‏إظهار الرسائل ذات التسميات جاك كيرواك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جاك كيرواك. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 10 يوليو 2016

كتاب الهايكو

ترجمة وإعداد: لينا شدود / دمشق


طوال اليوم أرتدي
قبعة لم تكن ‏
على رأسي ‏

سلحفاة تُبحرُ ‏
على امتداد جذع شجرة، ‏
الرّأس إلى الأعلى ‏

‏ 






ولد جاك كيرواك عام 1922 في «لويل ماساتشوستس» هو الأصغر بين ثلاثة إخوة لعائلة فرنسية أميركية، انتسب للمدارس المحلية الكاثوليكية، ثم العامة، وفاز بمنحة كرة القدم لصالح جامعة كولومبيا في نيويورك سيتي حيث التقى «ألن غينسبرغ». ظهرت روايته الأولى «البلدة والمدينة» عام 1950. نَشْرْ روايته «على الطريق» -لأول مرة 1957- جعله من أكثر الكتاب شهرةً في ذلك الحين. نُشِرَ له لاحقاً عدة كتب من بينها «المتخفّون» و«Big Sur» ثم «دارما المشرّدين». ‏

من بين كتب كيرواك الشعرية «بلوز مكسيكو سيتي»، «قصائد متفرقة»، «قصائد من كل المقاسات»، «الجنة وقصائد أخرى»، و«كتاب البلوز». توفي كيرواك في سانت بيتسبرغ في فلوريدا عام 1969 وهو في السابعة والأربعين. ‏

يُهدي كيرواك «كتاب الهايكو» إلى ذكرى «سيمور كريم» أول من اطلع على هايكو كيرواك الغريب الأطوار. ‏

بطريقة ما حاول كيرواك أن يبتدع الهايكو الأميركي، بالثلاثية البسيطة ذات الإيقاع، وليس البوب الأميركي. اشتُهر أكثر كروائي بعد رواية «على الطريق» كونه ملهم «جيل البِيتْ «الذي مثّله بقصة هبيين ساخطين بأسلوب صاخب، وغير مُنقّحْ. ‏

قرّاء نثر كيرواك المهتمون به كانوا واعين لأسلوبه العاطفي الممزّق المُلتفّ ذي الإيقاع، أسلوبه الذي انتُقِدَ لكونه يُبجِّل ويتَمثَّل التّعابير الموزونة للشعر. ‏

يعتبر كيرواك أنّ الهايكو الذي كتبه «باشو»، من أبسط و أجمل ما كُتِب. ‏

يوم بسعادة رائقة، ‏
جبل فوجي محجوب ‏
بمطرٍ سديمي ‏

باشو(1644-1694) ‏

من وحيها كتب كيرواك: ‏

الطيور تغني ‏
في الظلام ‏
فجرٌ مطير. ‏

بين عامي (1956-1966) دوّن مئات المقاطع من الهايكو على شكل مسودات ملفوفة لِتُحشَرْ في جيب قميصه، حيث يمكنه حملها إلى كل الأماكن. ‏

مقاطع طازجة عفوية، ومن ثلاثة أسطر. ‏

منها اختار ما ضمَّه في «كتاب الهايكو»، بعد أن حثَّ صديقه الفرنسي «لورنس فيرلينغيتي» على نشره (1961)، مع خمسة أعمال أخرى ما بين عامي (1961-1965). أما تبقّى من أعماله فقد دُسَّ في رواياته، ورسائله، أو نُشِر في مجلاتٍ أدبية صغيرة. ‏
اخْتيرت ستة وعشرون منها للنشرْ عام (1964) في «أنطولوجيا القصيدة الأميركية»، من قبَل مُتَرجمه الإيطالي «فرناندا بيفانو» في أضواءالمدينة كقصائد متفرِّقة. ‏

لم يكن كيرواك أول شاعر أميركي جرَّب الهايكو. كثيرون قبله ألفوا قصائد هايكو مُلْهِمة، مثل عزراباوند، ويليام كارلوس، إيمي لويل، ووالس ستيفنز. ‏
لاحقاً التفت كيرواك لدراسة واختبار البوذية في الفترة التي تَلَتْ كتابته لرواية «على الطريق»، ‏

أي قبل الشهرة التي غيّرتْ كل شيء. ‏

بعد إنهاء كتابه «المتخفّون» الذي ألّفه على أثر فشل عاطفي، انهمك في دراسة الزن وفي كتاب «حياة بوذا» لـ «أزفاغوشا»، وتزايد شغفه إلى أن وصل إلى تصنيفات هائلة لأشياء روحية، إضافة للصلوات والتأمل. ‏
في «نورث كارولينا» حيث كان يعيش مع شقيقته، عمِل على نَصين آخرين لبوذا، أولهما «استيقظ»، وقد ضمّنه رؤيته الخاصّة لبوذا، والثاني «يُخبِرنا بوذا»، وفيه أعمال تُرجِمت في أديرة التيبت. ‏
وصل الهايكو إلى شعراء الساحل الغربي عن طريق «غاري سيندر» بوحي من مقالات «سوزوكي» عن بوذية الزن عام «1927». ‏
أمضى سيندر بداية الخمسينيات في زيارة اليابان دارساً ومُخْتَبراً بوذية الزن. أيضاً كلٌ من كيرواك، غينسبرغ، وسيندر أمضوا الكثير من الوقت في «بِرْكلي» عام (1955) في تحليل ترجمات «بليث» للهايكو وملاحظاته الثّرية عن الأعمال اليابانية، مما مهّد لمرحلة قادمة من الهايكو الأميركي بكسر الأرضية الراهنة. ‏

اعتبر غينسبرغ أن كيرواك هو سيد الهايكو، إذ كان يتكلم و يفكر كما يكتب. قصائده البعيدة عن الثبات بل القادرة على إذابة ماهية الموضوع، والطبيعة السريعة للزوال، ووجودها المتلاشي، إضافة إلى الوميض الآسر لكلمات تملك حساسية عالية تجاه الأشياء الزائلة، مع قدرته الواضحة على استحضار غواية القلق الفردي من الانزلاق في مجتمع قاسٍ وحيادي، في الأوقات التي كان الاستسلام فيها مرفوضاً. ‏

من إحدى صور كيرواك الضاجّة بحيوية وتفرد الامتداد: ‏

طواحين ‏
أوكلاهوما تلوحُ ‏
من كل الجهات 
زهرة واحدة ‏
على الجرف ‏
تُومِئ للوادي ‏

كان كيرواك في سعيٍ دائم لاحتمالات بصرية أكثر حيوية بسبب قدرته على مزج السرد العفوي بالسكيتش؛ التقنية التي اقترحها عليه «إد وايت»، صديقه في جامعة كولومبيا. ‏

الهايكو الجيد كما الرسم الجيد ‏
الهايكو عند كيرواك هو أن تُبْقي عينيك ثابتتين على الموضوع، والهايكو الأفضل يمنحه الإحساس القادم من النظر إلى رسمٍ عظيم، مثلاً لـ«فان كوخ»، بفعل قوة النظر. ‏

لقد ميّز كيرواك وببراعة التقطيع في الهايكو الياباني كمفتاح للصوت والإحساس، مع أنه لم يكن آمناً بالنسبة لما يكتبه، إذ كان يُعيد تدوير قصيدته دائماً، وهذا يدحض الرأي القائل بأن كتابته ثورية وغير منطقية. ‏

كان اكتشافه للهايكو عن طريق ترجمة «بليث» لأعمال «سوزوكي» نقطة البدء لكتاب كيرواك»دارما المشرّدين، بل ربما كان نافذته الأولى التي تنسّمَ منها نفحات الأدب الياباني، مُستخدماً الجاز التقليدي أيضاً. ‏

الفصول، الريح، الليل، الغسق، الفجر، الضباب، الطيور، الجداجد، والقمر والنجوم جميعها تناسخَتْ مع رؤاه المعاصرة إلى جانب تقنيات الهايكو التقليدية. ‏

حقق كيرواك الكثير من الغِنى والعمق، على الرغم من كل إخفاقاته في تناوله المُكتمِل للهايكو. ‏

لا جدوى لا جدوى! ‏
مطرٌ غزير يجرف كل شيء ‏
إلى البحر ‏

استخدم كيرواك أسماء الأماكن الحقيقية والمُتَخَيَلِة، وأسماء الناس، والتجريد في ذكر الأبدية واللامرئي، كما أنه استخدم «الفونا[3]» «والفلورا[4]» لاستحضار الحالة. ‏

في هاتين المقطوعتين نجح بمزج المثالية اليابانية والغربية، أي البلوز والهايكو معاً: ‏

عابراً ملعب كرة القدم، ‏
عائداً إلى منزله من العمل، ‏
رجل الأعمال الوحيد ‏

الحظيرة، تعوم ‏
في بحرِ ‏
أوراقٍ عصَفَت بها الريح ‏


تسلل الهايكو إلى نثره أيضاً، ولكن بأسلوبٍ مختلف، كما في «دارما المشرّدين» ‏

«مضَتْ العاصفة بعيداً و بسرعة كما أتت، بريق الأصيل على البحيرة أعماني، و في وقتٍ متأخر من بعد الظهر تجفُّ ممسحتي على الصخر. في وقتٍ متأخر من بعد الظهر، ظهري العاري باردٌ، لمّا وقفت أعلى العالم في حقل ثلج أحفرُ ملءَ مجرفةٍ في دلو». ‏

يترك تكرار عبارة «في وقت متأخر من بعد الظهر» نفس الصدى الذي يتعمّده كيرواك في الهايكو. ‏

نلمحُ أحياناً كيمياء لغته في نثره أيضاً، بما هو رحلة روحية، يسرد فيها وحدانيته وعزلته على شكل جسورٍ يمدّها لربط الصور التي تعبر رأسه كما الجاز. ‏

يُشكك النقاد المتشددون في أنه قدّم هايكو بالنسبة لمقاربته لقواعده. في حين أن المعاصرين قد تأثّروا بما كتبه، ولكنهم لم ينسجوا على منواله، بل اتخذوا اتجاهات أخرى أكثر قُرباً من الأصل. ‏

هل كتب كيرواك الهايكو أو السِنريو ؟ ‏

السِنريو قريبة الهايكو، تُركّز على الطبيعة الإنسانية، وعلاقاتها، وغالباً بسخرية، مُعْتَمِدةً على الخدع الشعرية، كالاستعارة، التشبيه، والتجسيد، كما هايكو كيرواك الذي يميل إلى الهزلية أكثر منه إلى الصرامة. ‏
 
في خزانة أدويتي ‏
ماتت ذبابة الشتاء ‏
بسبب العمر ‏

تبدو الشجرة ‏
ككلب ‏
ينبح على الجنّة ‏
للقمر ‏
شواربُ قطٍّ، ‏
لوهلةٍ ‏
كرسي الصيف ‏
تتحطم وحدها ‏
في العاصفة الثلجية ‏

في النهاية كان قرار كيرواك بأن يُسمّي الهايكو بالبوب تعبيراً عن رفضه لتقاليد الهايكو. ‏

على الكرسي ‏
قررتُ أن أدعوَ الهايكو ‏
بِاسمِ البوب ‏

حرَصَ كيرواك على استخدام الزمن الحاضر لصور مادّية، وبكثير من العفوية في جمل قصيرة، وبمحاذاة بعضها ليترك وميضاً في العقل وبحركة مُفاجِئة ومرحة أحياناً. و الأهم من كل هذا أنّ الهايكو الذي كتبه كيرواك كان بسيطاً، وحرّاً من كل خدع الشعر بغيةَ خلق صورٍ صغيرة منعشة ورشيقة، كما الأوبرا الرّعوية لفيفالدي.
ـــــــــــــــــ

ونضجت أفراس النهر في أحواضها لوليام بوروز و جاك كيرواك

ريم غنايم (*)

تاريخ النشر: 

عندما أضاعوا الطريق قبل أن يبدؤوا

فيمَ يهمُّنا اليومَ أن نقرأ شيئًا لكتّاب من عُرفوا بجيل البيت Beat Generation الذين هزّوا العالَم قبل أكثر من نصف قرن؟ لقد شكّل كتّاب هذا الجيل ركيزةً في ثقافة جديدة وُلِدت بعد الحرب العالميّة الثانية وتحوّلوا سريعًا إلى ظاهرة ثقافيّة متحرّكة اكتسحت جيلاً كاملاً، وتبنّت معايير وتجارب جديدة انقطعت عن التجارب السابقة وعادتها. الدّخول في عمق التّجريب مع الجنس، والكحول والمخدّرات، والديانات الروحانيّة الشرقيّة، ومعاداة الماديّة دفاعًا عن حريّات الفرد الشخصيّة، كانت العناوين الرئيسيّة لمشروعهم الثقافيّ الفنيّ الأدبيّ.

كان هؤلاء عبارة عن بوهيميا محليّة كونيّة تركت بصمتها على كلّ من جايلها. مع ألن غينسبرغ صاحب «عواء» (1956م) ووليام بوروز صاحب «الغداء العاري» (1959م) وجاك كيرواك 1957م صاحب الرواية الشهيرة «على الطريق» تشكّل الثالوث المقدّس لحركة الأندرغراوند هذه، والذين سطعت نجومهم في خمسينات القرن المنصرم. لكنّ اثنين من بين هؤلاء الشبّان الثلاثة، كانوا قد تورّطوا في حادثتين هزّتا أمريكا وإعلامها في أواسط الأربعينات وبداية الخمسينات، ولم يكونا بعد سوى كاتبين مغمورَين. وليام بوروز وجاك كيرواك. جريمة قتلٍ يتورّط فيها بوروز مع صديقه كيرواك في منتصف أربعينات القرن المنصرم، ومن ثمّ جريمة قتل جوان فولمر أدامز التي تورّط فيها بوروز بعد مرور سنوات قليلة على الجريمة الأولى. التّستّر على جريمة والتّبرير لها، ومن ثمّ تنفيذ جريمة أخرى والتّبرير لها، ومن بعدهما بداية أدبيّة هزّت العالَم والسّقوط في دهاليز المورفين والمخدّرات الثّقيلة والكحول.

جرائم أنجبت أدبًا مجنونًا برّرها وحتّى تستّر علَيها، تجعلنا نقف ونتساءل طويلاً عن هذه العلاقة الشّائكة شديدة التّركيب بين معنى أن تكونَ مجرمًا بوهيميًا أو مجرمًا صغيرًا وبين أن تكون موهبة أدبيّة فذّة تُبهر العالَم.

في عام 1951م قتلَ بوروز زوجته جوان فولمر عن طريق الخطأ في إحدى الحانات في المكسيك. بدأ القتل كلُعبة تسلية بإطلاق الرّصاص على كأس زجاجيّة فوق رأس جوان، وعلى عكس حكاية ويليام تل (التي أصاب فيها الأب التفاحة الموضوعة على رأس ابنه)، أصابت الرّصاصة رأس جوان وأردتها قتيلة في الحال. لكنّ بوروز- الذي ظلّ يدّعي أنّ المسألة لم تتعدّ كونها لعبة حظّ غير موفّقة- تمكّن من الإفلات من المحاكمة بمساعدة أموال عائلته وحُكم عليه لمدّة عامَين غيابيا.

سبعة أعوام تفصل بين هذه الحادثة وحادثة أخرى لا تقلّ فظاعةً عنها. ففي آب عام 1944م، قُتل لوسيان كار، أحد أعضاء حلقة نيويورك لجيل البيت وأَحد الأصدقاء المقرّبين لكيرواك ولبوروز، صديقًا له يُدعى ديفيد كاميرر بعد تحرّش الأخير به جنسيًا، وألقى بجثّته في نهر هدسون. يعود كار إلى شقّة بوروز، يسلّمه علبة سجائر القتيل الملطّخة بالدّم ويخبره بما جرى. يلقي بوروز علبة السجائر في المرحاض ويطلب من كار أن يسلّم نفسه بعد أن أقنعه بوروز. يتوجّه كار إلى كيرواك ويروي له ما حدث، ويغادر الاثنان متنقلين بين الحانات، والسينما بعد أن تخلّصا من السّكين التي قتل بها كار صديقهما المشترك. يتوجّه كار في النهاية إلى الشرطة بعد أن اعترف لوالدته، ويعترف بجريمته ويتمّ احتجازه إلى حين العثور على جثّة كاميرر.

في الخامس عشر من أيلول عام 1944م تم إدخال كار إلى مؤسسة إصلاحية أحداث في إلميرا في نيويورك لفترة أقصاها عشرة أعوام قضى منها عامين.

أثارت هذه الحادثة ضجّة إعلاميّة كبيرة. تمّ احتجاز كيرواك- ابن الثالثة والعشرين عامًا وقتها- ووليام بوروز ابن الثلاثين- كشاهدَين مادّيّين على الجريمة. طلبة جامعيّون، علاقات مثليّة مشبوهة، مخدّرات، ومَوقف أخلاقيّ محيّر من قبل بوروز الذي أعدم الأدلّة (وبعد انتهاء القضيّة أصبح بوروز مدمنًا على المورفين) ومن قبل كيرواك (سُجن لفترة من الزّمن لرفض والده دفع كفالة خروجه) الذي خرج بشكل طبيعيّ مع كار ليشاهدا فيلمًا وكأنّ شيئًا لم يحدث.

شكّلت هذه الحادثة البؤرة المركزيّة في وعي هؤلاء الكتّاب الّذين سيصبحون لاحقًا ظاهرة أدبيّة حقيقيّة، حيثُ كان لها أكبر الأثر في كتاباتهم وأشكال رؤيتهم المتعددة لها. في عام 1945م ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، قرّر الكاتبان المغموران آنذاك أن يخوضا تجربة تأليف رواية مشتركة هي «ونضجَت أفراس النّهر في أحواضها» (وهو سطر مستوحى من نشرة أخبار حول حريق اشتعل في سيرك وقتها). لكنّ الرواية لم تُنشَر وقتها بحُكم كون مَن شاركوا فيها كانوا لا يزالون على قيد الحياة.

في عام 2005م رحل لوسيان كار عن العالم وفي عام 2008م صدرت الرواية ولم يكن الأبطال الأربعة على قيد الحياة. لكنّ الأعوام التي تلت الجريمة لم تخلُ عند كتّاب البيت من إعادة تصوير هذه الحادثة في أشكال تخييليّة متعدّدة (كيرواك في روايته البلدة والمدينة The Town and the City وغرور دلوز Vanity of Duluoz، وألن غينسبرغ في روايته نشيد الدّم Bloodsong، وفيلم «اقتل أحباءك» Kill Your Darlings الذي عُرض عام 2013م حول جريمة قتل كاميرر إلى جانب حوارات معهم حول ما حصل في تلك الليلة، ومقاطع من سِيَرهم الأدبيّة وغير الأدبيّة، تؤكّد كيف شكّلت هاتان الحادثتان، تحديدًا الأولى، محطّة رئيسيّة في وعي الكاتبين وضميريهما لعقود من الزمن).

قسوة الصّبا، والغد الّذي لا يأتي

تنقسم الرواية إلى ثمانية عشر فصلا قصيرًا (ما عدا الفصل السابع عشر وهو أطولها على الإطلاق) وفيها يروي كيرواك على لسان مايك رايكو تفاصيل اللقاء الأخير بينه وبين فيليب (كار) بعد الجريمة. راويان رئيسيّان هما ويل دنيسن (وليام بوروز) ومايك رايكو (جاك كيرواك) يسردُ كلٌ منهما أجزاء من الحادث وما كان قبلها، كلٌ وفق ما رآه وما عرفه. بطلان رئيسيّان في هذه الحكاية هما فيليب توريان (لوسيان كار) وريمزي ألن (ديف كاميرر)، إلى جانب شخصيات أخرى كثيرة حضرت في هذه الرواية لم تكن تعني كثيرًا في تحديد ورسم ما حصل في ليلة الرابع عشر من آب عام 1944: جيني (إدي باركر زوجة كيرواك الأولى)، باربرا (سلين يانغ صديقة كار)، جيمس كاتكارت (جون كينغسلاند صديق كار). إلى جانب هؤلاء الذين نراهم يظهرون ويختفون على طول الرواية نجد والد ووالدة لوسيان كار، وصديقة كاميرر وزوجها وغيرهم من شخوص هامشية فرعية لا دور لها في هذه الرواية إلا لتسد بعض فراغات السّرد عند كلّ منهما.

يروي الاثنان تفاصيل ما حصل بين فيليب توريان (لوسيان كار) وبين ريمزي ألن (ديف كاميرر) ويبدو من البداية أنّهما يأخذان جانب الشّاب فيليب من بداية الرّواية. شيءٌ ما غير واضح فيما يتعلّق بالعلاقة الغراميّة-المثليّة-العدائيّة بينهما منذ البداية. حوارات طويلة عبثية حلمٌ يجمع فيليب ومايك بالإبحار على متن إحدى السفن إلى فرنسا، في حين يحاول ألن أن يقحم نفسه داخل هذا الحلم طمعًا منه بأن يكون إلى جانب عشيقه الفتى فيليب. يصوّر كيرواك ديفيد كاميرر (ألن) على أنّه رجلٌ مهووس جنسيًا بفيليب ولا يجد كيرواك زاويةً في الرّواية إلاّ وأبدى شكوكه حيال هذه الشّخصية المنحرفة جنسيًا مؤيّدًا صديقه فيليب.

الفصلان السادس عشر والسابع عشر يُعتبران أهم فصلين في الكتاب ففيهما تحدث المواجهتان: بين ويل وفيليب وبين مايك وفيليب حول الطريقة التي قتل فيها العجوز ألن:

«قتلت أل وألقيت جثته بجانب أحد المخازن […] سرنا إلى مكان ما في الجادة الثانية ودخلنا إلى مخزن قديم وبدأنا نتفحص ما كان هناك. وجدنا فأسًا صغيرة وكسرت بها بعض النوافذ. بعدها صعدنا إلى السطح. قال لي آل إنه يريد أن يبحر معي. أصابني الجنون ودفعته. كاد يسقط. نظر إلي وقال «أريد أن أفعل ما تفعله أنت. أريد أن أكتب الشعر وأن أذهب إلى البحر وكل شيء». […] حسنا، قلت له، هل تريد أن تموت؟ قال «نعم». وبدأ يتحاذق ثم حاول أن يضمّني. كنت لا أزال أمسك بالفأس، فضربته في جبينه. سقط. كان قد مات. […] دحرجته عن السطح بقدمي. بلغ الارتفاع سبع طوابق تقريبا».

يغادر فيليب شقة ويل ويتوجه إلى شقة مايك. يغلق ويل الباب بعد أن أبلغه بضرورة تسليم نفسه بدلا من الهرب. يلتقط ويل علبة السجائر المبقعة بدم أل، يمزقها إلى قطع صغيرة ويلقي بها في المرحاض. هكذا يشترك ويل (وليام بوروز) في جريمة قتل ألن (كاميرر) عندما استمع إلى فيليب، وعندما حاول أن يقنع فيليب بتسليم نفسه وتأليف صيغة خاصة حول ما قام به الأخير بأنّ آل اعتدى عليه وحاول اغتصابه وأن فيليب فقدَ صوابهُ لحظتها فقام بضربه، إلا أن الأخير تعثر وسقط عن السطح، وبهذا يحصل فيليب على حكم مخفف. وأخيرا عندما أخفى أثرا من أهم آثار الجريمة.

أمّا كيرواك (مايك) فيصغي إلى اعتراف فيليب (كار) ويخرجان معًا ليشاهدا فيلما لألكسندر كوردا بعُنوان «الريشات الأربع»، ويترددا بين الحانات يأكلان ويشربان ويلهوان ويتأملان اللوحات في أحد المتاحف، ويبرران معًا ما فعله فيليب. يشترك مايك (كيرواك) في هذه الجريمة بنفس الطريقة، وذلك عندما برّر ما فعله فيليب بالعجوز المثليّ «المهووس» ألن، وعندما ساعد فيليب على محو آثر الجريمة (منديل ألن) الملطخ بالدم، وأخذا يضحكان بعدها رغم أنهما عرفا أن النهاية الحتمية هي السجن.

يقوم الراويان بتحوير بعض معالم الجريمة. فبدلاً من السّكين التي قتل بها لوسيان ديف يستخدمان هنا الفأس وبدلاً من المتنزّه يلتقي الاثنان في مصنع مهجور، وبدلاً من إلقاء الجثة في نهر هدسون يلقي فيليب الجثة من سطح المصنع.

هذه هي أهمّ أحداث هذه الرواية. كلّ منهما يروي ما لم يره ولم يسمعه الآخر. النّساء؟ دمى متحرّكة لا دور لهنّ في هذه الحكاية المشبوهة إلا ليشكّلن تغطية عرضيّة للعلاقات المثليّة العدائيّة والغراميّة في نفس الوقت بين أبطال هذه الحكاية. هذه الرواية هي أوّل عملٍ روائيّ مشترك يؤلّفه كاتبان في بداية طريقهما الأدبيّ. جريمة هزّت المجتمع الأمريكيّ لم تكن مجرّد نهاية أسدلت السّتار على تاريخ مظلم قديم، بل شكلت بداية مرحلة أدبيّة جديدة في أمريكا ونقطة مفصليّة في حياة كلّ من شارك في هذه الحادثة التي حدّدت وعي كيرواك وبوروز في كثير من كتاباتهما اللاحقة.

سؤال الأدب والإجرام

ما فعله لوسيان كار كان جريمة، وما فعله بوروز مع زوجته كان أيضًا جريمة، وما فعله كيرواك بتبرير القتل ومحو الأدلّة هو أيضًا جريمة. لو كنّا نحكي عن حكاية يشاركُ فيها التّخييل والأبطالُ المتخيّلون، لكنّا ربطنا كمّ هذا العنف بظروف تلكَ المرحلة العنيفة في العالَم أجمع. السّؤال الأوّل والأخير الذي يجب طرحه هو السّؤال الأخلاقيّ حيالَ أن تكون أديبًا ومجرمًا في نفس الوقت. هل الأدب يبرّر كون الأديب مجرمًا؟ بوروز الذي تحوّل سريعًا إلى مدمن من العيار الثّقيل حتّى وفاته عن عمر ناهز الرابعة والثمانين، كان قد أطلق النار على زوجته جوان عام 1951م دون قصد في لعبة تفجير زجاجة فوق الرأس. وكيرواك الذي توفي عن عمر ناهز السابعة والأربعين، قضى سني عمره القصير في ترحال وتنقّل باحثًا عن معنى الحياة وجوهرها بين المهمّشين وظلّ حتى نفسه الأخير في مهبّ الطّريق. ظهرَ هؤلاء الكتّاب في سنوات الجَمر، السّنوات التي ولّدت أعمق معاني الأدب حول تجربة الإنسان الحديث مع العالَم، ولكنّها أكسبته طاقاتٍ هائلة من العنف والإحباط والشّعور بالخيبة من الإنسان وقيمه التي أثبتت فشلها. ولو لم تكن هاتان الجريمتان قد وقعتا فعلاً في رحلة هذين الرّجلين هل كانت موهبتاهما الأدبيّتان ستريان النّور بهذا الحجم، هل الجريمة تجيز لكَ أن تكون كاتبًا موهوبًا؟ هل الأدب يصفح لكَ كونكَ مجرمًا؟ لا يمكن بالضّبط الإجابة على هذه الأسئلة بشكلٍ مُطلق. شيء من النّرجسيّة والأنانيّة والعدائيّة والقسوة في هذا الكتاب ومحاولات تبييض وجه لوسيان كار (الذي كان رمزًا لفورة الشّباب وللمستقبل)، لكن مقتل كاميرر (الّذي انتمى إلى الجيل المخضرم والّذي غالبًا ما وصف بظلاميّة وغموض وسخرية كبيرة من قبل الجميع) بهذه الطريقة وفي هذا التّوقيت، كان هو السّبب المُباشر في بروز هذه الأسماء.

الرّواية خطيّة، مغلّفة بحبكة وشخصيّات رئيسيّة وأخرى ثانويّة، غارقة في إكليشيهات أربعينات القرن العشرين حول الإنسان والحريّة والفنّ والتمرد، وموغلة في أجواء البوهيميا التي غالبًا ما تلخّصت بالنّساء والجنس والكحول والموسيقى والعنف والتشرّد والحياة بلا أيّ هدف أو معنى. شعارات نقرؤها اليوم ولا ندري حقًا- باستثناء أهميّة ما حصل ليلة الجريمة- إلى أيّ حدّ نتماهى معها في عصر العولمة والرأسماليّة الكونيّة. لكنّ الرّواية في جميع الأحوال تكشف لنا عن أسرار كثيرة لما حدث في تلك الليلة دون أن تخوض فيما حدث بعدها. وليام بوروز، الذي افتتح الرواية، هو نفسه الذي يُنهيها برشاقة عالية في السّرد، وإن بدا السّرد على طول الرواية غارقًا في عوالم الضّياع والوحدة.

ـــــــــــــــــــــــ
ونضجت أفراس النهر في أحواضها (And the Hippos were Boiled in their Tanks) دار النشر: Grove Press 2008
214 صفحة
(*) ريم غنايم شاعرة ومترجمة من فلسطين.
ــــــــــــــــــــــ

السبت، 9 يوليو 2016

رواية "على الطريق" لجاك كيرواك

البيان (دبي)
تاريخ النشر: 16 ديسمبر 2009


يأتي هذا التكريم لأن جاك كيرواك «1922 ـ 1969» أرخ لتلك الفترة روائياً، باعتباره أحد أبرز مبدعي جيل الغضب والتمرد والسلبية الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة وامتدت تأثيراته إلى أوروبا وأجزاء أخرى من العالم ولعل آخرها العالم العربي إذ ترجمت الرواية قبل عام إلى اللغة العربية. وجاك كيرواك يشكل، إلى جانب ألن غنسبورج، وليام يوروز، نيل كاسيدي، وجريجوري كورسو، نواة للجيل الذي سمي بجيل الغضب في أعقاب الحرب التي حولت البشر إلى متخمين وهامشيين. وهؤلاء عاشوا الهامش بكل معانيه الاقتصادية والإبداعية. وعاش كيرواك حياة معذبة في طفولته، وحياة التشرد والتصعلك في مراهقته مما دفعه اللجوء إلى الكتابة الأدبية باعتبارها تعويضاً رمزياً للواقع القاسي والمؤلم.

ولد جاك لوي كيرواك في لويل، ماساتشوستيس، من أبوين فرنسيين كنديين، وهاجرت عائلته إلى نيو انكلاند، بحثاً عن العمل. ولم يتعلم اللغة الانجليزية إلا في عمر السادسة. لم يكن يميل كيرواك إلى الكتابة باستمرار، بل كان أحياناً يحمل معه مفكرة في كل مكان، ويحب المشي على الأقدام. وقبل أن يصبح طالباً، عمل مراسلا رياضياً لصحيفة «ذا صان لويل» وكذلك في البناء والخدمات الغذائية.

تميزت كتاباته بنمط الكتابة التجريبية وتعاطفها مع الأقليات والفئات الاجتماعية المهشمة لفترة ما بعد الحرب الأميركية. كتبها عندما كان يعيش في الشارع العشرين في مانهاتن مع زوجته الثانية جون هافرتي، وطبعها على أوراق ألصق الواحدة منها بالأخرى حتى تجاوز طولها ثلاثة أمتار.

تبين حديثاً انه كتبها أول الأمر بالفرنسية التي اعتمدها في روايتين لم ينشرهما. وأعلنت حينها صحيفة نيويورك تايمس أن كيرواك يمثل صوت جيل جديد في الأدب الأمريكي.

كتب جاك كيرواك الرواية في عام 1951 ولكنه لم ينشرها إلا في عام 1957. فالرواية عبارة عن سيرة ذاتية استوحاها من رحلاته على الطرق ولذلك من الأنسب ترجمتها «في مهب الطريق» وليس على الطريق» كما جاء في ترجمتها إلى اللغة العربية، وخصوصا رحلاته مع زملائه الذين أسسوا جيل الغضب المعروف ب«بيت جنريشن».

واستوحى الرواية أيضاً من موسيقى الجاز والشعر وتجارب المخدرات. ولكنه غيّر مئات الأسماء في الرواية، وخلق منها أسطورة شعبية كتبها كيرواك في ثلاثة أسابيع واستغرق نشرها تسعة أعوام. وقامت دار نشر فايكنغ بنشر النسخة الأصلية في عام 2007. ولا تزال النسخة الأصلية موجودة في جامعة إنديانا.

عندما صدرت «على الطريق» اعتبرتها نيويورك تايمز «التعبير الأجمل تنفيذاً والأكثر نقاء وأهمية» لجيل كيرواك. واختارتها مجلة «التايم» من بين أفضل مائة رواية صدرت بين 1923 و2005.

رفض كيرواك ورفاقه الملكية والوظيفة ومجّد المخدرات والعلاقات الحميمة والفوضى والتمرد. لذلك اعتبرها النقاد بمثابة ترجمة لأحلام الشباب بالترحال والانتقال وحرق السفن وراءهم بغاية البحث عن إمكانية الحرية.

كان كيرواك يبحث بسلوك الصعاليك والمتشردين عن الإنسان الضائع، وكان دائما يقدم نماذج تتعرض لأزمة تقودها إلى انهيار محتّم، كما فعل من قبله جون شتاينبك وجورج أورويل.

وروايته هذه كما قال عنها الكاتب: «هرولة سريعة في المجتمع ويحدوها الشوق للخبز والحب فحسب». كان جاك كيرواك ضائعا، بلا ميثاق مع الطبيعة، وبلا ميثاق مع الدولة، وحتى بلا صورة عن هوية ولذلك كان ينتقي مفرداته ومضامينه ليضيف إلى الخط العدمي الذي تحدث عنه رواد التيار العبثي في الأدب.

هذا الوعي الحاد، هو الذي كان يدفع بكيرواك وجيله، إلى السخط واستهلاك المخدرات واحتقار الحرب والنظر إلى العالم الأرضي من كوكب آخر.
ولهذه الرواية تأثير كبير على عدد من الشعراء والموسيقيين أمثالا: بوب ديلان، وجيم موريسون، وهانتر أس. ثومبسونم،. يقول بوب ديلان: إنها غيرت حياتي كما غيرت حياة أفراد آخرين.
وقام فرانسيس فورد كوبولا بإعداد روايته إلى الشاشة، حيث اشترى حقوق الإعداد بمبلغ 95 ألف دولار فقط في عام 1980.
يبدأ الراوي سال رحلته في بلاده ويعجب بدين موريارتي (نيل كاسادي) سارق السيارات الرافض للقيم الاجتماعية الجاهزة والمتمسك بروحه الحرة، ويصادف السود وبنات الليل وامرأة مكسيكية هربت من زوجها.

يعيش معها في مقر للعمال المهاجرين الفقراء ويتمنى مساعدة الصغار الذين يحبهم. وفي المكسيك يتعاطى المارجوانا ويزور علب الليل . يصاب بالزحار ويتركه دين يصارع الهلوسة والحمى، فيتحول من بطل ملحمي إلى نذل أحمق، وتنتهي الرواية بفراقهما وجلوس سال أمام الغروب، يفكر بمصيره والوطن الذي وجده على الطريق والأطفال الباكين.
ـــــــــــــــــــــ
عن صحيفة البيان
المصدر:

أسرار جاك كيرواك الكاتب «الأسرع» الى الضوء

باريس - أنطوان جوكي

تاريخ النشر: 31 أيار 2012


غداة انطلاق عرض فيلم المخرج البرازيلي والتر ساليس «في مهبّ الطريق» المستوحى من رواية الكاتب الأميركي الكبير جاك كيرواك (١٩٢٢-١٩٦٩) التي تحمل العنوان ذاته، ينظّم «متحف الرسائل والمخطوطات» في باريس معرضاً مثيراً حول هذه الرواية يتضمّن مخطوطها الأصلي الذي شكّل البيان الأساسي لمجموعة «جيل البيت»، إلى جانب وثائق غزيرة تسمح بالتعرّف عن كثب على حياة كيرواك وبالتعمّق في طبيعة العلاقات التي ربطته برفاقه داخل المجموعة المذكورة.

وتجدر الإشارة أولاً إلى أن كيرواك خطّ روايته الأسطورية عام ١٩٥١ على أثر حمّى كتابية دفعته إلى إسقاط نصّها الطويل (١٢٥ ألف كلمة) على آلته الكاتبة خلال عشرين يوماً فقط. وقد روى في هذا النص مغامرات أصدقائه، وعلى رأسهم رفيق دربه نيل كاسيدي الذي أوحى إليه بفكرة الكتاب، مستخدماً في ذلك نثراً عفوياً مثيراً استعار تقنياته من الآلية السرّيالية. نصٌّ لن يلبث أن يتحوّل إلى أحد الكتب الأكثر رواجاً في العالم، وإلى رمزٍ للتمرّد وروح المغامرة لدى أجيال عديدة لاحقة.

المخطوط الأصلي للرواية هو كناية عن لفافة ورق بطول ٣٦,٥ متراً يظهر عليها النص ككتلةٍ واحدة، بلا هوامش أو مقاطع أو فصول. وقبل انطلاقه في هذا المشروع الروائي، كتب كيرواك: «سأعثر على لفافة ورقٍ من ذلك الذي يُستخدَم لتغطية الرفوف. سأُدخِل هذه اللفافة في آلتي الكاتبة وأنطلق في الطباعة بأقصى سرعة، غير مكترث لتلك الخدعة التي تسمّى بنية النص، وسنرى النتيجة في النهاية». وبعد فراغه من مشروعه، أشار كيرواك إلى أنه كتب هذه الرواية تحت تأثير القهوة وبمعدّل ستة آلاف كلمة يومياً، ما عدا اليومَين الأول والأخير اللذين كتب فيهما ٢٧ ألف كلمة.

ولكن في المعرض الحالي يتبيّن أن الكاتب كان يُعدّ لمشروعه منذ عام ١٩٤٧ فملأ عشرات الدفاتر بالملاحظات والأفكار قبل البدء في كتابة نصّه. ويتّضح أيضاً أن الرواية رفضها ناشرون كثيرون وخضعت لتغييرات جدّية قبل أن تقبل دار «فايكينغ» الأميركية بنشرها عام ١٩٥٧. وبالتالي، فإن النسخة المعدّلة التي حُذفت منها المقاطع الأكثر ناريةً هي التي ستعرف شهرةً واسعة وتقذف بصاحبها إلى قمة الأدب الأميركي كمبتكر لما سيُعرف «بأدب اللحظة الآنية» أو «أدب الآن».

اللفافة الأصلية
كان يجب انتظار عام ٢٠٠٧ كي تقرّر الدار المذكورة، بمناسبة مرور نصف قرن على صدور هذه الرواية، نشر نسختها الأصلية كما طبعها كيرواك على لفافة الورق. أما هذه اللفافة التي بيعت عام ٢٠٠١ في مزاد «كريستيز» العلني بقيمة ٢,٥ مليون دولار، فنجدها في المعرض داخل واجهة زجاجية مركزية بطول تسعة أمتار صُمِّمت على شكل طريقٍ أميركية طويلة تتوزّع على طَرَفيها مشاهد من حياة كيرواك، وأخرى تتوقف عند عشقه للأدب عبر استحضار مخطوطات وكتب للشعراء والأدباء الذين تأثّر بهم، كما نتأمّل مشاهد تصوّر علاقاته مع نيل كاسيدي وويليام بوروس وألان غينسبرغ، وأخرى حول عملية إخراج فيلم ساليس تتضمن الرسوم الإعدادية لديكور الفيلم وصوراً فوتوغرافية التُقطت أثناء تصوير الفيلم ومخطوط السيناريو الذي يحمل ملاحظات المخرج.

وتسمح هذه العناصر بمعاودة اكتشاف كيرواك كإنسانٍ في حالة سيرٍ دائم، استكشف كل الاتجاهات ضمن بحثٍ ثابت عن الحرّية وشقّ طريقاً قاده في النهاية إلى كتابة تحفةٍ أدبية نادرة تتركّز فيها الأحاسيس المستشعرة خلال الرحلات الموصوفة وتلك المتخيّلة، ضمن أسلوبٍ كتابي يتبع إيقاع السفر نفسه ويتراوح بين حركةٍ سريعة تارةً وبطيئة طوراً، ووقفاتٍ للتأمل والاستنباط.

ومن النقاط المهمة التي يقاربها المعرض أيضاً ولادة كيرواك ونشأته داخل عائلة كندية متحدّرة من مقاطعة بريتانيا الفرنسية، وتكلّمه الفرنسية المحكية في مقاطعة كيبيك حتى السادسة من عمره قبل أن يتعلّم اللغة الإنكليزية ويعتمدها في ما بعد في كتاباته، لكن من دون أن يتخلى عن لغته الأم التي كتب فيها بعض نصوصه الأدبية ثم قام بترجمة هذه النصوص إلى الإنكليزية.

ولأن كيرواك وُلِع بالأدب الفرنسي الذي اكتشفه خلال سن المراهقة من خلال كتابات رامبو والسرّياليين وجان جينيه ولـوي فردينان سيلين وبالزاك وخصوصاً مارسيل بروست، يسلّط المعرض الضوء على الدور الأساس الذي لعبه هذا الأدب في خياراته الحياتية والكتابية، مذكّراً في هذا السياق بأن كيرواك اعتبر روايته «في مهبّ الطريق» نسخةً مركَّزة عن رواية بروست «البحث عن الزمن الضائع»، وقال في هذا الخصوص: «قررتُ أن أفعل بدقةٍ ما فعله بروست، ولكن بطريقةٍ أسرع».

ــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة اللندنية.

بعد 60 عاماً من الضياع الرسالة التي ألهمت كيرواك "على الطريق"


أحمد الشافعي
تاريخ النشر: 25 نوفمبر 2014


وصفت بأنها الرسالة التي أسَّست جنساً أدبياً كاملاً. ستة عشرة ألف كلمة حافلة بالتداعيات كتبها نيل كاسيدي لصديقه جاك كرواك سنة 1950، حسبما نشرت صحيفة غارديان البريطانية.

فور قراءتها، مزَّق كيرواك مخطوطة أولية من "على الطريق"، وفي فورة كتابية استمرت زهاء ثلاثة أسابيع، أعاد النظر في أسلوب روايته ليحيله إلى أسلوب شبيه بالذي اتبعه كاسيدي في كتابة الرسالة، وهو الأسلوب الذي سيعرف لاحقاً بأدب جيل البيت Beat literature.

رسالة تحَوُّل

قال كيرواك قبيل موته إن تلك الرسالة كانت لتحوِّل ملهمه كاسيدي إلى علم من أعلام الأدب لولا ضياعها. ويتبيَّن أنها لم تضع، بحسب ما يقول جو مادالينا الذي تعرض دار المزادات التابعة له في كاليفورنيا الرسالة للمزاد العلني في السابع عشر من ديسمبر (كانون الأول). يقول مادلاينا إن الرسالة لم تضع لكن مكانها ظل مجهولاً لأكثر من ستين عاماً.
تعرض الرسالة ضمن مجموعة تضم أوراقاً لـ (إي إي كاننغ، وكينيث ريكسروث، وروبرت بن وارن)، وغيرهم من الشخصيات الأدبية المرموقة. لكن مادالينا يعتقد أن المقتنين سوف يبدون رغبة أكبر في الحصول على رسالة كاسيدي المؤلفة من ثماني عشرة صفحة مكدسة الأسطر تصف زيارة كاسيدي المخمور، المتهم في قضايا جنسية، والطريف في بعض الأحيان، إلى موطنه دينفر.
قال مادلاينا إن الرسالة "تمثل قطعة تأسيسية من أدب جيل البيت، وقد أحاطت مصيرها شائعات وتكهنات كثيرة".
كان كيرواكقد قال لباريس رفيو في عام 1968 إن آلن غينسبرغ، أعار الرسالة لصديق كان يعيش في عوامة في كاليفورنيا، وأعرب كيرواك عن اعتقاده بأن ذلك الصديق قد رمى بها في الماء.

وأضاف كيرواك قائلاً "كانت ملكاً لي. رسالة موجهة إليّ، فما كان ينبغي لغينسبرغ أن يكون على ذلك القدر من الاستهانة بها، ولا الشخص صاحب العوامة".

أعظم نص

أما عن جودة الرسالة فقد وصفها كيرواك على النحو التالي "كانت أعظم نص مكتوب قرأته في حياتي، أفضل من أي نص لأي شخص في أمريكا، أو هي على أقل تقدير كفيلة بأن تقلقل ملفيل وتوين ودريزر وولف ولا أدري من أيضاً في قبورهم".

ويتبيّن أن غينسبرغ كان يحاول نشرها، فأرسلها إلى مطبعة غولدن غوز في سان فرانسيسكو، حيث بقيت في الدار دون أن تفتح، وحينما أوشك المالك أن يرمي الرسالة في سلة المهملات مع كثير من المخطوطات القديمة المرسلة للدار، حدث أن مرّ به مدير فرقة موسيقية صغيرة مستقلة كان يشاركه في البناية فأنقذ الرسالة ومعها جميع المخطوطات والرسائل والإيصالات التي وجدها في أرشيف غولدن غوز، ومضى بكل شيء إلى بيته.

تقول الموسيقية جان سبينوزا التي تقيم وتعمل في لوس أنجليس والتي عثرت على الرسالة وهي تنظف بيت أبيها قبل سنتين "إن أبي لم يكن يعرف من يكون آلن غينسبرغ، ولم يكن يعرف من يكون كاسيدي ، فلم يكن جزءاً من مشهد البيت، لكنه كان يحب الشعر، ولم يتقبل عقله كيف يرمي أحد كلمات كتبها أي شخص".

وبرغم أنها كانت تعلم شخصيات كرواك وكاسادي، لم تكن سبينوزا قد سمعت برسالة جوان آندرسن، وهو الاسم الذي منحه كيرواك للمرأة التي قال كاسيدي إنه أقام معها علاقة عابرة.

رسالة ملهمة

يقول المؤرخ دينيس مكنالي وكاتب سيرة كيرواك إن الرسالة "لا تقدر بثمن. لقد ألهمت كرواك كثيرا في الوجهة التي يريدها لروايته، والتي لم تكن غير هذا الأسلوب الكتابي العفوي المتبع في الرسالة التي خرجت من عقل نيل كاسيدي".

ذلك هو الأسلوب الذي وضعه في رواياته بعد ذلك، سواء "على الطريق" أو "رؤى كودي" التي تناول فيها حكاية كاسيدي من خلال تنكر واهٍ في اسمي دين موريارتي وكودي بوميروي. وظل كيرواك يستخدم ذلك الأسلوب في كتبه التالية مؤسساً به سمعته الأدبية بوصفه آحد آباء جيل البيت.

ويكتسب كاسيدي نزراً يسيراً من الشهرة بوصفه ملهم كرواك، في الوقت الذي اشتهر فيه ثلث رسالة جوان آندرسن بعدما نسخه شخص ما فذاع بين دارسي كيرواك.

عندما اكتشفت سبينوزا أن لديها الرسالة الكاملة، مضت بها إلى مادالينا، تاجر الوثائق التاريخية المرموق للتأكد من أصالتها. ويرفض مالادينا التكهن بقيمة الرسالة، وإن كانت مخطوطة "على الطريق" الأصلية قد بيعت بـ 2.4 مليون دولار في عام 2001، وكان الجميع يعرفون بوجودها. قال التاجر المرموق إن تقييم هذه الرسالة أصعب كثيرا، فهي شيء ما كان أحد يعرف بوجوده على الإطلاق.

من جانبها تقول سبينوزا إنها سعيدة لأن أباها أنقذ الرسالة من الضياع. وترجو ممن يشتريها أن يسمح للجمهور بمشاهدتها، مضيفة أن "الرسالة ممتازة، ويمكن لمن يقرأها أن يرى لماذا كانوا يحبون كاسيدي. أما الكتابة نفسها، فتوشك أن تتنفس في صفحاتها".

ـــــــــــــــــــــــ

رسائل كيرواك

الحياة اللندنية
نشرت في 26 سبتمبر 2014

اكتُشفت سبع عشرة رسالة كتبها جاك كيرواك خلال دراسته الثانوية والجامعية، في آخر ثلاثينات وأول أربعينات القرن الماضي، جمعت الأدب الرفيع والهورمونات الجامحة. كان أرسلها الى صديق الطفولة جورج أبوستولوس، وعثرت عليها ابنته بعد وفاته. أسهب في إحداها عن فتاة أحلامه التي نوى الزواج منها. «لا شك لدي في أن كلينا لم تقع عيناه يوماً على مخلوقة فاتنة مثل جاكلين شيريسكي. لعنقها سمة الدم الأزرق، وهو يصعد برقّة، ومثل العاج، الى ذقن لوزي كامل التكوين، وشفتين حمراوين مرتجفتين تغطيان صفاً من الأسنان المرمر. عيناها قاتمتان كالأبنوس بلمعة نارية. شعرها يسقط مثل شلال متموّج من السواد المالس، فوق كتفين مرنين، لذيذين. إنها نحيلة، نضرة ورشيقة. لم أر يوماً مثيلاً لها». يخبر صديقه أنه ينوي عبادتها، وينتقل الى الأمور العملية. «مشكلتي أنني لا أجرؤ على الطلب منها مرافقتي الى الحفلة الراقصة (...) لو تمكّنت من اصطحاب هذه الإلهة الى «وولدورف»، فإن عمري كلّه سيُصبّ في ليلة واحدة». يراها ترقص مع شاب فيلوّح يده ببطء وترد بحركة مماثلة. «كم أنا أحمق لعين، خسيس، أخرق، منافق، مثالي، مجنون (...) لكنني أعرف أنك تفهمني، ولن تلومني إذا سكبت كل هذا الهراء المتنوّع في حوضك الواسع من الذكاء البشري».

لم يمنعه افتتانه بشيريسكي من مواعدة غيرها. يكتب لأبوستولوس عن لقاء مع شقراء خفيفة الدم، ويحاول إقناعه بالنوم مع فتاة تدعى ليو مستخدماً كلمات بذيئة. يقول إنه سيشاركها الفراش هو أيضاً حين يعود، فتعتاد النوم هكذا مع الشبان الذين يزورونها، وتوفّر لكيرواك وأبوستولوس الجنس مرتين أسبوعياً طوال حياتهما «وهذا هو العيش الحقيقي».

ستعرض دار سكينر الرسائل في مزاد الكتب والمخطوطات النادرة في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وتتوقع بيع كل منها بخمسة آلاف دولار.

الأميركي جاك كيرواك في مرآة دفاتره الحميمة

باريس - أنطوان جوكي 

نشرت في 4 أبريل 2016

لفترة طويلة، نظر قرّاء الأدب في العالم إلى جاك كيرواك (1922 - 1969) ككاتب رواية وحيدة، «على الطريق»، وكشخص جسّد عصراً ذهبياً في بلده، زمن جيل الـ «بيت» وأدبه. ولكن تدريجاً تعدّلت صورته واكتملت، فتبيّن أن هذا العملاق لم يسعَ فقط إلى ابتكار لغة أميركية جديدة في كتبه - الغزيرة - بل كرّس أيضاً وقتاً طويلاً لوضع سيرة ذاتية شاملة لا يعادلها، في طبيعتها وحجمها وغناها، سوى تلك التي أنجزها كلّ من مواطنه توماس وُلف، ونموذجه مارسيل بروست، ومعلّمه لوي فردينان سيلين.

سيرة كيرواك الذاتية سديمٌ يشمل معظم أعماله الأدبية، بما في ذلك رواياته الثلاث عشرة (ما خلا روايته الأخيرة «صورة» التي سرد فيها قصة فتى أسوَد)، أي منذ «البلدة والمدينة» (1950) حتى «غرور دوليوز» (1968). «على الطريق» التي كتبها بين عامَي 1947 و1951 هي العمل الثاني من هذه السيرة، ويمكن حتى اعتبارها العمل الأول نظراً إلى أن «البلدة والمدينة»، على رغم تضمّنها كل المواضيع التي قاربها الشاعر لاحقاً، جاءت قبل ابتكاره أسلوبه المميّز.

لكن مشروع السيرة الذاتية لدى كيرواك لا ينحصر في أعماله الروائية، بل يشمل أيضاً الرسائل الغزيرة التي تبادلها مع صديقيه نيل كاسادي وألان غينسبرغ، وتشكّل مادّة جوهرية لفهم مسيرته وأدب جيل الـ «بيت» عموماً. ويشمل أيضاً المدوّنات اليومية التي ثابر على كتابتها حتى وفاته وصدرت أخيراً الترجمة الفرنسية للجزء الأول منها في مجلد ضخم عن دار «غاليمار» الباريسية، بعد عشر سنوات على صدوره في نيويورك داخل صمتٍ مطبق!

ما نعرفه عن هذه المدوّنات هو أنها تملأ 52 دفتراً وتشكّل مختبراً لعمل كيرواك الأدبي. ونظراً إلى مادتها الهجينة، وبالتالي صعوبة العثور على قالب أدبي لنشرها بالكامل، اختار الناشر الأميركي (دوغلاس برينكلي) لإصدار المجلد المذكور الغرف من الدفاتر الأولى (1947 - 1954) التي يظهر كيرواك فيها كشاب كان لا يزال يحلم بعمله الأدبي ويبحث عن الأسلوب الأكثر ملاءمة لترجمة رؤاه، شابٌ كان يعرف جيداً أيّ موسيقى يريد إسماعها في كتابه الأول، لكنه لم يكن يتحكّم بعد بالـ «آلة» المناسبة لعزفها.

هوس الكتابة

وبسرعة، يتبيّن لنا أيضاً أن هذا الشاعر الذي لطالما تخيّلناه كشخصٍ انشغل بعيش حياته أكثر منه بتشييد صرحه الأدبي، كان في الواقع مهووساً بعمله الكتابي ومدركاً لما يريد إنجازه، يعيش الكتابة كحالة تزهّدٍ، ويحصي عدد الكلمات التي كان يكتبها كل يوم، ويشعر بالذنب حين كان يمضي يوماً من دون أن يكتب. وبالتالي، نشاهد في هذا المجلّد عملية ولادة صوته الفريد الذي مدح النقاد حرّيته من دون أن يدركوا بأنه نتج من عملٍ دؤوب ومُضنٍ تخلله تشطيبٌ كثير وعودة متكرّرة إلى الوراء، وتشكّل مدوّنات كيرواك اليومية مرآةً له ونواته الحميمة.

مضمون هذا المجلد، الذي يقع في نحو 600 صفحة، قسّمه الناشر الأميركي إلى جزءين. في الجزء الأول (حزيران- يونيو 1947 - نيسان- أبريل 1950)، نطّلع على حياة كيرواك في نيويورك في شكلٍ يومي، وعلى سيرورة كتابته «البلدة والمدينة» وانطلاقه في كتابة «على الطريق»، ونقرأ ملاحظات شخصية لا تحصى حول مراجع أدبية كثيرة (دوستويفسكي، جويس، كونراد، مارك تواين، سيلين، زولا...)، وتأملات في الوضع الصعب للفنان أو الكاتب في عالمنا، وبالتالي في فائدة العيش داخل هذا العالم أو الانسحاب منه، وذلك ضمن لغة مباشَرة وصريحة لا تخلو من الفظاظة والعنف والشتائم.

وقد نشعر أحياناً بثقلٍ في هذا الجزء نظراً إلى هاجس كيرواك الثابت ربط قدَره بالأسماء الأدبية الكبرى، وإلى هذيانه الصوفي وعذاباته، لكن ما أن نستسلم لإيقاع نصوصه المحموم حتى يتجلى لنا جانباً آخر فيها يجعل منها شهادة يومية على صراعه الحاد مع ذاته والعالم.

محاسبة الذات

وفعلاً، حين لم يكن كيرواك جالساً خلف الطاولة للكتابة وإحصاء كلماته، كان يتردد على نوادي الجاز ويمضي لياليه مع أصدقائه في الشرب والنقاش ومحاسبة الذات لقله إنتاجه: «ما زلتُ مريضاً، لكني كتبتُ 500 كلمة، كلمات نهائية، وفي أحد الأيام سأغادر عالم أصدقائي التعيس والكابوسي الذي يجعلني مريضاً أكثر فأكثر. قرفٌ، قرفٌ ثابت حين أراهم، وسعادة حين لا أراهم» (التاسع من آذار - مارس 1948). ومنذ تلك الفترة، كان قارئاً نهماً يضع لنفسه برنامجاً صارماً للقراءة: «أخذتُ كتباً من المكتبة - تولستوي، تواين، زاين غراي ومجلداً يتضمن كتابات في السيرة الذاتية، من سان أوغستان إلى روسو، مروراً بهنري أدامس» (31 آب - أغسطس 1948).

ومن هذه القراءات، يتّضح لنا أن إعجابه كان يذهب إلى الكتّاب الأجانب أكثر منه إلى الكتّاب الأميركيين، وفي مقدّمهم دوستويفسكي: «أعتقد بأن عظمة دوستويفسكي تكمن في اعترافه بالحب البشري. (...) دوستويفسكي، بالنسبة إليّ، سفير المسيح، والإنجيل الحديث» (آذار 1950). أما سيلين فكان يرى فيه معلّماً في كتابة السيرة الذاتية روائياً ومبتكِر لغة: «كنت أقرأ رواية «النصّاب الكبير» لميلفيل حين خسفتها فجأةً وكلياً من ذهني رواية سيلين «موتٌ بالاقتراض». أتذكّر الآن أنني كنتُ في منتصف «النصّاب الكبير». لا أحتاج إلى برهان آخر لمعرفة أن سيلين يظلّل ميلفيل، بكل علوّه. سيلين ليس الفنان والشاعر الذي هو ميلفيل، لكنه يغرقه بالفيض الصافي لحَمِيّته المأسوية» (30 تشرين الثاني - نوفمبر 1948).

في الجزء الثاني من المجلد الذي يحمل عنوان «مطرٌ وأنهار» (1949 - 1954)، نرافق كيرواك في ترحاله داخل أميركا ونتآلف مع التجارب التي اكتنزها ومنحته مادة «على الطريق». وبالتالي، نقرأ هذا الجزء كيوميات سفرٍ، أو كقصيدة طويلة موضوعها الطريق والمناظر الطبيعية وتنوّع أميركا، فنرى فيه مسودّةً أولى للرواية التي منحت كيرواك شهرته، وفضاءً اختبر فيه تلك الكتابة الفريدة بإيقاعها وتنفّسها وترقيمها، وبالتالي دليلاً على أن «على الطريق» لم تحلّ عليه فجأة فكتبها في شكلٍ آلي، بل جاءت نتيجة تحضير وتأمّل كبيرين.

وتحضر في هذا الجزء كل المواضيع الكبرى لرواياته: شبح والده، أميركا، الليل، وخصوصاً الآخر الذي يتجلى في رغبته، على مرّ لقاءاته، في أن يكون مكسيكياً، كوبياً، مومساً أو قديساً، أسوَد مستوهَماً تسيل إيقاعات موسيقى الجاز في عروقه، باختصار، في أن يكون أي شخص إلا جاك كيرواك. وتحضر أيضاً كتابته بكل مميزاتها، أي بصراخها وتكرار كلماتها والتلاعب في إيقاع الأفعال والجُمل الصاعقة. كتابة مارسها بشغفٍ أكيد، وسمحت له بتجنّب الاكتئاب الذي عاني منه («مللٌ/ الحياة لا تكفي»)، وأيضاً برسم توبوغرافيا وطنه الذهنية والمشهدية وبسرد قصة هذا الوطن الحديثة وخرافته.

باختصار، مجلّد في غاية الأهمية يجعلنا نأمل بأن لا يلقى ما تبقّى من مدوّنات كيرواك اليومية مصير يوميات مواطنه مارك تواين التي لا تختلف عنها كثيراً، بطبيعتها الهجينة ومضمونها، والتي لم تصدر إلا بعد نحو قرنٍ من وفاته.

ـــــــــــــــــ
المصدر: الحياة اللندنية.