ) ستهدم واحدا من اركان الكنيسة الكاثوليكية الخاصة بمنع التحكم في الإنجاب وتؤدي الى إطلاق موجة تحرير النساء فربما كان الكثير سيتهكم من هذه الفكرة لكنها تقع في حدود ما هو محتمل الحدوث ويمكن لها أن تكون أساسا في رواية خيال علمي عظيمة . أود أن أضيف هنا : رواية الخيال العلمي لا تتناول ما هو ممكن حسب بل ما يمكن حسابه،فعندما ظهرت السيارة الى الوجود كان يمكن لنا أن نتنبأ حينها بعدد الضحايا الذين ستتسبب فيهم مثلما توقع كاتب الخيال العلمي في نهاية القرن الثامن عشر .

*
هل يمكن لرواية الخيال العلمي أن تحقق أهدافاً تعجز عنها الكتابة الإبداعية في مجالات أخرى ؟

نعم أرى ذلك ،لأن الكتابة الإبداعية في المجالات الأخرى لم تنتبه جيدا للتغيرات التي طالت حضارتنا في الخمسين سنة الأخيرة : الأفكار الرئيسية لزماننا فيما يخص التطورات الهائلة في الطب و استكشاف الفضاء والمجالات العلمية الحيوية التي أثرت في تشكيل حياتنا بشكل حاسم .

*
هل ترى في نيلك جائزة الإنجاز المميز في الأدب الأميركي إشارة الى أن رواية الخيال العلمي أضحت مدعاة للتقدير والاحترام اللائقين؟

نعم، لكن الى حد ما حسب، لقد استغرق الناس الكثير من الوقت لكي يعترفوا بنا نحن معشر كتابالخيال العلمي ويتوقفوا عن السخرية منا . عندما كنت شاباً لو حصل أن أحداً منا ارتاد حفلة و أخبر أحداً من الحاضرين أنه كاتب رواية خيال علمي لكان نصيبه الازدراء ولما انقطع الحاضرون لحظة عن مناداته ( فلاش كوردون ) او ( بك روجرز ) بطريقة منفرة . أذكر قبل ستين سنة لم تكن ثمة رواية أو روائي في ميدان الخيال العلمي وحتى عام 1946 لم يكن أكثر من اثنين من الانثولوجيات في هذا الميدان والغريب أننا كنا فقراء الى حد لم يكن بمقدورنا شراء أي من هذه الأنثولوجيات في تلك الأوقات لكن الحال تغير كثيرا مع نهاية الخمسينات وبدأت مراجعات كتب الخيال العلمي تظهر بانتظام في المجلات الأدبية الرصينة.

*
هل ترى أنّ رواية الخيال العلمي توفر للكاتب وسيلة لاستكشاف فكرة مفاهيمية ما ؟

خذ روايتي : ( فهرنهايت 451 ) التي أتعامل فيها مع موضوعة حرق الكتب، وهو موضوع أجده على درجة قصوى من الأهمية . ينبغي دوما على الكاتب أن يكون في منتهى الحذر حتى لا ينزلق الى وعظ الناس بشكل مباشربدل أن يروي حكايته في شكل رؤية مستقبلية فيصوغ فكرة رجل إطفاء يضرم النار في الكتب بدل إطفائها والتي أراها فكرة رائعة في ذاتها حيث يدفع القارئ فيها في خضم مغامرة اكتشاف : أن الكتب لا ينبغي لها أن تحرق أبدا ، فيبدأ القارئ في قراءة الكتاب الأول ويقع في سطوة الحب وبعدها يندفع في خضم الحياة في مسعى لتغييرها ، إنها قصة تشويق عظيمة تحتوي بداخلها الحقيقة الثمينة التي تريد توصيلها الى الآخرين . أستخدم في العادة استعارة ( بيرسيوس ) ورأس ( ميدوزا ) عندما أتحدث عن رواية الخيال العلمي، فبدلاً من النظر مباشرة في وجه الحقيقة فإنك تحدق في السطح البرونزي للقناع العاكس للضوء ثم تعود لاحقاً مستلاً سيفك لتقطع رأس الميدوزا . ترمي رواية الخيال العلمي للنظر الى المستقبل عبر النظر في الإشعاع المنعكس عما يلوح أمامنا في هذه اللحظة، لذا ستكون لنا رؤية باعثة على الاستمتاع وإن كانت متشظية. وفي العادة يحصل فعل الاستمتاع هذا بطريقة غير واعية و بطريقة هادئة يكون فيها المرء بعيداً عن الشعور المخاتل بالتفوق المفاهيمي الأجوف .

*
هل تقرأ روايات خيال علمي لمعاصريك من الكتّاب ؟

لطالما اعتقدت أن عليك قراءة القليل وحسب في ميدان اشتغالك متى ما انخرطت فيه، ولكن من الجيد في نقطة شروعك بمشوارك أن تعرف ما الذي يفعله المبرزون فيه . عندما كنت في السابعة عشرة من عمري قرأت جميع أعمال ( روبرت هينلين ) و ( آرثر كلارك ) والكتابات المبكرة لـ كل من ( ثيودور ستركيون ) و ( فان فوكت ) غير أن الأسماء الكبيرة لدي ظلت على الدوام ( هيربرت جي. ويلز ) و ( جول فيرن ) وأرى نفسي على الدوام ميالاً الى نمط فيرن في الكتابة عن المثل الأخلاقية والارتقاء بالإنسانيات، فقد كان فيرن يؤمن أن الكائن الإنساني حالة غريبة في عالم غريب للغاية وأن بوسعنا الانتصار في مشوارنا البشري بالسلوك طبقاً لما تمليه علينا موجبات الحساسية الفائقة لضمائرنا التي تقودها الأمثولات الأخلاقية الرفيعة .

*
هل تقرأ عادة لكُتّاب أصغر منك؟

أفضل في العادة أن لا اقرأ لكتاب أصغر مني في ذات الحقل الإبداعي الذي نكتب فيه، فقد يحصل غالباً أن تصاب بإحباط كبير لاكتشاف أنهم يعالجون الفكرة ذاتها التي تعمل عليها، لذا من الأفضل لك أن تمضي قدماً في عملك ولا تشوش على ذاتك .

*
في أي وقت بدأت الكتابة ؟

بدأ الأمر معي منذ قرأت ( أدغار ألان بو ) الذي اعتدت تقليد نمطه الكتابي منذ أن كنت في الثانية عشرة وحتى بلغت الثامنة عشرة ، و قد فعلت الأمر ذاته مع ( أدغار رايس بوروز ) وكنت أكتب في الغالب قصص رعب تقليدية من النوع الذي يستهوي المبتدئين في العادة . كانت سنة 1932 هي السنة التي اختمر فيها كل شيء لدي عندما بلغت الثانية عشرة، عندها اعتدت الإنصات الى الكثير من برامج المذياع المثيرة للخيال وكان من الأمور المعتادة وقتذاك أن أستمع الى أحد البرامج كل ليلة، وبعد انتهائه أجلس وأكتب المسودة الكاملة للبرنامج معتمداً على ذاكرتي وحدها ، وقد كان لي ايضا ولع طاغٍ في الرسم وكنت ميالا لرسم الشخصيات الكارتونية وكنت أعد مجلداتي الخاصة من طرزان مشفوعة برسوماتي الخاصة بالتزامن مع ظهور مجلد ( طرزان ) أسبوعيا كل يوم احد . كنت أعرف منذ صباي المبكر انني سأنخرط في واحد من مجالات الفنون : فقد كنت وقتها أرسم وأمثل وأكتب .

*
تبدو في صباك منفتحاً على جملة من المؤثرات؟

كنت أرى نفسي كومة ملصوقة من النفايات يمكنها دوما أن تلتهب بوهج عظيم !! ، كان لدي شغفي الأدبي وأتخيل نفسي قطاراً يتنقل عبر أميركا في منتصف الليل ويدير حوارات مع كتّابي المفضلين : ( جورج برناردشو ) الذي كان مولعاً بالرواية المؤسسة على الأفكار و قد كتب هو ذاته بضع روايات يمكن إدراجها في خانة الخيال العلمي . كنت وكتّابي المفضلون نتسامر حتى منتصف الليل ونحن نقلب الأفكار ونتساءل مثلا : “إذا كان هذا هو حال المرأة في عام 1900 فعلى أية حال ستبدو إذن عام 2050 ؟ ” .

*
من ذا الذي سيكون على متن القطار جنباً الى جنب مع برناردشو؟

كثير من الشعراء : هوبكنز ، فروست ، شكسبير ، ومثلهم من الكتاب : شتاينبك ، هكسلي ، و توماس وولف.

*
كيف ساعد هؤلاء الكتّاب الذين ذكرت في ارتقائك الأدبي؟

كان توماس وولف رومانتيكياً عظيماً وعندما تكون في التاسعة عشرة يفتح وولف أبواب العالم ونحن دوما نفيد من كتّاب محددين في أوقات محددة من حياتنا وربما لا نعاود الرجوع اليهم بعد مغادرتنا تلك الأوقات، وأرى أن وولف كاتب مثالي لمن هو في التاسعة عشرة . عندما تقع في هوى ( شو ) وأنت ابن الثلاثين فسينتهي هذا الهوى في الغالب لأن يكون هوىً أبدياً، ويصدق الأمر ذاته مع كتب بذاتها لـ ( توماس مان ) فقد قرأت ( موت في البندقية ) وأنا في العشرين وما زلت أراه افضل في كل مرة أقرأه فيها . الأسلوب هو الحقيقة . عندما تقرر أن تدون ما تريد قوله عن ذاتك ومخاوفك وحياتك فإن هذا سيكون أسلوبك وسيتعين عليك العودة لمن ذكرت من الكتاب لإرشادك كيف تستخدم الكلمات لتتناغم مع الحقيقة . تعلمت من ( شتاينبك ) كيف أكتب بموضوعية ومع ذلك أمرر رأيي بسلاسة وبلا تعليقات إضافية ثقيلة . تعلمت الكثير من ( جون كولبير ) و ( جيرالد هيرو ) أيضا وعشقت أعمال عدد من النساء الكاتبات وبخاصة ( يودورا ويلتي ) و ( كاترين آن بورتر).

*
واحدة من أكثـر أقاصيصك شعبية في مجموعتك (السجلات المريخية) هي ( ثمة مطر ناعم سيهطل There Will Come Soft Rain ) تحكي فيها عن منزل ممكنن mechanized تدوم فعالياته بعد القاء قنبلة ذرية وليس ثمة من بشر في القصة . كيف راودتك هذه القصة ؟

بعد قصف هيروشيما رأيت صورة فوتوغرافية لأحد جوانب منزل مهدم مع ظلال لأجساد بشرية احترقت وتركت آثارها على الجدار من هول فعل القنبلة، وكما ترى فقد تلاشى الناس لكن ظلالهم ظلت باقية وهذا ما أثر في كثيرا ودفعني لكتابة القصة.

*
بعض المقاطع من قصصك في السجلات المريخية وبعض كتبك الأخرى أيضاً تبدو غنائية الطابع lyrical بقوة . من أين جاءتك تلك النزعة الغنائية؟

جاءتني من قراءة الكثير من الشعر في كل يوم تقريباً من أيام حياتي . كان كتّابي المفضلون دوماً ولا يزالون هم القادرين على قول الأشياء بطريقة جيدة، وقد اعتدت دراسة ما تفعله ( يودورا ويلتي ) التي تمتلك قدرة مدهشة على وضعك في أجواء الفعل والشخصيات و فضاء الحركة من خلال سطر واحد من الكتابة .

*
وماذا عن بروست وجويس وفلوبير ونابوكوف : الكتّاب الذين يميلون الى التفكير في الأدب بمؤثرات الأسلوب والشكل ؟ هل أثر هذا اللون من التفكير فيما تكتب؟

لا لم يؤثر. حاولت أن اقرأ بروست وأدرك جمال أسلوبه لكنه يدفعني دوما للنوم لا محالة في كل مرة أقرأ عملاً له ونفس الشيء ينسحب على جويس الذي لا أرى له أفكاراً عديدة فيما يكتب وأنا بطبيعتي ميال الى عالم الأفكار ولا أطيق وجودي في عالم لا أندهش بما يدور فيه من أفكار .


راي برادبوري.. حارقو الكتب في درجة 451 فهرنهايت -القسم الأول

ترجمة وتقديم لطفية الدليمي 

تاريخ النشر: 10 أغسطس 2016

درجة 451 فهرنهايت - وهي درجة حرارة احتراق الكتب - عنوان رواية أحد اشهر كُتّاب الخيال العلمي في أمريكا ( راي برادبوري).

ظهرت الرواية سنة 1957 وأحدثت ضجة في الأوساط الثقافية لأنها دانت الحقبة المكارثية عندما مارس السيناتور الأميركي إرهابه الفكري في حقبة الخمسينات من القرن العشرين ولاحق المفكرين والكتّاب والفنانين وأحالهم الي المحاكم وسجن الكثيرين منهم بتهمة انتمائهم لليسار ، ومنعت كتب الكثيرين منهم في أمريكا واستخدم هو ومؤسساته عدداً هائلاً من المثقفين كمخبرين وشاة وكاتبي تقارير !!

رواية 451 فهرنهايت من أجمل الأعمال التي تصدت للارهاب الفكري ويعد المشهد الختامي فيها من أروع مشاهد المقاومة الانسانية للقهر والارهاب في مدينة تحرم قراءة الكتب والتعامل بالكلمات المكتوبة ، وأدهشَنا المخرج الفرنسي فرانسوا تروفو الذي قام باخراج الفيلم بالعنوان ذاته وقدم لنا مشهد الغابة وراء النهر خارج مدينة  جمعاً من رجال ونساء وأطفال  تحول كل منهم الى (كتاب حي) وقد حفظوا الكتب العظيمة في التراث الانساني عن ظهر قلب ، فنجد رجلاً اسمه (الحرب والسلام) يردد عبارات تولستوي وهذه امرأة حفظت رواية (أنا كارينينا) وهناك آخر حفظ ثلاثية (دروب الحرية) لسارتر، وهذا صبي يافع هو (دافيد كوبرفيلد) وذلك الرجل هو كتاب (الجريمة والعقاب) والآخر هو (البؤساء) ، وعندما يشرف أحد الشيوخ على الموت وهو حافظ أحد كتب العباقرة يقوم بتلقين مضمون الكتاب كلمة كلمة لصبي صغير قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، ثم عندما ينجز المهمة يغمض عينيه مطمئناً وقد ضمن وصول الرواية إلى جيل جديد سيأخذها الى المستقبل

يقدم لنا (برادبوري) تصوره عن نظام ديكتاتوري يصدر قراراً بتحريم الكتب ويحظر التعامل بالكلمات المكتوبة ويعاقب من يمتلك الكتب بالسجن وتحرق كتبه علانية في الساحات العامة ، وتكمن مفارقة النظام الإرهابي الذي يقلب وظائف الأشياء إلى ضدها في تحويله فرقة إطفاء الحرائق إلى فرقة إحراق الكتب التي تسمى فرقة (451 فهرنهايت) . يقول رئيس الفرقة : إننا نريد إشغال الناس بمسابقات الأغاني ونريد حشو أدمغتهم بمعلومات لاقيمة لها حتى  يشعروا بأنهم بارعون وراضون عن أنفسهم بينما هم في حقيقة الأمر لايفكرون في شيء ذي قيمة !!

حرق الكتب سمة بارزة من سمات عصور الارهاب وعلامة انحطاط كل عصر ووحشية كل نظام وظلاميته ، وقد تنبأ (راي براد بوري) بما سيؤول اليه مستقبل الفكر الانساني عندما تسقط المعرفة وتهيمن سلطة الجهل ويتحكم التلفزيون ببرامج مسابقاته وألغازه في حياة البشر محولاً الجموع إلى قطعان مدجنة تلتهم برامج المنوعات والأغاني والمسلسلات وتدمن عليها فلا تعود معنية بما يحدث وبما يهدد الإنسان ولا تأبه بأي شأن من شؤون الحياة والمخاطر التي تفترس المجتمع ، واستشرف (براد بوري) مستقبل الإنسانية عندما توقع صعود القهر والتسلط والإرهاب في بعض بلدان عالمنا المعاصر وكيف سيتحول البشر المحرومون من المعرفة والثقافة إلى كائنات تحيا لإشباع غرائزها الاولية وتقاوم البؤس والتعاسة والعجز والأرق بالتهام الحبوب المهدئة والحبوب المنومة والمخدرات ولا ترى الدنيا الا من خلال شاشة التلفزيون التي تتحكم بالأفكار والأنشطة والآمال التي تدور حولها تفاصيل حياة الناس المرتبطة بشهوة الثراء وامتلاك النساء الجميلات والسيارات الفارهة

في المدينة اللامسماة وفي عصر غير محدد بزمان - وربما هو عصرنا الذي توقعه (برادبوري) - تداهم فرقة (451 فهرنهايت) المنازل التي يبلغ عنها جواسيس النظام المرتعب من وجود الكتب وسيادة العقل ويقوم رجال الفرقة بتحطيم أثاث المنزل والخزائن ويلقون بالكتب التي يعثرون عليها في باحة البيت ويجري حرقها باستخدام قاذفات اللهب لتكون عبرة للآخرين ممن يتجرأون على اقتناء الكتب !! الرجال الذين تدربوا ليكونوا حماة للحياة عن طريق إطفاء الحرائق حولتهم سلطة دولة الإرهاب إلى رجال مدمرين يقومون بإفناء المعرفة الانسانية وتراث الإبداع البشري . يقول مونتاغ  أحد رجال الفرقة : الكتب مجرد نفايات تسلب الناس السعادة وتقلق حياتهم وتجعلهم يتمردون على المجتمع لذلك يجب حرقها، ويخبر الفتاة التي يتعرف عليها وهي تسكن في الجوار إن عمله في حرق الكتب ينطوي على كثير من الإثارة والتجديد؛ فمثلاً نحرق اليوم الإثنين ( آرثرميللر) ويوم الثلاثاء (تولستوي) ويوم الأربعاء (ديستويفسكي) وفي يوم آخر (سارتر) و(ماركس) و(نيتشه) !! إنه عمل مسلٍ ومجزٍ ؛ فنحن نعتاش على حرق الكتب مثلما يعتاش الآخرون على مهن أخرى - إنها مهنة مثل كل المهن ، مهمتنا حرق هؤلاء الكتاب دون استثناء ، (وهكذا نحولهم الى رماد) يقول للفتاة التي تسأله بشيء من الفضول

ــ إذن هل أنت سعيد؟
ـ  لاأدري .
ــ هل جربت أن تقرأ أحد الكتب؟
ــ لا.
ــ حاول أن تفعل.

يبدأ (مونتاغ) بسرقة بعض الكتب من تلال الكتب المعدة للحرق وتستيقظ لديه الحياة ، يتنبه العقل والجسد والمشاعر في الوقت الذي تتحول زوجته الى مدمنة مثالية لمسابقات التلفزيون والحبوب المهدئة وتغدو مجرد (روبوت) عديم الوعي والمشاعر وتراقب تحولات زوجها وترتاب في كونه يمتلك الممنوعات. يتفق مونتاغ مع صديقته على اللقاء وراء النهر، ولكن بعد أن يتم مهمته الشاقة التي قرر القيام بها إثر تحوله الى رجل مختلف. في هذا الوقت تدهم الفرقة منزل سيدة مسنّة تملك آلافاً من الكتب ويجري تكديس الكتب ويُشعل عود ثقاب ،،، تصرخ السيدة (لن تحرقوا الكتب بدوني، سأموت مع كتبي) وهكذا تفعل، تضحي بالحياة التي لاتعني لها شيئاً بلا كنوز المعرفة .

يخبر (مونتاغ) صديقته بفكرته التي ستحطم النظام من داخله :  سوف يدسّ كتاباً من الممنوعات لدى كل حارق من أعضاء الفرقة ويبلغ عنه لتنهار الفرقة ويتوقف عمل الإرهاب الفكري الذي تؤديه ، لكن زوجته  تبلغ عنه قبل أن يقوم بذلك وتحاصره الفرقة وتعثر على المحرمات في منزله فيضطر الى استخدام قاذفة اللهب لمهاجمة أعضاء الفرقة ثم يهرب إلى موعده مع الفتاة حيث يلتقيان مع البشر حافظي الكتب ، وهناك ينهض عالم مدهش من أناس قاوموا إرهاب السلطة ورفضوا الخضوع لخطتها التجهيلية وأقاموا مجتمع الفكر والرواية في الغابة وعاشوا في حذر وخوف على كنوزهم فهم يحملون أثمن أسرار البشرية ونتاج عقولها ومخيلاتها، وتنتهي الرواية عند هذه المأثرة الانسانية الرفيعة : تحوّل البشر إلى حافظين للتراث الانساني رداً على القمع وظلامية النظم السياسية القامعة .

*     *     *     *     *     *     *

عقد ( سام ويلر ) المحرر في مجلة ( باريس ريفيو ) الأدبية الفصلية  حواراً شاملاً مع الكاتب ( راي باردبوري ) نُشِر في الفصل الربيعي عام 2010 ، ومهّد المحاور لحواره بهذه المقدمة :  

يقطن راي برادبوري منزلا في ( بالم سبرينغ ) - كاليفورنيا على أطراف صحراء قريبة من قاعدة سلسلة جبال ( سانتا روزا ) ، و المنزل صغير على غير العادة ويحوي مطبخاً مطلياً بمعدن ( الكروم ) الفضي ويغلب على المنزل اللون التركواز ، ويقبع مسبح صغير في باحته الخلفية . كان برادبوري قد منحني قبل بضع سنوات فرصة لرؤية عدد من ملفاته المخزونة في (مرآب) البيت كجزء من متطلبات عملي في الإعداد لكتابة سيرته وقد عثرت في المرآب - من بين الاشياء الثمينة التي عثرت عليها - مخطوطة لحوار أعِدّ  للنشر في مجلة ( باريس ريفيو ) كان برادبوري قد أجراه أواخر عام 1970 وليس واضحاً لليوم الأسباب الكامنة وراء عدم نشر الحوار وقتذاك ولكن بحسب تأشيرة مرفقة من مسوؤل التحرير في المجلة وقتها نقرأ الملاحظة التي تقول "ربما يكون الحوار طافحاً بالحماسة أكثر من المعتاد !! " ، وقد وجدت أن من المناسب - وبخاصة أن برادبوري سيبلغ التسعين من عمره في آب ( أغسطس ) 2010 - أن اعيد نشر الحوار مدعوماً بحوارات محدّثة .

ولد برادبوري عام 1920 في ( إيلينوي ) بالولايات المتحدة لأب يعمل في شركة طاقة محلية ، وكطفل نشأ معه شغف طاغ تجاه كتب ( فرانك بوم ) و (ادغار الان بو) ، ومنذ طفولته المبكرة أغرق نفسه في الانشغالات الثقافية الشعبية العامة من السينما والكوميكس والسيركات المتنقلة ، ولأن والد برادبوري كان عرضة الى البطالة في العشرينات والثلاثينات ( من القرن العشرين ) فقد وجدت العائلة نفسها تتنقل دوماً بين الينوي واريزونا وهو الأمر الذي خلق في برادبوري شعوراً بعدم الانتماء والتجذر تفاقما بعد موت جده المقرب إليه عندما كان في الخامسة ثم تفاقما بطغيانٍ أكبر بعد موت اخته الرضيعة متأثرة بتداعيات التهاب الرئة ، وغالبا ما ظهر تأثير هذه الفقدانات المرّة في أعماله لاحقاً ، وبقدوم ربيع 1934 انجذبت عائلة برادبوري الى الشمس المشرقة والتوظيف الثابت السائدين في كاليفورنيا فانتقلت اليها وظل فيها برادبوري طوال حياته ، وقد اعتاد كمراهق ان يطارد نجوم هوليوود ويجمع تواقيعهم ويلتقط صوراً مع بعضهم : ( جين هارلو ) و ( مارلين ديتريش ) و ( جورج برنز ) ، وبعد ان تخرج من مدرسة لوس انجلس الثانوية عام 1938 انضم الى جمعية لوس انجلس لرواية الخيال العلمي وهناك كوّن صداقات عميقة مع من سيكون له شأن كبير لاحقاً من امثال ( روبرت هينلين ) و ( لاي براكيت ) ، وفي عام 1940 وبمساعدة ( هينلين ) باع على طريقة المحترفين عمله الاول الى مجلة أدبية في الساحل الغربي تدعى ( Script ) .  ساعد ضعف نظر برادبوري على إبقائه بعيداً عن صفوف المجندين في الحرب العالمية الثانية فاستغل هذه السنوات في ترسيخ اسمه كاتباً لروايات خيال علمي وحكايات غرائبية ، واستقبل النقاد ومجتمع الخيال العلمي بحفاوة بالغة كتابه الثاني ( السجلات المريخية The Martian Chronicles  ) التي أشاد بها كريستوفر ايشروود واصفاً برادبوري بكونه "كاتباً ذا أصالة حقيقية وموهبة عظيمة غير اعتيادية" ، وبعد ثلاث سنوات من نشر السجلات المريخية نشر برادبوري رواية لازمت اسمه حتى اليوم وصارت علامته الفارقة التي يعرف بها : فهرنهايت 451 .

كتب برادبوري أكثر من خمسين كتاباً وعمل في برامج تلفزيونية وأفلام كثيرة وأعد أعمالاً لِـ ( ألفريد هتشكوك ) وعمل في سيناريو لفلم مقتبس عن رواية ( موبي ديك ) اخرجه ( جون هيوستن ) عام 1956 ، وأسس عام 1964 شركة المسرح الصاخب التي ابتدأ معها تقديم اعماله المسرحية ومازال شغوفاً بالمسرح حتى اليوم كما نشر مجاميع شعرية عديدة وعمل في مجالات تبدو غريبة لم يسمع بها الكثيرون مثل العمارة ؛ فقد ساهم في تصميم اعمال عدة مثل فندق ( ويستفيلد هورتون بلازا ) في سان دييغو والتصميم الداخلي لسفينة الفضاء في مركز ديزني

مُنِح برادبوري عام 2000 ميدالية الخدمة المميزة للأدب الأمريكي من مؤسسة الكتاب القومية كما مُنِح عام 2004 الميدالية القومية للفنون ، ورغم اصابته بجلطة دماغية عام 1999 ووفاة زوجته ( مارغريت ) عام 2003 لا يزال برادبوري عظيم النشاط و يكتب بتوهج مدفوعاً بذلك الابتهاج الطفولي الأخاذ ( توفي برادبوري بعد سنتين من هذا الحوار المحدّث معه في كاليفورنيا بعد حياة منتجة شديدة الثراء امتدّت واحداً وتسعين عاماً ، المترجمة).

سأنشر في حلقتين مقبلتين من ثقافية "المدى" تفاصيل الحوار مع ( راي برادبوري ) والذي نُشِر في عدد مجلة ( باريس ريفيو ) الذي أشرت إليه أعلاه .المترجمة  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : المدي