‏إظهار الرسائل ذات التسميات جوناثان فرانزن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جوناثان فرانزن. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 8 يوليو 2016

عمرو خيري يترجم روح العصر في رواية (التصحيحات) بسلسلة الجوائز



24 يناير 2014


أعلنت الروائية والمترجمة د. سهير المصادفة، رئيس تحرير سلسلة الجوائز، إن السلسلة التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ستظهر في شكل جديد يوازي ما حققته من نجاح المحتوى لدى القراء مما شجع دور النشر الأجنبية والمؤلفين على التعاقد مع سلسلة الجوائز. السلسلة في شكلها الجديد من تصميم الفنانة هند سمير. من بين الأعمال الجديدة التي تظهر بمعرض الكتاب رواية (التصحيحات) لكاتبها جوناثان فرانزن ومترجمها البارع عمرو خيري. هنا (آسيا إن) تقدم – حصريا – مقدمة المترجم عمرو خيري لهذا العمل الهام:




حازت هذه الرواية على جائزة الكتاب الوطنية الأمريكية لعام 2001، ورُشحت لجوائز أخرى مهمة منها جائزة النقاد الوطنية للأدب وجائزة بوليتزر وجائزة فوكنر. ثم سرعان ما وُضعت الرواية على قائمة أفضل مائة رواية صدرت باللغة الإنجليزية بين عاميّ 1923 و2005 التي أعدتها مجلة تايم الأمريكية. وفي عام 2006 قال عنها الكاتب الأمريكي بريت إيستون إليس إنها “واحدة من أعظم ثلاث روايات كتبها جيلي”. وفي عام 2009 كلفت مجلة أدبية أمريكية مجموعة نقاد وكُتاب وصحفيين بالتصويت على أفضل رواية صدرت في العقد الأول من الألفية، فاستقر قرارهم على “التصحيحات” بفارق كبير عن باقي الأعمال. هذه الرواية – أو هي خمس روايات متشابكة – تمثل ما يُسمى أحياناً في الولايات المتحدة: “الرواية الأمريكية الكبرى”، أي الرواية التي تعبر لحظة كتابتها عن “روح العصر” في الولايات المتحدة بقدر كافٍ من التفصيل، فتقدم صورة واضحة عن أحوال المجتمع ولغته واهتماماته وثقافته ورؤية المواطن الأمريكي العادي للحياة بشكل عام. نُحت هذا المصطلح في القرن السابع عشر، في محاولة من المثقف الأمريكي لتحديد هويته الأدبية، فكانت توصف بهذا الوصف الأعمال التي تعتبر قوية بما يكفي لمنافسة الأدب الإنجليزي، قبل الاستقرار على ما هو “أدب أمريكي”. كانت إذن مرتبطة بالقومية الأمريكية وهوية المجتمع الأمريكي، لكن في الاستخدام الحديث لهذا المصطلح فهو وصف لكل رواية معبرة أفضل التعبير عن حالة الأدب الأمريكي في أي عصر من العصور. ما أقرب هذه الحالة الأدبيةإذن إلى ثلاثية نجيب محفوظ مثلاً في تعبيرها عن أحوال المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين. تنبع أهمية الرواية من أنها نجحت إلى حد بعيد في التوفيق بين المقولات الما بعد حداثية للأدب والرواية الواقعية كما اتُفق عليها. هناك جملة في متن الرواية تعبر عن الحالة الأدبية التي تقدمها، في وصف لمكان محوري، هو مطعم جديد ومختلف تعمل فيه واحدة من شخصيات الرواية المركزية: “فقاعة برّاقة من الحداثة مستقرة وسط مبنى صناعي أثري من عهد الثورة الصناعية الغابر”. من ثم فقد يرى القارئ في كتابة جوناثان فرانزن أصداءً من “تشارلز ديكنز” و”ديستويفسكي” و”دون ديليلو” و”فيليب روث” و”بورخيس”، بل وربما أديبنا الكبير “فتحي غانم” بالنسبة للقارئ العربي. هو كاتب مختلف تمكن من تقديم أعمال تستوعب تماماً خصوصية عصره وإيقاعه، دون التعالي على الرصيد الإبداعي السابق عليه. أصدر جوناثان فرانزن قبل التصحيحات روايتين، هما “المدينة السابعة والعشرون” و”حركة قوية”، في الأولى – الصادرة عام 1988 – تناول سقوط مدينته مسقط رأسه سان لويس من كونها المدينة الرابعة على مستوى الولايات المتحدة في سبعينيات القرن التاسع عشر، إلى السابعة والعشرين في ثمانينات القرن العشرين. قدمته هذه الرواية الأولى أفضل تقديم بصفته أديباً بدأ يشق لنفسه طريقاً. وقد وصفها في حديث له بأنها “حديث مع الشخصيات القابلة لأن تُنحت أدبياً من جيل أبي، الما بعد حداثيين من جيل الستينيات والسبعينيات”. ووصف نفسه أثناء كتابة تلك الرواية فيما بعد قائلاً: “كنت فتى نحيفاً خائفاً أحاول كتابة رواية ضخمة. كنت أرتدي قناعاً من الخطابة شديدة الحصافة والأناقةوالإلمام بالتفاصيل، أحاول تمثل صورة روائي في سن الكهولة”. أما “حركة قوية” الصادرة عام 1992 فتتناول أسرة تعاني من مشكلات كثيرة، وقال عنها: “تخيلت حيوات إستاتيكية جامدة تتعرض لهزات أرضية. تخيلت مشاهد عنيفة تعري القشرة الجامدة، يظهر تحتها الغضب والاتهامات الأخلاقية المتبادلة”. وقال في حديث آخر: “هي رواية “نُظم”.. نظم العلم والدين بالأساس، نظامان متناقضان تكتشف منهما حقيقة العالم”.

لم تنجح الرواية على الصعيد النقدي أو الجماهيري لدى طباعتها وبعد “التصحيحات” بتسعة أعوام، أصدر فرانزن روايته الأخيرة “حرية” في عام 2010، فأصبح الأديب الأمريكي الأول الذي يظهر على غلاف مجلة تايم منذ عام 2000، وكان مانشيت المجلة تحت صورته هو “الكاتب الأمريكي العظيم”؛ إشارة إلى أنه صاحب “الرواية الأمريكية الكبرى”. في التصحيحات، يتأكد للقارئ أخيراً ظنه في التيار الأساسي الكامن للرواية، تحت كل التفاصيل، في مطلع الفصل الأخير: “التصحيحات.. عندما جاءت أخيراً، لم تكن انفجار فقاعة بين ليلة وضحاها، بل انهيار أنعم بكثير، تسرُّب استغرق عاماً للقيمة من الأسواق المالية المهمة، تناقضات تدريجية للغاية لدرجة أنها أدت لظهور عناوين ومانشيتات كثيرة في الصحف وكان يسهل التنبؤ بالانفجار لدرجة أنه لا يمكن أن يؤلم أحداً غير الحمقى والشغيلة الفقراء”.. في إشارة إلى انتهاء فترة الازدهار الاقتصادي في التسعينيات في الولايات المتحدة مع بداية الألفية الجديدة. غير أن الرواية لم تتناول أزمة السوق الحرة بشكل مباشر وصريح إلا مع شخصية مركزية واحدة، هي”شيب” – أستاذ النقد الأدبي – في حوار مُطوّل مع سياسي سابق من ليتوانيا، عن العولمة الاقتصادية واشتراطات صندوق النقد الدولي التي أفلست دولة من دول البلطيق إثر انهيار الاتحاد السوفيتي: “الاختلاف الأساسي بين أمريكا وليتوانيا كما يرى شيب هو أن في أمريكا تُخضع القلة الثرية غير الأثرياء الكثيرين بواسطة تخدير العقل وأساليب التسلية والترفيه القاتلة للروح والعقاقير الطبية، بينما في ليتوانيا يُخضع الأثرياء الفقراء الكثيرين بالتهديد بالعنف”. كل شخصيات الرواية تمر بتصحيحات، هي لحظة تنوّر مفاجئة أو تدريجية، لحظة إدراك لحقيقة الحياة، تداهم أفراداً يعانون من أعراض خداع النفس أو إنكار الواقع، وهي بدورها من أعراض الحياة الأمريكية كما نعرفها. أما الشخصية الوحيدة التي تفشل في إدراك التصحيحات الضرورية فإنها تسقط مع سقوط سوق الأسهم ومع الانهيار الاقتصادي الذي يشير إليه الفصل الأخير من الرواية. لون الرواية، أو بنيتها العميقة، هو تحول أمريكا من الاقتصاد الصناعي إلى الاقتصاد المستند بالأساس إلى تبادل الأوراق المالية وقطاع الخدمات والتكنولوجيا. فألفريد مهندس السكة الحديد التقليدي الذي يشعر بولاء كبير لشركته التي أفقرته بعد أن اشتراها مستثمر سرّح الكثير من العمال، يمثل النظام الاقتصادي القديم لأمريكا أواسط القرن العشرين. وأولاده، طاهية ومدير بنك استثماري وأستاذ جامعي/مثقف وناقد بشكل عام، يمثلون النظام الاقتصادي الجديد مع بداية الألفية، هم بين التبعية له والتمرد عليه، وما يصاحب هذا وذاك من تحولات فردية. أما متن الرواية فهو عن الصراعات والتناقضات في أسرة تعاني من شيخوخة الأب ومشكلة حالة الاستهلاك الشره التي يعاني منها المجتمع الأمريكي. فلا توجد هنا علاقة إنسانية واحدة مُنزّهة عن التأثر بأمراض المجتمع، ولا ينجو أحد إلا عندما يتوصل لحل تكيفي أو جذري للتعامل مع تيار الحياة المادية العارم المسيطر على كل شيء.

 بالإضافة إلى الروايات، نشر فرانزن بعض المقالات المهمة في مجلات أدبية، منها “مانيفستو أدبي” نشره في مجلة هاربر عام 1996 تناول فيه دور الروائي في عالم الإعلام الحديث الذي يبدو أنه لم يعد بحاجة للرواية، فرفض اعتبار أن الهدف من كتابة رواية اجتماعية كبرى هو التركيز على القضايا والأفكار، وأعلن تفضيله لتناول حياة الشخصيات ومشاعرهم والغرق في التفاصيل. لكن يبدو أنه نجح في التوفيق بين الاتجاهين في “التصحيحات” التي قدمته للعالم بصفته “الكاتب الأمريكي الكبير”. وفي عام 2002 نشر فرانزن نقداً لروايات الكاتب الأمريكي الكبير ويليام جاديس، وتحدث عن كيف يرى بعض من قرأوا “التصحيحات” أنها رواية “نخبوية” في بعض أجزائها، وعرض لآرائه عن كيفية قراءة الأدب الصعب، فاقترح القياس على “نموذج التمثال/النحّات” حيث هدف الأدب هو الفن، بالإضافة إلى “نموذج العقد”، حيث هدف الأدب هو التسلية، واعتبر نفسه مراعياً للنموذجين على حد سواء. كما نشر في عام 2002 مجموعة مقالات “كيف تكون وحيداً” هي مجتمعة بمثابة اعتذار للقارئ، يعرض فيها علاقته غير المستقرة بمكانة الأدب من المجتمع المعاصر. كما يتناول آثار طفولته ومراهقتهعلى حياته الإبداعية، وقد تناول نفس هذه النقطة في كتاب بين المقال والمذكرات هو “مساحة الاضطراب” نشره عام 2006. 

كما ترجم جوناثان فرانزن مسرحية للكاتب المسرحي الألماني “فرانك ويديكايند” (1864 – 1918) بعنوان “الربيع يصحو” في 2007. وفي حديث له بعد نشرها قال إنه ترجمها لمسرح إحدى الجامعات في عام 1986 مقابل 50 دولاراً ثم استقرت في درج مكتبه عشرين عاماً بعد ذلك. وبعد عرض المسرحية في برودواي قال فرانزن إنه نشرها “لأنني كنت أعرف أنها ترجمة جيدة، أفضل من ترجمات كثيرة على الساحة”. كما نشر فرانزن مقالاً عن التليفونات المحمولة، والوجدان، وانحسار المساحات العامة، بعنوان “اتصلت لأقول لك إنني أحبك” في عام 2008. وفي 2012 نشر مجموعة مقالات بعنوان “بعيداً أكثر” شملتأفكاره عن التكنولوجيا وبعض الموضوعات الذاتية. وقيل عن المجموعة في صفحة الكتب بجريدة النيويورك تايمز: “يظهر من الكتاب سخاء فرانزن، وإنسانيته وحبه للأدب، وكذلك تفضيله للقضايا الأخلاقية المعقدة على ما هو وجداني. إنه الصراع من أجل أن تكون إنساناً حقيقياً في مواجهة النرجسية.. ترى هذا الصراع في كل صفحة من الصفحات. ليس هناك ما هو أفضل من هذا الكتاب لتقديم ضمير أحد كبار كتابنا المعاصرين”.


نهاية العالم «4» ميراث زوج العمة رحلة إلى أنتاركتيكا

جوناثان فرانزن – ترجمة: أحمد شافعي





مواعيد الوجبات على متن أوريون تجعلني في القلب من عقل مصحة «الجبل السحري»: الجري ثلاث مرات كل يوم إلى غرفة الطعام، تلك العزلة التنسكية عن العالم، والوجوه التي لا تتغير حول الموائد. وبدلا من فراو شتوهر التي يغيب عنها اسم إيروتيكا لبيتهوفن، هناك نصير دونالد ترامب وزوجته. هناك الزوجان السكيران المرحان. هناك جراحة العظام الهولندية، وزوجها الثاني جراح العظام، وابنتها جراحة العظام، وصديق ابنتها جراح العظام. وهناك الاثنان اللذان كانا يتسربان إلى مقدمة الصف كلما حان وقت ركوب قوارب الزودياك. وهناك الرجل الذي جلب معه ـ بتصريح خاص ـ معدات لاسلكي الهواة فقضى وقته طوال الرحلة في مكتبة السفينة محاولا الاتصال مع غيره من الهواة. وهناك الأستراليون الذين في أغلب الأوقات كانوا يجتنبون بقية الركاب.
في ثنايا أحاديث الموائد، كنت أسأل الناس عما جعلهم يذهبون إلى أنتاركتيكا. فعلمت أن كثيرين منهم مجرد متفانين في حب ليندبلاد. ومنهم من سمع أثناء وجودهم في رحلة أخرى لليندبلاد أن رحلة ليندبلاد إلى أنتاركتيكا هي أفضل رحلات ليندبلاد. وهناك ثنائي من طبيب وممرضة، بوب وجيجي، أحببتهما كثيرا، وقد جاءا احتفالا بالذكرى الخامسة والعشرين لزواجهما التي تحل بعد عام. ورجل آخر، هو كيميائي متقاعد، قال لي إنه اختار أنتاركتيكا لأنه استنفد ببساطة كل المزارات الأخرى في قائمة المقاصد المنتظرة التي أعدها. كنت سعيدا لأن أحدا لم يذكر الرغبة في رؤية أنتاركتيكا قبل أن تذوب. والمفاجأة أنه ـ على مدار الرحلة كلها تقريبا ـ لم ينطق أي من العاملين أو الركاب عبارة «التغير المناخي» على حد سمعي.
طبعا، كنت أهرب من كثير من المحاضرات التي تقام على متن السفينة. ولكي أثبت أنني مراقب طيور عتيد، كنت بحاجة إلى البقاء عاليا في المرصد. فمراقب الطيور العتيد هو الذي يقف طول الليل في الريح القارسة والرذاذ المالح محملقا في الضباب أو الإضاءة المبهرة على أمل أن تقع عيناه على شيء غير معتاد. وحتى حينما ينبئك حدسك بأنه ما من شيء في الأفق، لا يبقى من سبيل للتأكد إلا أن تنفق الساعات الطوال وأنت تفحص كل ذرة من حياة الطيور في الأفق، وكل طائر بريون أنتاركتيكي (وقد يكون البريون الصغير) يندفع وسط أمواج يتطابق لونها مع لونها، وكل نورس هائم (قد يكون نورسا ملكيا) يقرر ما إذا كان أثر السفينة جديرا بالاتباع، ومراقبة البحر تبعث في بعض الأحيان على الدوار، وغالبا ما تتسبب في البرود المجمدة، وبصورة شبه دائمة تكون مملة كأنها العقوبة. وبعدما تراكمت لي ثلاثون ساعة من المراقبة، وتعرفت على طائر بحري ذي شأن ـ هو رمح الماء الكرجيوليني Kerguelen petrel ـ تراجعت وكرَّست نفسي لنشاط أكثر اجتماعية هو لعب البريدج.
اللاعبون الآخرون هم ديانا ونانس وداك، وكلهم من سياتل، وكلهم أعضاء في نادي قراءة تبيَّن أن العديد من ركاب السفينة ينتمون إليه أيضا. وبجانب كريس وآدا أصبحوا جميعا أصدقائي. في واحدة من أولى الجولات التي لعبناها، رميت ورقة غبية، فإذا بديانا ـ وهي محامية مرعبة في قضايا الإفلاس، تسخر مني قائلة «تلك رمية شنيعة». فأحببت هذا منها. أحببت اللغة الناتئة على المائدة. وحينما كانت شريكتي في اللعب، نانسي، التي تمتلك وكالة شحن، تحرز أول فوز في الرحلة، واقترحت عليها سبلا أخرى للتقدم في اللعبة، صاحت بي «دعني ألعب ورقي ». وقالت لي إنها قالتها بمحبة. واللاعبة الثالثة، جاك، وهي الأخرى محامية، قالت لي إنها كتبت مسرحية عن عشاء عيد الشكر الذي حضرته لدى ديانا، وفي ثناياه توفي زوج ديانا العليل في سرير الغرفة العائلية. وكان لدى جاك الوشم الوحيد الذي رأيته لدى أيٍّ من ركاب السفينة.
وكما في «الجبل السحري»، كانت الأيام الأولى من الرحلة طويلة ومحفورة في الذاكرة، بينما كانت الأيام الأخيرة غائمة متسارعة المرور. فما كدت أحظى بلقاء الغالي مع عصافير جنوب جورجيا المعروفة بـ البيبيت (وهي طيور رائعة)، حتى فقدت اهتمامي بزيارة محطات التحويت المهجورة. حتى صوت داوج، في خامس أيامنا في جنوب جورجيا، بدا فيه الضجر وهو يقول «لذلك أعتقد أننا سنقوم بجولة أخرى في الزوارق». بدا أشبه بفلاديمير وإستروجان حينما يقرران في نهاية «جودو» (لصمويل بيكيت)، وبعد أن يستنفدا كل وسيلة أخرى لتشتيت نفسيهما ـ أن يلعبا الشجرة.
قرب نهاية اليوم الأخير في الرحلة، الذي قضيته كله تقريبا جالسا إلى مائدة البريدج، بينما تحوم حول السفينة بالخارج المئات من الطيور البحرية التي يحتمل أن تكون مثيرة للاهتمام، ذهبت إلى القاعة من أجل محاضرة عن التغير المناخي. كان المحاضر هو الأسترالي صاحب الطائرة الإلكترونية، واسمه آدم، وحضرها أقل من نصف عدد الركاب. تساءلت عما جعل ليندبلاد تؤخر مثل هذه المحاضرة المهمة إلى اليوم الأخير. التفسير الخيِّر هو أن ليندبلاد ـ التي تتباهى بما تتسم به من وعي بيئي ـ أرادت أن ترجعنا إلى بيوتنا ونحن متقدون حماسا لعمل المزيد حماية للروعة الطبيعية التي رأيناها.
ولكن افتتاحية المحاضرة التي ألقاها آدم اقترحت تفسيرات أخرى. قال «إن بطاقات تعليقات الركاب ليست المكان الذي يمكن أن نعلن فيه رأينا في التغير المناخي». وضحك بغير ارتياح وقال «لا تطلقوا النار على الرسول». ومضى فسأل كم واحدا منا يعتقد أن مناخ الأرض يتغير؟ فرفع كل من في القاعة أيديهم، وكم منا يعتقد أن النشاط البشري هو السبب فيه؟ ومن جديد ارتفعت أيدي أغلب الحاضرين، باستثناء نصيري دونالد ترامب، وباستثناء هاوي اللاسلكي. ومن آخر القاعة علا صوت كريس الهرم الحاد: «وماذا عن الناس الذين يعتقدون أنها ليست مسألة اعتقاد؟»
فقال آدم «سؤال ممتاز».
كانت محاضرته عبارة عن تكرار كريه لـ «حقيقة كريهة» متضمنة الرسم البياني الشهير لـ «عصا الهوكي» الذي يبين ارتفاع درجات الحرارة والخريطة الشهيرة لأمريكا وقد فقدت فلوريدا نتيجة لارتفاع مستوى البحر. ولكن الصورة التي رسمها آدم كانت أشد إعتاما حتى من الصورة التي رسمها آل جور، لأن درجة سخونة الكوكب تزداد على نحو لم يتوقعه حتى أكثر الناس تشاؤما قبل عشر سنين. أشار آدم إلى بداية سباق إديتارود الخالية من الجليد، والشتاء الحار المفاجئ الذي شهدته ألاسكا، وإمكانية خلو القطب الشمالي من الجليد بحلول صيف 2020. وأشار إلى أنه في حين كان يقال قبل عشر سنوات إن ثمانين في المائة من كتل أنتاركتيكا الثلجية تتقلص، فإن ما يتقلص منها الآن هو في ما يبدو مائة في المائة. ولكن أبشع ما في محاضرته هو قوله إن علماء المناخ، لكونهم علماء، لا بد أن يحصروا أنفسهم في حدود القول بأن لدينا درجة عالية من الاحتمالات الإحصائية. فهم حينما يضعون نماذج للسيناريوهات المناخية المستقبلية ويتنبأون بارتفاع درجات الحرارة العالمية، يكونون مرغمين على اختيار درجة الحرارة الدنيا التي يمكن الوصول إليها في أكثر من تسعين في المائة من جميع الحالات، بدلا من درجة الحرارة التي يتم الوصول إليها في السيناريو المتوسط. وهكذا، فإن العالمة التي تتنبأ مطمئنة بارتفاع في درجة الحرارة بنحو خمسة درجات (مئوية) بحول نهاية القرن قد تقول لك شخصيا، وأنتما تشربان معا، إنها تتوقع زيادة تصل إلى تسع درجات.
عندما فكرت بالفهرنهايت ـ فرأيت أمامي ست عشرة درجة ـ حزنت أشد الحزن على البطاريق. ثم حدث، مثلما يحدث في نقاشات التغير المناخي، عندما ينتقل الكلام من التشخيص إلى العلاج، أن تحولت العتمة إلى حلكة دامسة، وكوميديا سوداء. جالسين في قاعة سفينة تحرق ثلاثة جالونات ونصف من الوقود كل دقيقة، مضينا نستمع إلى آدم وهو يمجد منافع التسوق من أسواق المزارعين وتغيير مصابيحنا المتوهجة واستعمال مصابيح «إل إي دي». كما قال أيضا إن تعليم النساء في العالم سوف يقلل من معدل الإنجاب العالمي، وإن تخليص العالم من الحرب سوف يوفر من المال ما يكفي لتغيير الاقتصاد العالمي ونقله إلى الطاقة المتجددة. ثم سمح بالأسئلة والتعليقات. لم يكن المتشككون في التغير المناخي مهتمين بالجدال، ولكن أحد المؤمنين قام وقال إنه يدير الكثير من الأملاك العقارية السكنية، وقال إنه لاحظ أن سكانه المدعومين فيدراليا دائما ما يجعلون بيوتهم دافئة أكثر ما ينبغي في الشتاء وباردة أكثر مما ينبغي في الصيف، لأنهم لا يدفعون فواتيرهم بأنفسهم، وقال إن من سبل محاربة التغير المناخي أن يدفع هؤلاء الناس فواتيرهم. وردًّا على هذا قالت امرأة «أعتقد أن مفرطي الثراء يهدرون أكثر من قاطني المساكن المدعومة». وتوقف النقاش بعد هذا مباشرة، فقد كانت لدينا جميعا حقائب لا بد من حزمها.
في السادسة صباحا، امتلأت القاعة من جديد، واحتشدت هذه المرة بالركاب، من أجل ذروة الرحلة: عرض الصور الذي شارك فيه كل راكب بأفضل ثلاث صور أو أربع التقطها. اعتذر مشرف التصوير مسبقا لكل من لا تعجبه الأغنيات التي اختارها لمصاحبة الصور. من المؤكد أن الموسيقى لم تكن ذات نفع ـ فهي أغنيات «Here Comes the Sun» و«Build Me Up Buttercup». لكن العرض كله كان محبطا. فقد وجدت فيه حس التهوين الذي طالما أستشعره في ثقافتنا القائمة على الصورة: فمهما تكن براعة اقتطاعك الحياة في سلسلة من الصور الفوتوغرافية، ومهما تكن دقة توقيت عرض الصور، فإن ما تنتهي الصور كل مرة إلى نقله لي على أقوى نحو ممكن هو ما تغفله. كما كان واضحا ومؤسفا أن ثلاثة أسابيع من إرشادات ناشيونال جيوغرافيك لم تثمر طزاجة ناشيونال جيوغرافيك البصرية. وكان التأثير التراكمي تفاؤليا بصورة مؤلمة. كان غرض العرض المصور أن يقبض على إحساس المغامرة التي قمنا بها كفريق، مثل فريق شاكلتن ورجاله. ولكن الأمر خلا من شهور شتاء أنتاركتيكا الطويل، ومن الاشتراك في تناول لحم الفقمة. كانت العلاقة الرأسية بين ليندبلاد وزبائنها تصر بشدة على التشجيع على إقامة الروابط الأفقية. فجاء عرض الصور كأنه إعلان عن ليندبلاد ولكنه إعلان هواة. وجاء سياقه التفاؤلي ليفسد حتى الصور التي كان ينبغي أن تكون مهمة أهمية كل صور الهواة: لتسجيلها وجوه من نحبهم. عندما عرض عليّ أخي سرا صورة التقطها لكريس وآدا وهما جالسان في قارب زودياك (وكريس عاجز عن المحافظة على وجه غاضب، بينما آدا مبتسمة ابتسامة صريحة)، رأيت في الصورة سعادتي بالعثور على هذين الشخصين في السفينة. كانت الصورة ضاجة بالمعنى، بالنسبة لي. مجرد نشرها على موقع ليندبلاد الإلكتروني كفيل بانهيار معناها إلى صورة للدعاية.
فماذا كان مغزى الذهاب إلى أنتاركتيكا؟ في ما يخصني، تبيّن أن المغزى كان يتثمل في معايشة البطاريق، والامتلاء بالمناظر، وتكوين صداقات جديدة، وإضافة واحد وثلاثين نوعا من الطيور إلى قائمتي، والاحتفاء بذكرى عمي. فهل كان هذا ليبرر النقود التي أنفقت، والكربون الذي أحرق؟ أنتم تقولون لي. ولكن عرض الصور قدم نوعا من الخدمة غير المباشرة، بلفته نظري إلى الدقائق غير المصورة التي عشتها في الرحلة ـ كم كان خيرا لي أن أكون ضجرا متجمدا من البرد من أن أكون ميتا. وظهرت خدمة ذات صلة في الصباح التالي، بعدما رست السفينة في أوشوايا Ushuaia وخرجت أنا وتوم نهيم في الشوارع كيف نشاء. إذ اكتشفت أن ثلاثة أسابيع من النظر في أوريون إلى نفس الوجوه كل يوم، جعلتني أشد تقبلا لأي وجه لم يكن على السفينة، لا سيما الوجوه الأصغر سنا. شعرت بالرغبة في احتضان كل شاب أرجنتيني رأيته.
صحيح أن العمل الوحيد الأكثر فعالية الذي يمكن أن يقوم به أغلب البشر ـ لا لمحاربة التغير المناخي وحده بل للحفاظ على عالم التنوع البيولوجي، هو عدم إنجاب أطفال. لكن قد يكون صحيحا أيضا أن لا شيء يوقف منطق الأولوية البشرية: لو أن البشر بحاجة إلى اللحم وثمة كريل متاح، فليؤخذ الكريل. بل قد يكون صحيحا أن البطاريق ـ في شبههم بالأطفال ـ يمثلون الجسر الواعد بطريقة أفضل في التفكير في السلالات المهددة بالانقراض بسبب المنطق البشري: هم أيضا أطفال لنا. هم أيضا بحاجة إلى رعايتنا.
ويبقى أن تخيل عالم بلا شباب هو تخيل العيش في سفينة ليندبلاد إلى الأبد. لقد كانت لي أم بالمعمودية عاشت حياة كتلك، بعدما قتلت ابنتها الوحيدة. أتذكر الابتسامة نصف المجنونة التي كانت ترتسم على وجهها وهي تعطيني بقيمة دولار من آنيتها الخزفية. ولكن فران كان فيها جنون حتى قبل موت جيل، كانت مهووسة بالنسخة البيولوجية من نفسها. لا شك أن الحياة نفيسة، ولا شك أنك قد تحطمها إن أنت قبضت عليها بقدر أكبر مما ينبغي من القوة، ولكن بوسعك أن تحبها مثلما أحبها أبي بالمعمودية. والت فقد ابنته، ورفاقه في الحرب، وزوجته، وأمي، ولكنه لم يتوقف لحظة عن الارتجال. أراه على البيانو في جنوب فلوريدا، أرى ابتسامته وهو يضرب على البيانو نغمات عروض قديمة، بينما جاراته الأرامل يرقصن. وحتى في عالم الاحتضار، يولد دائما حب جديد.

عن ذي نيويوركر

ــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : http://omandaily.om/?p=356321

للمرة الأولى منذ عشر سنوات: روائي على غلاف «التايم» جوناثان فرانزن يعيد الألق إلى «الرواية الأدبية» الأميركية

ترجمة وإعداد: فوزي محيدلي


في آب الحالي وللمرة الأولى منذ عقد من السنين، تحتل صورة اديب بل روائي اميركي غلاف مجلة «تايم» الشهيرة في حزيران الماضي نشر الناقد الأميركي الكبير لي سيغيل مقالة في «النيويورك اوبزرفر» بعنوان» أين ذهب الروائيون الكبار من أمثال نورمان مايلر؟» معلناً بالتالي موت الرواية الأدبية الاميركية. وهكذا شكل ظهور جوناثان فرانزن على غلاف «التايم» حدثاً أدبياً كبيراً.

لقد حن الأميركيون الى الرواية الأدبية الأميركية التي اعطاها «الحرس القديم» أمثال فيليب روث، صول بيلو وجون ابرايك والتي احتلت المشهد الروائي الاميركي منذ 1950 حتى 2000، تحت عنوان «روائي اميركي عظيم» جاء في «التايم»: «انه ليس الأغنى او الأكثر شهرة، شخصياته لا تجد حلاً للألغاز، أو تتميز بطاقات سحرية أو تعيش في المستقبل، لكن في روايته الجديدة يرينا جوناثان فرانزن الطريقة التي نعيش فيها الآن.. فرانزن فرد من جنس مهدد بالانقراض، الروائي الأدبي الاميركي». ثمة قلق على جانبي الأطلسي هذه الأيام بخصوص دور الأدب في الثقافة المعاصرة، ثمة الأشكال الجديدة من الترفيه أو التسلية المنافسة للرواية فضلا عن ذلك الانحسار في مبيع الأعمال الروائية، اضافة الى المدونات ووسائل التعبير الالكترونية. اذن، الأدب الجدي ومقدرة القراء الثقافية على تقديره باتا عرضة للتهديد.

من هنا يتقدم اسم فرانزن كروائي في الانكليزية يمتلك الطموح والموهبة ليجعل الرواية الأدبية ذات معنى ثانية، سواء كمركبة حاملة للترفيه الجماعي وكذلك كسجل جدي للأزمنة الحاضرة. ولقد نجح فرانزن بادئ الأمر عام 2001 عبر روايته «التصويبات» التي شكلت دراما عائلية لأكثر من جيل في ايحاد طريقة لمصالحة مطالب السرد القديم الطراز مع اسلوب ادراك الفرد لنفسه، فنالت تلك الرواية جائزة «الكتاب الوطني»، وسيصار الى تحويلها قريبا الى فيلم سينمائي.

واذا كانت رواية «تصويبات» قد شكلت ظاهرة في الأدب الأميركي فان رواية فرانزن الجديدة «حرية» لا تقل عنها شأنا وأهمية. فهذه الرواية التي تتعدى كما اختها الخمسمئة صفحة هي نسيبة قريبة جدا لـ «تصويبات» هي اقرب الى ملحمة اجتماعية واقعية لعائلة من الغرب الأوسط الأميركي تلتهمها الأفعى الشرهة للمجتمع المعاصر وفي حين سردت «تصويبات» قصة آل لامبرت ـ آرثر، انيدير وأولادهما الثلاثة، تحكي «حرية» قصة آل بيرغلاندر ـ ولنر وباتي وولديهما. وبدلا من التفكير بالثراء السريع عبر الفوضى القائمة في ليتوانيا وأبعد السوفيات في الرواية الأولى لدينا في الثانية نفس النزعة من طلب الشرط السريع عبر استغلال الحرب في العراق، وتزخر «حرية» كسابقتها بالتحليل النفسي والعلاقات خارج الزواج والكلام حول الرأسمالية والتكاثر السكاني.

لا شك ان هذا العمل بنظر البعض عملاً عبقرياً يذكر بسبب تحمس كل شخص لفرانزن ويذكر ايضا بالسحر الذي لا يمكن نكرانه للعمل حتى في يومنا هذا، في ايامنا الترقمية ـ أجل يذكر بالرواية الأدبية للايام الخوالي.

قلة من الروائيين ينافسون فرانزن في مهارة خلق الحياة في شخصياته، في مهارة ايهامنا لنؤمن ان مجموعة من انماط التصرف العصبي، أو حدث عقلي صرف تشكل واقعاً شخصا محسوسا يمكن ان نحبه، نتعاطف معه، نكرهه، أو نعجب به، وربما نلتقيه في دكان الحي، شخصياته مرسومة بعمق وكثافة حتى ان الحياة العقلية لكل منها مخططة حتى آخر ذرة ذهنية، مخترقة تلك العتبة الدقيقة التي تفصل بين الفن والواقع انها تلمس وترا لدى القارئ كما يفعل اصدقاؤه وجيرانه وتلامذة صفه وأحباؤه.

كما باقي روايات فرانزن، القليلة بأية حال، تسرد «حرية» العديد من القصص، ناشرة اياها على عقود عدة من السنين وفوق اكثر من قارة. تتبع الرواية صعود نجم مغني روك، تحسين جوار مدينة سقوط مأساوي لاحداهن في مهنة كرة السلة، والولادة المشوهة لمحمية طيور دولية. اما الدراما أو القصة الاساسية للرواية فهي عبارة عن قصة حب قديمة الطراز: العلاقة الصاخبة والانفعالية التي تربط حياة ولتر وباتي بيرغلاند. ولتر شخص محب للطبيعة يعمل كل جهده لكبح غضبه وتأمين ما يلزم لكل من حوله، أما باتي فلاعبة كرة سلة تؤذي ركبتها لتتحول الى ربة منزل، يقوم كل منها بسد ثغرات روحية لدى الآخر الى ان تتحول علاقتهما في النهاية الى معقدة جداً. تسمي باتي العلاقة «اضطراب مريع للقلب». ومع توالي أحداث الرواية نرى الألم من وجهات نظر مختلفة ـ من وجهة نظر ولتر، باتي، ابنهما جوي، وصديقهما ريتشارد. وكل تحول يضغط على القصة، جالباً اللوم، كاشفاً البواعث، ومعيداً تجسيد الشخصية النذلة كبطلة والبطلة كنذلة.

لناحية الأسلوب يعتمد فرانزن الدقة في توصيف التسويات المؤلمة للحياة في الكبر. ثمة نظام يفرضه على ادراك شخصياته المؤلم لأنفسهم، ويحضر عنده ايضا التسهيل الغريب لتخريب الذات وما يرافق ذلك من مراكمة لحظات عصابية ولن ننسى ايضا الميل الى ارتفاع جرعة النزعة الكوميدية. ولناحية الجمل، نرى ان بعضها مكتوب بمنتهى الحدب.

يبدو فرانزن مهتما بعمق بسعادة شخصياته. وقد يجد القارئ نفسه يتماهى مع شخصيات الكتاب، بل قد يفكر بأحداث جرت في حياة اصحابه، وحياته هو وينطبق على رؤية فرانزن ما قاله مرة ديفيد فوستر والاس حول السرد: «المادة الجيدة يمكن ان تجعل القراء يشعرون بأنهم اقل وحدة».

«حرية» رواية ذات نوعية اصيلة وحقيقية. يقول الروائي جيون داير «ليس عبثا ان احد شخصيات فرانزن تقرأ رواية «الحرب والسلم» فرانزن هو الأقرب لتولستوي معاصر: شخصيات من لحم ودم تمر بتحولات عميقة فيما تبقى امينة لشخصياتها الأساسية. لكن لا بد من التشديد على المعاصرة، لذا فان فرانزن مربوط باللحظة الحاضرة سواء على صعيد التفاصيل او القوى التاريخية التي تحددها. واقعاً، انه يقدم نسخة تقليدية من القص. والشيء الذي يسجل له هو مقدرته في الحفاظ على مستوى عال من الدقة والتشويق جملة اثر جملة».

ـــــــــــــــــ
المصدر : المستقبل اللبنانية، 22 آب 2010م، العدد 3748.
    

(التصحيحات) للأمريكي جوناثان فرانزن

تاريخ النشر :٤ أكتوبر ٢٠١٤
(أخبار الخليج)

«التصحيحات» هو عنوان الرواية الصادرة عن سلسلة الجوائز بهيئة الكتاب، لصاحبها جوناثان فرانزن، وترجمها إلى العربية عمرو خيري. وهي إحدى أشهر روايات الولايات المتحدة الأمريكية على مدى العقد الماضي، وتتبع سير شخصيات ينتمي معظمهم إلى المجتمع الأمريكي بكثير من لحظات التنوير التي تنتاب حياتهم وتغير مسارها.
الرواية يمكن التعامل معها على أنها 5 روايات متشابكة، تمثل ما يسمى أحيانا في أمريكا بالرواية «الأمريكية الكبرى»، أي الرواية التي تعبر لحظة كتابتها عن «روح العصر» في الولايات المتحدة، بقدر كاف من التفصيل، فتقدم صورة واضحة عن أحوال المجتمع ولغته واهتمامه وثقافته ورؤية المواطن الأمريكي العادي للحياة بشكل عام.
يقول المترجم: إن أهمية الرواية تنبع من أنها نجحت في التوفيق بين المقولات ما بعد حداثية للأدب والرواية الواقعية كما اتُفق عليها.
ويضيف: هناك جملة في متن الرواية تعبر عن الحالة الأدبية التي تقدمها، في وصف لمكان محوري، هو مطعم جديد ومختلف تعمل فيه واحدة من شخصيات الرواية المركزية: «فقاعة برّاقة من الحداثة مستقرة وسط مبنى صناعي أثري من عهد الثورة الصناعية الغابر». من ثم فقد يرى القارئ في كتابة جوناثان فرانزن أصداءً من «تشارلز ديكنز» و«ديستويفسكي» و«دون ديليلو» و«فيليب روث» و«بورخيس»، بل وربما أديبنا الكبير «فتحي غانم» بالنسبة للقارئ العربي. هو كاتب مختلف تمكن من تقديم أعمال تستوعب تماماً خصوصية عصره وإيقاعه، من دون التعالي على الرصيد الإبداعي السابق عليه.
الرواية - بحسب مترجمها - تتناول أزمة السوق الحرة بشكل غير مباشر، من خلال عدة حوارات في الرواية، بينها تلك التي تدور مع شخصية مركزية واحدة، هي «شيب» - أستاذ النقد الأدبي - في حوار مُطوّل مع سياسي سابق من ليتوانيا، عن العولمة الاقتصادية واشتراطات صندوق النقد الدولي التي أفلست دولة من دول البلطيق إثر انهيار الاتحاد السوفيتي: «الاختلاف الأساسي بين أمريكا وليتوانيا كما يرى شيب هو أن في أمريكا تُخضع القلة الثرية غير الأثرياء الكثيرين بواسطة تخدير العقل وأساليب التسلية والترفيه القاتلة للروح والعقاقير الطبية، بينما في ليتوانيا يُخضع الأثرياء الفقراء الكثيرين بالتهديد بالعنف».
حازت الرواية على جائزة الكتاب الوطنية الأمريكية لعام 2001، ورُشحت لجوائز أخرى مهمة منها جائزة النقاد الوطنية للأدب وجائزة بوليتزر وجائزة فوكنر. ثم سرعان ما وُضعت الرواية على قائمة أفضل مائة رواية صدرت باللغة الإنجليزية بين عاميّ 1923 و2005 التي أعدتها مجلة تايم الأمريكية. وفي عام 2006 قال عنها الكاتب الأمريكي بريت إيستون إليس إنها «واحدة من أعظم ثلاث روايات كتبها جيلي». وفي عام 2009 كلفت مجلة أدبية أمريكية مجموعة نقاد وكُتاب وصحفيين بالتصويت على أفضل رواية صدرت في العقد الأول من الألفية، فاستقر قرارهم على »التصحيحات» بفارق كبير عن باقي الأعمال.

«التصحيحات» لجوناثان فرانزن ... سوق سوداء

رانيا جابر


في رواية «التصحيحات» للأميركي جوناثان فرانزن، والصادرة حديثاً عن «سلسلة الجوائز»؛ الهيئة المصرية العامة للكتاب؛ بترجمة عمرو خيري، يتأكد ظن المتلقي -عند الجملة الأخيرة- في تيارها الأساسي الكامن تحت التفاصيل.

فنقرأ: «عندما جاءت أخيراً، لم تكن انفجار فقاعة بين ليلة وضحاها، بل انهياراً أعمَّ بكثير، تسرُّباً استغرق عاماً للقيمة من الأسواق المالية المهمة، تناقضات تدريجية للغاية لدرجة أنها أدت إلى ظهور عناوين ومانشيتات كثيرة في الصحف وكان يسهل التنبؤ بالانفجار لدرجة أنه لا يمكن أن يؤلم أحداً غير الحمقى والشغيلة الفقراء».

إنها بالقطع إشارة إلى انتهاء فترة الازدهار الاقتصادي في أميركا التسعينات وهجوم غول الرأسمالية مع بداية الألفية الجديدة، غير أن الرواية لم تتناول أزمة السوق الحرة في شكل مباشر وصريح إلا مع شخصية مركزية واحدة، هي «شيب» – أستاذ النقد الأدبي – في حوار مطوَّل مع سياسي سابق من ليتوانيا، عن العولمة الاقتصادية واشتراطات صندوق النقد الدولي التي أفلست إحدى دول البلطيق إثر انهيار الاتحاد السوفياتي. إن الاختلاف الأساسي بين أميركا وليتوانيا، كما يرى «شيب» هو أنه في أميركا تُخضع القلة الثرية غير الأثرياء الكثيرين بواسطة تخدير العقل وأساليب التسلية والترفيه القاتلة للروح والعقاقير الطبية، بينما في ليتوانيا فيُخضع الأثرياء الفقراء الكثيرين بالتهديد والعنف بأشكاله كافة.

إن شخصيات الرواية تمر بحال من التصحيحات، هي لحظة تنور وكشف مفاجئة أو تدريجية، لحظة إدراك حقيقة الحياة وكنهها، تداهم أفراداً يعانون من أعراض خداع النفس أو إنكار الواقع الفعلي، وهي بدورها تعد من أعراض الحياة الأميركية كما يعرفها الكثيرون.

لكن الشخصية الوحيدة التي تفشل في إدراك التصحيحات الضرورية، تسقط مع سقوط سوق الأسهم ومع الانهيار الاقتصادي الرهيب الذي يشير إليه الفصل الأخير من الرواية. فلون الرواية، أو بنيتها العميقة هو تحول أميركا من الاقتصاد الصناعي الصريح إلى الاقتصاد المستند بالأساس إلى تبادل الأوراق المالية وقطاع الخدمات والتكنولوجيا الجافة، والذي تحوَّل بالتدريج إلى سوق سوداء ابتلعت قيم المجتمع ومبادئه.

فـ «ألفريد»؛ مهندس السكة الحديد التقليدي الذي يشعر بولاء كبير لشركته التي أفقرته وألقت به في الشارع بعد أن اشتراها مستثمر كبير قام بتسريح الكثير من العمال، هو هنا يمثل النظام الاقتصادي القديم لأميركا أواسط القرن العشرين، وذلك في مواجهة شخصيات أخرى مثل أولاده، والطاهية، ومدير بنك استثماري، وأستاذ جامعي/ مثقف وناقد في شكل عام ممن يمثلون النظام الاقتصادي الجديد مع بداية الألفية. لكننا نجد في الوقت ذاته حيرة هؤلاء الأفراد بين التبعية لهذا النظام الجديد والتمرد عليه. هذا الانقسام نلمس من خلاله حالة من التحولات الفردية التي تسبب بدورها شروخاً نفسية عميقة داخل الشخصيات، ومن ثم في بنية المجتمع. أما متن الرواية، فيشتمل على تلك الصراعات والتناقضات داخل تلك الأسرة التي تعاني من شيخوخة الأب ومشكلة حالة الاستهلاك الشره التي يعاني منها المجتمع الأميركي.

فلا توجد هنا علاقة إنسانية واحدة مُنزهة عن التأثر بأمراض وعاهات المجتمع، ولا ينجو أحد إلا عندما يتوصل إلى حل تكيفي أو جذري للتعامل مع تيار الحياة المادية العارم المسيطر على كل شيء.

إن شخصيات الرواية تستميت من أجل الخروج من المستنقع المتمثل في ذلك النظام الرأسمالي المتوحش للدرجة التي تجعلها تضحي بالأشياء الحميمة لديها. فالبطل؛ «كان قد باع مجموعة كتبه عن النظرية النسوية، ونظرية البنيوية وما بعد البنيوية والفرويدية، ونظرية المثلية الجنسية لجمع النقود اللازمة للغداء مع والديه. أصبح كل ما تبقى له هو كتب التاريخ الثقافي المحبَّبة إلى قلبه، وسلسلة شكسبير الكاملة طبعة أردين، ولأن ثمة سحراً ما في كتب شكسبير – مجموعة الكتب الأنيقة في أغلفتها الزرقاء الشاحبة يكمن فيها إحساس بالملاذ الآمن – حشر كتب فوكو وجرينبلات وهوكس وبوفي، في حقائب شحن وباعها جميعاً مقابل 115 دولاراً».

تنطوي هذه الرواية على خمس روايات متشابهة تمثل ما يسمى أحياناً «الرواية الأميركية الكبرى»، أي تلك التي تعبر لحظة كتابتها عن روح العصر لمجتمعها في شكل تفصيلي ودقيق، حيث إنها تقدم عرضاً شاملاً عن أحوال المجتمع ولغته واهتماماته وثقافته ورؤية المواطن العادي للحياة في شكل عام، لا سيما ما يختص بالجانب الاقتصادي حيث تحول الاقتصاد الأميركي في هذه الفترة إلى سوق سوداء كبيرة ومخيفة.

تنبع أهمية هذه الرواية من كونها نجحت إلى حد بعيد في التوفيق بين المقولات المابعد حداثية للأدب والرواية الواقعية العالمية، كما اتفق عليها معظم النقاد الحداثيين. لكنها في الوقت نفسه لم تتخل عن أصالة الرواية التقليدية الكلاسيكية الرصينة، لذا فسيرى القارئ في رواية «التصحيحات»، بل وفي كل كتابات جوناثان الروائية، أصداء من تشارلز ديكينز وديستويفسكي وبورخيس، وكذلك نجيب محفوظ ولا سيما في ما يتعلق بثلاثيته التي صوَّر فيها أحوال المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة اللندنية ، 31مايو 2016م.

جوناثان فرانزن‮: ‬يجب أن نكون ساخرين وغاضبين

ترجمة: مرفت عمارة


في حوار طويل مع جوناثان فرانزين بمناسبة عيد ميلاده في‮ ‬17‮ ‬أغسطس وصدور روايته الجديدة‮ "‬نقاء‮"‬،‮ ‬أبدي شعوره بالاستياء من الجميع بداية من أوبرا وينفري ومرورًا بمحبي الطيور وحتي نظرة الأديبات للتفرقة بين الجنسين‮. ‬حفلت روايته الأخيرة بانحيازه للنساء،‮ ‬وتدور بعض أحداثها في سانت كروز بكاليفورنيا،‮ ‬حيث‮ ‬يعيش مع‮ ‬رفيقه حياته كاثي،‮ ‬بمنزله الذي‮ ‬يتخذ شكل الهلال،‮ ‬عند أطراف منطقة سكنية بالضواحي تطل علي محمية أشجار خشبية علي الجانب الآخر من المحيط الهادئ‮. ‬فرانزن‮ ‬أحد الروائيين الأمريكيين القلائل الذين‮ ‬يطل منزلهم من ثلاثة اتجاهات علي جيرانه،‮ ‬يقول‮: "‬تبة فيليب روث العالية في كونيتيكت ليست كذلك،‮ ‬علي أي حال أحظي برؤية جيدة من أعلي السطح‮ "‬الروائي‮ ‬يطمح في مراقبة الطيور،‮ ‬وتكاليف الصيانة العامة تسمح له بفترة سماح خمس سنوات قبل تسليم رواية جديدة‮".‬
هناك سؤال‮ ‬يشكل عنصرا أساسيا عند الكتابة،‮ ‬وكذلك عند الترويج للرواية،‮ ‬وهو أحد الأسئلة التي ناضل فرانزن كثيرا للإجابة عليها،‮ ‬ويتعلق بكيفية احتفاظه بشبابه وهو في الخامسة والخمسين،‮ ‬بينما هو أيضا أحد الذين تنتابهم حالة عصبية من حين إلي آخر،‮ ‬وفي آخر اختبار للقيادة حصل علي درجة عالية في مقياس القابلية للغضب‮. ‬
يعلق فرانزن‮: ‬كانت هناك‮ ‬11‮ ‬علامة إنذار تدل علي احتمال تعرضي لغضب الطريق،‮ ‬حصلت علي تسعه منها‮"‬،‮ ‬سمعته في المعارك التي‮ ‬يخوضها سواء التي‮ ‬يختارها أو المفروضة عليه،‮ ‬مثلما‮ ‬يحدث عند مناقشة جودة أدبه،‮ ‬إنه‮ ‬يغضب الناس بصورة‮ ‬غير عادية،‮ ‬ربما‮ ‬يبدو ذلك شيئا مطمئنا كروائي،‮ ‬نظرا للنقاش الدائم حول ملاءمته لهذا الدور،‮ ‬إلا أنه‮ ‬أكسبه الازدراء عبر سنوات من‮ ‬مستخدمي التواصل الاجتماعي،‮ ‬والداعين للحفاظ علي البيئة،‮ ‬وبعض شرائح المؤيدين للمساواة بين الجنسين،‮ ‬والروائيين الأقل مرتبة منه،‮ ‬ومراجعي الكتب الأساسيين في نيويورك تايمز،‮ ‬ومحبي أوبرا وينفري‮.‬
يقول فرانزين إن ذلك‮ ‬يشعره بـ"الألم والخجل‮" ‬أن‮ ‬يصبح هدفا لمثل هذا الغضب،‮ ‬إلا انه أيضا‮ ‬غير نادم،‮ "‬فلا‮ ‬يلبث أن‮ ‬يموت أحد النقاشات حتي‮ ‬يبدأ آخر‮"‬،‮ ‬آخرها كان في أعقاب مقال طويل كتبه في النيويوركر في أبريل الماضي،‮ ‬أشار فيه إلي أنه خلافا لبحث نشرته مؤسسة خيرية للحفاظ علي الطيور‮ "‬جمعية أودبون الوطنية‮" ‬تؤكد فيه أن التغيرات المناخية لا تشكل تهديدا لرعاية الطيور،‮ ‬قال إن هناك تهديدات أكثر إلحاحا مثل الصيد،‮ ‬واصطدام الطيور بالزجاج الأمامي للسيارات،‮ ‬فاتهمه المجتمع‮" ‬بخيانة الأمانة الفكرية‮"‬،‮ ‬إلا أن ذلك كان ربما تجربة مرضية إلي حد بائس،‮ ‬ساعدته علي التنبؤ بموضوع روايته القادمة،‮ ‬يقول‮:"‬كنت خجولا من روايتي‮ "‬التصحيحات‮"‬،‮ ‬محرجا من استمرار اهتمامي بالأسرة،‮ "‬نقاء‮" ‬تتناول حكاية فتاة في بداية العشرينيات تدعي بيب،‮ ‬وشخصية أخري أندرياز وولف،‮ ‬علي شاكلة جوليان أسانج،‮ ‬يدير منظمة منافسة لويكيلكس،‮ ‬أطلق عليها‮ "‬مشروع أشعة الشمس‮".‬
ثقافة الإنترنت،‮ ‬من بعض النواحي،‮ ‬المصدر الأساسي لإلهام فرانزن،‮ ‬الذي‮ ‬يبدو في أقوي حالاته حين‮ ‬يناقش الفجوة بين كيف نري أنفسنا وكيف‮ ‬يرانا الآخرون،‮ ‬الموجودة حاليا علي الإنترنت‮. ‬لكنها حالة‮ ‬غريبة،‮ ‬رواية عن التكنولوجيا من شخص‮ ‬يعلن أنه لا‮ ‬يحب استخدامها،‮ ‬سنوات طويلة ظل فرانزن‮ ‬يتحدث عن التشويش ومنع اليو إس بي للمعلومات من دخول الكومبيوتر،‮ ‬ومؤخرا وبخ سلمان رشدي لإضاعته الوقت علي تويتر‮. ‬ذلك النفور جزئيا شيء جمالي‮- ‬الإيجاز الشديد لتويتر‮ ‬يزعج فرانزن‮- ‬وهو رد فعل جزئي حين أطلق عليه‮ "‬الشمولية‮" ‬لثقافة الإنترنت،‮ ‬حيث القصاص بواسطة الغوغاء‮ ‬يمكن أن‮ ‬يصبح ضخما وسريعا،‮ ‬ويحتوي معلومات خاطئة تؤدي للعنف‮.‬
ما‮ ‬يدعو للسخرية في كل ذلك أن فرانزن،‮ ‬ذلك الروائي الأبيض الذكر،‮ ‬الذي كثيرا ما‮ ‬يكيل الاتهامات للنخبة،‮ ‬في سياق هذا السيناريو‮ ‬يصبح مهضوم الحق،‮ ‬مضيفًا‮:"‬في مسألة شبكة الإنترنت،‮ ‬يمكنك تجاهله،‮ ‬أو التواطؤ معه،‮ ‬وفي كلتا الحالتين تكون متورطا في علاقة به،‮ ‬وتلك هي الشمولية‮". ‬وبالنسبة لوسائل التواصل الاجتماعي‮ ‬يقول‮:"‬تبدو مثل مضرب الحماية في لعبة الراكت،‮ ‬سوف‮ ‬يقتل سمعتك،‮ ‬إلا إذا شاركت في ذلك الشيء الذي في الأساس جزء من عمله قتل السمعة،‮ ‬لماذا كان علي تغذيته‮".‬
قراءة جوناثان بوجه عام مثل مراقبة نجم بيسبول،‮ ‬مع علم مسبق أن وراء تلك الانحناءة العشوائية موهبة لاعب مبدع وعشرة آلاف ساعة من التدريب‮. ‬نثر فرانزين جامد،‮ ‬ليس سريع الانفعال،‮ ‬يكاد‮ ‬يكون عقلانيا بشدة،‮ ‬مصنوع من جمل طويلة مخطط لها بدقة،‮ ‬مدججة بالسخرية المتأصلة في جذوره الكوميدية،‮ ‬علي عكس زميله ديفيد فوستر والاس،‮ ‬لم‮ ‬يكن أبدا متماشيا مع العصر ولم‮ ‬يكن طليعيا،‮ ‬فهو‮ ‬يأخذ كل شيء علي محمل الجد فيما‮ ‬يتعلق بأسلوب ما بعد الحداثة،‮ ‬كما لم‮ ‬يسقط بسهولة داخل حزمة‮ "‬الفئران الأدبية‮". ‬عن ذلك‮ ‬يقول‮: "‬أنظر إلي ماكيوان وإيميز وهيشنر كحزمة واحدة،‮ ‬ولا أعتقد أن تلك طريقة تلقي نجاحا كبيرا لدينا في الولايات المتحدة،‮ ‬وتلك ليست فجوة بين الأجيال،‮ ‬علي الأقل بالنسبة لتجربتي،‮ ‬ما‮ ‬يفرق الناس إلي حزم ليس العمر،‮ ‬إنما التذوق‮"‬
لفترة طويلة شعر فرانزن بغضب من النقص النسبي في تقدمه الأدبي منذ بلغ‮ ‬الأربعين،‮ ‬حيث استغرق عقدا من السنوات لكتابة روايتين هما‮ "‬المدينة السابعة والعشرين‮" ‬و"الحركة القوية‮" ‬وكلتاهما لاقت استحسانا من النقاد والقليل من البيع،‮ ‬فسحب نفسه بعيدا نحو كل ما لا‮ ‬يتعلق بالأدب،‮ ‬ليس لانهياره،‮ ‬ولكن لتقصير في الثقافة وصفه بـ"خيبة أمل‮" ‬في القراءة الأمريكية عموما،‮ ‬ذلك الموقف المبالغ‮ ‬فيه دعا الناقدة ميشيكو كاكوتاني إلي تسميته بالحمار في نيويورك تايمز‮. ‬فرانزين،‮ ‬مبتسما،‮ ‬عزا ذلك إلي أنه ربما‮ ‬يكون لا‮ ‬يطاق قليلا في بعض الأحيان،‮ ‬وكان رده علي ميشيكو أن‮ "‬ما قالته إساءة تعبير تفتقر روح الدعابة‮".‬
من المهم هنا الإشارة إلي خلفية فرانزن التي تعود إلي الغرب أوسطي،‮ ‬حيث نشأ في إحدي ضواحي سانت لويس بولاية ميسوري،‮ ‬وهي جزء من أمريكا،‮ ‬مع هوية إقليمية عميقة الجذور من التواضع،‮ ‬لذا‮ ‬غطرسة فرانزين بطريقة أو بأخري ادعاء إذا حقق نجاحا كما‮ ‬يقول‮:" ‬أصبح في إمكاني العودة إلي تواضعي الغرب أوسطي الأصيل‮"‬،‮ ‬خجله لا‮ ‬يعني أن‮ ‬يكون متغاضيا،‮ ‬لذا،‮ ‬يتألم ويصاب بالحيرة حين‮ ‬يسمع وصفه بأنه كاره للبشر قائلا‮:"‬أنا لا أكره الناس،‮ ‬أنا أحب الناس‮". ‬هناك سطر في‮ "‬نقاء‮" ‬ينطبق علي‮ ‬شخصية‮ "‬أنابيل‮" ‬قد‮ ‬يكون المؤلف فيها‮ ‬يعالج نفسه‮:"‬ظلت تنفر الناس بنظرية أخلاقية،‮ ‬وإحساسها بالسمو الذي كان في الغالب الشخصية السرية للخجل‮".‬
‮ ‬كل شيء تغير مع روايته‮ "‬التصحيحات‮" ‬التي تحكي حياة عائلة‮ "‬لامبرت‮" ‬و"أنيد‮" ‬وهما مقاتلان من المحاربين القدامي،‮ ‬وأولادهما الثلاثة المختلين،‮ ‬لتلك الأسرة الخيالية أوجه تشابه قوية مع عائلة فرانزن،‮ ‬والده مهندس في السكك الحديدية،‮ ‬ووالدته ربة منزل،‮ ‬بالرغم من انه‮ ‬يقول‮:"‬كلما اقتربت الكتابة من السيرة الذاتية،‮ ‬تصبح أقل التصاقا بالتجربة المعاشة فعليا،‮ ‬وتنحو تجاه معني البدء في الخروج من التجربة،‮ ‬لأن عندها تبدأ الاستفادة الفعلية من طبيعة الكاتب‮".‬
لم‮ ‬تراود فرانزن آمال عظيمة حول‮ "‬التصحيحات‮"‬،‮ ‬يقول‮: "‬ظننت أنني أكتب لجمهور قليل وكان علي وضع كل الأشياء التي كانت مخزية بحق‮. ‬من الصعب تصور الآن أنني كنت أخجل من تأليف كتاب،‮ ‬خجلا عميقا،‮ ‬خجل‮ ‬يعوقني عن كتابة أمنية أٌم أن تجتمع الأسرة في عيد الميلاد‮".‬
‮> ‬لأنك شعرت أنها قماشة صغيرة جدا‮.‬
كانت صغيرة،‮ ‬وكنت محرجا أنها جاءت من الغرب الأوسط البريء،‮ ‬وكنت محرجا أنني مازلت مهتما بالأسرة،‮ ‬وكانت هناك العديد من الأشياء الأخري،‮ ‬غرابة شخصية شيبسي،‮ ‬تنسحب علي مدي إحساسي بالغرابة،‮ ‬انت تكشف الأشياء المشينة لأشخاص‮.. ‬ذلك ما‮ ‬يدفعهم للجوء إلي الخيال،‮ ‬وسبب قراءتهم لكافكا،‮ ‬وديستويفسكي،‮ ‬لكنه جمهور قليل‮.‬
رواية‮ "‬التصحيحات‮" ‬المنشورة سنة‮ ‬2001‮ ‬حين كان في الثانية والأربعين من عمره باعت أكثر من ثلاثة ملايين نسخة،‮ ‬يقول‮: "‬ببساطة لم‮ ‬يعد ملائما أن أغضب‮".‬
العلاقات الجيدة صنعت من أجل روايات مملة،‮ ‬وعلي مدي الثلاث عشرة سنة السابقة عاش فرانزن مع‮ "‬كاترين شيتكوفيتش‮" ‬الكاتبة والمحررة التي أقنعها بالترحال معه لأربعة شهور بعد‮ "‬التصحيحات‮". ‬يعلق علي ذلك بقوله‮: "‬لم أشعر بالملل،‮ ‬انها تساعدني علي التفكير بشكل أفضل،‮ ‬وتعرف الكثير من الأشياء،‮ ‬ومن الصعب أن تفلت من جدال خادع في وجودها،‮ ‬ولا أعتقد أنني استطيع العيش مع شخص لا تربطني به صداقة فكرية،‮ ‬ربما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يحدث ذلك مع كلب‮"‬
في أواخر سنة‮ ‬2006‮ ‬بدأ فرانزن‮ ‬يشعر بشيء‮ ‬ينقصه في حياته،‮ ‬بينما كان‮ ‬يقترب من الأربعين من عمره،‮ ‬وأصبح ناجحا للغاية،‮ ‬وارتفع أجره،‮ ‬مع استقرار حياته الزوجية‮. ‬إلا ان ما‮ ‬ينقصه هو الوصول إلي الشباب،‮ ‬يقول‮:"‬أمضيت فترة وجيزة أتساءل إن كان‮ ‬ينبغي علي تبني طفلا،‮ ‬إلا أن هنري فيندر رئيس تحريري في‮ "‬النيويوركر‮" ‬شعر بالفزع من هذه الفكرة‮. ‬كنا نجلس في بار عندما قال‮: ‬أرجوك لا تفعل ذلك‮" ‬مكملا بسخرية‮: ‬ربما‮ ‬يمكننا استئجار بعض الصغار‮".‬
منذ عام تفحص فرانزن بشكل منتظم‮ ‬بعض الخريجين الجدد من جامعة بيركلي كجزء من دراسة،‮ ‬يقول‮: "‬كانوا أطفالا تخرجوا لتوهم من الجامعة،‮ ‬تعرف علي إحداهن وكتبت مقالا للنيويوركر حول تلك التجربة‮.‬
‮> ‬هل اقترابك من الشباب أزكي رغبتك في إنجاب طفل؟
‮- ‬اوه لقد كان شيئا مجنونا،‮ ‬فكرة أن نتبني كاتي وأنا‮ ‬يتيم من الحرب العراقية،‮ ‬استمرت ربما لستة أسابيع،‮ ‬وأمتعني هنري بأنها فكرة سيئة،‮ ‬وأحد الأشياء التي‮ ‬دفعتني لوضع هذا الموضوع‮ ‬في اعتباري شعوري بالاغتراب عن جيل الشباب الذي‮ ‬يبدو من الناحية السياسية ليس بالطريقة التي‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون عليها‮. ‬أعتقد من المفترض أن‮ ‬يكون الناس‮ ‬مثاليين وغاضبين‮. ‬

ــــــــــــــــــــــــ
المصدر : أخبار الأدب، 19/09/2015.


جوناثان فرانزن باسئلته المزعجة

لندن- مودي بيطار


يتطرّق جوناثان فرانزن الى ظروف الكتابة وعلاقتها بالقارئ والزواج في كتابه الأخير «أبعد وأبعد» الصادر في بريطانيا عن دار «فورث إستيت». يضمّ الكتاب بضعة مقالات يعالج في أحدها أربعة «أسئلة مزعجة» تُطرح غالباً على الكاتب. بمن تتأثر من الكتّاب؟ مما يضايقه أن السؤال يُطرح في صيغة الحاضر، وهو في هذه المرحلة من حياته يتأثّر غالباً بأعماله الماضية. لو كان لا يزال يكدح في ظلّ إ م فورستر مثلاً سيصعب عليه أن يتظاهر بالعكس. لن يدرك أيضاً درجة تأثره بالكاتب الإنكليزي خلافاً للناقد الشهير هارولد بلوم. يصحّ الحديث عن النفوذ الأدبي لدى الكتّاب الشباب الذين يحاولون تقليد مؤلفيهم المفضّلين في سعيهم الى تعلّم الكتابة. تأثّر الكاتب الأميركي وهو في الحادية والعشرين بكلايف ستابلز لويس وب ج وودهاوس وهربرت ماركوز وآيزاك أسيموف وخطيبته. اجتهد في تقليد إيقاع الجملة والحوار الكوميدي عند دون ديليلو، والنثر الحيوي لدى روبرت كوفر وتوماس بنشون.

«محاكمة» كافكا

كانت «المحاكمة» لفرانز كافكا، التي درسها على أفضل معلّم أدب عرفه قد فتحت عينيه على العظمة التي يستطيع الأدب بلوغها، وأثارت رغبته في تحقيقها بنفسه. يعلّمنا كافكا كيف نحب أنفسنا حتى حين نقسو عليها، وكيف نبقى إنسانيين في وجه أبشع الحقائق عنها. قصصه التي ترى الناس كما هم، وشخصياته المتعاطفة الملتبسة التي تخترق الحضارات والأجيال، هي ما يدفعنا الى قراءته حتى الآن. مشكلة التأثّر أنها تفترض الكاتب الشاب كتلة من الطين الرخو يترك عليها الكتّاب العظماء علامات لا تمحى. إحصاء كل الكتّاب الذين تعلّم منهم شيئاً يتطلّب ساعات، وعندما يعمل الآن يفكّر غالباً بـ «الإخوة كارامازوف» و«الرجل الذي أحبّ الأطفال» ولا يخطر له بتاتاً «يوليسيس» و«إلى المنارة». لماذا لم يتعلّم شيئاً من جيمس جويس وفرجينيا وولف مع أن كليها كاتب «قوي»؟

حين يكتب لا يرى نفسه حرفياً تأثر بآخر سبقه. يشعر أنه عضو في جماعة كبيرة افتراضية تجمعه بأعضائها الآخرين الذين رحل معظمهم علاقات دينامية. يرغب في أن يزداد القراء الذين يقدّرون مجد الكتّاب الروس في القرن التاسع عشر، ولا يبالي ما إذا كان القارئ يحب جويس أو لا. في عمله يرفض ما يكرهه: النزعة العاطفية، السرد الضعيف، النثر البالغ الغنائية، حب الذات، التلقين الواضح، التبسيط الأخلاقي، العداء للنساء و «الفتيش» المعلوماتي. في الواقع، قدر كبير من التأثير سلبي: لا يريد أن يكون هذا الكاتب أو ذاك.

قراءة الأدب وكتابته نوع من التعاطي الاجتماعي، الحديث والتنافس. يستحيل عليه تأليف رواية جديدة من دون أن يعثر أولاً على أصدقاء وأعداء جدد. لكي يبدأ بـ «التصحيحات» صادق كنزابوري أوي، بولا فوكس، هالدور لاكنيس وجين سمايلي. في «حرية» وجد حلفاء جدداً في ستندال، تولستوي وأليس مونرو. كان فيليب روث عدوه فترة، ثم بات صديقاً غير متوقع حديثاً. لا يزال يكره «رعوية أميركية» لكن «مسرح سابث» ألهمته بجرأتها وشراستها. شعر بالامتنان للمرة الأولى منذ زمن طويل حين قرأ المقطع الذي يتمدّد فيه مايكي سابث في المغطس وفي يده صورة ابنة صديقه المفضّل ولباسها الداخلي، وإذا بهذا يدهمه، وكذلك المشهد الذي يجد فيه كوب قهوة من ورق في جيب سترته العسكرية ويقرّر استخدامه في التسوّل في محطة القطار. المرح البدائي في الرواية تصحيح وتأنيب للنزعة العاطفية لدى كتّاب أميركيين شباب ونقاد أكبر سنّاً يبدو أنهم يرون، خلافاً لكافكا، أن الأدب يعني كونك لطيفاً.

السؤال الثاني يتعلّق بوقت الكتابة ووسيلتها، ويبدو له نابعاً من عدم وجود سؤال آخر. والسؤال الثالث الذي يزيد ضغطه عن «استلام» الشخصية سلطة الكاتب وإملائها ما عليه فعله. كان نابوكوف أفضل من أجاب عليه حين جعل إ م فورستر صاحب هذه الخرافة، وقال إنه يفرض على شخصياته العمل كعبيد السفن خلافاً للكاتب الإنكليزي الذي يتركها تبحر بسلاسة في طريقها الى الهند. تفترض الفكرة فقدان الكاتب إرادته وتخلياً عن غرضه، وربما عنى تسلّم الشخصية مهمّة الكاتب أنه يتبع حتمية ما حين يحدّد معالمها، وأن القصة التي تخيّلها في البداية لم تعد تتّفق مع هذه الملامح. قد ينوي لشخصية رجل أن يقتل صديقته ثم يكتشف أن حنانه أو وعيه بالذات يمنعه من ذلك. وقد تموت الشخصية على الصفحة إذا لم يصغ الكاتب الى صوتها.

انطباعات

رابع الأسئلة أكثرها عدائية. هل كتابتك ذاتية؟ لا يستطيع كاتب صادق الإجابة نفياً، مع ذلك يغريه الرد بـ «لا» لشعوره بأن السؤال يتحدى قوة خياله. كما لو كان الشخص يسأل: هل هذا عمل أدبي حقيقي أم نقل مموّه لحياتك؟ بما أن أحداث هذه الحياة تستنفد سريعاً فلن تُكتب إذاً أعمال جيدة بعدها. معظم الروايات غير ذاتية، وانطباع فرانزن أن «وداع السلاح» و«هدوء على الجبهة الغربية» و«فيييت» و«الرجل الذي أحبّ الأطفال» ذاتية لتشابه شخصية البطل والأحداث مع شخصية الكاتب وحياته. يقول الكاتب الأميركي إن رواياته لا تستند الى حياته، وإنه لم يكتب طوال ثلاثين عاماً سوى عشرين أو ثلاثين صفحة استُمدّت مباشرة منها. حاول الاستفادة أكثر مما حدث له، لكن الأمر لم ينجح لأن تلك الأحداث أحرجته أو بدت غير مثيرة للاهتمام أو متعلّقة بالقصة. في «التصحيحات» تحاول دنيز لامبرت، التي تشبهه كثيراً، تعليم والدها الخرِف بعض التمارين الرياضية ومعالجة تبليله الفراش بعدها. حدث ذلك حقاً له، وكذلك بعض ما حدث لتشيب لامبرت في المستشفى مع والده. كتب مذكرات قصيرة، «منطقة الإزعاج»، عن حياته، ولكن الرواية والقصة تبقيان ذاتيتين في أي حال لأنه يراهما صراعاً شخصياً وارتباطاً مباشراً وكاملاً مع حكاية الكاتب عن حياته. هذا المفهوم أخذه من كافكا الذي كرّس حياته ككاتب لوصف صراعه مع أسرته والنساء وتراثه اليهودي والقيم الأخلاقية...

ينبع أدب كافكا من أحلام الليل في دماغه، يقول فرانزن، وهو ذاتي أكثر من سرد أحداث النهار الواقعية في العمل، مع الأسرة أو بائعة هوى. ما هو الأدب في النهاية إن لم يكن نوعاً من الحلم الغائي؟ يعمل الكاتب على خلق حلم يتمتع بحيوية ومعنى لكي يستطيع القارئ أن يحلمه بحيوية ويختبر معناه. عمل كافكا الذي يبدو نابعاً مباشرة من الحلم هو شكل صافٍ من الكتابة عن الذات. ثمة تناقض هام هنا. كلما ازداد المحتوى الذاتي في عمل الكاتب قلّ الشبه السطحي بحياته. وكلما تعمّق في البحث عن المعنى عرقلت تفاصيل حياته العشوائية الحلم المتعمّد.

كيف انتقل فرانزن من الفشل الى النجاح؟ كان عليه أولاً التخلص من زواجه. تزوج في 1982 حين كان في الثالثة والعشرين، وهدف الى الكتابة طوال الحياة مع زوجته التي كانت نيويوركية متحذلقة وكان لا بد من أن تنجح قبله ربما. فوجئ كلاهما عندما فشلت في طبع مخطوطتها، وشعر بالذنب والإثارة عندما نشرت باكورته ثم روايته الثانية. بدلاً من أن يفرح بإنجازه، شعر بالغضب والمرارة للظلم الذي لحق بزوجته العاجزة عن كتابة عملها الثاني. صوّرت روايته الثانية ثنائياً يعيش في ظل تلك المرارة، ومع أنه لا يزال فخوراً بها، يرى أن إخلاصه لزوجته وأمله ببقاء زواجه شوّه نهايتها. زادت شعوره بالذنب حين قالت إنه سرق من روحها ليكتب الرواية، وسألته عن حق عن سبب مقتل شخصياته الإناث أو إصاباتهن البليغة في حوادث إطلاق رصاص. كان 1993 العام الأسوأ في حياته. رقد والده ينتظر الموت، ونفد ماله واكتأب مع زوجته. سعياً الى الثروة، كتب سيناريو عن ثنائي شاب مثلهما يلجآن الى السرقة ويقتربان من الخيانة قبل أن ينتصر حبهما الخالد. فكّر برواية جديدة، «التصحيحات»، عن شاب من الوسط الغربي الأميركي مثله يمضي عشرين عاماً في السجن عقاباً على جريمة ترتكبها زوجته. لحسن الحظ تدخّل الواقع قبل أن يقتلا نفسيهما أو آخرين. لم يعودا قادرين على تحمّل العيش معاً، واضطرته الحاجة الى العمل في الصحافة. تعرّف الى أبطاله الكتّاب ومنهم دون ديليلو، وأدرك أنه ينتمي الى جماعة واسعة. بعد انفصالهما عاد الى كتابة «التصحيحات» التي أرادها رواية اجتماعية كبيرة، وكان عليه لكي يستطيع كتابتها التحول كاتباً وشخصاً مختلفاً. نالت جائزة الكتاب الوطني وصنعته، وبات جوناثان فرانزن شخصاً آخر حقاً.

ـــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة اللندنية، 5 تموز 2012م.