‏إظهار الرسائل ذات التسميات بول أوستر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بول أوستر. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 11 أغسطس 2016

«حكاية الشتاء».. حياة بمنازل كثيرة

عباس بيضون
جريدة السفير بتاريخ 09-08-2016 


بول أوستر الروائي الأميركي الذي بدأ شاعراً، وصار في ستيناته لا ينظم الشعر إلا في المناسبات العائلية كما يقول في روايته «حكاية الشتاء»، لا يطلعنا على سر عنوانه للرواية إلا في فصلها الأخير. الشتاء هنا شتاء العمر، والروائي الذي ولد 1947 لا يشك في أنه بلغ هذا الشتاء، أو أنه، على الأقل، على حافته وهو في روايته يروي لنا المسيرة التي حملته إلى هذا الشتاء.

رواية بول أوستر كما نفهم سيرة ذاتية، سيرة ذاتية وليست مذكرات. إذ أننا لا نقع هنا على مسار منتظم يتابع هذه السيرة مرحلة مرحلة وعاماً بعد عام أو حادثة تلو أخرى. ما نقرأه لدى بول أوستر يشبه أن يتناول السيرة كمجموعة مواضيع، بل مجموعة ديناميات. لا نجد هنا تسلسلاً لكننا نجد حياة كاملة يتوغل الكاتب في أطرافها وتفاصيلها ويبني من داخلها سياقات خاصة. كأن ما يفعله بول أوستر هنا هو تناول حيوات في حياة ومسارات داخل بيئة كاملة. لذا لا نجد تتابعاً زمنياً ولا تتابعاً مكانياً. الروائي يكتب تداعيات منظومة. انه ينتقل في الأزمنة والأمكنة والمناسبات والمواضيع. ينتقل ذهاباً وإياباً وبوقفات طويلة وحراك في صعود وهبوط. الأشياء تستدعي بعضها وتسفر عن بعضها وتخرج من بعضها. ما نقرأه هو نشر هذه الحياة على عرض الكتاب وطوله، نقرأ في الصفحة 6 «حقيقة أنك لم تعد شاباً لا تقبل الجدل فبعد شهر سوف تبلغ الرابعة والستين» لكننا نقرأ في الصفحة المقابلة «ها أنت في الخامسة» وبين الصفحتين كلام من مثل «كيف لفحت الريح وجهك حين هبت العاصفة الثلجية الشديدة في الأسبوع الفائت» يلي ذلك كلام عن نثريات الحياة ومتعها من الواضح انه بلا عمر. هكذا ننتقل في صفحتين بين لحظات تعود إلى أزمنة شتى. مع ذلك نكاد نشعر أن هذا التفرق وهذه البعثرة هما اللذان يمنحان الكتاب هيكلاً ووحدة وبنياناً لا نجدها بالتأكيد في التسلسل الزمني. هنا تبدو الحياة حقاً وحدة تجربة بل وتجارب، تبدو وقد انتظمت في فعاليات واختبارات، تبدو كأنــــها تستمد وحدتها وانتـــظاماتها من اندفاعات داخلية ومن سياقات جــوانية ومن تجارب متصلة.

سنتابع تداعيات النص ونجده يقفز من عمر إلى عمر، ومن تفصيل إلى تفصيل، ومن ملاحظة إلى ملاحظة، وبالطبع سنقع على إيحاءات دائمة. بول أوستر اليهودي الذي هاجر أهله إلى أميركا يذهب بعيداً في نصه، الذي ليس طويلاً، يذهب إلى أهله، إلى أجداده وإلى أمه وأبيه. كما يتكلم بالدرجة نفسها عن زوجته التي هي كذلك من ثلاثين سنة. يتكلم عن أهلها وعن ماضيها، وعلينا أن ننتقل بمتعة حقيقية من ندوب الطفل والفتى التي حملها من تعثرات وشجارات، إلى شجرة العائلة، إلى عشرات البيوت التي أقام فيها، وحده أحياناً وأحياناً مع زوجته الأولى والثانية. بيوت لا يكتفي بوصفها المعماري والهندسي، إنما نتسلل معه إلى حياته فيها لنشعر أن هذا العبور بين عشرات البيوت إنما هو عبور داخل حياة، قد لا نرى دقائقها وقد لا نتميز عادياتها، فبول يعطي للتفاصيل العابرة حضوراً نموذجياً. بول لا يرجع إلى العاديات والنثريات إلا بعد أن يحولها إلى إشارات وإلى إيحاءات. انها ترد في نصه بعصب وزخم يجعلانها أكثر من روتينيات وحوادث دارجة ويومية. التفاصيل هذه هي بحد ذاتها صور، إنها في الوقت ذاته أحاسيس ورموز وإشارات. هكذا يبدو الكاتب الذي بدأ شاعراً قريباً من أن يكون هذا الشاعر في سرده. هكذا نجد أن الغرف التي آوى إليها عشرات المرات وتبدلت عشرات المرات إنما هي موجودات حية، ونجد فيها، واحدة بعد أخرى، آثار حياة، بل نجد فيها أكثر من ذلك مطارح كره وحب وغضب وتسامح. ينشر بول أوستر حياته على هذه المباني فنجدها تتململ مختفية مضمرة فيها، فهذه الحياة تنبع من كل شيء، وتحل في شتى الموضوعات.

«حكاية الشتاء» أيضاً كتاب حب، لا نتوقف فقط أمام الصفحات التي كرسها لغرامياته، الناجحة والفاشلة، فبول الذي يقول انه بارع في اختيار ما لا يناسبه يتوقف طويلاً وفي صفحات كاملة أمام حب حياته، زوجته التي يكتب عنها فصلاً يكاد يكون قصيدة، منذ التقيا وكيف عاشا برهة معاً قبل أن تطلب منه أن يتزوجها «لم تكن من نسج الخيال، لم تكن إسقاطاً لتخيلاتك الباطنية بل شخصاً حقيقياً... لم يكــن لديك مجال لتحويلها إلى شــــخص لم تكنه. أي من بنـــــات أفكارك أو نتاج خيالك كما فعلت بنساء أخريات في الماضي».

الجمعة، 8 يوليو 2016

بول أوستر يستعيد طفولته الأدبية ومراهقته الإبداعية

قراءة: سعيد بوكرامي


يوجه بول أوستر أعماله الأخيرة صوب بعد نفسي وانعكاس ذاتي: نتذكر خوضه تجربة كتابة السير الذاتية، في 2013 و 2014 خاصة في كتابه «وقائع الشتاء» الذي كتبنا هنا في «عكاظ». كانت تجربة تخوض في وقائع الحياة اليومية، وتأثيرها على الكاتب المرتبط بفضاءات نيويورك الباردة والغامضة والمعتمة. تلتها جولات في جغرافياته الداخلية التي تنظر إلى الأعماق وتسائل الكتابة الابداعية، والهوية، والزمن، وكيف السبيل للمحافظة على الحيوية نفسها أمام وقائع الحياة المضنية والشائكة، أو ما يزيد من ممارسة السبر في طفولته وما يجعله يصبح على ما هو عليه اليوم. هي وقفات جليلة أمام أبراج الكتابة والتجارب الثرية.

يأتي كتاب بول أوستر الصادر مؤخرا عن دار أكت سود، ليحقق إضافة إلى تجارب الكاتب السابقة وإن كان الكتاب تجميعا لمقالات سابقة نشرت سلفا في مجلات وصحف مرموقة، إلا أن أي كتاب يصدر لبول أوستر هو فرصة استثنائية لقراءة ماتعة. نحن أمام 14 نصا. يفتتح أوستر كتابه بمقالة عن غليون أوبين نسبة إلى الشاعر الأمريكي جورج أوبين «1908 ــ 1984».

أما مقالاته الأخرى فيتحدث فيها عن نيويورك المدينة الأثيرة لديه. وعن دجو برنارد ويعود بنوستالجيا إلى كولومبيا عام 1968 ثم يتحدث ألن إدغار بو وجورج بيريك وجاك دوبان وأندري دو بوشي وبيكيث وألان روب غريي كما نعثر على خطابه الهام الذي ألقاه أثناء تسلمه جائزة الأمير أستورياس. وفي النهاية يختم بتأملات عن الحياة داخل الفن.
في هذا الكتاب يكشف بول أوستر علاقته بالأدب مشيدا بالمبدعين الذين ينتمون إلى ذائقته الأدبية، وشكلوا معينه المرجعي كقارئ في البداية وككاتب في التالي، أحيانا جمعته ببعضهم صداقة. وهكذا نصادف على مدى صفحات الكتاب، بطبيعة الحال، الكتاب الأمريكيين مثل هوثورن، وبو وأوبن، لكنه يكرس الأهمية نفسها لمبدعين فرنسيين مثل: بيريك، وروب غريي، جاك دوبان وأندريه دو بوشيه. أوستر يتحدث أيضا عن تجاربه الشخصية الخاصة مع الكتابة، سواء من الناحية المادية أو من حيث مفهومه لفن الرواية.
ومن الواضح أن هذه القراءات مثيرة ومحفزة لأن كتابة بول أوستر عن أدب هؤلاء الأدباء مفعمة بالإعجاب والحميمية هوثورن على سبيل المثال، فإنه يكتب عن رائعته رسالة سكارليت، بإعجاب مريد يرد الجميل الصاع صاعين. كما يتحدث عن أوبين، واشتغالاته اللغوية المجيدة. انطلاقا من دور الصداقة في تكوين المبدعين جاك دوبان أو أندريه دو بوشيه وبكيت وخصوصا روب غرييه وشغفهما معا بالسينما. الكتابة عند بول أوستر تتحول إلى جيولوجيا من القراءات واللقاءات والشغف الحميمي بالأدب ومصادره الخصبة من الحياة والانسان. اللقاءات التي تترك بصمات في مسار المبدعين وتغير حيواتهم نحو عطاءات جديدة وتحولات إبداعية.

وفوق كل شيء، هناك تلك الصفحات المشرقة حيث يناقش بول أوستر علاقته الشخصية بالأدب وعمله ككاتب فلا يتوقف عند الاعتراف بالجميل بل يشيد كل الإشادة بالكتاب الذين أسسوا منذ سن مراهقته صرحه السردي ومعجمه اللغوي مستعيدا ذكرى الكتابات الأولى على الكراسات والدفاتر ذات المربعات الصغيرة سواء بقلم الرصاص أو قلم الحبر. و ما أسفرت عنه هذه التجارب من تأثر ومحاكاة بالمقروء التلقائي في البداية والمختار بعناية في التالي. وكيف أنه لم يكن يهتم بالنتائج بقدر اهتمامه بصيرورة الكتابة وتشكلها المتنامي والمفاجئ. كما يحكي عن إحساسه الصادق، الذي ينتج نصوصا زخمة بالحب المزروع بين الكلمات كرائحة خالدة أو سحر أخاذ. وهذا ما يجعل أعمالا عظيمة تبقى راسخة في وجدان القراء وأذهانهم تحاور القارئ وتتغلغل في المستقبل بعيدا عن الكتابة على الكومبيوتر التي تحولت إلى كتابة آلية إن لم نقل تقنية تتسم بالغزارة، لكنها محفوفة بمخاطر فقدان الإحساس أثناء الكتابة والتلاشي في المستقبل. الكتابة الخالدة لهؤلاء العظماء الذين ابتكروا إبداعا فريدا لا يموت. هل تريدون أن تعرفوا السر ؟ يسائلنا بول أوستر. السر أنهم أحبوا القراءة، فكانوا قراء استثنائيين.
بقي أن نشير إلى أن انتظار الرواية الجديدة لبول أوستر طال أمده، فمنذ روايته «اللامرئي» الصادرة عام 2009 ثم مجموعته القصصية «تومبوكتو» 2010 وقراؤه ينتظرون بشغف جديده الروائي، الذي ابتعد عنه تدريجيا منذ اهتمامه بالكتابة السيرذاتية.

ـــــــــــــــــــ
المصدر: عكاظ ، 30 يناير 2016.

بول أوستر.. على المرء أن يموت محبوباً

هيفاء بيطار 
نشرت في 8 مايو 2015


تظن أنك في مأمن من هذه الأحداث وأنها لن تنالك، وأنك الشخص الوحيد في هذا العالم الذي هو بمنأى عنها، لكن لا بد أن يحين وقت خيبة الظن فتراها تصيبك كالآخرين تماماً. هكذا يبدأ بول أوستر روايته الآسرة (حكاية شتاء) وبالعبارة التالية ينهيها: أصبحت في شتاء العمر، كم صباحا تبقى من عمرك.
على مدى 300 صفحة يحكي بول أوستر سيرته الذاتية لكن بطريقة مُبتكرة وعميقة جداً ويصح أن أقول بأنه يحكي عن الإنسان وعلاقته بجسده والعالم والناس حوله، يشعر كل قارئ أن بول أوستر يغوص في أعماقه ويتحدث عنه، لأنه لا يحكي عن ذاته بخصوصية بل من خلال كينونته كإنسان، ولا يحكي عن جسده كجسد يخصه بل يحكي عن الجسد الإنساني وميزاته في مراحل عمرية مختلفة. يقول عن الجسد: (إن جسدك طالما علم ما يجهله عقلك، والجسد يتحمل العبء الأكبر من مخاوفك، ومعاركك الداخلية مُتلقياً الضربات التي لا يقوى ولن يقوى عقلك على مواجهتها) يحكي بول أوستر عن ميزات الجسد حسب العمر عن طريق استحضار ونبش ذكرياته ويشعر كل من يقرأها أنه يتحدث عنه، فيتذكر حين كان في العشرينيات من عمره مسافراً في الطائرة وجلست بجانبه شابة جميلة ووجدا نفسيهما بحالة انجذاب قوي وبدآ بالغزل وتبادل قُبل نهمة، فالهورمونات الجنسية في عمر العشرين تكون قوية وجارفة ولا تبالي بتحذيرات العقل. ويحضرني هنا عبارة لسمرست موم في كتابه (عصارة الأيام) حين عرف الحب بأنه مستوى الهورمونات في الدم.
زوجة بول أوستر كاتبة أيضاً ودام زواجهما ثلاثين عاماً، وأهم ما تميزت به علاقتهما الزوجية أنهما كانا على تواصل فكري دائم ولم ينقطع الكلام بينهما، ويمران بمراحل من الضيق المادي الشديد، ويتنقلان بين ولايات كثيرة في أميركا، ويعترف أنه مر بأربعين ولاية أميركية من أصل خمسين، ويعاني صراعات المبدع ولطالما شعر أن حقيقة وجوده أفلتت منه، وبأنه يسكن العدم، ويطرح سؤالاً يبدو بديهياً: تود أن تعرف من تكون (في الرواية يستعمل بول أوستر أسلوب إستنساخ صديق من نفسه ويحاوره) والجواب حسب رأيه: (بأنك نتاج هجرات جماعية أزلية هائلة العدد قائمة على الغزوات وأعمال الاغتصاب والخطف، قبائل بشرية ارتحلت في أنحاء الأرض على مدى عشرات آلاف السنين، خليط من حضارات مُتصارعة في جسد واحد).
ثمة ومضات في الحياة يشعر فيها الإنسان أنه على وشك اختراق حقيقة ما، ويعترف أوستر أنه في عمر 63 كان يشعر بنشاط وحيوية أكثر من عمر 55 سنة، لأنه في عمر 55 كان يعاني من نوبات ذعر وفزع التي ترافقت مع تجرع كأس الفشل حتى النهاية ثم تلاشت هذه النوبات.
يعتبر أوستر أن مرشده وأستاذه هو إدوارد سعيد وهو يحترمه ويبجله كثيراً وقد تأثر بتفكيره، أما الكتاب الذي رماه في القمامة فهو كتاب (بروتوكولات زعماء صهيون) ويعتبره أبغض دفاع مؤثر عن معاداة السامية.
يفصل أوستر بين الجسد والروح ويتحدث عن الجسد ككيان مستقل في كثير من الأحيان، يحكي عن اليد ككائن مستقل، فاليد التي تبدع وتكتب الروائع هي اليد التي تحك الجلد وتضرب وتقوم بأعمال مشينة، يحكي عن الضربات والجروح التي تعرض لها جسده وعن أنواع الألم التي خبرها، يبدو الجسد كائناً موازياً للروح عند بول أوستر وليس ملاصقاً له، لأنه يؤمن أن للجسد متطلبات خاصة حسب العمر. يتحدث عن حياته العائلية والأسرية بدون انفعال فيخبرنا بدون أي تعليق ودون أن يظهر مشاعره أن جدته قتلت جده في عام 1919، وبأن أمه طلقت والده لأنها لم تكن سعيدة معه وبأنه فرح لهذا الطلاق، وتزوجت رجلاً أحبته كثيراً وكانت سعيدة معه لكنه مات بعد أربع سنوات من الزواج بالسكته القلبية، فأصبحت أمه تتنقل بعلاقات جنسية من رجل إلى آخر، لا يطلق أوستر أيه أحكام على سلوك أمه، ويحزن جداً حين تموت لكنه يعجز عن البكاء، لا يستطيع البكاء، ولا يعرف أن يحزن كبقية الناس بل تمر بذهنه خاطرة ترعبه وتثير فيه الذعر وهي أنه مُبتهج لوفاة أمه. لا يؤمن أوستر بالكلام السطحي بل يؤمن بأن كل ما يجب أن نقوله يجب أن ينبثق من الباطن، ويؤمن أن الخوف من الموت هو نفسه الخوف من العيش. فكم من بشر يكون الموت داخلهم.
ومن أهم الصدمات التي تعرض لها أوستر حين اغتيل كينيدي، وبداية كبر الصدع بين الأثرياء والفقراء، ونمو اليمين المتطرف، وكيف بُترت حياة الناس، يتأمل بول أوستر حياة البشرية، ويؤمن أن قسماً كبيراً من الناس غرباء عن ذواتهم، وكيف غرقوا في الحروب وسفك الدماء وتشريع وسائل التعذيب وكيف لا ينسى عبارة جوبيرت: نهاية الحياة مريرة، فكم من أحباء وأصدقاء ماتوا فيما هو يتقدم في العمر سنة تلو السنة، ويتذكر صديقه حين كان في الرابعة عشرة من عمره وكانا يلعبان معاً، كيف نزلت صاعقة على صديقه وقتلته، ويتساءل: لماذا مات صديقه ولم يمت هو؟ لكنه مع الزمن وحين يصل لعمر الحكمة يجد قناعته بأن المرء يجب أن يموت وهو محبوب، ويتساءل إلى أيه درجة يمكن للإنسان البقاء إنساناً وهو يتخبط في العجز والإذلال، والشيخوخة بما تعني من هزيمة، لكنه وقد وصل إلى شتاء العمر يتسلى بالذكريات ويقارن لحظة الموت بلحظة الحياة، ففي اللحظة التي أتم بها كتابة روايته (فسحات بيضاء) كان والده يموت بين ذراعي صاحبته، في كل لحظة هناك موت وحياة، إن الحياة ستبلغ نهايتها بالتأكيد، وكل إنسان يتساءل كما يتساءل بول أوستر وهو كهل: كم صباحاً تبقى من عمرك؟ ولكنه وفي الصفحات الأخيرة من الرواية يتحدث بأسلوب ساحر عن الكتابة ويقارنها بالرقص والمشي وبأن المشي يولد الأفكار ويستشهد بقول الفيلسوف ماندلستام: الكتابة شكل من أشكال الرقص لكنه أدنى مرتبة منه.
حكاية شتاء رواية مذهلة بعمقها إنها أشبه برؤية شاملة وبانورامية للإنسان والحياة، للجسد والروح، للغريزة في جموحها وإنطفائها، للشيخوخة في إذلالها للإنسان. لكن أحب أن أختم بالعبارة التي وردت مراراً في الرواية: إن الإنسان يجب أن يموت محبوباً.

ـــــــــــــــــــــــ
المصدر : السفير ، 8 مايو 2015.

بول أوستر متأملاً في الأدب وبعض وجوهه

باريس - أنطوان جوكي

نشرت في 10 أبريل 2016


البُعد التأملي جزء أساس في عمل الكاتب الأميركي بول أوستر، ووسيلة لقول نفسه من خلال نصٍّ كامل أو شذرات متفرّقة تتنقل من كتاب إلى آخر وتشكّل مجتمعةً حالاً من القراءة المتجددة للذات. تأمّلٌ بدأه في «ابتكار الوحدة» (1982) وتابعه في «يوميات شتائية» (2012) و»نزهات في الفضاء الداخلي» (2013)، وهي نصوص - مرايا سرد فيها اختبارات مؤسسة من سنّي الطفولة والمراهقة قادته إلى ما هو عليه اليوم.

«غليوم أوبِّن»، الذي صدر حديثاً عن دار «أكت سود» الباريسية، يندرج في هذا السياق، علماً أن هذا الكتاب لم ينجزه أوستر، وبالتالي لا وجود له في الإنكليزية لكونه يتألف من 14 نصاً أخذت الدار المذكورة بنفسها مبادرة جَمْعِها، وتتراوح بين بحوث ومداخلات ومقدّمات وحوارات صدرت في مجلات أميركية وفرنسية مختلفة، ويحيّي الكاتب فيها مجموعة من المبدعين الذين لعب لقاؤه بهم أو بأعمالهم دوراً حاسماً في مساره ككاتب. مبدعون أميركيون مثل ناتاناييل هاثورن وإدغار ألان بو وجورج أوبّن وجو برينارد وجيم جارموش، وأيضاً فرنسيون مثل جورج بيريك وألان روب غريّيه وجاك دوبان وأندريه دو بوشي، من دون أن ننسى الإرلندي صامويل بيكيت.

تحيات يوجّهها أوستر في كل مرة لواحد من هؤلاء من خلال توقفٍ عند تفصيل أو مجموعة تفاصيل صغيرة ومثيرة في حياته أو عمله قادرة على قول حقيقته، وأيضاً بعضٍ من حقيقة أوستر بالذات. فمن الشاعر الأميركي أوبِّن، الذي كان صديقاً حميماً للكاتب، يستحضر الأخير لقاءه الأول به، وتحديداً الحالة التي فتح أوبِّن فيها باب منزله له لأول مرة، إذ «كان يرتدي قفّازين من كاوتشوك زهري تعلوهما رغوة الصابون» لأنه كان يغسل الأواني. وضعية متواضعة تبعد كل البعد من «تلك التي ننتظرها عادةً من شاعر كبير لطالما أثار إعجابنا».

والمفاجأة ذاتها كانت في انتظار أوستر لدى لقائه للمرة الأولى مع روب غريّيه خلال برنامج أدبي. فبدلاً من الكاتب البولشفي المعروف بقسوته وعنف مداخلاته، تعرّف أوستر إلى إنسان حار ولطيف أضحكه بحسّه الفكاهي العالي طوال السهرة التي أمضاها معه بعد البرنامج، وإلى روائي شغوف مثله بالفن السابع.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى دو بوشي الذي لم يعرف أوستر فيه، طوال فترة علاقتهما في باريس، ذلك الرجل القاسي والبارد والصعب، كما يصوّره كثيرون، بل شاعراً في غاية اللطف منحه صداقته فوراً ومن دون مقابل، على رغم اختلاف عمريهما، وتناقش معه بصراحة في كل المواضيع التي تهمّه خلال نزهات طويلة في شوارع باريس، وكان وراء اكتشاف أوستر كتّاباً وشعراء كثراً تأثّر بهم، مثل بول سيلان والشعراء الروس ولورا ريدينغ وجيمس ميريل.

وفي ما يتعلّق بالشاعر دوبان الذي ربطته به علاقة صداقة حميمة خلال إقامته في فرنسا، وترجم بعض قصائده إلى الإنجليزية، يستحضر أوستر خصوصاً كرم الشاعر الكبير تجاهه الذي تجسّد بفتحه أبواباً كثيرة له في باريس وبابتكاره مشاريع خيالية فقط لمساعدته مادياً، وبإيوائه في منزله حين كان في أمسّ الحاجة إلى ذلك.

وبينما نستخلص من النص الذي نقرأه في الكتاب حول إدغار ألان بو صورة لهذا العملاق تختلف كلياً عن الكليشيه المتداول حوله كـ «كاتب فرنسي كتب باللغة الإنكليزية»، صورة يظهر فيها كرائد الأدب الأميركي المستقل، مثل والت ويتمان، يلخّص نص «بطاقات بريدية إلى جورج بيريك» بطريقة دقيقة جوهر فن هذا الكاتب الذي يجمع بطريقة نادرة بين «براءة وامتلاء». ويقصد أوستر بـ «البراءة» تلك النقاوة المطلقة في النيات، وبـ «الامتلاء» ذلك الإيمان الكلي بالمخيّلة.

ومن مواطنه، الفنان التشكيلي جو برينارد الذي خطفه مرض الإيدز عام 1994، يستحضر أوستر عمله الأدبي الفذّ «أتذكّر» الذي أوحى إلى بيريك بالكتاب الذي يحمل العنوان نفسه، واستعان برينارد لكتابته بصيغة سحرية تتكرر على طول النص وتسمح لجميع قرّائه بالتماثل به. كتاب يسرّ أوستر لنا بأنه قرأه مرات عديدة، وفي كل مرة منحه الانطباع بـ «نصٍّ جديد وغريب ومدهش يتعذّر استهلاكه».

وفي نهاية الكتاب، نطالع نصّاً لصاحب «ثلاثية نيويورك» رصده للقاء جمعه بصامويل بيكيت في مقهى «كلوزري دي ليلا» الشهير في باريس، وبدا فيه هذا العملاق مرتبكاً ومشكّكاً بقيمة بعض نصوصه، وخصوصاً بروايته «ميرسييه وكامييه»، قبل أن يقول له بلهجته الإرلندية الرقيقة، بعد أن حاول عبثاً لفت انتباه النادل: «لا نظرة في العالم يصعب الإمساك بها أكثر من نظرة النادل».

يبقى أن نشير إلى أن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في الشهادات القيّمة والشخصية التي يمنحنا أوستر إياها حول الوجوه الأدبية والفنية المذكورة، ومن خلال ذلك، حول السلطة الموحّدة للفن، بل أيضاً في تلك الصفحات المنيرة التي يتحدث فيها عن علاقته الشخصية بالأدب وعمله ككاتب وشغفه بسيرورة الكتابة وليس فقط بنتيجتها، وبالتالي بأهمية الطريقة التي يكتب فيها وركائزها، أي الدفاتر التي تعلو صفحاتها مربّعات صغيرة ويعتبرها «بيوتاً للكلمات وأمكنة سرّية للفكر وتحليل الذات»، وخصوصاً قلم الحبر أو الرصاص الذي يرى فيه «أداةً بدائية تمنح الانطباع بأن الكلمات تخرج من جسدنا فنرصّع بها الصفحة».
تكمن قيمة الكتاب أيضاً في الرسالة التي يسيّرها أوستر في كل نصوصه، ومفادها بأنه، على رغم التدمير الذي يلحق بالثقافة على يد صناعة الترفيه واللهو، ستبقى دائماً تلك الحاجة إلى القصص، إلى الكلمات، لدى البشر: «لا قيمة للأرقام حين يتعلق الأمر بالكتب، يقول الكاتب في أحد هذه النصوص».

ـــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة اللندنية ، 10 أبريل 2016.

«مستر فِرْتَيْجو» لبول أوستر... سرّ الطيران

صبحي موسي

نشرت في 9 فبراير 2016

اعتمد الكاتب الأميركي بول أوستر، في روايته «مستر فِرْتَيْجو» (صدرت الترجمة العربية عن المركز القومي المصري للترجمة بتوقيع عبدالمقصود عبدالكريم) على عشوائية المصادفة، فجعل منها الحاكم الرئيس لتطوّر الفعل الدرامي في النص، بدءاً من الصفحات الأولى التي يلتقي فيها الراوي «والت» بأستاذه «يهودي» الذي اكتشف قدراته على الطيران عام 1927، حتى الصفحات الأخيرة من النص التي يلتقي فيها بطفل يشبهه في الموهبة والقدرة على التحليق، لكنه بعدم سرد ما مرَّ به من آلام وعذابات يقرر أن يترك موهبة الطفل للطبيعة وحدها كي تنمّيها، موقناً أن للمواهب طرقها الخاصة في الظهور والنمو من دون الحاجة إلى تدريبات لا معنى لها سوى تعذيب الروح والجسد.

لجأ أوستر في هذا النص، إلى حيلة خيالية ليضع من خلالها فلسفته عن الدين وعشوائية الحياة، فنجد رجلاً يهودياً - يدعى «يهودي» - يرى في وجه الصبي «والت» أمارات موهبة التحليق في الهواء والمشي على الماء، ومن ثم يختطفه ويبدأ بتدريبه وفقاً لمجموعة من المبادئ المتوارثة من عصور قديمة، وهي في غالبيتها مبادئ وقواعد معذبة إن لم تكن قاتلة. كأن يقوم بدفن الصبي تحت التراب لمدة ثلاثة أيام، وقطع جزء من إصبع له ووضعه في زجاجة تتدلى من عنقه، ولا نعرف هل نجحت التدريبات في جعل «والت» يتعلّم الطيران أم أن عذاباته الروحية هي التي دفعته الى تحقيق تلك المعجزة خلاصاً من الآلام. فقد نام باكياً على أرضية المطبخ ليفتح عينيه فيجد نفسه مرتفعاً عن الأرض، ليبدأ مع أستاذه «يهودي» في مشروعهما الكبير لإبهار العالم، عبر سلسلة من العروض في القرى والمدن والمسارح والنوادي الكبرى، وما إن يلمع نجم الصبي وتكتب عنه الصحافة حتى نفاجأ بأنه يصاب بالصداع والدوار فور الانتهاء من كل عرض، لنكتشف أن أصحاب موهبة الطيران يفقدونها حين يبلغون الحُلُم.

هكذا صنع بول أوستر أسطورته من فرض بسيط، لكننا نتصوّر أنه لم يستطع مدَّه على استقامته حتى منتهاه، ومن ثم لجأ إلى قانون المصادفة وعشوائيتها في تنمية الخط الدرامي في النص، فقتل الفرض الذي بدأ منه وعاد إلى الواقع القائم على سوء الاختيار. لنجد أنفسنا أمام سيرة ذاتية مكوّنة من مراحل عدة، أولها حين يموت أستاذه منتحراً أمام عينيه بعدما سرق خاله «سليمان» أموالهما وأطلق النيران عليهما، فيصاب «يهودي» برصاصة في كتفه ويطلب من «والت» أن يطلق النيران عليه لأنه مصاب بالسرطان ولن ينجو منه. وحين رفض «والت» فعلها بيديه ليستريح، يصبح عليه أن يبحث عن «سليمان» ليقتله ويعمل في وظيفته مع رجال المافيا، ويؤهله ذكاؤه لصعود كبير حتى أنه يقرر أن يفتتح ملهى ليلياً خاصاً به. غير أن المصادفة تلقي في طريقه بأحد نجوم البيسبول، هذا البطل الذي طالما أحبَّه وافتتن بقدراته وعروضه الرائعة. لكنه منذ أن كسرت ذراعه من أربع سنوات وهو لا يقدم عروضاً جيدة، ومن ثم يقترح عليه «والت» الطريقة المناسبة لاستعادة مجده واسمه الكبير، وهي أن يطلق الرصاص على رأسه، ومن ثم سيتعاطف الجميع معه ولن يتذكروا سوى أنه كان لاعباً أسطورياً. لكن زوجة اللاعب تدخل عليهما لتنقذ زوجها وتطلب الشرطة، وهنا تبدأ مرحلة جديدة يخسر فيها «والت» ملهاه الليلي ويدخل الجيش كمجند أثناء الحرب العالمية الثانية. وعلى رغم أنه من أكثر الباحثين عن الموت، ومن أكثر الناس غير المؤهلين للحرب، فإننا نجده الوحيد من بين أصدقائه الذي ينجو من الموت، وحين تضع الحرب أوزارها ويخرج من الجندية، فإن أمره ينتهي بالزواج من امرأة بدينة ويعمل في مصنع لا يسمع به أحد.

بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الزواج، تلعب المصادفة دورها مجدداً، فالسرطان يصيب زوجته ويجهز عليها، ومن ثم يقرر «والت» ترك الولاية بحثاً عن عمل جديد، وفي الطريق إليه يقرر الذهاب إلى بيت أستاذه «يهودي» لزيارة المكان، وهناك يجد السيدة «ويذرسبون» في البيت الذي تركته منذ سنوات، فيقرر أن يرافقها ما بقي من عمرها، وحين تموت تترك له ثروة كبيرة، فيظل في البيت مع خادمتها التي يكتشف مصادفة أن ابن شقيقتها لديه مواهبه نفسها في الطيران. لكنه يرفض أن يدرِّبه وفقاً لقواعد «يهودي»، لأنه كان تدريباً قاسياً وبلا معنى، ومن ثم قرر أن يترك الصبي لحاله، موقناً أن الطبيعة ستدعمه وتعلمه كيفية الطيران.

في هذه الرواية، نجد معادلات فنية للفكرة المسيحية، فالطيران الذي قدمه بول أوستر لا يزيد عن الارتفاع عن الأرض بضع أقدام، والسير في الهواء كما لو أننا نصعد سلماً أو ندور في حلقة... ولا ندري إن كان أوستر أراد أن يقدم معادلة فنية لفكرة المسيح في العصر الحالي، أم أنه فقط أراد الاستفادة من طرح الثقافة المسيحية لفكرة السير على الماء والتحليق في الهواء. لكن الفرض الأول يجد في النصف الأول من النص كثيراً من الإشارات التي تعضده، كما أن الرواية في مجملها تنتصر لفكرة المصادفة وقانونها في الاختيار، فضلاً عن تولد الحياة من العدم في كل مرة. ففي كل مرحلة، يصل «والت» إلى أن ليس أمامه سوى أن ينتحر، وفي كل مرة تنجيه المصادفة ليبدأ مجدداً. ويمكن القول أنه الشخص الوحيد الذي نجا من الموت مبكراً هو والسيدة «ويذرسبون»، تلك التي تكفلت به في صغره، فتكفل بها في كبرها، كما أنها ظلّت في مثابة الخيط الرابط بينه وبين أستاذه، ذلك الذي تراجع عن الزواج بها حين علم أنه مصاب بالسرطان. فظلت من دون زواج حتى أتى «والت» ليعيش معها أحد عشر عاماً كأنهما زوجان، حتى أنه ورث عنها كل شيء، فجلس يربي ابن أخت الخادمة ويكتب هذه الرواية التي حملت عنوان «مستر فيرتيجو»، وهو الاسم الذي أطلقه عليه أستاذه لأنه كان يصاب بالدوار كلما قدم عرضاً أمام الجمهور.

ـــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة اللندنية ، 9 فبراير 2016.

حكاية الشتاء.. الروائي بول أوستر في خريف العمر

هيثم حسين 


يستعيد الأميركي من أصل بولندي بول أوستر في روايته السيرية "حكاية الشتاء"، حياته الماضية، ومختلف المراحل التي مر بها منذ طفولته وحتى شيخوخته، وتأثير كل مرحلة عليه، وتفكيره أثناءها، والأحلام والأوهام التي كان يبحث عنها ويحاول تحقيقها في كل مرحلة، وكذلك الأمكنة الكثيرة التي عرج عليها وسكن بها، وما خلفته لديه من آثار لا تمحوها السنوات.
الشتاء الموصوف في رواية أوستر -التي نشرتها شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت بترجمة هالة سنو (2015)- يعكس الفصل الأخير من عمر الروائي المولود في نيوجيرسي عام 1947، وبخاصة أنه يرمز إلى الشيخوخة ونهاية دورة الفصول، بحيث تكتمل الدائرة، وتبدأ بعدها دورة جديدة، ويكون فصل جديد يبدأ بالربيع.
"حكاية الشتاء" لدى أوستر هي حكاية شتاء العمر، أو حكاية نضجه وحكمته، وفصول شتاته، وتمكنه من النظر إلى حياته بشيء من الحيادية، وكأنه يشاهد فيلما سينمائيا يسترجعه بأدق تفاصيله، أحيانا بالأبيض والأسود، وأحيانا بالألوان.

خيبة الظن

تكون ذاكرة الرجل العجوز صورة روائية مستقاة من ماضيه وواقعه، ومن سيرته ونجاحاته وإخفاقاته، خيباته ونكساته، سواء في الحب أو العمل أو مختلف مناحي الحياة الأخرى.

ويتنقل بذاكرته بين عدة مدن، يذكرها بالترتيب، يرقمها ترقيما يوافق ارتحالاته، وتفوق تلك الأمكنة العشرات، وهي تعكس طبيعة الحياة القلقة والمتوترة التي عاشها، كما تعكس جوانب من نمط الحياة الأميركية التي كانت تسمها حالة من انعدام الأمان الوظيفي والمعيشي، في ظل غياب الضمان الاجتماعي، وفي استذكار لزيادة الفروقات بين الناس واختلاف الأمزجة بين جيل وآخر، وبين مدينة وأخرى.
يستهل أوستر بمخاطبة نفسه وقارئه معا، بقوله "تظن أنك في مأمن من هذه الأحداث، وأنها لن تنالك، وأنك الشخص الوحيد في هذا العالم الذي هو بمنأى عنها. لكن لا بد أن يحين وقت خيبة الظن، فتراها تصيبك كالآخرين تماما". ويرى أن جسده يحوي قائمة آثار جروح مندملة، ولا سيما تلك المحفورة على وجهه وتتراءى له كل صباح عندما ينظر في مرآة الحمام. 
ويذكر الروائي أنه نادرا ما يفكر في تلك الندوب، ولكن كلما أتت بباله يدرك أنها أمارات حياته الفارقة، وأن الخطوط المسننة المتنوعة والمختلفة المحفورة في جلدة وجهه بمنزلة حروف أبجدية سرية تسرد وقائع متصلة بماهيته وتعرّف عنه، لأن كل ندبة أثر لجرح مندمل، ولأن وراء كل جرح صداما مع العالم غير منتظر، أي حادثا أو أمرا لم يكن هناك موجب لوقوعه بما أن أي حادث هو أمر ينبغي عدم وقوعه.
ويذكر أوستر أن جسد الإنسان موقع أحداث لفظه التاريخ، وأنه من جسده تبدأ الحكاية، حكاية شتائه، وكل شيء ينتهي مع جسده أيضا، بحيث إن جسد الطفل الغض لا يلبث أن يشتد عوده، ثم يبلغ مرحلة من القوة والفتوة، ويصل إلى ذروة ينحدر بعدها رويدا رويدا إلى عالم الوهن، يطاله التغيير مع كل تقدم في السن، ويرضخ لسطوة الزمن عليه، ويستجيب رغما عنه لتلك التغيرات التي تكمل دورتها وتوصله إلى نهايته.
يستعيد أوستر ذكريات صداماته الأولى مع الوقائع، ويتذكر حبه الأول، وأصدقاءه السابقين، والديه وأصدقاء الطفولة والشباب، النساء اللاتي تعرف إليهن لاحقا، وكثيرا من الناس الذين صادفهم أثناء تجوله وتنقله، ومفارقات كتابته وأعماله.

ثراء الهوية

يصف الروائي الأميركي نفسه أنه دائما ضائع، يتخبط في الاتجاه المعاكس، يدور في دوائر، ويعجز عن التكيف مع الاتجاهات المكانية، وحتى في نيويورك التي قضى فيها الجزء الأكبر من مرحلة الرشد كان يصادف المتاعب غالبا.  
كما يقول إنه مر بجملة صدمات متتابعة وتغيرات مفاجئة وانتفاضات باطنية غيّرته جذريا وحددت لحياته سكة مختلفة، إذ وجد نفسه أحيانا مشردا لم يكن ثمة مكان يلجأ إليه، أو مال لدفع تكاليف الانتقال من منزل إلى آخر.

ويسأل أوستر نفسه سؤالا استنكاريا، إن كان يود أن يعرف من يكون؟ ويسلّم جدلا بكونه نتاج هجرات جماعية أزلية هائلة العدد قائمة على الغزوات وأعمال الاغتصاب والخطف، وبكون تلك التقاطعات الملتوية والطويلة الأمد لجموع أسلافه اتسعت وامتدت وبسطت نفوذها على مناطق وممالك عديدة. وينبّه نفسه بأنه ليس الشخص الوحيد الذي صال وجال، فقد دأبت قبائل بشرية في الترحال في أنحاء الأرض على مدى عشرات ألوف السنين.
لا يخفي أوستر تأثره بالمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، لا سيما حين يشير إلى مقارباته الفكرية الهامة في عدد من القضايا، منها مسألة الهوية.

كما يتطرق إلى أصول أجداده البولندية، فيلفت النظر إلى أن الناس احتاروا في تحديد هوية إثنية له لأنه طوال حياته أضفى عليه مواطنون من بلاد أجنبية مختلفة جنسيات شتى، جازمين أنه إيطالي ويوناني وإسباني ولبناني ومصري وحتى باكستاني.
ولأنه لا يعرف شيئا عن المكان الذي جاء منه، قرر منذ عهد طويل أن يفترض أنه مركّب أو مؤلف من جميع الأجناس المنتمية إلى نصف الكرة الشرقي، فيقول إن جزءا منه أفريقي وآخر عربي وآخر صيني وآخر هندي وآخر قوقازي، أي أنه خليط من حضارات متصارعة مختلفة ومتنوعة في جسد واحد.
وفي موقف مختلف، يعتقد أوستر أن افتراضه تنوّع هويته يمثل بالنسبة إليه موقفا أخلاقيا، طريقة ما لشطب مسألة العرق التي يراها مسألة مزيفة لا تجلب إلا الخزي والعار على كل من يسأل عنها. ويؤكد أنه بناء على ذلك قرر عن وعي أن يمثل الجميع ويشمل الجميع في داخله لكي يكون في حالته السوية من غير قيود، بما أن السؤال "من تكون؟" يحمل في طياته لغزا كبيرا، وهو فقد الأمل من إمكان إيجاد حل لهذا اللغز في يوم من الأيام.

كما يلفت صاحب "ثلاثية نيويورك" النظر إلى أن خيوطا كثيرة ضاعت منه عبر الزمن لنسج حبكة حكايته على نحو مترابط، لذلك لا غنى عن جانب من الانتقائية بحسب التذكر والاستعادة. ويسأل نفسه في خاتمة حكايته "كم صباحا تبقى من عمره؟"، ليضيف أن بابا أغلق وفتح آخر في رحلته الحياتية، وأنه أصبح في شتاء العمر. 

ــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الجزيرة

مقطع من رواية «حديقة الغروب» للروائي الأمريكي بول أوستر "


ترجمة: شادي عبد العزيز


لعام تقريباً، وحتى الآن، كان يلتقط صورًا للأشياء المهجورة. توجد مهمتان يومياً على الأقل، وأحياناً ما تصل ست أو سبع مهمات، وفي كل مرة يدخل مع رفاقه منزلاً آخر، تواجههم الأشياء، ما لا يعد ولا يحصى من الأشياء المُهمَلة تركتها العائلات المغادرة خلفها. غادر الغائبون جميعاً في عجلة، في عار، في ارتباك، ومن المؤكد أنهم أينما يعيشون الآن (لو كانوا قد وجدوا مكاناً للعيش ولا يخيمون في الشوارع)، فإن ديارهم الجديدة أصغر من منازلهم التي فقدوها. كل منزل هو قصة للفشل، للإفلاس والتخلف عن السداد، أو للدين واستعادة الرهن، وقد حمّل نفسه مسؤولية توثيق آخر الآثار العالقة المتبقية لتلك الحيوات، ليثبت أن العائلات المختفية كانت هنا يوماً ما، وأن أشباحاً لأناس لن يراهم أبداً ولن يعرفهم أبداً لا تزال حاضرة في الأشياء المنبوذة.
يُسمى هذا العمل: إخراج القمامة، أما هو فينتمي لطاقم من أربعة أفراد وظّفتهم شركة (دانبار للعقارات) التي تتعاقد من الباطن لتقديم خدماتها ل "صيانة البيوت" إلى البنوك المحلية التي تملك الآن العقارات المعنية. سهول جنوب فلوريدا المترامية مليئة بتلك المباني اليتيمة، ولأنه من صالح البنوك أن تعيد بيعها بأسرع ما يمكن، يجب تنظيف المنازل الشاغرة وإصلاحها، وتحضيرها للعرض على المشترين المحتملين. في عالم منهار من الدمار الاقتصادي والمعاناة الممتدة أبداً بلا هوادة، فإن إخراج القمامة أحد المشاريع القليلة المزدهرة في تلك المنطقة، لا شك أنه محظوظ لأنه وجد هذه الوظيفة. هو لا يعلم إلى متى سيتحملها، ولكن الأجر جيد، وفي أرض تقل فيها الوظائف باستمرار، فتلك بالتأكيد وظيفة جيدة.
في البداية صعقته الفوضى والقذارة والإهمال. نادرًا ما يدخل منزلًا حافظ مالكوه السابقون على حالته الأصلية. غالبًا ما يكون اندلاع للعنف والغضب، ونزوات تخريب أثارها الفراق، من الصنابير المفتوحة بأحواض الغسيل والاستحمام التي تفيض بالمياه إلى الحوائط المتكسرة والمنهارة، أو الحوائط المغطاة بالغرافيتي الفاحش، أو الجدران الموسومة بثقوب الرصاص، ناهيك عن المواسير النحاسية المقتلعة، والسجاد الملطخ بالكلور المُبيض، وأكوام الخراء المستقرة على أرضية غرفة المعيشة. تلك أمثلة متطرفة، وربما هي تصرفات متهورة أثارها حنق المجردين من الملكية، تعبيرات مقرفة وإن كانت مفهومة عن القنوط، ولكن حتى لو يستحوذ عليه التقزز دائماً عند دخوله منزلاً، فإنه لا يفتح باباً أبداً دون شعور بالرهبة. حتماً، فإن أول ما يعانيه هو الرائحة، انقضاض الهواء الفاسد مندفعاً إلى فتحتي الأنف، تخالطه نكهات منتشرة من العفن، واللبن النتن، وفضلات القطط، والمراحيض المغطاة بالبراز، والطعام المتعفن على منضدة المطبخ. لا يمكن حتى للهواء الطلق المتدفق من النوافذ المفتوحة محو تلك الروائح، ولا يمكن حتى لأكثر المزيلات نظافة وحرصاً إزالة الرائحة النتنة للهزيمة.
بعد ذلك تأتي الأشياء دائمًا، الممتلكات المنسية، الأشياء المهجورة. بلغ عدد الصور الفوتوغرافية الآلاف حتى الآن، وفي أرشيفه المزدهر يمكن أن تجد صوراً لكتب، وأحذية، ولوحات زيتية، وأجهزة بيانو، ومحمصات، ودُمى، وأطقم شاي، وجوارب متسخة، وأجهزة تلفاز، وألعاب طاولة، وفساتين حفلات، ومضارب تنس، وأرائك، وملابس داخلية حريرية، ومسدسات لسد ، ومسامير تثبيت، ومجسمات بلاستيكية لشخصيات كارتونية، وأنابيب أحمر شفاه، وبنادق، وحشوات تغير لونها، وسكاكين وشوكات، وفيشات للبوكر، ومجموعة طوابع، وكناري ميت يرقد في قاع قفصه. ليس لديه فكرة عن السبب وراء شعوره بالاضطرار لالتقاط هذه الصور.
هو يفهم أن مسعاه بلا قيمة، وبلا فائدة محتملة لأي شخص، ومع ذلك، فكلما دخل منزلاً، أحس أن الأشياء تناديه، تحادثه بأصوات أناس ليسوا هناك بعد الآن، تطلب منه أن يُنظر إليها مرة أخيرة قبل إزالتها. يسخر منه باقي اعضاء الفريق لهوسه بالتقاط الصور، ولكنه لا يعيرهم اهتماماً. هم ذوي قيمة ضئيلة في رأيه، وهو يحتقرهم جميعاً: رئيس الفريق فيكتور ذو المخ الميت، وباكو الثرثار المتلعثم، وفريدي البدين اللاهث، فرسان الخراب الثلاثة. ينص القانون على وجوب تسليم ما يمكن إصلاحه من أشياء تفوق قيمة معينة إلى البنك، وعلى البنك إعادتها إلى أصحابها، ولكن رفاق عمله يسرقون ما يحبون دون ثانية للتفكير مطلقاً، ويعتبرونه أحمقاً لانصرافه عن تلك الغنائم من زجاجات الويسكي، وأجهزة الراديو، ومشغلات الأسطوانات، وأدوات الروماية، والمجلات الإباحية، ولكن صوره هي كل ما يريده، لا الأشياء، وإنما صور الأشياء. ولفترة من الوقت حتى الآن، تحمّل ألا ينطق إلا بأقل القليل أثناء قيامه بالعمل، واعتاد باكو وفريدي على تسميته: الأبكم .
هو في الثامنة والعشرين من عمره، وعلى حد علمه، فهو بلا طموحات، بلا طموحات ملحة على أية حال، ولا فكرة واضحة عمّا قد ينطوي عليه أن يبني لنفسه مستقبل معقولاً. هو يعرف أنه لن يبقى في فلوريدا وقتاً أطول، وأن لحظة قادمة سيشعر فيها بالحاجة للانتقال مرة أخرى، ولكن حتى تنضج تلك الحاجة وتصبح ضرورة للتصرف، فعليه أن يبقى في الوقت الحاضر ولا يتطلع للمستقبل. لو كان قد أنجز شيئاً في السبع سنوات ونصف التي تلت تركه للكُلية وبداية حياته المستقلة، فهي قدرته على العيش في الوقت الحاضر، على حصر نفسه في "هنا" و"الآن"، وبرغم أن ذلك قد لا يكون ما يراه المرء الأكثر جدارة بالثناء، فقد تطلب الأمر قدراً كبيراً من الانضباط وضبط النفس ليمكنه تحقيق ذلك. أن يكون بلا خطط، فإن هذا يعني أن تكون بلا توق أو أمل، أن تكون راضياً بنصيبك، أن تقبل ما يمنحه لك العالم من غروب الشمس إلى الغروب التالي. لتعيش على هذه الحال، فعليك أن تريد أقل القليل، أقل ما يمكن لبشري أن يريد.
شيئًا شيئًا قصر رغباته على ما يقارب الآن الحد الأدنى، انقطع عن التدخين والشراب، لم يعد يأكل في مطاعم، لا يمتلك تلفازًا أو مذياعًا أو حاسوبًا. سيكون سعيدًا بمبادلة سيارته بدراجة، ولكنه لا يستطيع التخلص من السيارة للمسافة بالغة الطول التي عليه أن يسافرها إلى عمله. نفس الشيء ينطبق على الهاتف الخلوي الذي يحمله في جيبه، والذي سيسعد كثيرًا برميه في القمامة، ولكنه يحتاجه كذلك في العمل، ولذلك لا يمكنه الاستغناء عنه. ربما كانت الكاميرا الرقمية تساهلاً، ولكن نظرًا للكآبة والكدح لروتين إخراج القمامة الذي لا ينتهي، فهو يشعر أنها تنقذ حياته. إيجاره قليل حيث يعيش في شقة صغيرة في حي فقير، وبخلاف ما ينفق من مال على ضروراته الأساسية، فإن الرفاهية الوحيدة التي يسمح بها لنفسه هي شراء الكتب، الكتب ذات الأغلفة الورقية، وأغلبها روايات، روايات أمريكية، روايات بريطانية، روايات أجنبية مترجمة، ولكن في النهاية، فالكتب ليست رفاهيات بقدر ما هي ضرورات، والقراءة إدمان لا يتمنى الشفاء منه.

ـــــــــــــــــــــــــــ

«هنا والآن» رسائل بول أوستر وكوتزي بمعرض الكتاب

محيط - شيماء فؤاد

نشرت في 23 يناير 2016



تشارك الكتب خان للنشر فى معرض القاهرة للكتاب ، بكتاب ” هنا والآن ” رسائل لبول أوستر و جيه. إم. كوتزي .
و بحسب كلمة الناشر ، بول أوستر و جيه. إم. كوتزي من أهم الكتاب في وقتنا المعاصر. كتب كلاهما أعمالا روائية تعد من أبرز ما كتب في السنوات الأخيرة، وليس عمل أوستر الملحمي “ثلاثية نيويورك” ورواية “العار” لكوتزي إلا اثنتين فقط من تلك الروائع. وبين يدي القارئ العربي للمرة الأولي، “هنا والآن” حاويا فكر هذين الرجلين المدهشين في كتاب واحد.
برغم أن كوتزي وأوستر ظلا يقرآن أعمال بعضهما لسنوات، فإنهما لم يلتقيا إلا في فبراير2008 خلال مهرجان أدبي بأستراليا. ولم يمر وقت طويل حتى تسلم أوستر خطابا من كوتزي، يقترح فيه أن يبدأ الاثنان تبادل الرسائل بشكل منتظم لـ “نقدح، بإذن الله، شرر بعضنا” كما كتب كوتزي.

“هنا والآن” هو نتيجة هذا الاقتراح، حوار رسائليّ بين كاتبين عظيمين أصبحا صديقين رائعين. وعبر ثلاث سنوات تناولت رسائلهما كل الموضوعات: الرياضة والأبوة ومهرجانات السينما والقضية الفلسطينية الإسرائيلية والفلسفة والسياسة والكارثة الاقتصادية والفن والزواج والعائلة والحب.
تبادل الرسائل هنا يمنحنا صورة شخصية حميمة وملهمة لهذين الرجلين وهما يسبران تعقيدات اللحظة، ويعكس فِكرين نابهين يبتهجان بصداقة بعضهما على كل صفحة .

بول أوستر، كاتبٌ وروائيٌ أمريكي، من مواليد 1947، تمزج كتابته بين الوجودية، وأدب الجرائم، والبحث عن الهوية في أعمالٍ مثل “ثلاثية نيويورك” و”كتاب الأوهام” و”حماقات بروكلِن”. تُرجِمَت كتبُه إلى حوالي أربعين لغة.
جيه. إم. كوتزي، من مواليد 1940، كاتبٌ وروائي ، ومترجمٌ، من جنوب إفريقيا، حصل على جائزة نوبل في الآداب لعام 2003.من أعماله، “عصر الحديد” و”العار” و”العدُوّ” و”إليزابيث كوستلّو”.

أحمد شافعي، كاتبٌ ومترجم مصري، ولد عام 1977، وتخرج في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب سنة 1999. صدر له كتابان شعريان؛ “وقصائد أخرى”، و”طريق جانبي ينتهي بنافورة” وصدرت له روايتا “رحلة سوسو” و”الخالق”، من أعماله المترجمة “العالم لا ينتهي ـ تشارلز سيميك” و”قصص ـ أليس مونرو” و”كلنا نولد مصابين بالغثيان ـ راسل إدسن” و”السامريون الأشرار ـ هاجون تشانج”.

ـــــــــــــــــــــــــ
المصدر: محيط

الروائي الأميركي بول أوستر يخرج من عزلته



ترجمة: مدني قصري -عمان-

نشرت في 31 يناير 2009

وحيدًا في الظلام. إنها أميركا الغريبة العجيبة في رواية العملاق الأميركي بول أوستر. جاءت رواية "وحيدًا في الظلام" لتثري أعمالا تستكشف ثلاثين عامًا من الصلة ما بين الواقع والخيال، والكتابة، والهوية، وما يمكن أن يختفي وراء ما ندعوه بالصدفة. "الثلاثية النيويوركية"، أو ليلة النبوة"، تمثل أمثلة كاملة عن عالم ينحرف فيه النظام، ويخضع فيه الزمن لتبدّلات هائلة. الشخصيات تتابع مساراتها في نصوص متداخلة، مع ذنوبها وعزلاتها.
 في "كتاب الأوهام"، يعود بول أوستر الذي كان شاعرًا ومترجمًا للأدب الفرنسي في بداياته، قلت يعود لمقولة الكاتب شاتوبريان في "مذكرات ما بعد القبر": "أوقات الأزمة تحدث ازدواج الحياة عند البشر". إنه بالتحديد وقت أزمة، هذا الذي يمرّ به أوغوست بريل، الرجل "الوحيد في الظلام"، في رواية بول اوستر الأخيرة. فهذا الذي صار طُعمًا للأرق، ومعزولا في غرفته التي يحتلها في بيت ابنته، يخترع لنفسه "قصصًا تحول دونه والتفكير" في مصاعبه وآلامه وانشغالاته. إذاً، هذا الناقد المتقاعد، يروي مغامرة ساحر من نيويورك، يدعى بريك، الذي يفيق من نومه في قاع ثقب عميق لا يسمع فيه سوى ضجيج وعجيج معركة طاحنة. ويخرج من هذه المعركة لتوكل إليه مهمة خطيرة: إنهاء الحرب الأهلية التي تفتك بأميركا "موازية". اللافت في رواية بول أوستر أن كل الأحداث تجري ليلا، وكأن النوم يستعصي على الكاتب. في هذا الشأن يقول الكاتب أن الوضعية تُفرض عليه بشكل عضوي. فهو لا يعاني السهاد، لكنه أحيانًا يجد صعوبة في الاستسلام إلى النوم. في هذا السياق يقول: "إنني أنصت إلى هذه الشخصيات الخيالية، لكنها لا تعبّر عن قلقي واضطرابي. أي أنها لا تعبّر عن لاشعوري". ثم، وعلى عكس بريل، نرى أن الكاتب لا يكتب روايات للهروب من العالم، لكن من أجل ان يواجه هذا العالم. هذا الرجل يتألم كثيرًا، فإن هو أفرط في التفكير في متاعبه، وفي خساراته، لأصبح كل شيء فيه لا يطاق! فهو يريد أن ينتصر على ليله، ولذلك فليس له من خيار آخر سوى ابتكار شخصيات يتسلى بها.
 ومن الصور التي تؤرق الكاتب بول أستر، الحرب العراقية التي طغت على نصه، إذ يقول إن الحرب على العراق تصيبه بغمّ كبير. أما الفكرة فقد أوحى بها إليه موت الشاب يوري، ابن صديقه الإسرائيلي المناصر لعملية السلام، دافيد غروسمان. لقد فارق يوري الحياة وهو في العشرين من عمره، العام 2006 في لبنان. هذه الحادثة، قلبته رأسًا على عقب، وكل شيء تبلور بعد هذا الحادث. وهنا، انبثقت في نصه فكرة حرب العراق.

 في روايات بول أوستر الأخيرة صار الأبطال يتقاطعون أكثر فأكثر في شكل كوميديا إنسانية، مما يجعلنا نتساءل: فهل صار هذا النمط من الكتابة من انشغالات الكاتب؟ في هذا الشأن يوضح بول أوستر أن هذه الظاهرة بدأت تفرض نفسها عليه تلقائيًا، مؤكدًا في هذا السياق أنه لا يصرّ عليها بأي حال من الأحوال. شخصياته، بالتأكيد، مرتبطة بعضها ببعض بشكل من الأشكال، إذ يحس وكأنها جميعًا تعرف بعضها البعض، مثل "كين" في رواية "مدينة من زجاج"، وبيتر في رواية "ليفياتان"، أو ويللي، في رواية "تومبوكتو". كلّ هؤلاء شباب في نفس السن تقريبًا، وطلاب في جامعة كولومبيا في نيويورك. ويمثل فيلم "رحلة إلى طوكيو" للمخرج أوزو، جزءًا من التحية التي يوجهها بول أوستر للسينما، إذ يتميز الناس بالطيبة وبالقلق بشأن محيطهم. فهل الطيبون وحدهم من يشكون في طيبتهم؟ في هذا السياق يؤكد الكاتب أوستر أنه يعرف الكثير من الناس الذين يعتقدون دائمًا أنهم سيئون ولذلك فهم طيبون. وهو شخصيًا، تراوده بعض المخاوف، فابنته عمرها 21 عامًا، وهي في عمر كاتيا، وهي واحدة من شخصيات روايته الأخيرة. لكن يقول الكاتب أنه على الرغم من أن بلدي (أميركا) يمرّ بحالة من الارتباك الكامل، فهو متفائل وسعيد بقدوم الرئيس باراك أوباما إلى السلطة، إذ يعتبر أن انتخابه من أطيب الأمور التي فعلها الأميركيون. لأن "العالم، كما، قال روز هيوتورن، غريب، لكنه مستمر في الدوران". لأنه عالم غريب! 
وإذا كان كل شيء ممكن في أدب بول بوستر، فإن ما هو غير ممكن في حياته هو الكتابة بلغة أخرى غير الأميركية. على الرغم من أنه مترجم للآداب الفرنسية، وعلى الرغم من أن ما يرويه في رواياته يجرى كله خارج نيويورك. 

                                                                            -(عن لوفيغارو)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : الغد ، 31 يناير 2009م.