‏إظهار الرسائل ذات التسميات جون أبدايك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جون أبدايك. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 25 يوليو 2016

"وفـيّـات أصدقاء بـُعادى" قصة قصيرة للكاتب والناقد الأمريكي المعاصر جون أبدايك John Updike

ترجمة: انعام الشريفي 



عرف القارئ العربي الكاتب جون أبدايك من خلال روايته "الارهابي" التي صدرت في العام 2006. ومع هذه الرواية وربما مع وفاته حديثا ً2009 انطلقت الاقلام العربية لتقـدمه الى القـرّاء وتسلّط الأضواء عليه، لكن هذا الكاتب الذي نال اول جائزة تكريمية له عام 1959 وحاز عقبها على 28 جائزة تقديرية لأدبه الرفيع، وعـدّ النقـاد اثنان من رواياته التي سبقت "الارهابي" من روائع الفن، ونالت احداها "الأرنب غنيا" ثلاث من الجوائز الكبرى، لم يدخل الا ّ متعثراً الى قارئنا النهم التائق الى معرفة كبار الأدب والفن عبر الأطلسي، وغالبا من خلال مساسه المباشر بالواقع العربي. وفضلا عن الرواية والقصة والشعر كان أبدايك ناقداً أدبياً وفنياً.

أبدايك الذي دخل الى باطن أمريكا،امريكا: اندحار الدين وعلو المادة (كما يراها) واظهرها للناظرين صورة لابهاء فيها، يستحق وقفات كثيرة. وهذه احدى قصصه القصيرة من مجموعة قصصية نشرت له في العام 1987 . المترجمة

جون أبدايك "من أجود نـقــّادنـا....يشعّ بالخيال وتوقّد الذهـن" صحيفة الصندي تايمز Sunday Times
روائي وقاص وناقد أمريكي (1932-2009 ) ، نـُـشــِرَت له عشرون رواية وعشرات من القصص القصيرة وأدبيات الأطفال والنقد الأدبي. "اشتهـر ببراعته الحـِرَفيـّة الدقيقة واسلوبه النثري الفريد وغـزارة انتاجه" ، يتبدى في اسلوبه مفردات أخـّاذة مـُبطنِة لمعاني عميقة وغالباً ما تبدو مـُعـَدّة للنـُخبة. صوتـُه المـُقتـدر فيه الظرافة والمرارة والسخرية. ينتمي الى تراث الواقعية لكنه يسبرُ أغـوار شخوصه وخـَلـَجاتهم عبر العالم المادي المحسوس. (خلاصة مأخوذة من الموسوعة الحرّة Wikipedia ( المترجمة).


***


وفـيّـات أصدقاء بـُعادى

رغم انني كنت أجولُ لبضعة سنوات بين الزيجات في هرج ٍ ومرج ٍ استلـَبَ كل حواسي، فان الآخرين واصلوا بدورهم العـيـشَ والموت. لين، رفيق قديم في لعب الغولف، بين عشيـّة وضحاها حلّ بالمشفى لما قيل له أنـّه فحص روتيني، ووقع ميتاً في الحمام فوراً بعد أن انتهى من اتصال هاتفي بمخزن الخردوات ليعلمهم انه عائد صباحاً لمباشرة العمل. فهو صاحب المخزن واعتاد أن يعهد به الى مساعده في النهارات المُشمسة فقط.

كان تسديد ضربته خاطفا، وكان يلقي بثقله الخلفي على قدمه اليمنى، وغالبا ماتنبثق كرته الى اليسار دون أن تصل الهواء البتة لكنه يفلح في اليوم الواحد أن يغور بالكرة الى الهدف ببضعة ضربات ٍ موّفقة فـذة. وكان دوماً يظهر بملبس ٍ أنيق يوحي بآمالٍ عريضة للعبة التي يخوضها، فهو ببنطاله الأصفر الفضفاض بلون زهرة البتركب (i ) والياقة السمائية اللون الضيقة المنتصبة للأعلى وسترته الكشمير ذات اللون البرتقالي المُحمّر سيتغاير عن نـَسـَق الأخضر المحيط به، وآتي أنا وقد قدتُ الطريق من بوسطن عبر سحابات ٍ من الأسى والأرق والاضطرام المعنوي أجرجرُ عربتي عبر مساحة الاسفلت المخصّصة للوقوف، فـتـَصـِـرُّ حدوة َحذائي عند كلّ خطوة أخطوها مثل براثن الوحوش.

رغم أن لين كان قد عرف جوليا وأحبّها، وهي زوجتي التي كنت قد تركتها، فأنه لم ينبس ببنت شفة بشأني الشخصي عندما كنت أقود السيارة ساعة كاملة لألتقيه بخلاف ماكنت عليه سابقاً اذ آتيه بعشرة دقائق من الشارع المجاور. فقد كان الغولف بالنسبة لي اذ ذاك ملاذاً ومهجعا، حالما اجتـاز فيه كومة الرمل الأولى التي تحمل كرة الغولف في مسعاي للهدف، أحسّ بانني مطـَوّقٌ في حرم ٍ وسيع ٍ ووضـّاء، بمأمن ٍ من النساء والأطفال المهووسين والمحامين الوقورين والمعارف القدامى واستهجاناتهم والنظام الاجتماعي وغـيظهِ بكليته. فللغولف نُظـُمه الخاصّة وحبّه الخاص فبينما يترنح ثلاثتنا أوأربعتنا ونتصايح لنشقّ طريقنا كلٍّ الى حفرة الآخر، نضحك على سوء الحظ العاثر ونهلـّل للضربات النادرة ذات الجودة النسبية. وأحياناً نجد سماء الصيف قد أحلكت وتهب العاصفة فـنـتحلـّق تحت ظلّ قاطرة ٍ مهجورة أوتحت شجرةٍ تبدو اكثر أمناً من أخواتها من الصواعق. وعندها فأن نفاد صبرنا واهتياجنا العصبي المفطور فينا لانقطاع اللعب والاثارة يخلـُصُ بكليته في هذا الحيز من المحميّة الى مايكاد يقارب حرارة العشق، أنفاسُ وعرقُ رجال في متوسط العمر متراصّين تحت المطر الهاطل بلا انقطاع مثل قطيع ماشيةٍ في شاحنة النقل المغلقة كالصندوق. وكان في وجه لين بقعاً متقرّنة من الأشعاع وكان ينوي ازالتها جراحياً قبل أن تتحول الى سرطان الجلد. فمن كان يحـسب ان صاعقة شريانه التاجي ستـَبتـُرُ بتراً خططه ومشاريعه وتمسحهُ مسحا ًمن حياتي المتشابكة؟ فأنه ما من (رُقاقـتا ثلج ٍ ولا بصمتا أصبعين ولا خفقتا قلبٍ في جهاز الرسم البياني ولا رميتا كرة الغولف قد تماثـلتا أبداً)، هل أبداً سأبصر ملـَكـَته المتأنقة المـَلبـَس الباعثة على الأمل ثانية (هللو ياكرتي العزيزة، هكذا يمزح بينما يشرع بالتهادي الى جلسة القرفصاء) ويبّث كرة منخفضة الى اليسار بطريقته المتفرّدة ونسمعه هاتفا ً باحباط غاضب (فهو يُعَدّ ممن خاض ولادة روحية ثانية(ii)في الكنيسة المعمدانية ممّا أكسبه لغة ً شخصية تترفع عن اللعن المباشر): " ياكومة ً ممسوخة ً وسخة "
قدتُ سيارتي الى جنازة لين وحاولت أن أخبر ابنه: "كان أبوك رجلا ً عظيماً " الا ّ ان الكلمات تساقطت مترهلة في تلك الكنيسة المعمدانية الباردة. أن الوان لين المـُزَوّقة، وفورته الحماسية المسيحية، وتسديداته الواعدة والمهدورة للكرة، وصيحات ظفرنا في الذهاب والاياب، وجـَمعـُنا عبر كون ٍ مصنّع يتألف من أطوالٍ متغايرة وثابتة، وأنواع ٍ من العشب كانت جميعها مَـسـَحات حياةٍ أرقّ ُ من أن تـُأسر، بل لابدّ أن تـتـبدّد.

بعد برهة من الزمن قرأتُ في صحيفة أن الآنسة أيمي مـَير ِماونت ذات الواحد والتسعين عاماً قد قضت نحبها أخيراً فشابهت الورقة اليابسة التي تـُحال الى فــُتاة. كانت قد بدت دوماً شيئاً عتيقا ً، كانت أحدى أولئك الأنجليز المُحدَثين(iii)ومن الأواخر الذين يتداولون سيرة هنري جيمس (iv)وكأنه قد غادر الحجرة لتوّه. وكانت تمتلك رسائلا ً ماتلبث مطبقة ً أومبعثرة ً الى قطع بعثها هنري جيمس الى والديها حيث يـأتي على ذكرها لا كفتاةٍ صغيرة ولكن كسيـّدة فتيـّة "تشارفُ على "خصوصيتها"، على زهوتها التي تحُوطها تماما ً". كانت تعيش في بضعة غرف ٍ محتشدة بالقطع الأثريـّة في بيت ٍ ريفي ورثته وخصّصت القسم الأكبر منه للإيجار فحـُشـِرَت حشراً فيما تبقى منه. أما لـِمَ لم تتزوج أبدا ً فقد ظلّ هذا سراً هجـَع عليها هـَوناً ونعومة في شيخوختها ، فلعلّ ذلك الجمال السـَـلـِس الناحل الذي نشهده في الصور الفوتوغرافية الداكنة الحبريـّة اللون، وسيماء السـُلالة النبيلة وتوقـّد الذهن، والتحمّس (بالمعنى الروحي) الذي لم يبرحها قد أوقع الهلع في نفوس الكثير من طالبي يدها مثلما جـَذ َبتهم اليها عين ُ هذه الفضائل. ولعلـّه قد أوجد لديها، وهي في عهدٍ ماتلبث فيه مفردة "الطهر" ذات وقع و"نكران الذات" ذات مقام ٍ في عينيها، قيمة ً لا تعلو فيها تلك اللحظة المهيضة الجناح في أيّ موردٍ لهذه الفضائل. وكان لصوتها نبرة جافة تهكميـّة وفي سلوكها شيءٌ من التململ والرفض. كانت قد أشبعت نفسها تثقيفاً فهي تتابع التطورات الجديدة في العلم والفن وتتناول الطعام الطبيعي وتتعاطى في القضايا السياسية الساخنة يوم كانت كل هذه موضات سائدة. وكانت تحبّ أن يتحلّقُ حولها أناسٌ بغضاضة الشباب. فعندما انتقلنا أنا وجوليا الى المدينة مع الأطفال بوجوهنا الجديدة الطريّة، أصبحنا جزءاً من جلسة الشاي المعقودة لديها في اجواء ٍملؤها الفتور، ولولا ذلك الأفتتان المتبادل بيننا لـما دامت معرفتنا لعشرين سنة.

ولعل الأمر لم يكن بذلك الفتور، فاليوم أعتقد أن الآنسة مَـيرِماونت قد أحبـّتـنا أو بأضعف الايمان قد أحبـّت جوليا التي كانت ترفلُ بالدماثـة، وتزهو كأبنة ودودة حانية عبر تلك الحُجَر الشحيحة الدفء والمستمـِّدة ضيائها من النوافذ والتي يزدحم فيها متاع ٌ ريشي مستدقٌ ومتطاول من إرث ٍ كان يوما ً مفروشا ً عبر الطوابق الأربعة لبيت "باك بـَيْ " المَدني الطراز. ويخلـُد في ذاكرتي ألق ُ ذقن زوجتي السابقة المكتنز وحنجرتها واكتافها المكشوفتين التي تندمج مع المـَلـَس الشبحي لصور الأخوات مـيَرِماونت ذات الأطارات القديمة المـُصممّة للأستوديوهات. كانت الصور لثلاثة أخوات، نزلت بهما فجيعة الموت مبكـّراً في شبابهما كما لو أنهما أوصتا بقسطهما من السنين إرثا ً للثالثة، تلك الناجية التي تجلس معنا في كرسيـّها المُجنـَّح المـُوشّى بالذهب. وكان وجهها قد استحال بـُنـيـّا من الشيخوخة ً فلايمكن التنبؤ بما فيه، عاجاً بالتجاعيد كوجه هنديّ أحمر، هذا وثمـّة شيءٌ وحشيٌّ كوحشية الهندي الأحمر يلمع في عينيها المعتمتين. "أراها مخيبة للآمال بعض الشيء"، كانت قد تندّ ُ عن هذه الكلمات بجفاء عن أحد المعارف المشتركين الغائبين انذاك أو عن أحدى تلك اللواتي انفـَصَلت عن حلقتها :"لـَم تك ُ تماماً من الطراز الأول".

أن البحث عن الطراز الأول شيء من العهد البائد لجيلها، والآن لااتذكر من نال استحسانها كلياً مثل ماناله الأب دانيال بـَريجان والسـيِر كينيث كلارك. لقد شاهـَدت كلاهما في التلفاز. عيناها ذات البريق الداكن صارتا تخونانها، وكانت أوقات الأصيل الأثيرة الخاصة بالقراءة (التي يخمد الضوء فيها خلف النوافذ وتتراقص النار الناشئة من خشب البتولا في الموقد المؤطر بالنحاس الأصفر) قد استـُبدلت بساعاتٍ مـُجـَدولة منسقة حسب مايبثه التلفاز والمذياع من البرامج التثقيفية. في تلك السنوات الأخيرة كانت جوليا ترتاد منزلها لتقرأ لها قصة أوستن "مـِدِل مارج" وجوان ديديون وبعضاً من قصص بروست ومورياك بالفرنسية بعدما قرّرت الآنسة مـَيرماونت أن جوليا اجتازت اختبار الفرنسية بنجاح. وكانت جوليا تتمرّن بعض الشئ من خلال القراءة لي، وأنا بينما كنت اتطلّع الى شفتيها وهي تزمّها لتصنع صوت الفرنسية فتصغـُران وتــُدَوّران بشدة وكأنهما شفتا قناع أفريقي من العاج، كدتُ أن أقع في حبّها ثانية ً. إن الود بين النساء لـَمؤثـّرٌ ومؤلمٌ ومثيرٌ للرجل، وبرؤياي الخاصّة فأنه كجلسةِ شاي ٍ انتهت الى مجلس خمرٍ للشَري(v)الاسبانية في تلك الحُجـَر التي يغصّ فيها الأثاث بجـَلـَبة والتي اشتد فيها الشفق حتى صارت الصفحات البيضاء تـُدار ببطئ وأضحى النـَغـَم الصبور لصوت جوليا الأمارة الوحيدة الدالّة على الحياة. بلى إنه الحبّ ما كان ينداح بين تلك العجوز التي تفنى رويداً وزوجتي التي بدورها رويداً تـُمسي متوسطة العمر ويـُمسي ابنائنا بالغين وغائبين، وصوتها يظل ّ لايـُستـَمع اليه مثلما يـُستمع اليه هاهناك. ومامن شك أن ثمة أسرار كانت تودع بين تلك الصفحات. وكانت جوليا تعود من عند الآنسة ميرماونت لتحضير عشائي المتأخر وهي تبدو أكثر شباباً بل أكثر حبوراً وجرأة بعض الشيء.

في ذلك الطور الحرِج مابعد الحياة الزوجية وعندما كان الأصدقاء القدامى مايزالون يبعثون الدعوات بدافع الالتزام، وتجد نفسك لاتملك حضور الذهن الكافي لردها، وأجدني في تجمـّعات كبيرة تحضرها الآنسة مَـيرماونت. وكانت يومذاك عمياءَ تماماً وتصحبها فتاة صغيرة دائرية الوجه، أجيرةًٌ للصحبة ودليل. وكانت السيدة المـُسـّنة المتهالكة التي تـَعرضُ نفسها كريش الطاووس المـغطى بجرسٍ زجاجي مغروزة ً في كرسي مجنـّـح في زاوية الحجرة فيما يلي طاس خمر البنش(vi)ولدى اقترابي منها أحسـّت بجسم ٍ يدنو منها فمدّت يداً ذابلة لكنها أسقطتها حالما سمعت صوتي: "لقد أتيت َ شيئاً فظيعاً" ، نطقت بذلك بسحبة نفس طويلة واحدة. أشاحت بوجهها لتـُظهر أنفها الصـَقريّ من الجانب كما لو انني شوّشتُ نظرها. أمّا دليلتها الفتيّة فوجهها المـُدوّر كصحن الرادار سجّل لمحة ً تدلّ على الصدمة، الاّ انني ابتسمت وفي حقيقتي لم أكُ مستاءاً، فثمـّة َ راحة ً في سماع حُكم الآخرين حتى لو كان معادياً. إنه لمن المستحسن أن نعتقد أن هنالك في موضع ٍ ما جهاز تخطيط يسجـّل هزّاتنا وزلا ّتنا. وأنني لأتخيـّل موت الآنسة ميرماونت بأشهر ليست طويلة بعد ذلك، وكخيالٍ أخيرٍلها، في صورة خيطٍ ينبسط ُساكناً رائقاً بمحاذاة جهاز المراقبة الموصول بها في المشفى. وفي هذا الامتداد المنبسط بقي شيئٌ ما تهكميٌ ولاذع، شيئٌ من سداد الرأي لم يُدَنـّس، من الصبر الجليل في عالمٍ عجز لطيلة تسعين عاما ً أن يبرهن على شيء أكثرَ من خيبة الرجاء. ويومذاك كنا أنا وجوليا قد فرغنا من مراسيم الطلاق.

كلّ مافي جعبة البيت المهجور قد فـُقـِد حتماً، اللوحات المعلّقة على الجدران، الهيئة التي يتبارى فيها الظلّ والضوء وتفجـّر دفئ الأماسي ممـّا تجود به المدافئ. حيوانات المنزل: كانوت. كان كانوت كلب صيدٍ ذكر ذهبي اللون اقتنيناه عندما كان الأطفال مايزالون قبل سن البلوغ كطقم من البهلوانيين. وكان مصدر بهجة لاينقطع، كما هو العهد بهذا النوع من الكلاب، وقد ذاق طعم كل شيء حتى الاخصاء وكأن الحياة وابلٌ متواترٌ من البركات. ومن المثير أنه وقبل موته بقليل جلبته ابنتي الصغرى التي تغني في فرقة البانك(vii)الى البيت الذي أسكنه الآن مع زوجتي ليزا. فجعل يشّم هنا وهناك بتأدب واكتفى بعقف زاوية أذنيه بقلق لينمّ عن التساؤل لمَ حلّ سيده القديم في هذا البيت الغريب الرائحة. وانهار في النهاية مع تنهيدة عميقة على أرض المطبخ، وبدا سميناً وخاملا ً. وقالت ابنتي التي قــَصـّت شعرها قصيراً وصبغت رقعاً منه بالبنفسجي الزاهي إن الكلب صار يجوب الليالي وينهالُ على نفايات الجيران أو على طعام حصانهم. وبالنسبة لي فأن وراء هذا سوء ادارة، فصديق جوليا الجديد لاعب كرة ظهير ربعي في فريق دارتموث ولاعب تنس وغولف ومهووس بحمل حقيبة الظهر بعدّتها والخروج بها ولهذا فجوليا لاتكاد تتواجد في البيت وصارت منهمكة كلياً في مجاراته وفي تعلّم لعبات جديدة. فأ ُهمـِل البيت ومرج الحديقة وصار الأولاد ينساقون داخله وخارجه مع أصدقائهم ولا يتخلصون من الطعام المتعفن في الثلاّجة الا ّ بين الفينة والفينة. ولمّا أحسّت ليزا بما كابـَدْتـُه من انفعالات نطـَقـَت بكلمات لـِبقة ملّطفة وانحنت على كانوت لتهرش مؤخرة احدى اذنيه. ولأن اذنه كانت ملتهبة وحسّاسة فقد أطبق فكيّه عليها بوهن ومن ثم بسط ذيله على أرض المطبخ اعتذاراً.

ومثلما إلتُ اليه عندما نهرتني الآنسة مَرِماونت، بـَدَت لي زوجتي حينذاك ميّالة الى الاغتباط، فهي إذ تواجه شيئاً من المقاومة، فقد أمسى موضعها من العالم متجذ ّراً. وناقــَشـَتْ ابنتي حول مضادات الالتهاب الخاصة بالكلاب، وفي تلك الوقفة ومن أية نظرة عجلى اليهما لايمكن التنبؤ بأيّـتهما الاكبر سنـّاً رغم اتضّاح ايـّتهما صاحبة الشعر غير المألوف. وكما يـُقال في مثل هذا المقام من سقيم الكلام أن ليزا من الصِغـَر بحيث يمكن أن تكون ابنة ً لي. وطالما اني بلغت الخمسين الآن فأن أية انثى تحت الخامسة والثلاثين هي من الصِغـَر بحيث يمكن أن تكون ابنة ً لي، بل معظم أناسيّ هذا العالم هم من الصِغـَر بحيث يمكن ان يكونوا بناتاً لي.

اختفى كانوت لبضعة أيام بعد تلك الزيارة، وبعد بضعة أيام أُخـَر عـُثر عليه في المستنقعات القريبة من بيتي القديم بجسدٍ منتفخ. وقد شخـّص الضابط المسؤول حالته على انها سكتة قلبية، فتسائلت ان كان هذا يمكن ان يحدث لمخلوق ٍ بأربعة أقدام. لقد ضـَربـَتْ الصاعقة كلبي السابق عند ضوء القمر، وقـَلبُه ممتلئٌ بنشوة المستنقعات، ومعدتـُه محشوة بالنفايات، ولقد رَقـَدَ عـدّة أيام بفراء ٍ مـُنتـَفـِش والمدّ يدور فيه ويخرج منه. تلك الصورة تمنحني الرضا كمظهرِ شراع ٍ ملؤه الريح يـشـّـُد زورقه هـَرِعاً بمنأى عن الشاطئ. في واقع الأمر (ورغم أنه من المريع الأقرار) بأنّ كلٍ من هذه الميتات الثلاثة قد جعلتني قريراً هانئاً على نحوٍ ما، فشهود فضيحتي يـُمْحـَوْن، والعالم يـُصبـِح أقل وطأة. وفي نهاية المطاف لن يكون هناك من يذكـُرُني بشخصي في تلك السنين المارجة والمحرجة عندما كنت أعدو بخطى سريعة دون صـَدَفـَتي بين البيوت والزوجات، كثعبان بين أصناف الجلود، وحشٌ من الأنانية، حاجاتي المتنافرة الغريبة عارية ٌ ومخرّمة، وكياني الاجتماعي زريّ ٌ وبلا حصانة. فموت الآخرين يحملـُنـا شيئا ً فشيئا ً حتى لايتبقىّ شيء، وهذا بدوره ضربٌ من الرحمة. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
i نبتة زهرية صفراء تنمو كالآعشاب
ii الولادة الثانية تعبير كنسي سائد في أمريكا لمن يخوضون تجربة ما تخلق فيهم أثراً روحياً وتعيد ايمانهم
iii الحديث هنا عن الجالية الانجليزية من البيورتانيين غالباً التي قطنت أمريكا وجلبت معها الموروث البريطاني
iv روائي مولود في أمريكا لكنه عاش في انجلترا وبعض من رواياته تنصب من التراث البريطاني
v خمر مشهورة من الجنوب الاسباني
vi نوع من الكحول يقدم عادة مع طاس كبيرة الحجم وملعقة للغرف في الاحتفالات الكبرى والكرنفالات
vii The Punk حركة موسيقية منشقة عن موسيقى الروك نشأت وتطورّت في الأعوام 1974-1976 تعبر عن تمرد ورفض الشباب للأيدلوجيات المتسلطة وحاليا اندمجت بفرق الروك ثانية


انعام الشريفي

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : النور

الجمعة، 8 يوليو 2016

هل يكتب النقاد أن أبدايك كان سوطا مسلطا على حراك أميركا الحضرية الوسيطة؟



ترجمة: علاء الدين أبو زينة
نشرت في 30 يناير 2009
قبل بضع سنوات، وفيما بدأت الولايات المتحدة الاحتفاء بأوائل الراحلين من الأبطال الذين كسبوا الحرب العالمية الثانية، انكب المعلقون على الحديث عن "الجيل العظيم" الذي أنجز الكثير، والذي لا يمكن تعويضه.
ما انطبق على القوات العسكرية، ظل ينطبق بدوره على معارك "الرواية" الأكثر هدوءاً. فخلال سنوات الحروب الداخلية، على أي من جانبي صراع عام 1930، ولدت مجموعة من الروائيين الذين كانوا يرسمون معالم التاريخ المعلن والسري لأميركا بمهارة، وحساسية وإصرار، والذين ليس لهم نظائر كثيرة في الأدب الحديث. من تلك الفئة البارزة التي لا تدانى، كان كل من شاؤول بيلو، نورمان ميلر قد غادروا المشهد.
والآن، غادر جون أبدايك، الذي سبقهم في السنوات، إن لم يكن في الموهبة أيضاً. وخلال الأشهر الثماني عشرة الماضية، لم ينشر أبدايك رواية جديدة فحسب (أرامل إيستويك، التي جاءت تتمة لواحد من أكثر أعماله شهرة)، وإنما نشر أيضاً مجلداً يضم مقالات نقدية.
لقد تمتع ذلك "الجيل العظيم" من الروائيين بأخلاقيات عمل تستحق الافتخار، والتي جعلت الأدب الأوروبي يبدو خجولاً أمامها. وحتى في الوقت الذي كان فيه أولئك الكتاب يحدقون بعيون لا تطرف في عثرات مجتمعاتهم أنفسها، كان جون أبدايك ومعاصروه يعملون بروح أميركية صرفة. لم يكونوا أبداً متبطلين، وإنما انكبوا على العمل بحماس، وأنجزوا المهمة.
خلال الأيام والأسابيع القادمة، سيكتب الكثيرون من النقاد عن أبداك كمنتقد مر لأميركا الحضرية الوسيطة. وقد كان نثره الدقيق والمضفور بعناية يجمع معاً مظاهر نفاقها الجنسي، ومواطن غموضها الفكري، وتحولاتها المحلية من حقبة آيزنهاور وحتى حقبة أوباما (تقريباً).
لكن هذا المحترف الذي لم يكل، المنحدر من سلالة المستوطن الهولنديين القديمة، كان يعرف ويحس بتفاصيل عالم الطموح والقلق الذي وصفه بكل هذه الخبرة. وتجد رواياته مثل "أزواج" وثلاثيته الرائعة "رابيت أنغستروم" وهي تستبطن وتستشرف شخصياتها، وأماكنهم، من الداخل والخارج. وعلى أن السخرية والنقد شكلا جزءاً من غايات أبدايك، إلا أن تأريخه لداخل الحياة الأميركية لما بعد الحرب ظل يحفل أيضاً بتلك البهجة الهائلة التي تصنعها المشاهدة الدقيقة. وتجده دائماً نصف عاشق لضحايا قلمه النفاذ.
لما تفارق الشمولية والتنوع والفضيلة أبداً جون أبدايك. وكما يعرف، حتى الذين لا يقرؤون، فقد كتب بثقة أكروباتية عن الجنس - لكنه كتب عندئذ أيضاً عن الفن، وعن التجارة، وعن الأزياء والشؤون الداخلية. وفي أواخر حياته المهنية، اختار أن يمد جناحيه. وقد شهدته روايات مثل "برازيل" و"الإرهابي" وهو يشن غارات جريئة على سياقات وموضوعات تتخطى مواضيع البغاء والغضب وتجتاز سياجاتها. وقد كانت بعض من هذه التجارب بعيدة الشأو في القص أكثر جدوى من أخريات. لكنها كلها وقفت شاهدة على تطلعات كاتب لم يكن قانعاً أبداً بتناول حزمة واحدة من الشؤون المحلية.
عندما ينتج الروائيون بغزارة (وفي حالة أبدايك، ثمة مجموعة من القطع البليغة تعتلي قمة كومة من النتاج القصصي)، يكون حكم الأجيال التالية قاسياً على نحو غير عادل. إذ يميل الدارسون إلى التقاط الروائع التي تجل عن الجدل (وسوف تبقى روايات ’رابيت‘ ما ظلت الثقافة الأميركية حية)، بينما يهملون في الوقت نفسه بقية أعمال الكاتب ونتاجاتها متوسطة الجودة.
لكن أبدايك، مثل الأمة التي تغير مثلها وطبائعها، والتي كتب حكايتها بكل روعة، ظل يجهد من أجل الإنتاجية في حد ذاتها. لقد وسمت الكثرة والسخاء موهبته، على النحو الذي تسم به أفضل الجوهر من بلده نفسه. من دون أبدايك، تبدو أميركا نفسها وقد أصبحت أصغر قليلاً.
(بويد تونكين - الإندبندنت)


ــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الغد ، 30 يناير 2009م.

الموت يغيّب روائي شرق أميركا جون أبدايك ويترك وراءه مدنا رسما بالحب

ترجمة: مدني قصري

نشرت في 30 يناير 2009

الكاتب الأميركي الغزير، جون أبدايك، الذي رسم بكثير من الفكاهة والهزل، أميركا المدن الصغيرة، والضواحي، الغارقة في الجنس والحب، والدين، فارق الحياة يوم الثلاثاء الماضي، عن عمر يناهز السادسة والسبعين عاما، بعد إصابته بسرطان في الرئة. 

كان جون أبدايك فنان أميركا. حاز مرتين على جائزة بوليتزر، العام 1982 والعام 1991. على مدى حياته الأدبية التي استمرت أكثر من نصف قرن، ألف هذا الأديب الغزير، عشرات الكتب، والقصص، والنقد، والمقالات، وروايات الأطفال، والقصائد الشعرية. وكان على الخصوص مشهورًا بسلسلته "رابيت"، و"بيتش".

في فرنسا كان غناه الأدبي متذبذبًا، بلغ أوجه مع فوز "الأزواج"، عند نهاية الستينيات من القرن الماضي. لكن، حتى وإن كان الفرنسيون يفضلون عليه فيليب روث (إذا أخذنا كاتبًا من جيله)، فقد كان جون أبدايك نجمًا من نجوم عصره وجيله. بل كان أكثر من نجم، أسطورة. عشاقه والمتعاطفون معه خصّصوا له موقعًا على الإنترنت، تحت عنوان "ذي سنتوروس" The Centaurus تتناول أدق التفاصيل في نصوص أبدايك المنشورة في مجلة "نيو يوركر" (التي كان يكتب فيها بانتظام)، أو نصوصًا لم تنشر من قبل.

ولد جون أبدايك يوم 18 آذار(مارس) من العام 1932 في بنسلفانيا. عمل في الصحافة، ودرس الفنون التشكيلية في مدرسة روسكين بأوكسفورد. ونال دبلومًا من هارفارد، وانخرط في فريق تحرير "نيو يوركر" التي بدأ فيها بنشر مقالاته.

كتابه الأول كان عبارة عن ديوان قصائد أعقبه بروايته الأولى "يوم عيد في الملجأ" التي قال إنها روايته المفضلة. 

أما كتابه الأول في القصة، فقد صنع منه العام 1959 اختصاصيًا في هذا اللون من الأدب. انطلق بعد ذلك في رواية أكثر طموحًا، "قلب أرنب بري" يروي فيه قصة هاري أنغستروم، الملقب بـ "رابيت"، وهو شخص يتأرجح ما بين تطلعات متناقضة، وقريبة من الأميركي المتوسط. ولم يشك يومًا في أن هذه الشخصية سوف ترافقه طوال العمر. 

موازاة مع ذلك، نشر قصصًا مع شخصية أخرى، تدعى بيتش، وهو الكاتب المزدوج في شخصية الروائي. كما نشر قصصًا مع عائلة "ميبل" التي جُمعت في فرنسا في كتاب تحت عنوان "بعيدًا جدًا".

كما أضحى الكاتب أبدايك، عن طواعية، ناقدًا صارمًا ودقيقًا، مُعبّرًا عن آرائه النقدية من خلال مقالات طويلة جُمعت في فرنسا تحت عناوين "الحياة الأدبية"، و"ملاحة أدبية". قراءته الأدبية تسعى لأن تكون سخية، فهي عكس النقد المزاجي. فهو يسعى لأن يوضح الكتاب الذي بين يديه، من الباطن، وأن يبرز المشروع الذي منحه الحياة، إذ يقول في هذا الشأن: "إنني أمارس النقد، لا لكي أصدر أحكامًا لكن لكي أفهم، وأبث أشياء". 

العمود الفقري في أعماله الأدبية هي رواياته المخصصة لرابيت، شخصيته المفضلة، والتي كان يعلن أخبارها كل عشرة أعوام. 

من رواية إلى رواية، نشهد تقدم رابيت وعائلته في العمر، ومن خلال هذا النسيج نشهد تطور أميركا. يكبر نلسون، ويصبح بدوره أبًا، وينغمس في المخدرات، وينفصل عن زوجته. جانيس تخون رابيت، وتندفع، ثم تعود، لتتزوج ثانية في النهاية بالزوج السابق لعشيقة زوجها الراحل. عند أبدايك الأزواج يتغيرون، ويتغيرون وفقًا لتقلبات البلاد وتذبذباتها، كبيرها وصغيرها. نكسون يسقط، وريغن يمتد، وكلنتون يتأرجح. 

لعب الجنس دورًا مهمًا في أعماله الأدبية، حيث أثار فضيحة أخلاقية كبيرة مع روايته "الأزواج"، التي يروي فيها تبادل العلاقات الجنسية ما بين عشرات الأزواج والزوجات، في مدينة صغيرة خيالية. "أكثر الأشياء سرية في حياة الإنسان، كما كان يقول، هي الجنس، والفن والدين". أما روايته "ساحرات أيستويك" التي أصدرها العام 1984 والتي اقتبست سينمائيًا، فقد أثارت موجة عنيفة من الانتقاد من قبل الحركات النسوية. لكن ذلك لم يمنعه من أن ينشر العام 2008 بقية لهذه الرواية تحت عنوان "أرامل أيستويك".

ــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الغد ، 30يناير 2009.

كلما حف الريش بالأرض: جون أبدايك

ترجمة: أسامة منزلجي



استدار كولدويل، وبينما هو يفعل تلقّى كاحله سهماً مُصوَّباً. انفجر تلاميذ الصف بالضحك. تسلَّق الألم التجويف النحيل لقَصَبَة ساقه، وتغلغلَ في تعقيدات رُكبته، ثم ارتقى، وقد اتّسعَ انتشاره، وأصبح صاعِقاً أكثر، إلى أحشائه. اُجبِرَتْ عيناه على التوجُّه عالياً إلى اللوح الأسود، حيث كتب بالطباشير الرقم 5,000,000,000، وهو العمر المُحتَمَل بالسنوات للكون. شعرَ أنَّ ضحك تلاميذ الصف الذي تدرَّجَ من أول عِواء زاعق من الدهشة إلى النعيب الساخر المتعمَّد، تكاتفَ ضده، وسحق العزلة التي كان في أشد التوق إليها، عزلةٌ يمكنه أنْ يكون فيها وحده مع الألم، يُقدِّر قوّته، وفترة استمراره، ويتفحَّص تركيبه. مدَّ الألم مِجسّه إلى رأسه ونشر أجنحته المُبلّلة على طول جدران بلعومه، حتى أنه شعر، وسط تخبُّطه القُرمزيّ المُفاجئ، كأنه هو نفسه طائر ضخم يستيقظ من نومه، واللوح الأسود، وهو لوحٌ إردوازيّ لَبَنيّ مُلطّخ بآثار غسيل الليلة السابقة، علِقَ بوعيَه كالذكرى. وبدا أنَّ الألم يحلّ بتفرّعاته الدقيقة محلّ قلبه ورئتيه ؛ وبينما قبضته تشدّ على حنجرته شَعرَ بأنه يرفع مخّه كأنه وجبة شهيّة على طبق كبير عالياً ليُبعده عن متناول شخص جائع. كان عددٌ من الصِبية بقمصانهم البرّاقة بألوان قوس قُزح كلها قد نهضوا ووقفوا على مقاعدهم، ينظرون إلى مدرّسهم شذراً ويعوون في وجهه، ويرفعون أحذيتهم المُلطّخة بالطين فوف مِصراع المقعد. وأضحت الفوضى لا تُحتَمَل. عَرّجَ كولدويل وهو يمشي نحو الباب وخرجَ ثم صفعه خلفه مع ضجيجٍ حانق احتفاليّ.

في الردهة الخارجية كان طَرَف ريشة السهم يحفّ بالأرض مع كل خطوة. وامتزج حفيف المعدن مع الخشخشة الجافة بشكلٍ بغيض وبدأتْ معدته تترنّح مع شعورٍ بالغثيان، وتمايلتْ الجدران الطويلة ذات اللون الأصفر الباهت للردهة، وبدتْ أبواب غرفة الدرس، التي أُقحِمَت فيها ألواحٌ مربّعة مُرقّمة من الزجاج المُبرغَل، أشبه بألواح اختبار مغموسة في سائل منشَّط مشحون بأصوات أطفال يغنون بالفرنسية، ينشدون الأناشيد، ويناقشون مشاكل علم الاجتماع. " Avez vous une maison jolie ? Oui, j'ai une maison tres jolie من أجل أمواج القرمز العنبرية، من أجل ممالك الجبل الأرجواني على السهل الخصيب على امتداد تاريخنا نحن الأولاد والبنات (كان ذاك صوت فولوس)، وازدادت الحكومة الفدرالية نفوذاً، وقوة، وسُلطاناً ولكن علينا ألا ننسى، أيها الأولاد والبنات، أننا في الأصل اتّحاد جمهوريات مُستقلّة، فليسبِغ الربُ الواحدُ عليكم نعمته، ويُتوِّج أخياركم بالأخوِّة " – كانت الأغنية الجميلة تتواصل بإصرار أعمى في ذهن كولدويل. " إلى البحر البرّاق ". أغنية قديمة تافهة. سمعها مرة في بيسيك. ومنذ ذلك الحين، أمرٌ غريب أنه أصبح كبيراً ! شعر بنصفه العلويّ كله طافياً في قبة سماء مُرصّعة بالمُثُل العليا وبأصوات طفوليّة تغني ؛ وباقي ذاته كان غائصاً عميقاً في مستنقع، ستغرق فيها تماماً في آخر المطاف. وكلما حفّ الريش على الأرض تحرّك السهم في جرحه. حاول أنْ يمنع تلك الساق من لمس الأرض لكنّ القرقعة الخشنة للحوافر الثلاثة المتبقيّة كانت عالية جداً كانت عالية جداً حتى أنه خشيَ أنْ يُفتَح أحد الأبواب فجأةً ويظهر منه أستاذ آخر ويقف في طريقه. ففي مثل هذه الأزمة يبدو رفاقه من الأساتذة رعاة رعب، يُهددون بإجباره إلى العودة إلى التلاميذ في غرفة الدرس. شعر بتقلُّص ضعيف في أحشائه، وعلى ألواح الكتابة المُلمّعة البرّاقة، أمام خزانة حفظ التذكارات تماماً بما تحتوي من مائة عين فضّية، أودعَ، دون أنْ يتوقف، مخروطاً منتشراً أسود اللون ساخناً. وتلوَّتْ خاصرتاه المُنقّطتان بنقاط رمادية اشمئزازاً، لكنَّ رأسه وجزعه اندفعا إلى الأمام، كتمثال موضوع على مقدّم سفينة تغرق.

حفّزه اللون الأزرق المائي للأبواب الجانبية على التقدُّم. هنا، عند نهاية الرواق، ومن خلال النوافذ المُغلقة من الخارج اتّقاءً للتخريب المُتعمَّد، تسرّبَ الضوء من الخارج إلى المدرسة، ولمّا عجز عن الانتشار في الجو اللزج، البرّاق، ظلّ محجوزاً، كماءٍ تحت الزيت. فوق المدخل. نحو هذه الفقاعة المائلة للزُرقة من الضوء دفعتْ العثّة الكافية داخل كولدويل جسده المُركّب، الوسيم. وتلوّتْ أمعاؤه : لمسَ هوائيّ مُغبرّ سقف حلقه. ولكنه أيضاً تذوَّقَ بلهفة هبّة متوقَّعة من الهواء المُنعش. وأشرقَ المكان بالضياء. فتحَ بقوة الباب المُزدوَج ذا الزجاج المُدعّم بأسلاك خنّ الدجاج. وفي خضم تألّمه، وبينما السهم يضرب على أعمدة الدرابزين الفولاذية، اندفع هابطاً مجموعة الدَرَج القليلة المؤدية إلى المنبسط الإسمنتي. وأثناء هبوطه هذا الدرج كان هناك ولدٌ يخطّ بسرعة بقلم الرصاص كلمة بذيئة على الجدار ذي البريق المُعتِم. قبض كولدويل على العمود النحاسي واندفعَ، وقد ضمّ فمه حتى بات رقيقاً من عزم التصميم تحت عينيه المذعورتين المتوجعتين متوجهاً إلى العراء.
شكَّلَ منخراه ريشتين من الصقيع. إنه شهر كانون ثاني ز بدت الزُرقة الصافية لقبّة السماء مُفعمة بالقوة ولكنها مُبهمة. وكانت شقّة المرج الجانبي للمدرسة المستوية الشاسعة، الذي حُدِّدتْ زواياه بزراعة أشجار صنوبر، خضراء اللون، على الرغم من أنَّ الوقت هو عزّ الشتاء ؛ لكنّ اللون كان متجمّداً، مشلولاً، لا وظيفياً ومصطنعاً. وبعد أرض المدرسة تهادتْ عربة تروللي في سيرها برفق، تقرقع، متجهة إلى إيلي، تمايلت بخفّة على سكّتها – فالساعة هي الحادية عشرة، والمتسوقون كلهم متوجهون إلى الجهة المعاكسة، إلى آلتون – وهي عملياً خالية، ومقاعد القش تنثر شرراً من الذهب من خلال النوافذ. لقد بدا ألمه، في الخارج، في مواجهة عظمة العراء، خجولاً : تقلّصَ، وتراجع إلى داخل كاحله، وغدا شديداً، حروناً ووضيعاً. تلبَّسَ تعبير وجه كولدويل الجانبي وقاراً ؛ واعتدل كتفاه – الشديدا الضيق بالنسبة إلى مخلوق ضخم مثله – وتقدّمَ، ليس وثباً، بل بتناسُق رزين مُكره بحيث أنَّ العَرَج كان مُستتراً بخطواته. سار على الممشى المرصوف الكائن بين المرج المُتجمد وأرض موقف السيارات المزدحم بها. ولمعَ حاجز القضبان المتشابكة بتأثير أشعة شمس الشتاء تحت بطنه ؛ وكانت الخدوش في الكْروم تُرسِل ألوان قوس قُزح كما الأحجار الكريمة. وبدأ البرد يُقصِّر من أنفاسه. وخلفه في المبنى الضخم القرميدي بلون السلمون للمدرسة الثانوية دوى رنين جرسٍ كهربائيّ مُعلناً انتهاء الدرس الذي تخلّى عنه. ودبّتْ حركة في الصفوف مع دمدمة كسول.

كان مرآب هَمِل مُجاوراً أرض مدرسة أولنغر الثانوية، يفصل بينهما نهرٌ إسفلتيّ صغير غير مستقرّ. ولم تكن صِلته بالمدرسة مجرد صِلة الجوار المكانيّ. فقد كان يعمل في هيئة التدريس، وإنْ لم يعُد كذلك الآن، وزوجته الشابة ذات الشعر الأحمر، فيرا، كانت مُدرّبة الألعاب الرياضية للفتيات. والمرأب ينتفع كثيراً مادياً من المدرسة الثانوية. فالفتيان يأتون بسياراتهم العتيقة البالية المُهمَلة إلى هنا لإصلاحها، والصِبية الصِغار ينفخون كرات لعبة السلة بالهواء المضغوط. وفي الجزء الأمامي من المبنى، في الغرفة الكبيرة التي يحتفظ فيها هَمل بحساباته وبمكتبته المُهلهلة المُلطّخة بالسواد التي تحتوي فهارس قطع الغيار ومقعدَين خشبيِّين متجاورَين يتحمّل كل منهما مجموعة متآكلة من الأوراق، وكميات من الورق، ومحاور مغزلية غرزت فيها وحتى أطرافها الصدِئة أكوامٌ رقيقة من الإيصالات القرنفلية اللون، هنا كان يوجد صندوق زجاجي مُعرَّق، قمّته المشروخة مُلصقة بشريط على شكل البرق من مطاط الإطارات، يحتوي قطعاً من الحلوى ملفوفة بورقٍ يُطقطق تنتظر البنسات من الأطفال. هنا، كان الأساتذة من الذكور يجلسون أحياناً – في الأيام الغابرة أكثر مما يفعلون حديثاً – عند الظهيرة – على صفٍ قصير من الكراسي القابلة للطيّ المُزيّتة تُشرف على حُفرة إسمنتية مساحتها خمسة أقدام تقع أرضها على مستوى واحد مع الزقاق الخارجي – يدخّنون ويأكلون الحلوى المتنوعة ويمتصون أقراص معالجة السعال ثم يضعون أقدامهم ذات الأحذية المشدودة الأربطة والمُلمّعة على الدرابزين ويُرخون أعصابهم الشهيرة في الوقت الذي تُغسَل فيه سيارة أشبه بوليد ضخم معدني، في الحفرة السُفلية ذات الأبعاد الثلاثة، ويجري رجال هَمل السُمر عليها التغييرات.


********************
الفصل الأول من رواية "القنطور"


جون أبدايك.. الجاسوس الأدبي

كتاب شامل عن سيرة الروائي الذي شغل أميركا

لندن: د. ماهر شفيق فريد

في 27 يناير (كانون الثاني) 2009 رحل عن عالمنا الروائي والشاعر والناقد الأميركي جون أبدايك Updike John عن سبعة وسبعين عاما. وصدرت حديثا ترجمة لحياته في 558 صفحة عن دار «هاربر كولنز» للنشر بنيويورك. والكتاب من تأليف آدم بجلي Begley Adam وهو صحافي وناقد كان مشرفا على صفحة الكتب في جريدة «ذا نيويورك أوبزرفر» في الفترة من 1996 ­ 2009 ويعيش الآن في إنجلترا.
ولد أبدايك في 18 مارس (آذار) 1932 في ولاية بنسلفانيا. التحق بجامعة هارفارد ومدرسة رسكين للرسم والفنون الجميلة بأكسفورد في إنجلترا حيث قضى عاما بمنحة دراسية. اشتغل بالصحافة من 1955 إلى 1957 حيث نشر في «ذا نيويوركر» الكثير من القصائد والقصص القصيرة ومراجعات الكتب. ومنذ 1957عاش في ولاية ماساشوستس كاتبا متفرغا للكتابة.
نشرت أول رواية لأبدايك في 1959 ثم أتبعها برواية عنوانها «اجر أيها الأرنب» (رابيت، وهو اسم البطل هاري أنجستروم). ومن رواياته الأخرى: «القنطور» (وهو مخلوق أسطوري، نصفه إنسان ونصفه جواد)، «أزواج»، «عن المزرعة»، «الانقلاب»، «تزوجني»، «ساحرات إيستويك» (التي تحولت إلى فيلم كبير)، «في جمال الزنابق»، «نحو نهاية الزمن»، «جرترود وكلاوديوس» (وهي إعادة صياغة لقصة هاملت)، «أبحث عن وجهي»، «البرازيل»، «الإرهابي» إلخ...
وله عدد من مجاميع القصص القصيرة، وستة كتب في النقد الأدبي تجمع شمل مقالاته ومراجعاته، و«مجموعة القصائد 1953 ­ 1993 «وقد أعقبها بديوان عنوانه «أميركيات»، وسيرة ذاتية عنوانها «الخجل» (1989 .(وبعد موته صدرت له «دموع أبي» (مجموعة قصصية)، «ثرثرة أعلى» (مقالات)، «ناظر دائما» (مقالات عن الفن).
يرسم آدم بجلي صورة آسرة لهذا الروائي غزير الإنتاج (أصدر نحو 60 كتابا في 51 سنة) وكان يعد نفسه «جاسوسا أدبيا» على حياة البلدات الصغيرة والضواحي في منتصف غرب الولايات المتحدة الأميركية.
يتتبع الكتاب مراحل رحلة أبدايك: من بيت طفولته في ولاية بنسلفانيا، التحاقه بجامعة هارفارد، عمله اللامع ­ وإن كان قصير الأمد ­ في هيئة تحرير «ذا نيويوركر»، سنواته العائلية ­ زوجا ورب أسرة ­ في إيسوتش بولاية ماساشوستس، أسفاره الواسعة في الخارج، انتقاله إلى بلدة أخرى في ماساشوستس هي مزارع بيفرلي التي ظل مقيما بها حتى وفاته بسرطان في الرئة من الدرجة الرابعة.
استخدم المؤلف مواد أرشيفية، وأجرى مقابلات مع أسرة الروائي وأصدقائه وزملائه، مبينا كيف أن أعماله القصصية قد شكلتها حياته الخاصة الحافلة: إيمانه الديني الذي لم يزايله قط، معرفته الحميمة ب«مجتمع الخيانات الزوجية» الذي كشف عنه في روايته المسماة «أزواج» وهي من أكثر الكتب مبيعا، كلفه بلعبة الغولف، النساء اللواتي دخلن حياته (يفخر أبدايك بأنه جامع ثلاث نساء مختلفات في يوم واحد!)، رفضه أن يدين تدخل بلاده في فيتنام، علاقاته بمعاصريه من الأدباء مثل فيليب روث، وجويس كارول أوتس، وتوم ولف.
ويخصص بجلي الفصل السابع من كتابه لأسفار أبدايك الواسعة. لقد شملت الصين والهند وكمبوديا وغانا وأستراليا وروسيا وإسبانيا وتشيكوسلوفاكيا والبرازيل وبريطانيا وإثيوبيا ومصر (حيث حاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة) وفنزويلا وهولندا والنمسا والدنمارك وإيطاليا والمغرب وفرنسا واليابان وكوريا وكندا وجمهوريات البلطيق. وقد أفادته هذه الزيارات في كتاباته: فروايته «الانقلاب» مثلا تدور أحداثها في جمهورية أفريقية متخيلة، وروايته «البرازيل» ­ كما هو واضح من عنوانها ­ مسرحها ذلك البلد.
ويرد الكتاب كثيرا من شخصيات أبدايك القصصية إلى أصولها في الواقع مع ملاحظة أن أبدايك كان كثيرا ما يغير اسم الشخصية الواقعية ­ حين يضعها في أعماله حفاظا على خصوصيتها.
وفي تتبعه لعلاقة الطفل أبدايك بأمه ليندا، يسوق بجلي مقولة سيغموند فرويد: «إن الرجل الذي سيكون، بلا نزاع، الأثير عند أمه يظل بقية حياته محتفظا بشعور الفاتح الظافر».
كان أبدايك في طفولته مولعا بقراءة الكاتب الفكاهي الإنجليزي ب.ج. ودهاوس (قرأ له الخمسين كتابا التي وجدها في المكتبة العامة) كما أولع بقراءة القصص البوليسية (إيرل ستانلي جاردنر، أجاثا كريستي) والكتاب الفكاهيين (جيمز ثيربر، ستفن ليكوك). ويقول عن المكتبة: «لقد انفتح ضرب من السماوات لي هناك». وحاولت أمه (التي كانت حاصلة على درجة الماجستير من جامعة كورنيل برسالة عن السير ولتر سكوت) أن تغريه بقراءة فلوبير وغيره من الكلاسيات، ولكنه لم يستجب وظل يقرأ قصصا بوليسية وفكاهية. وفي سن الرابعة عشرة وقع على قصيدة ت.س. إليوت «الأرض الخراب» وأحبها. وفي العام التالي، حين كان في زيارة لعمته، قرأ بضع صفحات من رواية جويس «يوليسيز» ولكنه لم يشعر برغبة في مواصلة القراءة.
وإلى جانب القراءة كان يمارس الرسم، وينسخ الصور الكاريكاتورية، ويستمع إلى الإذاعة، ثم بدأ يكتب. وفي فبراير (شباط) 1945 ­ قبل أن يتم الثالثة عشرة بشهر ­ نشر أول مقالة له في مجلة «الثرثار» وهي مجلة مدرسته الثانوية، وقد نشرت له فيما بعد قصائد وقصصا قصيرة ونقدا سينمائيا ومقالات ورسوما. وفي الصيف بعد أتم السادسة عشرة، حاول أن يكتب رواية بوليسية. وفي سن السادسة عشرة قبلت أول قصيدة له للنشر في مجلة تحمل اسم «انعكاسات».. هكذا بدأت حياته الأدبية.
وخلال سنواته الأربع بجامعة هارفارد حضر محاضرات هاري ليفين عن شكسبير. كان ليفين ينتمي إلى مدرسة «النقد الجديد» التي تعمد إلى فحص النص فحصا تقنيا دقيقا. وفي ذلك يقول أبدايك: «أما أن العمل الأدبي يمكن أن تكون له حياة مزدوجة، في صوره كما في حبكته وشخصياته، فأمر لم يكن يدور لي بخلد». ولم ينس قط هذا الدرس بل أفاد منه في أعماله القصصية حيث يندمج المجاز الشعري بالسرد القصصي.
وعلى الرغم من أن اهتمامه كان مركزا على شعر عصر النهضة في إنجلترا (شكسبير ومعاصريه) فإنه درس أيضا الشعر الأنجلو ­ سكسوني (الإنجليزي القديم) والشعراء الميتافيزقيين الإنجليز في القرن السابع عشر، وإدموند سبنسر وجون ميلتون، والدكتور صمويل جونسون. كما حضر محاضرات ولتر جاكسون بيت عن تولستوي ودوستويفسكي وبرنارد شو. وتعرف من أساتذته على همنجواي (وبه تأثر في مطلع حياته الأدبية) وعلى ج.د. سالنجر صاحب رواية «الحارس في حقل الشيلم» مما فتح أمامه آفاقا جديدة.
وفي روايات أبدايك ملامح وجودية، تشي بأسلوب الفيلسوف الدانمركي المسيحي كيركجارد. لقد وصف أبدايك بطله (أو بطله ­ الضد) رابيت آنجستروم الذي يعاود الظهور في رباعية روائية بأنه «نموذج للإنسان الكيركجاردي» فهو «الإنسان في حالة خوف ورعدة، منفصلا عن الله، يطارده الفزع، تلويه المطالب المتصارعة لتكوينه البيولوجي الحيواني وذكائه الإنساني، للعقد الاجتماعي والمطالب الداخلية».
برع أبدايك في كتابة المحاكاة الساخرة (بارودي) لكبار الكتاب مثل ت.س. إليوت وصمويل بكيت وغيرهم. واتسمت أعماله ­ خاصة رواية «أزواج» بالصراحة الجريئة في معالجة الجنس. وقد مهد له الطريق في ذلك كتاب مثل د.ه. لورانس («عشيق الليدي تشاترلي») وإدموند ويلسن («ذكريات من مقاطعة هيكيت») وفلاديمير نابوكوف («لوليتا») وهنري ميللر («مدار السرطان»). وقال أبدايك عن رواية ويلسون إنها قدمت له «أول لمحة عن الجنس، من نافذة القصة، على أكثر الأنحاء حيوية».
كذلك كتب للأطفال «المزمار السحري» (1962 (و«حلم بوتوم» (1969 ­ وبوتوم شخصية تظهر في ملهاة شكسبير «حلم ليلة صيف»).



وكما نال أبدايك تقديرا واسعا من جانب النقاد والجمهور على السواء، حتى لقد عده البعض أهم روائي أميركي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، نال نصيبه من سهام النقاد. قال عنه جون ألدردج: «ليس ذهنه شائقا». وقال نورمان بودهوتنر: «عندي أنه كاتب ليس لديه ما يقوله سوى النزر القليل». وقال هارولد بلوم: «إنه روائي صغير ذو أسلوب كبير». وقال جور فيدال: «إن أوصافه بلا هدف». ووجدت دوروثي رابينويتزر «خواء» في قلب قصصه.
ومما يزيد من قيمة كتاب بجلي ما يحتويه من صور لأبدايك في مختلف مراحله العمرية: طفلا، وصبيا يقف بين أبيه وأمه، وتلميذا في المرحلة الثانوية، وطالبا في جامعة هارفارد، وأبا يحمل ابنته بين ذراعيه، وجالسا يؤلف على آلته الكاتبة، ولاعبا التنس والكرة الطائرة والغولف، وجدا مع أحفاده ­ ثم صورة شاهد قبره.

ــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: جريدة الشرق الأوسط، 3 سبتمبر 2014م، العدد 13063.