‏إظهار الرسائل ذات التسميات ارسكين كالدويل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ارسكين كالدويل. إظهار كافة الرسائل

السبت، 9 يوليو 2016

«الأرض المأسوية» لإرسكين كالدويل: إسعَ يا عبديَ كي أسعى معك!

إبراهيم العريس

27 كانون الأول 2013

من ناحية مبدئية، ليست هناك أي علاقة مباشرة بين نصين كتبهما الأميركي إرسكين كالدويل في عام واحد، هو 1944، أي العام الذي تلى عودته من زيارة طالت أيامها بعض الشيء، الى أوكرانيا في الاتحاد السوفياتي. وكان كالدويل قد توجه الى هناك خلال السنوات الصعبة التي مرت على هذا البلد تحت ربقة الحصار النازي والأوضاع المهترئة، حيث كان دُعي من جانب السلطات السوفياتية نفسها لتغطية الحرب وأوضاع السكان السوفيات في ذلك الحين. إذاً، زار كالدويل أوكرانيا بالفعل وكتب تحقيقات جيدة عن السكان وبؤس أوضاعهم وقدرتهم على التصدي للحصار، غير أنه، في الوقت نفسه، اختزن في ذاته وفي ذاكرته في شكل أكثر تحديداً، صوراً أقل جمالاً لممارسات السلطة الستالينية وللفجائع التي كان الشعب يتعرض لها وقد وقع تحت مطرقة الألمان وسندان الستالينيين. غير أن كالدويل، حين كان لا يزال يواصل زيارته الى الاتحاد السوفياتي، آثر ألا يكتب كلمة عن هذا كله، إما لأن مهمته التي انتدب للقيام بها لم تكن هكذا، وربما لأنه خاف بطش السلطات. لكنه ما إن عاد الى وطنه الأميركي حتى نشر نصاً عنوانه «رسالة الى جنفياف» صوّر فيها الحقائق التي رآها، وفضح، من وجهة نظره، ممارسات السلطات القمعية، مقارناً إياها في بعض الفقرات بأسوأ ممارسات النازيين، وذلك من خلال حكاية امرأة مناضلة اتهمتها سلطات بلادها بالتجسس وأعدمتها. وهذا النص أضيف يومها الى سلسلة النصوص المشابهة التي كان كتّاب كثر في العالم، وتحديداً في صفوف أنصار السوفيات والاشتراكية، قد دأبوا على كتابتها منذ بداية سنوات الثلاثين من القرن العشرين، أي منذ بدء القمع والمحاكمات الستالينية، ليعلنوا فيها، في شكل أو في آخر، خيبة أملهم إزاء ذلك المثل الأعلى الاشتراكي الكبير الذي داعب أحلامهم يوماً ليكتشفوا حين تحقق انه لم يكن أكثر من كابوس.

 إذاً، في العام نفسه الذي نشر فيه إرسكين كالدويل «رسالة الى جنفياف»، نشر نصه الآخر الذي كان هذه المرة رواية طويلة، ستعتبر لاحقاً من أفضل رواياته وأكثر كمالاً وهي التي استقر عنوانها أخيراً على «الأرض المأسوية». والحال أننا إذا قرأنا هذه الرواية، على ضوء النص الفاضح للستالينية المستشرية في الاتحاد السوفياتي، سيخطر في بالنا فوراً، وأمام قسوة الاتهامات التي يوجهها كالدويل في الرواية الى الواقع الأميركي، أن هذا الكاتب إذ قرر أن يقول حقيقة ما عاشه «هناك» وخيّب أمله، آثر - لئلا يُستخدم نصه من جانب اليمين الأميركي الذي كان يراه أكثر سوءاً في الستالينية - أن يكتب رواية يقطع بها الطريق على أي استخدام مغرض لنصه. وكأنه كان يريد أن يقول، عن حق، ان سوء الوضع في بلاد الاشتراكية، لم يخفف من حماسته لنضال الإنسان البائس ضد كل ظلم، كما لم يخفف من حماسته للأفكار التقدمية الإنسانية. بالنسبة إليه، وفي النصين، كان إرسكين كالدويل كمن يريد أن يقول إنه إذا كانت ثمة خيانة لأفكار التقدم والمبادئ الإنسانية، فإن الستالينية هي الخائنة وليست الأفكار الاشتراكية نفسها. والحقيقة ان كالدويل إنما سار في هذا النمط من الفكر على منوال معظم الكتاب التقدميين الكبار الذين خيّبت الستالينية آمالهم.

 فماذا إذاً عن رواية «الأرض المأسوية»؟ إنها، في اختصار شديد، عمل يسير على خطى روايات كالدويل التقدمية الكبرى، من «طريق التبغ» الى «أرض الله الصغيرة». وهي تدور، أحداثاً، في ضواحي المدن الكبرى، متحلقة من حول أسرة الأب سبنس دوتيت، الذي اصطحب زوجته مود وابنتيه ليبي ومافيس، هاربين من بؤس الأحوال المعيشية في موطنهم الريفي الزراعي، حيث حصل الأب في الضاحية - التي لا تقل بؤساً عن الريف - على عمل في مصنع للبارود. غير ان ضغط الشح الاقتصادي أدى بسرعة الى إقفال المصنع، ما جعل من سبنس عاطلاً من العمل، هو الذي كان قد عرف أصلاً بكسله (الذي كان سبباً في هجرته الريف للعمل في الضاحية) وباستسلامه التام أمام القدر... ومن هنا نراه، إذ حلت به كارثة البطالة، يرضى بالعيش مستكيناً، بفضل دريهمات قليلة كانت تمدّهم بها الابنة ليبي، التي كانت وجدت عملاً لنفسها في المدينة. والحال اننا حين ندخل أحداث الرواية، يكون قد مر أكثر من عام على توقف سبنس عن العمل. والكاتب إذ يقدم لنا هنا شخصية بطله هذا وأحوال أسرته، إنما يموضع التقديم في ذلك الحي المتاخم للضاحية والذي يعتبر من أكثر أحيائها بؤساً وفقراً الى درجة أن الناس أطلقوا عليه اسم «مدينة الفتى البائس» (بوربوي تاون)... ثم يفيدنا بأن سبنس راض بعيشه، على رغم أن زوجته شبه مقعدة غير قادرة على الحراك بسبب مرض «الريقان» الذي يكاد يقضي عليها، فيما نكتشف أن الابنة الصغرى مافيس، هربت من بيت الأسرة لتعيش في بيت للدعارة مع ان سنّها لا تتعدى الثالثة عشرة. وتبدأ الأحداث هنا، مع مجيء مرشدة اجتماعية الى بيت سبنس لتطلب منه ان يستعيد ابنته الصغرى من بيت الدعارة. وهنا، إذ يجد الأب نفسه مضطراً للرضوخ، يتفتق ذهنه عن فكرة يراها رائعة: ان عليه أن يزوّج هذه الابنة، مافيس الى رجل غني يحضنها وفي طريقه يساعد الأسرة على تسوية أوضاعها. وطبعاً لسنا هنا في حاجة الى أن نقول كيف ان إرسكين كالدويل يصور لنا بكل بساطة كيف ان أزمان المعجزات قد ولت، وأن الحلم الذي يداعب خيال الأب، مهما كان أخلاقياً ومشروعاً وإنقاذياً، ليس مكتوباً له أن يتحقق لأن الواقع غير الخيال... والواقع يقول لنا متسائلاً: من أين ستأتي المعجزة وسط وضعية هي من البؤس بحيث لا تتيح مجالاً للمفاجآت؟ المهم، إذاً، أن جهود سبنس تفشل تماماً... ولكن في المقابل ستولد شرارة أمل، لا تحقق تماماً كل أحلام سبنس، لكنها تحمل شيئاً من الإنقاذ. إذ إن الابنة الكبرى ليبي هي التي تتزوج، من دون معجزة ولا يحزنون، وتهرع لإنقاذ العائلة... ولكن بطريقة أكثر تواضعاً بكثير من الطريقة العجائبية التي كان يحلم بها سبنس دوتيت. فليبي تأتي الى بيت هذا الأخير مع زوجها وإنما لاصطحابه الى الريف الذي كانوا، جميعاً، في الأصل قد أتوا منه. انه - أي الريف - الإنقاذ الحقيقي... لكنه يتطلب جهداً وكدحاً يتعين بذلهما، بدلاً من الذل والبطالة المستشريين في المدن وضواحيها التي ضاقت بسكانها ومتطفليها، فيما فرغت الأرياف من أهلها الطيبين.

 هذه هي الرسالة التي أراد إرسكين هنا إيصالها. رسالة أمل وتفاؤل انما مشروطين. فالأوضاع صعبة والأقدار ظالمة، ولكن ألا يتعين علينا نحن أن نبذل جهداً ما، من أجل إحداث تغيير في مجرى الأمور والأحداث؟ في مجرى أوضاعنا على الأقل؟

 الحقيقة ان هذه الدعوة لم تكن شيئاً جديداً في فكر إرسكين كالدويل وأدبه. فهذا الأدب اتسم دائماً بوضع شخصياته أمام مسؤولياتها من دون توجيه الاتهام كله الى الأقدار والأوضاع الاجتماعية. ولعل هذا ما ميز روايات كالدويل وأعطاها، من ناحية، نكهتها الإنسانية، ومن ناحية ثانية هواها وسماتها الأميركية. ومن هنا اعتبر إرسكين كالدويل (1903 - 1987) واحداً من أكثر ممثلي الأدب الاجتماعي الأميركي قوة وتعبيراً، حتى وإن كنا نلاحظ أن كلاسيكيته لم تعد مستساغة بقوة، على الأقل، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، حيث نراه وقد لفّه النسيان بعض الشيء. غير ان هذا لا يمنع من القول إن إرسكين كالدويل كان واحداً من كبار الأدباء الأميركيين وأكثرهم شعبية، وأن رواياته الكثيرة، كما قصصه القصيرة عرفت كيف تشق طريقها، خارج الموض والحداثات، ليس فقط لدى القراء الأميركيين، بل لدى قراء كثر في العالم أجمع ترجمت رواياته الأساسية الى لغاتهم، كما تمكن بعضهم من مشاهدتها أفلاماً ومسرحيات.
ــــــــــــ
المصدر: الحياة اللندنية، 27 كانون الأول 2013.
alariss@alhayat.com

الخميس، 7 يوليو 2016

«طريق التبغ» لإرسكين كالدويل: فضائل الأشرار البائسين

ابراهيم العريس




«لقد مشيت في ذلك الدرب في صميم فصل الشتاء، ورأيت الناس الجائعين الملتفّين بالأسمال البالية يذهبون إلى لا مكان ويأتون من لا مكان، ملتمسين الطعام والدفء، راغبين في أن يعرفوا ما إذا كانت أشياء مثل الطعام والدفء، لا تزال موجودة في بقعة ما من بقاع العالم. إنهم لم يلتمسوا شيئاً أكثر من الغذاء الكافي لأن يمسك عليهم الحياة حتى مطلع الربيع. بحيث يكون في مقدورهم أن يزرعوا القطن للموسم الجديد. كان لهم من الإيمان بالطبيعة، بالأرض، وبالنبات الذي في الأرض، ما جعلهم لا يفهمون كيف يمكن للأرض أن تخونهم أو تخيب رجاءهم، ولكن خانتهم وخيبت رجاءهم...». ليست هذه السطور سوى جزء من التقديم الذي كتبه إرسكين كالدويل لروايته الأشهر «طريق التبغ»، تلك الرواية التي من الواضح أن الكاتب يتحدث فيها عن عالم يعرفه جيداً، عن أناس طبعوا طفولته وصباه. فهو أتى أصلاً من تلك البيئة «البائسة البيضاء»، التي كانت تهيمن على مدن الجنوب الفقيرة في الولايات المتحدة الأميركية خلال سنوات القحط وبالتحديد عشرينات وبداية ثلاثينات القرن العشرين. ولئن كانت هذه العبارات تبدو حافلة بالمرارة والغضب والحسرة وصولاً حتى إلى نوع من السوداوية التي تبدو عادة، غريبة بعض الشيء عن ما يستدعيه الحلم الأميركي، فإن الرواية نفسها على العكس من هذا، تحفل بالمواقف المرحة، ناهيك بالتعاطف الذي يبديه الكاتب حتى مع أكثر الشخصيات شراً، وأكثر المواقف إيلاماً، دع عنك بعد هذا كله تلك النهاية الملتبسة التي يمكن أن يقال عنها أنها كانت نهاية سعيدة بعد كل شيء. ومن المؤكد أن هذا ما جعل الرواية تحقق حين صدرت في العام 1932، أي في عز مرحلة الفقر والجوع التي تلت الانهيار الاقتصادي الكبير الذي حدث في العام 1929، نجاحاً كبيراً، إلى درجة أن المسرحية التي اقتبست منها في برودواي، ظلت تعرض ثمانية أعوام متواصلة، مع أنها لم تكن مسرحية موسيقية، ما جعل من كالدويل واحداً من أكثر الكتاب شعبية في ذلك الحين.





ومهما يكن من الأمر فإن «طريق التبغ» التي كانت الرواية الثالثة له، هي ما صنع شهرة إرسكين كالدويل، ليس فقط ككاتب، بل ككاتب إنساني لا يحاول في أدبه أن يعطي دروساً وأن يصنف الناس أخلاقياً على ما كان اعتاد أن يفعل أدب من النوع الوعظي كان سائداً في ذلك الحين. فالناس في رواية «طريق التبغ» هذه فقراء وبائسون وخطاة ولصوص، ولا يأبه واحدهم بمصائب الآخر، لكن السؤال يبقى: هل ترى هؤلاء الناس ولدوا هكذا؟ أو هل تراهم اختاروا بإرادتهم أن يكونوا أشراراً؟ أبداً يقول كالدويل، إن مجتمع البؤس الخارج عن إرادتهم هو الذي صنعهم. وبالتالي فإن الكاتب يقدم لنا من دون أية أحكام مسبقة أو أحكام أخلاقية ذلك العالم الغريب في الرواية المتحلق من حول أسرة جيتّر ليستر، المزارع البائس الممتلئة حياته بالخطايا وبالأطفال الذين أنجبت له زوجته آدا سبعة عشر ولداً في بيتهم الضيق الفقير الواقع في خراج بلدة أوغوستا بولاية جورجيا الجنوبية. لقد مات باكراً خمسة من أولئك الأولاد، وهرب معظم الباقين إلى المدينة: وهناك في الحلقة المحيطة بأسرة ليستر صهر العائلة لوف بنزي الذي لا يتوقفون عن محاولة سرقته، على رغم أن زوجته ابنتهم بيرل ذات الإثني عشر عاماً التي تزوجها لا تقربه بل حتى لا تتحدث إليه. وهناك «الداعية» الدينية - من دون أن يكلفها أحد بذلك! -، بيسي التي تقرب من الأربعين، وترملت غير مرة بعدما كانت مومساً، وها هي الآن تغري إبن الأسرة ديود (16 سنة) بالزواج منها مقابل أن تشتري له سيارة يقودها فيتجولان معاً للدعوة إلى الدين. إذاً، من حول هذا العالم بما فيه من احتيال وبؤس وأكاذيب وقبح (بل حتى قبح بالمعنى الجسدي، حيث تطالعنا الابنة الباقية في البيت ليستر مشوهة الشفة ما ينعكس عليها أخلاقاً شيطانية، كما تطالعنا بيسي بوجه خال من الأنف تقريباً ما يجعلها شبيهة بالخنازير). ولكن هل ثمة من يحفل بهذا؟ إن «طريق التبغ» ترينا أن لا أحد يحفل وتقول لنا لماذا، ولكن بأسلوب هو أدنى إلى الفكاهة والتعاطف، ناهيك بالتضافر بين العنف والحنان...

العنف، الحنان، الجنس والهزل الصاخب، هي السمات والأمور التي طبعت على الدوام أدب الأميركي إرسكين كالدويل، أحد أكبر أدباء الولايات المتحدة شهرة في العالم، وعلى الأقل بفضل «طريق التبغ» كما بفضل روايته الثانية التي، بدورها ترجمت إلى شتى لغات الأرض، «أرض الله الصغيرة». ومع هذا، وعلى رغم انتشار أدبه ذلك الانتشار الكبير، نادراً ما صُنّف كالدويل في خانة أدباء الصف الأول الأميركي إلى جانب إرنست همنغواي أو وليام فولكنر. ومن هنا اعتبر على التوالي أصغر الكتاب العظام، أو أعظم كتاب الصف الثاني. ومع ذلك ليس ثمة أدنى شك في أن كالدويل كان، كما نلاحظ في «أرض التبغ» ولكن كذلك في معظم نصوصه الأخرى، من أفضل الذين سجلوا مدونات حياة وآلام الريفيين في الجنوب الأميركي، لا سيما البائسين منهم والمحبطين والذين نادراً ما تتحقق آمالهم. وهذا ما جعله ذا حظوة في فرنسا والاتحاد السوفياتي تفوق حظوته في بلده الأم.

غير أن هذا لم يمنع عالم الأدب من نسيان كالدويل بشكل شبه تام، بحيث أن الكثيرين تساءلوا حين رحل الرجل عن عالمنا عام 1978، كيف يموت الآن وكنا نعتقده ميتاً منذ زمن بعيد. ذلك أن أدب كالدويل العنيف والكلاسيكي والواقعي إلى حدود التخمة تبدّى، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أدباً ينتمي إلى عوالم ماضية. والحال أن كالدويل نفسه كان يشجّع على ذلك، فهو لم يسع أبداً إلى تطوير لغته أو أساليبه، وظل رصده للواقع الأميركي رصداً متشبعاً برؤى المراهق الذي كانه، خلال الربع الأول من هذا القرن، حين قيض له أن يرافق أباه الكاهن المبشر، متجولاً بين كنيسة وأخرى في ولاية جيورجيا الجنوبية مسقط رأسه. ولقد أتاح ذلك التجوال لإرسكين أن يرصد أحوال الناس ويدخل إلى سرائرهم، ما وفر له ترسانة معرفية تتعلق بطبائع البشر وعلاقاتهم وتطلعاتهم، ساعدته كثيراً في كتاباته اللاحقة. وهو وصف هذا كله في الكتاب الفذ الذي وضعه عن أبيه في 1968 بعنوان «الجنوب العميق: مذكرات وملاحظات»، فأتى مكملاً لكتاب ذكريات سابق كان أصدره أوائل الخمسينات ووصف فيه تكونه كروائي، وهو الكتاب الذي ترجم ونشر بالعربية لدى «دار الهلال» القاهرية.

على عكس عدد كبير من الكتاب الآخرين من أبناء جيله، كان من نصيب كالدويل أنه قرر منذ حقبة مبكرة في حياته أن يصبح كاتباً، لذلك انتقل إلى ولاية مين الشمالية في 1926، وكان في الثالثة والعشرين من عمره، حيث بدأ تجاربه التي أوصلته في 1932 إلى نشر «طريق التبغ» التي حققت له على الفور شهرة واسعة، خصوصاً أن تحويلها إلى مسرحية وعرضها في برودواي طوال ما يقرب من ثمانية أعوام على التوالي كان ظاهرة لافتة في ذلك الحين، لكن كالدويل لم يركن إلى ذلك النجاح، بل استفاد منه لمواصلته الكتابة، فأصدر على الفور «أرض الله الصغيرة» (1933) ثم «اضطراب في تموز» (1940). وهو بعد كتابه الروائي الرابع «طفل جيورجيا» (1943) راح يكتب القصة القصيرة، والتحقيقات الصحافية اللافتة التي غالباً ما كانت ترافقها صور التقطتها زوجته المصورة مارغريت بورك - وايت. وبرفقتها زار الاتحاد السوفياتي حيث تابعا الغزو الألماني للأراضي السوفياتية خلال الحرب العالمية الثانية، ولذلك اعتبرا على الدوام صديقين مخلصين لذلك البلد، وهو ما جرّ عليهما مشاكل عدة في بلدهما. أما آخر سنوات حياته فقد أنفقها كالدويل في تدوين مذكراته وكتابة القصص القصيرة، ناهيك عن خوض النضال الاجتماعي الذي طبع أدبه ككل ولم يتخل عنه لحظة واحدة.

ــــــــــــــــ
جريدة الحياة اللندنية ، 1 يوليو 2016.