‏إظهار الرسائل ذات التسميات تشاك بولانيك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تشاك بولانيك. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 8 يوليو 2016

لمحات ثقافية - ذات أميركا

نشرت في الحياة اللندنية 
1 أيلول 2009

ذات أميركا

بطل غريب ولغة خاصة في رواية تشاك بولانيك الأخيرة «قزم» الصادرة في بريطانيا عن دار جوناثان كيب. فتى في الثالثة عشرة من دولة شمولية في العالم الثالث يصل الى أميركا ضمن وفد يشارك في برنامج لتبادل التلامذة. أسرة سيدرز التي تستقبله تدعوه «قزم» لضآلة حجمه، لكنه في الواقع العميل السري الرقم 67، وكلف مع رفاقه القيام بأعمال إرهابية في «حجر الأفعى الأميركي المنحط». 

يعارض بولانيك كعادته الحلم الأميركي بواقع بشع يخفي خلف التديُّن المتهافت شعباً متعصباً يهجس بالثروة والجنس والمخدرات. لا يحتاج «قزم» الى «عملية الفوضى» ليرهب المجتمع المضيف، فالأميركيون يؤدون المهمة بامتياز من تلقاء أنفسهم. يلتقي العميل الرقم 67 ورفاقه رجالاً ونساء مفرطي البدانة غسلت ثقافتهم الاستهلاكية أدمغتهم وأصابتهم التخمة بالرغبة في المزيد من كل شيء. يعمل الأب في الأسرة المضيفة في مصنع للأسلحة البيولوجية، ومن هواياته التقوى ومشاهدة الأفلام الخلاعية. تحب الأم الكنيسة والفيتامينات والأدوات الجنسية، ويفخر الابن المعنف في المدرسة بمجموعته من المفردات العامية التي تعني الثديين. يرى الفتى الزائر مجتمعاً كاريكاتورياً مدارسه مؤسسات للإذلال وهدم احترام الذات، وكنائسه «معامل لتوزيع الدعاية الدينية»، ومجمعاته التجارية أماكن حزينة تعبق برائحة الدولارات القذرة. لكن الدولة التي أتى منها كاريكاتورية أيضاً بديكتاتوريتها وقمعها، وعند المقارنة تجذبه أميركا التي يحس انه يستطيع العيش فيها على رغم انحطاطها. 

لا يسلم العميل 67 من التضخيم، فهو مقاتل فائق البراعة وخبير في صنع أسلحة الدمار الشامل. يتصدى للمتنمر في المدرسة ويعتدي عليه جنسياً، فيحاول هذا الانتقام بعملية قتل جماعية ينهيها العميل القزم بقفزة تقطع رأسه. يعتمد بولانيك الفتى الغريب راوياً، ويكتب بإنكليزية ركيكة تستعير أصوات القتال من الرسوم المتحركة. يتجاهل خسارة البراءة لدى الفتى ورفاقه والعمق النفسي للشخصيات، ويقدم صورة جديدة للأطفال الجنود الذين تسلبهم ثقافة العالم الثالث طفولتهم وتشوه نموهم بالعنف الباكر.

عن أهل العراق

 سجلت أغاثا كريستي ذكرياتها ونسيت أن تنزع البطاريات فتسلل الأسيد الى آلة التسجيل وعطلها. عندما وجد ماثيو بريتشارد الأشرطة خاب لعجزه عن سماعها الى أن ربط «تقني عبقري» الآلة ببطاريات قديمة وانطلق صوت جدته الثاقب المرتجف. تحدثت أشهر كاتبة بوليسية عن عاطفتها نحو عراقيين التقتهم خلال رحلات التنقيب التي قام بها زوجها عالم الآثار ماكس مالوان. خلافاً لجورج أورويل الذي رأى العرب مخادعين أشراراً، وجدتهم كريستي «دافئي القلب، بسطاء، مليئين بحب الحياة، وقادرين للغاية على المرح. يحب العرب الضحك كثيراً، وهم مضيفون كبار أيضاً».

تروي بحماسة لقاءها علي الذي أوقف السير في الشارع الرئيس في الموصل. صرخ: «ماما، ماما» ثم تقدم من الحافلة التي أقلتها وهز يدها بقوة: «كم أنا سعيد لرؤيتك، ماما. أنا علي الطباخ، هل تذكرينني؟ أنا شرطي اليوم». يكتسب صوتها دفئاً عندما تتذكر احتفاء العراقيين بها: «ما أجمل صداقة هؤلاء (...) بعض الأفندية مزعجون ببذلاتهم الأرجوانية، لكن المزارعين أشخاص طيبون وأصدقاء رائعون». تذكر زيارة الى عربجية بعد غياب خمسة عشر عاماً». عرفونا فوراً وخرجت كل القرية لملاقاتنا. سمعنا صيحات، تحيات وترحيباً (...) احتاروا لأن ماكس لم يتذكر الوجوه والأسماء كلها». 

تغطي الأشرطة الجزء الثالث من المذكرات التي ستصدر في الخريف المقبل. محت الكاتبة الاقتصادية الجزأين الأولين بعد أن دونت محتويات الأشرطة واستخدمتها مجدداً. دهش حفيدها من تأثير صوتها عليه، واستطاع الراغبون سماعه على موقع صحيفة «ذا تايمز» متداخلاً أحياناً مع نباح الكلاب وزمور السيارات في وولنغفورد، أكسفورد. في مقطع صغير تعجب الكاتبة من تصاعد شعبية مس ماربل، التحرية المسنة الهاوية، الى درجة نافست معها بطلها الآخر البلجيكي هركول بوارو.

ما وراء الظلام 

 كتاب من الكتب كان الأسرع انتشاراً في تاريخ النشر في إسبانيا، وجعل كارلوس رويث ثافيون من أكثر الروائيين الاسبان نجاحا خارج بلاده. «لعبة الملاك» الصادرة بالإنكليزية عن دار وايدنفلد ونيكلسون، بريطانيا، تسبق زمناً روايته الأكثر مبيعاً «ظل الريح» وتدور مثلها في برشلونة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. تجمع الماورائي القوطي بالبوليسي وقصة الحب اليائس، وينوء بطلها ديفيد مارتن تحت ثقل التوقعات الكبيرة ورواية تشارلز ديكنز التي تحمل هذا العنوان. يرتبط بعقد لكتابة روايات بوليسية رخيصة ليتدبر معيشته، لكنه يستثنى من الأرباح ويبقى فقيراً بعد عقدين. يعيد كتابة رواية لصديق ويكتب الرواية الجدية التي أجل كتابتها طويلاً، واذا بالنقاد يمدحون عبقرية الأولى ويرون الثانية أسوأ بداية أدبية اطلاقاً.

سمي ثافيون «ديكنز برشلونة» وركب اسم بطله من شخصيتين ظهرتا في أعمال الكاتب الانكليزي، ديفيد كوبرفيلد ومارتن شازلويت، لكن متاعب مارتن تزداد بدلاً من أن تكافأ بنهاية سعيدة ديكنزية. يصاب بسرطان مميت في الدماغ، وتتزوج حبيبته صديقه، وعندما يعقد اتفاقاً فاوستياً مع أندرياس كوريلي الغامض يموت ناشره السابق فجأة في حريق. يعده كوريلي ذو العينين الصفراوين كعيني الذئب بالشفاء والثروة إذا وافق عل كتابة نص دين جديد يوفر له النفوذ الاجتماعي. يكتشف مارتن أثناء البحث تاريخ منزله الجديد، والميتة الغريبة للمالك السابق مارلاسكا الذي ترك كتاباً عثر عليه مارتن في مقبرة الكتب المنسية. مارلاسكا أيضاً كلف البحث عن دين جديد دفعه الى الجنون والانتحار، وتساءل مارتن عما إذا كان هو لا يزال يتمتع بسلامته العقلية أو انه بدأ يفقدها بفعل الهلوسات التي تداخلت مع الحقيقة. يكتشف أن منزل العنوان على بطاقة كوريلي احترق ولم يبق منه سوى هيكله، وأن الرجل نفسه توفي منذ أعوام عدة.

ثافيون في الخامسة والأربعين اليوم ويعيش في لوس أنجليس منذ 1993. كتب سيناريو الأفلام وروايات شبابية قبل أن ينشر في 2001 «ظل الريح» التي باعت ملايين النسخ في العالم ونالت مديح النقاد وجوائز عدة. ترجم الى ثلاثين لغة، واستطاع بعد اطمئنانه الى الشهرة والثروة أن يهجو صناعة النشر ويسخر من طمع الناشرين ومزاجية النقاد. في إشارة الى تأثير الحكاية وتداخل القصة والواقع يقول مارتن ان «الحقيقة العاطفية ليست صفة أخلاقية. انها تقنية.» ويرى كوريلي الحي الميت أنه «يستحيل البقاء في حال مديدة من الواقع».

غرين البوليسي

 عثر باحث فرنسي على مخطوطة غير كاملة لرواية بوليسية كتبها غراهام غرين في 1926 عندما كان في الثانية والعشرين، واعتمد فيها العناصر الكلاسيكية من شخصيات أرستقراطية وجثة وأداة جريمة دامية في منزل ريفي، إضافة الى مواضيع كاثوليكية كالكاهن والصراع بين الخير والشر. حوت المخطوطة المكتوبة بخط غرين السيّئ خمسة فصول وحملت عنوان «الكرسي الفارغ»، وكانت إحدى المحاولات الروائية الباكرة للكاتب الإنكليزي الذي اعتنق الكاثوليكية لاحقاً ذلك العام. 

كانت المخطوطة في أرشيف جامعة في تكساس، وبدأت بحفلة تقيمها الليدي بيريهام التي كانت ممثلة أوقفت عمرها عند الخامسة والثلاثين. وجد ضيوفها جثة ريتشارد غروفز الذي غرزت سكين في صدره وعرف بعنفه وفظاظته، وبدأ البحث عن القاتل بين الحضور. مجلة «ذا ستراند ماغازين» التي نشرت روايات شرلوك هومز لآرثر كونان دويل ستنشر المخطوطة بعد أن تختار كاتباً ينهيها، أو تنظم مسابقة لانتقاء النهاية الفضلى. ذكر مدير تحريرها أندرو غولي أن العمل ناضج يتسم بمزايا غرين المهنية من نثر جميل وحوار مشدود واهتمام مركز بالخير والشر.

تشاك بولانيك الميكانيكي الذي ركب عالم الرواية من جديد

آلي حميدي

نشرت في 27 يونيو 2015

الكاتب تشاك بولانيك يتصف أسلوب كتابته بالمينيماليزم المكثفة بشكل واضح في حوار شخصيات رواياته التي تعرف غالبيتها بالوحدة.

الكاتب والمؤلف الأميركي تشاك بولانيك يؤكد دوما على أن التراكم اللغوي الذي يمتلكه، عبارة عن آلية مركبة من الإسقاطات لإحداث تأثير من الثَّقافة العالية من خلال الثَّقافة الهابطة. يقول عن نفسه بأنه “مفتونٌ بالخيال الهابط الذي يُولِّد ردَّة فعلٍ بدنيَّة، يثير اشمئزاز القارئ أو جوعه أو شهيَّته”.
ولد بولانيك في العام 1962 في مدينة باسكو التابعة لولاية واشنطن. التفكك الأسري الذي عاناه جراء طلاق والديه، وذاكرته المشوّهة عن حادثة قتلهما من قبل زوج صاحبة أبيه السابق، والفوضى في طفولته، كل هذا جعله ينظر إلى الأمور بزاوية مختلفة عن الرؤى الطبيعية. ففكرة العنف والتأقلم معها جعلت لديه إحساسا مرافقاً له أن الكوارث قد تحل في أيّ لحظة.
عمل ميكانيكاً لدى تخرجه من الجامعة، في فترات متقطعة في مصنع للشاحنات، ومتطوعاً في المستشفيات خلال مرحلة من حياته، مشرفا على دار عجزة، ولوقت قصير في مجال الصحافة، وعندما وصل إلى سن الثلاثين قرر إنهاء مهزلة الأعمال الفارغة والبحث عن مهارة تعبّر عنه، فوجد نفسه في الكتابة، رغم يقينه باحتمال فشله وعدم تمكنه من كتابة جملة جيدة واحدة، لكن رغم ذلك تخلى عن النموذج الأميركي المصطنع الذي يوصي بالعمل كثيراً لساعاتِ طويلة، وحقق النجاح بهذا التخلي ونشر عددا من الروايات، أهمها “نادي القتال” الذي تحول إلى فيلم سينمائي، “الناجي الأخير”، “أرق”، “وحوش غير مرئية”، “خنق” و”مفكرة”، وغيرها.

المينيماليزم المكثف

بولانيك والذي يعتبر من أهم روائيي القرن الحادي والعشرين خصوصاً في الوسط الأميركي، بما يتصف أسلوب كتابته بالمينيماليزم أو بالتقليلية إن دق التعبير، المكثفة بشكل واضح في حوار الشخصيات الموجودة في رواياته التي تتصف غالبيتها بالوحدة والبحث عن سبل للتواصل مع الآخرين.
كما في توصيفه لبعض الحالات والأفكار الاستثنائية في كتاباته مثل نص “أحشاء” الذي يعتبر من أقصر النصوص التي كتبها، والمصنف في خانة القصة القصيرة جداً، يقوم نص ” أحشاء” على أسلوب المينيماليزم، الانتقال السريع من البساطة إلى عمق الأحداث بإسقاط صادم، دون الخوض في حياة وهموم الأشخاص اليومية المتكررة.
الغثيان الحالة المهيمنة على القارئ لدى دخوله عالم بولانيك، الغثيان والرغبة في التقيؤ تصل إلى أعلى درجاتها في نص “أحشاء”. أن تكون الكتابة محمّلة بهذا الكم من التأثير تدل على عبقرية وموهبة لا يستطيع العديد من الروائيين الوصول إليها بسهولة. وسط العديد من الروايات المحملة بالمثاليات والأخلاق العالية والرومانسيات الخياليّة.
علّق تشاك على تأثير قصته القصيرة هذه بقوله “قرأت أحشاء للمرة الأولى في حدثٍ عام في جولة الترويج لروايتي “يوميات”. كان هذا في مكتبةٍ مزدحمة في بورتلاند، أوريغون، وكان ثمَّة طاقم تصوير هولندي هناك يقوم بعمل فيلم وثائقي، وامتلأت المكتبة يومها بأكثر من ثمانمئة شخص، ما تجاوز السعة التقليدية التي ينص عليها قانون الحرائق.
تحتاج قراءة “أحشاء” إلى تركيز كامل، فلا تستطيع رفع رأسك عن الأوراق كثيرًا لتنظر حولك، لكن في المرات التي رفعت فيها رأسي بدت وجوه محتلِّي الصف الأول مكفهرَّة إلى حدٍّ ما، ثم حان دور الأسئلة والإجابات، وبعده توقيع الكتاب. كنت قد وقَّعت النسخة الأخيرة من الكتاب عندما أخبرني أحد العاملين بالمكتبة أن اثنين فقدا وعيهما، شابَّان، كلاهما سقط مغشيًّا عليه خلال قراءة النص، مرتطمًا بالأرضية الخرسانية، وإن كانا بخير الآن، لكن كليهما لا يذكر ما حدث بين الوقوف والإصغاء ثم الإفاقة بين أقدام المحيطين.

نادي القتال

في روايته الشهيرة التي تحولت إلى فيلم سينمائي بعنوان “نادي القتال” حقق أعلى الإيرادات، وساهم في شهرته بشكل كبيرة. قدم من خلال شخصية “تايلر” -بطل الرواية- حالة الضياع الفردية، الأرق والاكتئاب المزمن، وتأثيرها على الذات، المسببة بردة فعل للقيام بدعوة تجاه كل ما هو مستهلك عند الطبقة الوسطى، الطبقة التي تسعى بكامل جهدها لإيجاد معنى لحياتها للوصول إلى مستوى وهمي أعلى.
“نادي القتال” رواية تدعو إلى احتقار الحضارة والثقافة وزيف المجتمع، الزيف الذي أدى إلى نشوء الأحقاد الطبقية وانتشار البرجوازية وحصول هوّة بين طبقات المجتمع.
الرواية تنحاز للطبقة البروليتارية، للمهمّشين، العاديين الذين يقضون حياتهم في أعمال تستعبدهم، تستنزف طاقاتهم، وتقضي على شغفهم، بحجة الحضارة والتضحية والقانون وكل هذا الهراء بحسب بولانيك، المفاهيم التي لا تطبق إلا لمصالح من هم فوق، الطبقة المستبدة. أما إحدى نظريات نجاح روايته برأيه، فتقوم على أن القصة قدمت للناس نظاماً مكونا من مجموعة أشخاص لديهم نفس الاهتمامات وذات المعاناة المشتركة.
ينوّه بولانيك إلى الفيلم المقتبس عن روايته بالقول “كلُّ ما تبقى هو كتاب، والآن فيلم. فيلم طريف مثير في الحقيقة، جامح مليء بالأفكار المخيفة الخطرة، هو بالنسبة إلى الآخرين رحلة مسلية، أما بالنسبة إليّ وأصدقائي فدفتر قصاصات حافل بالذكريات الحميمة، مُفكِّرة، دليل رائع مُطمئِن على أننا بكلِّ غضبنا وإحباطاتنا ومعاناتنا وحسرتنا قد ارتبطنا ببعضنا البعض، والآن بالعالم، كل ما تبقى هو دليل على أننا نستطيع خلق الواقع.

الناجي الأخير

في روايته “الناجي الأخير” يكثف بولانيك في المحاور الأولى من الرواية مونولوجا نفسيا مجسدا بصوت مرتفع مرقما بشكل غير نمطي. تبدأ من القسم 47 في الصفحة 296 وتنتهي الرواية في القسم 1 من الصفحة الأولى، أي تدور الأحداث بأرقام معكوسة من الخلف إلى الأمام، فلاش باك لغوي. هذا الفعل العكسي ليرمز إلى أن الخلاص يكمن في البداية، في الرجوع إلى نقطة الخلق، البياض الأول، بطريقة سوداوية متهكمة.
الرواية صدرت بالعربية مؤخرا عن دار التنوير للنشر، للمترجم المصري هشام فهمي الذي ترجم عدداً من الروايات إلى العربية، منها “فرانكنشتاين” لماري شلي، و”الهوبيت” لتولكن صاحب “سيد الخواتم”، كما صدر له هذا العام ترجمة أخرى لتشاك بولانيك هي “أغنية المهد”، ويعمل حاليًا على ترجمة سلسلة “أغنية الجليد والنار” لجورج ر. ر. مارتن.
يركز السرد بأسلوب حاد وعدمي حول” تندر برانسن” ذي النشأة الدينية من العقيدة الكِريدِشِيَّة، طائفة الانتحار الجماعي المذهب الذي يبجل عبادة الموت بطريقة ميلودرامية، لها طقوس ومعتقدات معينة تعطى لفئة محدودة وتبقى فيما بينها بشكل سري.
برانسن شخصية ذات تعقيدات واضطرابات نفسية شائكة لا تتضح أسبابها إلا بعد قطع شوط من الرواية، يظهر في الصفحات الأولى منها ، تعامله مع مكالمات هاتفية من غرباء لم يلتق بهم من قبل، لكنه يساعدهم على الخلاص من وجهة نظره، بتحريضهم على الانتحار بجملة مكررة “اقتل نفسك”.
شخصية مثقلة بالمضمون الراسخ، محاطة بهالة نفسية من التوازن الساكن، معلقة في طائرة متحركة على وشك السقوط والاحتراق، بعد أن اختطفها وأنزل ركابها وقبطانها وتولى بعدها وحيدا قمرة القيادة، في سباق زمني بين سرد تفاصيل حياته للصندوق الأسود خلال عمله في تدبير منازل الأثرياء، كإزالة بقع الدم عن الفراء الأصلي، أو كيفية تلميع مفاتيح البيانو باستخدام بودرة الحليب، أو كيفية إصلاح ثقوب الطعنات في ثياب النوم والقبعات، والسيطرة على فكرة عدم الانهيار قبل نفاد الوقود والموت في منتصف السرد.
يتعامل بولانيك مع الدين كفكرة ووسيلة يتلاعب بها الأشخاص المتمكنون في السلطة، وإسقاطها على شخصيات هشّة، وتلقينهم أدوارهم دون حرية الاختيار، ذلك عن طريق الدعاية أو التسويق أو عن طريق الإرهاب العقلي والجسدي منذ الصغر.
لم يبعتد في بعض فصول الرواية عن أسلوب روايته المشهورة “نادي القتال” خصوصاً في تركيبة الشخصيّة النسائيّة “فرتيليتي” المرأة المتنبئة بحصول الكوارث في أحلامها قبل وقوعها، ذات مزاجية متقلبة، المشابهة في بعض تصرفاتها لشخصية “مارلا سينجر” في الجنون واللامبالاة، وتطويع نفس العناصر بطريقة السرد القصيرة والمكثفة، وإسقاطها في الروايتين بذات الموقع بين السرقة وتنظيف المنزل بالمواد السامة والعناية بالورود على المقابر وتفاصيل صنع الصابون من دهون مسروقة من عمليات تنحيف النساء الثريات وإعادة بيعها بأعلى أسعارها للأثرياء أنفسهم، إعادة تدوير تهكميّة.
عملت رواية “الناجي الأخير” على عنصر الانتقال المفاجئ في منتصفها، من التغيير في يوميات التندر المملّة المليئة بالواجبات في عمله كخادم، إلى نموذج يمثل آخر من تبقى من طائفته الانتحارية، تتسابق على استحواذه الشركات ووكلاء الأعمال في محاولة لصناعة نجم مشهور من لا شيء، طريقة لبيع الوهم وقبض ثمن كل ما ينطقه، صفقة مربحة من الكتب والرسائل وكتب الأدعية التي ستباع بآلاف النسخ بسبب قصته، وتأليف كتاب باسمه تحت عنوان “الأدعية الأكثر تداولاً”، منها: “دعاء الانتظار في إشارة المرور”، “دعاء فقدان الوزن”، “دعاء تخفيض ضوضاء القطارات”، “دعاء إسكات أجهزة إنذار السيارات”، “دعاء إسكات الكلاب النابحة”، أدعية بالدولارات بلا نهاية. حسب الرغبة. تبسيط صغير عن هوس الرمز وتقديسه، عن كيفية صناعته وترويجه، عن الشهرة، وفقدان الوجود، عن الحياة، والموت.
ما يميّز روايات بولانيك، المنحنيات الكثيرة المتحركة بكارثية، مسببة التشوش والرغبة في المتابعة والابتعاد بذات اللحظة. تعكس كتاباته رغبته الواضحة في الخروج عن التسلسل الكلاسيكي للرواية كما هو شائع. تبدأ الفصول بحدث لا تستطيع إيجاد بدايته، ويراودك الشك بأنك قد فوتّ جملة أثناء القراءة، ثم تصاب بإدمان التوغل في تتبع السرد أكثر، لتكتمل الصورة بشكل أوضح مع التعمق في النص، وكأنه يريد إصابة القارئ بالإرباك، ثم إعطائه حرية إكمال ما هو ناقص باستخدام أفكاره الخاصة، محفزاً المخيّلة بشكل مستفز وسط آرائه الفوضوية، فلا يمكن للقارئ أن يحدد موقفا وسطيا من الرواية، إما أن يقع في فخ الإدمان المفرط أو أن يبغض ما يقرأ بشكل منفّر، فالتطرف أسلوب مهيمن لدى بولانيك.

ــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: العرب اللندنية، 27 يونيو 2015، العدد 9961.