‏إظهار الرسائل ذات التسميات تينسي وليامز. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تينسي وليامز. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 22 يوليو 2016

تينيسي ويليامز يرتد بالذاكرة في رحلة وعي مريض

أبو بكر العيادي
العرب[نُشر في 18/07/2016، العدد: 10338، ص(16)]

بعد تشيخوف وجان جينيه، اختار مسرح الهضبة بباريس التعامل مع عملاق آخر هو الأميركي تينيسي ويليامز، عبر مسرحية “حظيرة الوحوش الزجاجية”، وهو نصّ معقّد عن شريحة من المجتمع الأميركي تواجه أوضاعا معيشية وعاطفية صعبة بعد الحرب، قال عنه صاحبه إنه يدور في الذاكرة، والذاكرة بالنسبة إليه تقع في القلب، لأن الذاكرة تولّد حنينا عادة ما يُجمّل الماضي، فيزيد الحاضر سوداوية.

مسرحية “حظيرةُ الوحوشِ الزجاجيّةُ” التي تعرض حاليا على خشبة مسرح الهضبة الباريسي، هي أول عمل مسرحي كتبه تينيسي ويليامز (1911 /1983)، وقد استوحاه مما عاشه في وسطه العائلي، والمعروف أنه بدأ كتابة الشعر منذ سنّ الرابعة عشرة “للهروب من عالم الواقع”، كما قال في مذكراته، والحياة الرتيبة التي كان يحياها في بلدة بأميركا العميقة داخل إطار عائلي خانق: أب مستبدّ ولا سيّما تجاه هذا الابن الحالم، وأمّ لم تبرح عالم طفولتها الذي غادرته، وأخت مريضة ذهنيا.
وظلت الكتابة لديه بلسما لجراحه الجسدية والمعنوية حتى وفاته، إذ لم ينقطع عن التأليف سواء في الشعر مثل “في شتاء المدن”، أو في القصة مثل “الملاكم الأبتر” و”الدجاجة القاتلة” والرواية مثل ”الربيع الرّوماني لمسز ستون” و”امرأة تدعى موسى”، ولكن شهرته حازها عن طريق مؤلفات مسرحية كانت تعرض في برودواي وفي شتى عواصم الدنيا، وغالبا ما حوّلها كبار المخرجين كإيليا كازان وجون هوستون وجوزيف مانكيفيتش إلى أفلام سينمائية ناجحة، نذكر منها “ترامواي اسمه رغبة” و”قطة على صفيح ساخن” و”الوردة الموشومة” و”صيف ودخان”… وتتميز كتابته بكثافة أنيقة تأتلف فيها الواقعية بالغنائية.

مرارة وخيبة

تدور أحداث مسرحية “حظيرةُ الوحوشِ الزجاجيّةُ” في شقة ضيّقة بسانت لويس، وتضع على الخشبة ثلاثة أفراد من عائلة واحدة، آل وينغفيلد: الأم أماندا، التي هجرها زوجها، وابنها توم، الذي يعمل بمصنع للأحذية ويكتب الشعر في أوقات فراغه، ويحلم بالمغامرة والسينما، وابنتها لورا، المعوقة المولعة بتأليف تشكيلة لحيوانات صغرى من الزجاج، يُضاف إلى هذا الثالوث الشابّ جيم، زميل توم، المدعو لقضاء السهرة.

ومن خلال هذا الوضع الذي يستمده من حياته الخاصة، ومن حكاية بسيطة مُغرقة في المحلية، يبني ويليامز عملا إنسانيا كونيا، مشوبا بالمرارة والخيبة، يحوم حول الفقدان والحداد، والحضور الدائم لِـما وَلّى.

فأماندا، المهووسة بشبابها الضائع، لا تنفك تنكّد حياة ولديها لأجل ما تعتبره مصلحتهما، وهي عاجزة عن التمييز بوضوح بين أوهامها وواقعهما، تنظم سهرة سوف يأتي خلالها رجل “كيّس”، لتعرّفه على ابنتها المصابة بإعاقة غامضة تجعلها غير قادرة على الحياة بصفة طبيعية، وتنسج خطط زواج معقدة من شأنها أن تحلّ مشكلات العائلة المادية والعاطفية، ولكنها تتسبب في كارثة ترديهم جميعا إلى الانكفاء والبؤس.

المسرحية تعرض الحياة كتجربة خالية من المعنى، ممهورة بلحظات جميلة جمالا لا ننهض بعده، ففي شرنقة هذه السهرة الضيقة حيث ترتجّ الحدود، ينتأ شيء غامض يوشك أن يحدث ويزعزع كيان أولئك الأفراد.

لورا تقترب كثيرا مما يبدو بالنسبة إليها معجزة، أثناء مدة بالغة القصر، وتعيش ما لم تكن تتصوره، ثم تعود مثلما كانت، لتعيش على وهم ما كان، وبحِمْل ثقيل يرهق الذاكرة، حِمل فرحة لم تتمّ.

هذا المشهد الأليم، الذي يداني السخرية، يستبدّ بالسارد، توم، الذي يروي تلك الحادثة بعد سنوات من وقوعها، ويسترجع السجن العاطفي الذي تمثله حياته جنب أمه وأخته، لذلك اختفى، فرّ كما فرّ أبوه من قبله، وترك المرأتين دون أخبار ولا معين.


بين كرب وضحك

لا شيء في هذه المسرحية مادّيا، فالوجوه أطياف تعبر ذاكرة السارد، ثمرة هوسه وعواطفه، هي رحلة في وعي مريض، بين الكرب والضحك، وتينيسي ويليامز نفسه يشجع المخرج على التنصّل من إرغامات الواقعية، ويقترح أشكال تمثيل، وترتيب علاقات تعكس البنى النفسانية العميقة، فهو يميل إلى دراماتورجيا تقوم على الثغرات والغياب والانزياح عن الواقع، وتلك سمة مسرحه، حيث التبادل غير مضمون، والعواطف تنفذ من الكائنات لتنهمر كالمطر بفعل لامنطقية متأصلة.

شخوص “حظيرة الوحوش الزجاجية” ضائعة، وطريقة احتلالهم الفضاء الأساس هي التيه، أماندا تائهة في بيتها، في المدينة، وبين ولدها وابنها، وإرادتها تسعى إلى إزالة كل عائق يمكن أن يحول بينها وبين تيهها: أن يستسلم لها ابنها، يتغيب من تلقاء نفسه، يقوم بالمعيش اليومي، ويخلصها من كل ثقل مادّيّ، وأن تخرس ابنتُها، وتكبت أنوثتها، وتغيب عن وضعها كمتفرجة دائمة لهوس أمّها، وأن يرضى جيم بأن يقدّم في شكلِ منحوتةٍ الجسدَ الراغبَ لرجلٍ مفقودٍ، ولا يزال مرغوبا فيه، وأن يبقى على الداوم خدعة، لا يتدخل، ولا يكون له وجود، فهي في نهاية الأمر وحيدة، تتيه حبيسة منظومة مغلقة.

التمثيل ومؤثرات الصوت والضوء وكذلك السينوغرافيا (ركح مربع محاط بستائر بيضاء شفافة، وفانوس في شكل إكليل زهري يخفق مثل ميدوسا) توحي بأن المسرحية غير واقعية، والأحداث تجري عكس ما يتوقع المتفرج، وهو ما أراده تينيسي ويليامز، إذ يؤكد أنها تدور في الذاكرة، لكونها تجيز عدة إباحات شاعرية، فتهمل تفاصيل، وتضخّم أخرى، وفق القيمة الانفعالية للذكريات، لأن مقرّ الذاكرة، كما يقول، هو القلب.


أبو بكر العيادي

الأحد، 10 يوليو 2016

المسرحي الأميركي تينسي وليامز شاعر الرغبات المعقدة

عابد إسماعيل

تاريخ النشر: 10 شباط 2013


بالصورة الشعرية المكتنزة بالشغف، الرافلة بالعاطفة المشبوبة، يطوّع تينسي وليامز اللّغة المسرحية لرسم شخصياته، وبناء حبكته، وصياغة حواراته، متجنباً الوقوع في فخّ النظم، والسير على هدى المحاكاة، ما جعله أحد أبرز المجدّدين في المسرح الأميركي الحديث، وأحد أعمدة الدراما الرمزية في القرن العشرين، فالشعرية المرصعة بالشطح الفرويدي، أتاحت لهذه الموهبة الكبيرة الدخول إلى أعماق الشخصية، وسبر أغوارها ومكنوناتها، وتحرير الحدث من وطأة الشكلانية، عبر استبطان التجربة الحياتية، وجَسْرِ الهوة بين الموضوعي والذّاتي.
والحق أن شهرة وليامز انطلقت مع مسرحيتين تزاوجان ببراعة بين الذاتي والموضوعي، وتُعتبران اليوم من ركائز المسرح الحديث، هما «حديقة الحيوانات الزجاجية» (1944) و «عربة اسمها الرغبة» (1947)، اللتين أخرجهما على مسارح برودواي في نيويورك المخرج الكبير إيليا كازان، قبل أن تتلقّفهما هوليوود وتحوّلهما فيلمين سينمائيين، اشترك في بطولة أحدهما الممثل الشهير مارلون براندو. ولو أن وليامز قرر الصمت بعد هاتين المسرحيتين لما تبدّل شيء، ربّما، في مكانته المرموقة، ولكان احتل، كما هو الحال اليوم، منزلة متقدمة في تاريخ المسرح الطليعي، إلى جانب يوجين أونيل وآرثر ميلر، حيث أرسى معهما ركائز ما يسمّى «الدراما الجديدة»، التي نبذت الفانتازيا الرومانسية، وخلّصت المسرح الأميركي من تبعيته للنماذج الأوروبية الوافدة، المتمثلة آنذاك بالرمزية القاتمة لهنريك إبسن، بل نزعت أكثر فأكثر باتجاه تصوير واقع الحياة اليومية، وخاصة في الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين، والتي تخللتها في مطلع الثلاثينيات كارثة «الكساد العظيم»، التي أوصلت الولايات المتحدة إلى حافة الهاوية. من رحم هذه التحولات ولد مسرح تينسي وليامز، وبنارها اكتوت شخصياته، التي تمردت على قيم الرأسمالية المتوحشة، وسعت لتفكيك أوهام الطبقة الأرستقراطية، والغوص أعمق في حياة المحرومين والمشردين والهامشيين، وبخاصة التركيز على أزمات الفرد الأميركي، عبر الدخول إلى عوالمه النفسية، وتسليط الضوء على المكبوت والمنسي والمقموع، من هنا شغف وليامز بالذاكرة وآلياتها في طريقة رسم شخوصه ونسج أقدراها، كما هو حال بطله «توم» في مسرحية «حديقة الحيوانات الزجاجية»، أكثر أعماله التصاقاً بسيرته الذاتية.
السبر المحموم لسيرة الشخصية، واعتماد الترميز وسيلة للكشف عن عقدها وهواجسها، ميَّزا أسلوب وليامز أكثر من أي شيء آخر، وجعلا صوته أكثر فرادةً وجاذبية. في مسرحية «حديقة الحيوانات الزجاجية» الآنفة الذكر، تتناهى إلينا نبرة الاعتراف الحميمة على لسان بطله توم، فتزول المسافة بين السيرة والحدث، وتتماهى الشخصية مع الشخص، ويتبادل توم الراوي الأدوارَ مع تينسي المؤلف، في أبهى رسم للشخصية المركّبة، الباحثة عن فردوسها المفقود: «تنقّلتُ كثيراً. كانت المدنُ تتطاير حولي كأوراق ميتة، أوراق ساطعة الألوان، سُلِخَت عن أغصانها وتطايرت. كان يمكنني أن أتوقّف، لكنّ شيئاً ما كان يلاحقني. يهبطُ عليّ في غفلتي، ويباغتني. لعلّها مقطوعة موسيقية مألوفة. لعلّها مجرّد نثرةٍ من الزّجاج الشفّاف».
والحق أن ومضات السيرة الذاتية لا تنفك تطارد جل شخصيات وليامز، فتكتظ الحبكة لديه بآباء غائبين، وأمهات معذبات، ومشردين مطاردين، ونسوة مقموعات، بل باتت كل شخصية نسائية يرسمها تحمل بعضاً من ملامح شقيقته المجنونة، «روز»، كما تكشف «لورا» في مسرحية «حديقة الحيوانات الزجاجية»، الفتاة المرهفة التي بترت كل علاقة لها بالعالم الخارجي بسبب شلل في ساقها، وعطب في وعيها، فتركت مدرستها، وقطعت صلاتها بالناس، وابتكرت جنة افتراضية لنفسها، لا تسكنها سوى حيوانات زجاجية صامتة. ولم تكن والدتها أماندا بأحسن حال منها، فقد عاشت على أطلال ماضيها الأرستقراطي، بعد أن هجرها زوجها واتسعت الهوة بين واقعها وأحلامها، ما جعلها تعاني انفصاماً حاداً، لا براء منه.

قلق ومعاناة
هذه الحياة، اتسمت، منذ بدايتها بالقلق والمعاناة، ويصف تينسي وليامز، المولود عام 1911 في الجنوب الأميركي، مسقطَ رأسه بالعالم «الفسيح، المظلم»، وهناك أمضى سنواته السبع الأولى مع والدته وشقيقته وجديه، وتحديداً في مدينة كولمبوس، في ولاية ميسيسيبي. في عام 1918 قرر والده، الذي كان يعمل بائع أحذية، والذي يصفه وليامز بالحالم المغرم «بالمسافات البعيدة»، نقل الأسرة إلى سانت لويس، وشكَّل هذا الانسلاخ عن مهد الطفولة، صدمة نفسية رهيبة، ترجمها الكاتب في كثير من مشاهده، حيث المقارنة بين ماض رومانسي بعيد وحاضر ملغز مثقل بالفوضى، يرمز إليه أب مقامر أدمن الخمر والنساء والترحال، ما جعل الصبي، ابن الثامنة، يصبح أكثر انطوائية، ويطور عقدة الخجل التي رافقته حتى مماته.
هذا الصراع المبكر بين الماضي والحاضر، جعل وليامز يفكر بالهروب، والتخلص من أزمات العائلة، التي وصلت ذروتها مع نقل شقيقته، روز إلى مصح عقلي. وعانى وليامز من الاكتئاب سنوات طويلة، وعاش تحت وطأة الخوف من الجنون كما حدث لأخته. هنا، أراد الهروب من جحيم حياته العائلية العاصفة، فاختار نيو أورليانز مكاناً للسكن والكتابة، بل إنه تخلّى عن اسمه الحقيقي، وانتحل عام 1939 اسماً مستعاراً هو «تينسي»، بدلاً من «ثوماس»، يختبئ خلفه ويوقع به أعماله. ويصدر تينسي خلال مسيرته الحافلة خمساً وعشرين مسرحية، وروايتين، ورواية قصيرة، وستين قصة قصيرة، وأكثر من مئة قصيدة، وكتاب سيرة ذاتية واحداً، ونال العديد من الجوائز، لعلّ أهمها جائزة بولتزر للمسرح عام 1948 عن مسرحية «عربة اسمها الرغبة».
في هذه الأعمال تبرز الرمزية الشعرية سمة للحساسية الجديدة، اجترحها وليامز بعد أن هيمن الخطاب المدرسي على أعمال معظم مجايليه، وتكلّست اللغة الدرامية تحت وطأة مفاهيم الالتزام، والنضال، وصراع الطبقات، والتي لعب الألماني برتولد بريخت دوراً محورياً في ترسيخها، كما لم ينج منها كاتب كبير مثل آرثر ميلر، وبدرجة أقل يوجين يونيل.
واتسمت انطلاقة وليامز الأولى على مسرح بوسطن عام 1940، بمسرحية تجريبية تحمل عنواناً رمزياً، هو «معركة الملائكة»، والتي وإن لم تحظ بنجاح كبير، إلا أنها لفتت الانتباه إلى موهبة غير عادية، تعرف كيف تزاوج بين السبر السيكولوجي والتخيل الشعري، وتجيد رسم الحبكة وابتكار المشاهد الموغلة في التجريب، واستحق وليامز بها أن يوصف بشاعر التعبيرية الرمزية، الذي يجيد فن الاستعارة وربط الحدث ببنية رمزية متماسكة.
من هنا، لم يكن وليامز كاتباً دعائياً، بل أجاد لعبة الإيحاء واللّعب على أوتار اللغة، كما في مسرحيته «عربة اسمها الرغبة»، حيث تتسرب إلى الفضاء المسرحي جملة استعارات تصف حال التمزق والاغتراب التي تعيشها بلانش، ابنة الجنوب الأميركي التي وجدت نفسها ضحية فردوس مفقود.
ولم ينس وليامز أن يعرِّج على حقبة الحرب الأهلية في الجنوب أيضاً، مثلما فعل بعض أقرانه الجنوبيين، مثل وليام فوكنر وفلانري أوكانور، حيث تبرز الشخصية مثخنة بكوابيس الماضي. وهكذا، نجد أن وليامز يبرع في التقاط الموسيقى الخبيئة للشخصيات، غير آبه بتقاليد الكياسة، مصوراً القسوة في أعتم صورها. يرسم وليامز شخصيات مهزومة، تبكي على ماض ولى وانقضى، ما يجعلها تدأب على اختراع بديل جمالي لإشباع الرغبة، وهدهدة الحلم الهارب، مثل لورا التي تحتمي بأيقوناتها الزجاجية، أو بلانش التي تحاول أن تخفي بشاعة منزل كوالسكي بقناديل ورقية، أو الحالمة ألما واينميلر في مسرحية «صيف ودخان» (1957)، التي تئن تحت وطأة حرمان مزمن، فتهرب للهلوسة وأحلام اليقظة. ويبرز لدى وليامز دائماً نموذج الشخصية الطريدة والمطاردة، التي لا تستقر على حال، وتبحث عن ملاذ يقيها شرور العالم الخارجي وآثامه.
في مسرحيته «أورفيوس هابطاً» (1948)، يعترف بطله خافيير بمأزق الاغتراب الذي يعانيه الإنسان في العصر الحديث، إذ يقول: «محبوسون نحن داخل جلودنا، وحيدين ما حيينا، على هذه الأرض».
ويلخص وليامز في استهلاله مسرحية «قطة فوق سطح صفيح ساخن» (1955) هذا المأزق المعتم باستعارة دامية تقارن العزلة المطبقة لشخصياته «بصرخة سجين لسجينٍ، يتردّد صداها من زنزانة إلى أخرى، مدى الحياة».

حملة نقدية
في العقدين الأخيرين من حياته، لم يسلم وليامز نفسه من صدى هذه الصرخة، حيث إنه تعرّض لحملة من النقد القاسي واللاذع، فانكفأ إلى عزلته، بل ثمة من رأى أن وفاته في فندق في نيويورك عام 1983، بعد جرعة زائدة من الخمر والمخدرات، كانت بمثابة انتحار مبكر، عجّل به الهجاء اللاذع لمسرحياته الأخيرة. والحق أن وليامز كان بدأ يشعر بأن نبع الإلهام لديه قد نضب حقاً، وشيئاً فشيئاً انفضّ عنه المخرجون والمنتجون، وباتت حياته نهباً للكحول والجنس والمخدرات، حتى أن أسلوبه انكفأ إلى الميلودراما النمطية، المفتعلة، وبدأ يفقد لمسته السحرية التي ميزت نصوصه الأولى. ولاحظ النقاد افتقار الحبكة لديه للتماسك، وجنوح حواراته للهرج الفلسفي، وخلو لغته من البهجة الجمالية التي لطالما بهرت قرّاءه. مع ذلك، لم يستسلم وليامز بسهولة، وظل يمسك بالورقة والقلم حتى آخر رمق في حياته.
أمام هذا الرعب، يستحق وليامز أن يوصف بالعبقري الجريح، الذي اتسمت حياته بتراجيديا قاسية، فالنجاح المنقطع النظير الذي حققه في الأربعينات والخمسينات، خبا بريقه في العقدين الأخيرين من حياته، ما جعله يعيش صراعاً داخلياً عنيفاً، كان بمثابة صراع الكاتب مع مخيلته. والمفارقة أنّ حياته ذاتها تحولت إلى تراجيديا مكتملة الحبكة والعناصر، يلعب فيها دور المؤلف والرّاوي والممثل، ويؤدّيها وحيداً فوق منصّة جرداء سقفُها الريح.
ــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة اللندنية