‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 12 سبتمبر 2016

البدايات المتواضعة لأشهر الأدباء


الخبرات السابقة للكاتب لا تعتبر مضيعة للوقت

د. حمد العيسى




عندما ننظر إلى بعض مشاهير الكتاب في العالم يحسب البعض أنهم ولدوا مشهورين وأثرياء كما نراهم ولكن الحقيقة قد تكون خلاف ذلك كثيرا . يقول المثل الفرنسي «الألم العظيم ينتج عملا عظيما» ونعتقد أن هذا الأمر صحيح تماما في مجال الكتابة كما سنرى عندما نستعرض هنا البدايات الصعبة لبعض عمالقة الأدب في القرن العشرين التي جمعناها بسرعة من هنا وهناك. ولذلك نقول: نعم، إن معرفة البدايات المتواضعة للكتاب الأكثر نجاحا في التاريخ يمكن أن تكون تجربة علاجية لكتاب المستقبل لأن بعض أولئك المشاهير - ويا للعجب - عملوا في وظائف ليست لطيفة ولا مريحة على الإطلاق. وآخرون أثّرت بداياتهم المتواضعة في أعمالهم من شعر أو قصة أو رواية وهو ما يثبت مقولة إنكليزية قديمة وصادقة أصبحت مثل الكليشية: «الخبرات السابقة للكاتب لا تعتبر مضيعة للوقت». دعونا نأخذ جولة سريعة مع عشرة من عمالقة الأدب الحديث وماذا كانوا يفعلون من أجل لقمة العيش قبل شهرتهم: 


(1) جيه كيه رولينغ

بعد حصولها على شهادة البكالوريس في الفرنسية، لم تجد السيدة رولينغ وظيفة سوى سكرتيرة في فرع منظمة العفو الدولية في لندن ثم فقدت تلك الوظيفة المتواضعة واضطرت للعيش على مرتب «الضمان الاجتماعي» للعاطلين حيث عانت من اكتئاب عنيف وكادت أن تنتحر قبل أن تنتهي من تأليف كتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» وهي القصة الأولى من سلسلة هاري بوتر التي صدر منها 7 أجزاء للمؤلفة البريطانية المولودة عام 1965. وهكذا انتقلت رولينغ من قاع الفقر إلى قمة الثراء خلال خمس سنوات فقط. وهكذا دشنت هذه القصة سلسلة روايات نتج عنها إمبراطورية مالية هائلة ومدهشة بعد بيع 450 مليون نسخة تقريبا من كتب رولينغ وإنتاج بعض الأفلام التي حققت أعلى الإيرادات في تاريخ السينما على الإطلاق. 

(2) ستيفن كينغ

قبل نشره رواية «كاري» عام 1974 التي سبق أن رفضت عدة مرات من قبل الناشرين، كان ستيفن كينغ كاتبا محبطا. فبعد تخرجه من الجامعة عام 1970 بشهادة بكالوريوس في اللغة الإنكليزية لم يجد عملا كمدرس كما كان يحلم ولذلك اضطر للعمل فرّاشا في مدرسة ثانوية وكان يمسح الأرض ليكسب ما يسد رمقه. ولذلك، لا عجب أن أطفال المدارس كانت نهايتهم بشعة في رواياته. ولد الكاتب الأمريكي ستيفن كينغ عام 1947 واشتهر بلقب «ملك الرعب» بسبب رواياته التي تندرج ضمن أدب الرعب. وهو حائز على ميدالية مؤسسة الكتاب الوطنية لإسهاماته البارزة في الأدب الأمريكي. أصدر كينغ 49 رواية، و9 مجموعات قصصية، و9 كتب غير روائية وتم بيع أكثر من 350 مليون نسخه من كتبه حول العالم. تحول العديد من قصصه القصيرة ورواياته إلى أفلام سينمائية ناجحة. وحصل على عدد هائل من الجوائز نظير أعماله.

(3) تي إس إليوت

إذا كنت تظن أن الشعر والتمويل البنكي لا يوجد بينهما عامل مشترك، فعليك بإعادة التفكير لأن الشاعر الإنكليزي الأعظم تي. إس. إليوت (1888-1965) عمل موظفا في «بنك لويدز» في قسم حسابات المستعمرات والدول الأجنبية لمدة ثماني سنوات. وقال إليوت إن معظم أبيات قصيدته الخالدة «الأرض اليباب» تبلورت في مشواره من وإلى البنك. ثم ترك «بنك لويدز» ليعمل محررا لدى الناشر «فيبر آند غوير» ثم محررا لدى الناشر «فيبر آند فيبر» وواصل هذا العمل حتى أصبح مديرا للنشر في هذه الدار واستمر فيها حتى تقاعده. حصل على جائز نوبل في الأدب عام 1948. أصدر إليوت 26 ديوانا شعريا، ورواية واحدة، و9 مسرحيات، و44 كتابا أدبيا منوعا. يعتبر بحق أهم شاعر بالإنكليزية في القرن العشرين. تعتبر قصيدته «أغنية حب جي ألفرد بروفروك» تحفة فنية لحركة الحداثة وكان قد بدأها عام 1910 وأنهاها عام 1915.

(4) جيه دي سالينغر

كان مبغضا للناس بصورة أسطورية تصل للعداوة، منعزلا ومزدر ل «الزيف». سالينغر عمل ذات مرة كمقدم لبرامج الترفيه على مسرح سفينة سياحية سويدية فاخرة، ثم عمل في تجارة اللحوم، وربما ألهمت قصته القصيرة «تيدي». جيروم ديفيد سالينغر (1919 -2010) روائي أمريكي اشتهر بروايته «الحارس في حقل الشوفان» التي حققت نجاحا باهرا وصنفت بأنها من أهم روايات القرن العشرين. شارك في الحرب العالمية الثانية. واشتهر بطباعه الانعزالية التي بدأت عام 1953. لم ينشر سالينغر عملاً أدبياً مذ 1965. وكانت آخر مقابلة صحفية له عام 1980. أصدر ثلاثة روايات وخمس مجموعات قصصية وكان يعتبر مصدر إلهام لجيل كامل من الكتاب. باعت كتبه - رغم قلتها - 65 مليون نسخة.

(5) كورت فونيغوت 

قد يتذكره محبو الأدب لأفضل أعماله وهي رواية «المسلخ رقم خمسة»، لكن الخبراء في السيارات قد يفضلون أن يتذكروا فونيغوت كأول مدير معرض لوكالة سيارات «ساب» في أمريكا، في كيب كود في ولاية ماساتشوستس. كورت فونيغت (1922 - 2007) كاتب أمريكي من أصل ألماني مشهور برواياته وقصصه القصيرة وميوله اليسارية . التحق بالجيش الأمريكي عام 1943، وقاتل في الحرب العالمية الثانية. ورغم كونه ملحدا، إلا أنه قال عام 2005، في حوار ردا على سؤال عن رأيه في وصف دبليو بوش للإرهابيين بالجبناء: «أنا أعتبر من يفجر نفسه شجاعا جداً». وعند الضغط عليه للمزيد أضاف: «الانتحاريون يموتون من أجل تحقيق احترام الذات. من الفظيع حرمان شخص ما من احترامه لذاته. إنه مثل اعتبار أن ثقافتك لا شيء، وأصلك العرقي لا شيء، وأنت لا شيء ... واعتقد أنه من النبل والشرف، أن يموت شخص في سبيل ما يؤمن به». أشهر رواياته «المسلخ رقم خمسة» تعتبر مزيجاً من الكوميديا السوداء والخيال العلمي، وتقوم فكرتها على مناهضة الحرب لأنها تؤدي حتماً إلى قتل المدنيين حيث صور فيها قصف الحلفاء الوحشي لمدينة دريسدن الألمانية في الحرب العالمية الثانية حيث قدرت الخسائر البشرية آنذاك فيها بأكثر من 100 ألف مدني. أصدر فونيغوت 14 رواية، و13 مجموعة قصصية، و7 مسرحيات، و5 كتب أدبية منوعة (نقد، حوارات معه، سيرة، فن الكتابة، ...إلخ). 

(6) دوغلاس آدامز

رحلة دوغلاس آدمز من خلال الزمان والمكان وكوميديا كما في روايته الشهيرة «دليل المسافر إلى المجرة» جاءت إليه بينما كان يعمل حارس أمن لفندق في لندن. مما يجعلنا نشك أنه كان ينام فعلا أثناء العمل. دوغلاس نويل آدمز (1952-2001) روائي بريطاني وكاتب درامي إذاعى وموسيقار هاوي. من أشهر أعماله سلسلة روايات «دليل المسافر للمجرة» والتي بدأت كمسلسل إذاعى وتطورت فيما بعد لسلسلة روايات من خمس أجزاء (بيع منها أكثر من 15 مليون نسخه أثناء حياته) وتحولت إلى مسلسل تلفزيوني مبني على القصة وكتاب قصص مصورة ولعبة كمبيوتر وأخيرا فيلم سينمائي اكتمل بعد وفاته. 

(7) جيمس جويس

كان جيمس جويس عاطلا عن العمل لدرجه أنه لم يسعفه سوى صوته الرجولي الذي وفر له وظيفة مؤقتة كتينور Tenor في كورال أوبرالي قبل أن يصبح في نهاية المطاف مؤلفا. والتينور هو نوع من الأصوات الغنائية الرجالية، والذي يعتبر أعلى الأصوات الرجولية في المجال الوسطي. جيمس جويس (1882-1941) كاتب وشاعر أيرلندي وقد وصفت روايته «يوليسيز» (1922) التي قضى 7 سنوات في كتابتها وترجمت إلى العربية بعنوان «عوليس» بأنها «عرض كامل لحركة الحداثة» وتميزت بإتقان جويس فيها لحد الكمال تقريبا تقنية سيل الوعي أو تداعي الذاكرة. وضعته مجلة تايم عام 1999 ضمن أهم 100 شخصية في القرن العشرين لأنه «أحدث ثورة في فن كتابة الرواية». أصدر 3 روايات و3 دواوين شعر ومسرحية و3 كتب تحتوي على رسائله و6 كتب أدبية منوعة. وخضعت أعمال جويس لتدقيق شديد ودراسة من قبل كبار العلماء من جميع التخصصات لتقنيتها العالية. كما كان لها تأثير هام وكانت مصدر إلهام قوي لكتاب كبار مثل صمويل بيكيت، وخورخي لويس بورخيس، وجون أبدايك، وديفيد لودج، وجوزيف كامبل. 

(8) روبرت فروست

حتى الشعراء الكبار مثل روبرت فروست - الحائز أربع مرات على جائزة بوليتزر للشعر - ينبغي أن يبدأ في مكان ما. وفي حالة فروست عمل في مصنع في ولاية ماساشوستس كفني كهرباء حيث كان متخصصا في تغيير المصابيح (اللمبات) المحترقة. روبرت فروست (1874 - 1963) شاعر أمريكي يعتبر في نظر الكثيرين كواحد من أهم الشعراء باللغة الإنكليزية في القرن العشرين. إذ حاز خلال حياته أربع جوائز بوليتزر وهي أرفع جائزة أدبية أمريكية حيث تلقب بنوبل أمريكا. لم يكمل تعليمه الجامعي. يعرف فروست بأسلوبه البسيط والمباشر وبأوصافه المثيرة للمشاعر لمناظر منطقة نيو إنغلند الخلابة شمال شرق الولايات المتحدة. كتب 136 قصيدة صدرت في 31 ديوان، وصدر له 4 مسرحيات، و7 كتب أدبية منوعة (رسائل وحوارات ونقد ...إلخ). 

(9) هاربر لي

بينما كانت تعمل كبائعة تذاكر لخطوط إيسترن الجوية الأمريكية، كانت مشاكل السيدة هاربر لي المالية سيئة للغاية لدرجة أن العالم بأكمله تقريبا لم يستطع «أن يقتل عصفوراً محاكياً». ولحسن الحظ منحها صديقها المؤلف المسرحي في برودواي مايكل براون مارتن رواتبها لمدة سنة مقابل التفرغ الكامل للكتابة ما نتج عنها روايتها الشهيرة «أن تقتل عصفوراً محاكياً». نيلي هاربر لي مؤلفة أمريكية معاصرة ولدت عام 1926 واشتهرت بروايتها الرائعة «أن تقتل عصفوراً محاكياً» To Kill a Mockingbird التي فازت بجائزة بوليتزر عام 1960 وأصبحت من الراويات الكلاسيكية المقررة في المدارس والجامعات العالمية. وهي رواية تتناول قضايا التفرقة العنصرية ضد السود التي عايشتها المؤلفة في الجنوب الأمريكي في مسقط رأسها بولاية ألباما. نالت هاربر لي عام 2007 الميدالية الرئاسية للحرية عن مجمل مسيرتها الأدبية ولكنها رفضت دائما إلقاء الخطب في المناسبات التي تشارك فيها.

(10) وليام فولكنر

قد يكون رسب وانسحب Dropped Out من جامعة ولاية ميس يسيبي، ولكن ذلك لم يجعل مؤلف رواية «الصخب والعنف» ويليام فولكنر يتسكع. حقا لقد اضطر للعمل كمرسول بريد لمدة ثلاث سنوات في مدرسته الثانوية القديمة. ويليام كتبيرت فوكنر (1897 - 1962) روائي وشاعر أمريكي وأحد أكثر الكتاب الأمريكان تأثيراً في القرن العشرين. حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1949 نظير «مساهمته القوية والفريدة في تطوير الأدب الأمريكي الحديث»، كما نال جائزة بوليتزر الأمريكية الرفيعة مرتين عن اثنتين من رواياته (عامي: 1954، و1962). احتلت روايته «الصخب والعنف» المركز السادس في قائمة أفضل 100 رواية في القرن العشرين وشملت القائمة روايتين أخريين له. أصدر 19 رواية، وكتب 125 قصة قصيرة، ومسرحية وحيدة، و6 دواوين شعرية، وكتب 20 سيناريو لأفلام سينمائية.

انتهى

نقلا عن مصادر عديدة منها: «هافينغتون بوست»، و«لوس أنجليس تايمز»، و«صالون دوت كوم» و«غاديان»، و«ويكيبيديا» وغيرها.

ـــــــــــــــــــ

الأربعاء، 27 يوليو 2016

اضواء على الواقعية في الادب الامريكي - د. زياد الحكيم



الواقعية الامريكية حركة ادبية ظهرت في اواخر القرن التاسع عشر ردا على الرومانسية وعلى التقليد العاطفي الذي ارتبط بالكتابة الانثوية. وعلى رأس الواقعيين الامريكيين وليام دين هاولز وهنري جيمس ووالت ويتمان ومارك توين وكيت شوبان وستفين كرين. وبالرغم من ان الحركة الواقعية اثرت في الادب الاوربي والادب الامريكي الا ان التقليد الامريكي ظهر في وقت متأخر من القرن التاسع عشر واستعمل اساليب مختلفة قليلا عن اساليب الادب الاوربي. فالواقعية الامريكية كانت شكلا من اشكال الادب الروائي الامريكي بشكل خاص مع ان بعض الشعراء والمسرحيين الامريكيين التزموا الواقعية في كتاباتهم ايضا وان كان الى درجة اقل. يضاف الى ذلك ان الكثير من المقالات نشرت في المجلات الادبية في ذلك الوقت لمحاولة الوصول الى تعريف مقبول للواقعية. وكانت هذه المقالات باقلام الروائيين انفسهم الذين كانوا يكتبون الروايات والقصص القصيرة الواقعية.

ارتبطت الواقعية في اذهان الكثيرين من الكتاب والنقاد في اواخر القرن التاسع عشر بالكاتب الفرنسي اميل زولا الذي ابرزت كتاباته احوال الطبقات الفقيرة واخلاقياتها وميولها الجنسية. اما في الولايات المتحدة التي كانت لاتزال تحت تأثير الفلسفات البيوريتانية فقد قاوم كتابها هذه الموضوعات واعتبروها لا تناسب الادب وواصلوا التمسك بالتفاؤل والمثالية المرتبطين بالحركة الرومانسية. وقد وصل التشاؤم الذي اعقب عصر الصناعة في اوربة وتدفق الناس من القرى الى المدن متأخرا الى الولايات المتحدة اي ربما في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، مع ان بعض الباحثين يصر على ان الحركة الواقعية بدأت في الولايات المتحدة بعد الحرب الاهلية(1865) بقليل. واعتبر بعض النقاد الواقعية بانها اسلوب في الكتابة يسعى الى التعبير عن الواقع الامريكي باللغة الامريكية المألوفة. واعتبر نقاد اخرون الواقعية بانها تسجيل لواقع الحياة الحقيقي. بينما اعتبر فريق ثالث من النقاد ان الواقعية تسعى الى رسم الواقع بموضوعية بما في ذلك الواقعية الاثنية او الواقعية البراغماتية

ويرى بعض النقاد ان من الايسر تعريف الواقعية بما ليس فيها فقالوا انها تختلف اختلافا بينا عن الرومانسية. فبعد الحرب الاهلية انقلب الكتاب والباحثون الامريكيون على اللاعقلانية في الادب حتى ان البعض اتهموا اللاعقلانية في الادب بما في ذلك المثالية ومفهوم البطولة والمواقف الاخلاقية المتزمتة بانها مسؤولة عن ترسيخ رؤية وطنية ادت بشكل حتمي الى الحروب مما دفع بالامريكيين الى القتال في الوقت الذي كان يمكن فيه ازالة الخلافات بالتفاوض والى التمسك بشعارات وطنية فارغة ادت الى ازهاق الارواح في ساحات القتال. وقاوم الواقعيون الادب النسائي وقالوا انه يتمسك بالمثالية في تصويره العلاقات بين الرجال والنساء وبدور المرأة في المجتمع

وقال الروائيون والباحثون الواقعيون في الولايات المتحدة بان الادب الواقعي يجب ان يقوم بوظيفة اجتماعية وان يخدم غرضا اخلاقيا في عصر وفي بلد انعدم فيهما دور الكنيسة في توجيه المواطنين اخلاقيا. ودفعت الانقسامات الطبقية في الولايات المتحدة في اواخر القرن التاسع عشر ببعض الروائيين – مثل ادوارد بيلامي في كتابه (النظر الى الوراء 2000-1887) 1887 – الى تصوير امكانية التغيير في شكل الواقعية الطوباوية. وبالرغم من ان الرواية الطوباوية هي مجرد خيال الا ان معظم الروايات الطوباوية الامريكية في تلك الحقبة رسخت تأثير الواقعية الادبية والتطلع الى الاصلاح. ففي سعيهم الى تصوير واقع مستقبلي مثالي القى الروائيون الضوء على واقع راهن فاسد بما سجلوه من تفاصيل دقيقة. وكان معظم هؤلاء الروائيين من العاملين في الصحافة. فسجلوا ما خلفته الثورة الصناعية من فوضى اخلاقية واقتصادية في حياة الناس. واعتمدوا في رواياتهم على تفاصيل استقوها من دراسات ميدانية غير خيالية. ومن اشهر هؤلاء جيكوب ريس في كتابه (كيف يعيش النصف الثاني – دراسات في الاحياء الفقيرة في نيويورك). واصبح هذا الكتاب من اكثر الكتب تأثيرا في القرن التاسع عشر. واعتبر النقاد محاولة ريس تصوير احوال الفقراء في الجانب الشرقي من نيويورك مثالا يحتذى للرواية الواقعية واصبحت حياة ريس الادبية مثالا للسعي الى تسجيل الواقع في الرواية الاصلاحية.

واذا كان جيكوب ريس قد صور احوال الفقراء في المدن فان هاملين غارلاند قد صور احوال الفقراء في الارياف. وسجل في مجموعاته القصصية التي نشرها في التسعينيات من القرن التاسع عشر ازمة الفقراء في مزارع الغرب الاوسط من الولايات المتحدة واوجد بذلك صنفا جديدا من الواقعية هو الواقعية الريفية.

وارتبطت بالواقعية الريفية حركة اللون المحلي الادبية التي اكدت على الوصف المفصل تفصيلا دقيقا لاماكن حقيقية وسجلت اللهجات المحلية في حوار الشخصيات. وانقسم النقاد في ما اذا كان ادب اللون المحلي يمكن ان يصنف بانه ادب واقعي نظرا الى انه لا يبحث في القضايا الاجتماعية والاخلاقية المعاصرة. ولكن فريقا من النقاد اعتبر اللون المحلي صنفا من اصناف الواقعية نظرا الى انه يستعمل الاسلوب الادبي نفسه في الكتابة. واعتبر بعض النقاد ان الواقعية الامريكية بشكل عام تسجل مشاعر تنطوي على احساس بالخسارة والابتعاد عن عصور ذهبية غابرة. واعتبر هذا الفريق ان ادب اللون المحلي يسجل هذا الاحساس بالخسارة.

واتفق النقاد عموما على ان وليام دين هاولز وهنري جيمس هما ابرز الروائيين الذي التزموا بالواقعية الامريكية مع ان الكثيرين ذكروا ايضا مارك توين كروائي واقعي بارز في الادب الامريكي. واعتبر وليام دين هاولز في كتاباته الروائية الواقعية بانها الاسلوب الادبي المناسب للادب الامريكي الصاعد. وقال ان على الواقعية الامريكية ان تركز على الخبرات الحياتية العامة التي تعلم وتصلح القراء اكثر مما تركز على الموضوعات السوداوية اللااخلاقية التي صورتها الواقعية الاوربية. ومن ابرز اعمال وليام دين هاولز (صعود سايلاس لابام) 1885 و(خطر الثروات الجديدة) 1890. وقد يكون هنري جيمس اكثر الروائيين الامريكيين الواقعيين اتقانا للصنعة الفنية في رواياته وقصصه القصيرة. واثار اعجاب قرائه بشخصياته الروائية التي تفنن في رسم عوالمها النفسية الداخلية. ولم يعتبر ان من واجب الكاتب ان يجمع معلومات واحداثا واقعية من عالمه الخارجي ليسجلها في شكل روائي. ولكن على الكاتب ان يعتمد على خياله الخصب في انتاج شخصيات واقعية ومشاهد وظروف. ومن ابرز اعمال جيمس في الحركة الواقعية (صورة سيدة) 1881. اما مارك توين فقد اعتبره النقاد بشكل واسع على انه واحد من اشهر الروائيين الواقعيين في القرن التاسع عشر. واذا كان بعض الباحثين قد اعتبر (مغامرات هكلبري فين) 1884 بعيدة عن التيار الواقعي الامريكي الا ان البعض الاخر اعتبر ان هذه الرواية تعالج الموضوعات الاخلاقية والاجتماعية ذاتها التي اهتم بمعالجتها الكتاب الروائيون الواقعيون ولكن بظرف ودعابة اشتهر بهما مارك توين.

zedhakim@yahoo.co.uk
ـــــــــــــــــــــــــ
المصدر : منابر ثقافية

نظرة على تاريخ الأدب الامريكي - د. زياد الحكيم



حقبة الهنود الحمر: لا نعرف متى بدأ الامريكيون الاصليون كتابة ادبهم. وهم لا يزالون يكتبون ادبهم حتى اليوم. ويـتضمن معظم ما نسميه بأدب الهنود الحمر اساطير كتبها سكان امريكا الاصليون قبل ان يستقر الاوربيون في امريكا الشمالية.

الحقبة البيوريتانية (1472-1750): ويشمل ادب هذه الفترة التاريخ والشعر والخطب الدينية. وهذا الادب في اكثره مكتوب لتحقيق اغراض عملية او للتعبير عن قضايا شخصية او دينية. وتسمى هذه الحقبة بالبيوريتانية لان معظم من كتبوا فيها هم من الكتاب الذين تأثروا بالقيم والمثل البيوريتانية الدينية. ومن اشهر كتاب هذه الفترة جوناثان ادواردز

الحقبة التنويرية (1750-1800): وقد سميت هذه الفترة بهذا الاسم نظرا الى تأثرها بالعلوم والمنطق. وكثير من اعمال هذه الفترة يشمل وثائق وخطبا ورسائل سياسية. وابرز من كتب فيها بينجامين فرانكلين. وفي كتابات هذه الفترة تراجع التأكيد على دور الكتاب المقدس في التفكير العام واكثر الكتاب من الاعتماد على المنطق والعلم في معالجة القضايا الدنيوية والحديث عنها.

الحقبة الرومانسية (1800-1840): ونشأت هذه الحركة في القرن التاسع عشر ردا على الكلاسيكية في القرن الثامن عشر واكدت على دور الخيال والعواطف الانسانية وابراز قيمة الانسان كفرد له خصائصه التي تميزه عن غيره من الناس. وبدأ الادب الامريكي يتناول الجوانب التي تميز الحياة الامريكية. ونلاحظ عناصر رومانسية في اعمال الكتاب الامريكيين في تلك الفترة مثل كوبر وبو وثورو وايمرسون وديكنسون وهوثورن وملفيل

حقبة التسامي (1840-1855): وهي حركة ادبية وفلسفية امريكية في القرن التاسع عشر. وتركزت في منطقة نيوانكلاند في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة. واعتبر اتباع هذه الفلسفة ان ضمير الانسان يتسامى فوق الخبرة الانسانية ولذلك فالضمير اكثر قدرة من الحواس والمنطق على ان يكون هاديا للانسان الى الحقيقة. وتأثر كتاب هذه الفترة بالرومانسية فاحترموا ما يتمتع به الفرد من خصائص تميزه عن غيره، واحترموا عالم الطبيعة، معتبرين ان الله موجود في كل مكان في الطبيعة وفي الانسان. ومن ابرز الكتاب في هذه الفترة رالف والدو اميرسون وهنري ديفيد ثورو وبرونسون ألكوت واليزابيث بيبودي. وتمرد كتاب من امثال هوثورن وميلفيل على افكار المتسامين ورفضوا ان يعتبروا الانسان طيبا بطبعه. وهناك جماعة ثالثة من الشعراء تسمى شعراء الموقد كتبت عن الجوانب العملية في الحياة مثل الموت والمواطنة.

الحقبة الواقعية (1865-1915): والواقعية هي تصوير تفاصيل الحياة كما هي في الواقع. وقد بدأت هذه الحركة في القرن التاسع عشر ايضا واكدت على ما هو واقعي مقابل ما هو متخيل. وحاول الواقعيون ان يكتبوا بصدق وموضوعية عن الاشخاص في اوضاع عادية. وكان ما كتبوه ردا على الرومانسية. فرفضوا البطولات والمغامرات وما هو غير مألوف. ولحق بالواقعيين من يعرفون بالطبيعيين الذين ركزوا على اثر الوراثة والبيئة في الاشخاص غير القادرين على تغيير ظروفهم. وقد نشأت الواقعية الامريكية من اعمال كتاب اللون المحلي مثل بريت هارت وسارا اورن جويت. والواقعية واضحة بشكل خاص في اعمال كتاب من امثال مارك توين وهنري جيمس ووليام دين هاولز.

الحركة الواقعية الطبيعية: ظهرت في اواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وهي تصور الانسان كضحية لظروف لا يستطيع السيطرة عليها ولا تغييرها. ومن ابرز كتابها ستيفن كرين وجاك لندن وثيودور درايزر.

الحركة الاقليمية: وفيها ظهر كتاب وضعوا اعمالا لتصوير اقاليم معينة في الولايات المتحدة. من امثال هؤلاء الكتاب ويلا كاثر ووليام فوكنر. وكتب هؤلاء عن ثقافة مناطق معينة ولغتها وعاداتها الاجتماعية ومعتقداتها الدينية وتاريخها. ويمكن اعتبار واقعية اللون المحلي نوعا من الادب الاقليمي. غير ان الاقليميين - ككتاب الجنوب في العشرينيات من القرن العشرين - ذهبوا الى ابعد من مجرد تصوير ثقافة المناطق المختلفة الى معالجة الجوانب الاجتماعية والانسانية للحياة بما فيها من لغة وقيم وتقاليد في اقليم من الاقاليم.

الحركة التصويرية: وهي حركة ادبية ازدهرت بين عامي 1912 و1927 وكان على رأسها الشاعر عزرا باوند والشاعرة ايمي لويل. ورفض الشعراء التصويريون الاشكال الشعرية واللغة التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر, ونظموا قصائد قصيرة استعملوا فيها اللغة العادية والشعر الحر لوضع صور شعرية دقيقة ومركزة.

العصر الحديث (1915-1946): يمتاز الادب الامريكي في العصر الحديث باحساس عميق بخيبة الامل والضياع. ويكفي ان ننظر الى ما حدث في الولايات المتحدة في هذه الفترة لنجد مسوغا لذلك الاحساس. وانتجت هذه الفترة ربما افضل من كتبوا في تاريخ الادب الامريكي. واثار هؤلاء الكتاب اشد الاسئلة صعوبة وعمقا عن الحياة والانسان ومعنى الوجود. ولكنهم لم يقدموا اي اجوبة لهذه الاسئلة. ومن امثال هؤلاء الكتاب: فوكنر وستاينبيك وفيتزجيرالد وهمنغواي وفروست وغيرهم.

نهضة هارلم – وهي جزء من العصر الحديث. وقد حدثت نهضة هارلم في العشرينات من القرن الماضي وكانت فترة انبعاث فني في اوساط الكتاب الامريكيين من اصل افريقي. وتركزت هذه النهضة في احياء هارلم بنيويورك. ومن كتاب هذه النهضة كاوني كولين وكلود ماكيه وجين تومر ولانغستون هيوز وارنا بونتمز.

الادب الامريكي المعاصر(1946-الحاضر): ويمتاز الادب الامريكي في هذه الفترة بانتاج اعمال ادبية بالغة الروعة، ولكن لا نتلمس فيها تيارات فلسفية واضحة.

zedhakim@yahoo.co.uk

الجيل الضائع في الادب الامريكي – د. زياد الحكيم




ارنست همنغواي
في العشرينيات من القرن العشرين اكتسبت جماعة من الكتاب الامريكيين شعبية خاصة بين القراء. وعرفت باسم الجيل الضائع. وقد صاغت هذا الاسم الكاتبة الامريكية غيرترود ستاين التي كانت تقيم في العاصمة الفرنسية. وشمل هذا الاسم كتابا من امثال ارنست همنغواي واف سكوت فيتزجيرالد وجون دوس باسوس وشيروود اندرسون وكاي بويل وهارت كرين وفورد مادوكس فورد وزيلدا فيتزجيرالد. واصبحت عبارة الجيل الضائع تشير فيما بعد الى كل الكتاب الامريكيين في العشرينيات من القرن العشرين.

وكان للحرب العالمية الاولى الاثر البالغ في اعمال الكتاب الامريكيين في تلك الحقبة. فقد شارك في القتال اعداد كبيرة من الشبان الامريكيين وقتل منهم الكثيرون ومن عاد منهم الى الولايات المتحدة كان مصابا اما اصابات بدنية او نفسية افقدتهم الايمان بالقيم الاخلاقية التي كانت سائدة في البلاد قبل الحرب واصبحوا جيلا ضائعا يهيم على وجهه. وانعكس هذا كله في الاعمال الادبية

وكان همنغواي رائدا في اسلوب جديد في الكتابة حاول الكثيرون من الكتاب الامريكيين في ما بعد السير على منواله. فاستغنى عن النثر الزخرفي المتأنق الذي كان سائدا في القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة وبريطانيا واستعاض عنه بنثر واضح ودقيق وموجز يركز على الفعل وليس القول. وتصور الاعمال الادبية التي وضعها كتاب الجيل الضائع طريقة عيش الامريكيين في العشرينيات. وكان لهذه الاعمال اثرها الواضح في الادب الامريكي على مدى اجيال قادمة.

كانت باريس هي عاصمة الجيل الضائع من الكتاب الامريكيين. كانت موطنا لكل ما هو جريء وحديث. وكما قالت غيرترود ستاين فان باريس كانت موطنا للقرن العشرين. يضاف الى ذلك ان تكاليف المعيشة في باريس كانت متدنية بحيث كان بامكان الكتاب الامريكيين ان يقيموا فيها بمبالغ زهيدة نسبيا من المال. وحتى الكتاب الشبان الذين وصلوا الى باريس بعد ان اخفقوا في نشر اعمالهم في الولايات المتحدة كان بامكانهم ان يعيشوا في المدينة على ما يرسله اهلهم لهم من مال قليل.

كان عزرا باوند من اوائل الكتاب الذين وصلوا الى باريس. جاء من لندن التي قضى فيها سنوات الحرب العالمية الاولى. وكان يقول: لم يعد في بريطانيا حياة ثقافية. انتقل مع زوجته الى باريس التي اطلق عليها اسم (جزيرة باريس)، معتقدا انها المدينة الاوربية الوحيدة التي يمكن ان يجد فيها الادباء والشعراء ما يمكن ان ينقذ الاداب الانكليزية والامريكية من انحطاط محتم.

وسرعان ما وصل الى باريس بعد ذلك ارنست همنغواي وزوجته وكان في الثانية والعشرين من العمر. وكان شابا خجولا ووسيما يؤثر الاستماع على المشاركة في الحديث. وكان يعيش على ما ادخرته زوجته من مال وعلى ما كان ينشره من نصوص ادبية هنا وهناك.

وفي صيف عام 1921 وصل الى باريس اف سكوت فيتزجيرالد الذي كان قد صنع لنفسه اسما في الولايات المتحدة بروايته الاولى. وامضى فيتزجيرالد وزوجته زيلدا بضعة ايام في باريس وعادا الى الولايات المتحدة. وبعد ثلاثة اعوام قرر الزوجان السفر الى باريس للاقامة فيها بعيدا عن العبء الذي كان يشكله الاصدقاء في الولايات المتحدة.

وفي العشرينيات عندما كانت اسعار صرف العملات لصالح الامريكيين وصل الى باريس اعداد اخرى من الكتاب والفنانين الامريكيين. وكان من مزايا باريس ان النشر فيها كان متوفرا بسهولة اكبر. كما كان فيها العديد من المجلات الادبية التي كان يكتب فيها الامريكيون. من هذه المجلات مجلة كان يقوم على تحريرها فورد مادوكس فورد من مكتب صغير وكان ينشر فيها اعمالا لباوند وهمنغواي وستاين.

هذه المستعمرة الادبية كان مقرها في حي مونتبارناس. وفي وسط الحي كان اربعة مقاه لاتزال قائمة حتى الان كان يتردد عليها المغتربون الامريكيون من كتاب وفنانين. وكانوا يتعاطون فيها الشراب. وكان ابرزهم فيتزجيرالد. اما همنغواي فقد كان حريصا على عمله، منظما ودقيقا ومثابرا. استأجر غرفة في فندق مطل على شارع كاردينال لاموان للعمل فيها. وبعد ذلك درج على الكتابة في المقاهي اثناء النهار عندما تكون فارغة من الزبائن تقريبا.

ولكن الكثيرين من اصحاب المواهب الادبية لم يكونوا على هذه الدرجة من التنظيم والمثابرة. فقد كان روبرت ماكالمون من الضحايا الاوائل للحياة العابثة في باريس في العشرينيات. كان كريما في تقديم المساعدات المالية لنشر اعمال همنغواي وستاين وفورد ووليام كارلوس وليامز، غير انه لم يكن حريصا على نشر اعماله واغرق نفسه في تعاطي الكحول

وقد يكون وضع فيتزجيرالد وزوجته زيلدا اكثر مأساوية. فقد كان كثيرا ما يحمل فيتزجيرالد حملا من الحانات الى بيته بسبب التمادي في الشرب. وانتهى الامر بادخال زوجته الى مشفى الامراض النفسية. . . هكذا كان وضع الجيل الضائع من الكتاب الامريكيين في باريس. وفي نهاية العشرينيات عاد كثير منهم الى الولايات المتحدة وانتقل بعضهم الى دول اوربية اخرى كما فعل عزرا باوند الذي استاء من سلوك رفاقه وقرر الانتقال الى ايطاليا.

zedhakim@yahoo.co.uk
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : منابر ثقافية

السبت، 23 يوليو 2016

في عصر ‘المكارثية الجديدة’ وتنصت وكالة الأمن القومي: أيها الكتاب قاوموا قاوموا قاوموا!

إبراهيم درويش

تاريخ النشر: 23-12-2013

كتب الروائي والناشر الأمريكي ديف إيغرز في ملحق صحيفة ‘الغارديان’ ليوم السبت (12/12/2013) مقالا علق فيه على موقف الكتاب الأمريكيين من عمليات التجسس التي تقوم بها وكالة الأمن القومي الأمريكية على الدول والمسؤولين والمنظمات الطوعية. كما كشف الصحافة الأمريكية يوم الجمعة.


وعلق على دراسة مسحية قامت بها منظمة ‘القلم’ (بن) الأمريكية لأعضائها حول أثر هذه العمليات على حرية التعبير ومشاعرهم حول اليد الطويلة لوكالة الأمن القومي التي تقوم بالتجسس، وجاءت النتائج مثيرة للرعب، حيث أصدرت الجمعية تقريرا تحت عنوان آثار مثيرة للرعشة: عمليات الرقابة التي تقوم بها وكالة الأمن القومي تدفع الكتاب الأمريكيين للرقابة الذاتية. وأظهرت الدراسة أن 88 ‘ من الكتاب الذين شاركوا في الدراسة ينتابهم القلق من عملية التجسس وجمع المعلومات، فيما قالت نسبة 24 ‘ إنها تجنبت الحديث عن موضوعات معينة في رسائلها الألكترونية وأحاديثها على الهاتف، فيما قالت نسبة 16 إنها تجنبت مشاريع نظرا لحساسيتها. وتأتي دراسة منظمة ‘بن’ في وقت أظهر استطلاع نشرت نتائجه مع تسريبات إداورد سنودين، وأظهر التقرير إن نسبة 50 بالمئة من السكان الأمريكيين بمن فيهم نسبة عالية من الديمقراطيين ترى في التجسس أمرا مقبولا بشكل أقل أو اكثر (50 بالمئة من المستطلعين). ويرى إيغرز أن هذا المستوى من التجسس يثير الرعب وغير دستوري، ولن يقوم الرئيس باراك أوباما بالموافقة على هذه العملية من التجسس إلا إذا كانت دستورية، إن أخذنا بعين الاعتبار أن الرئيس نفسه متخصص بالقانون الدستوري. ولم تمنع مواقف الديمقراطيين أو بعضهم وهم يحاولون العثور على مبررات من سلسلة من القضايا التي تقدمت بها مؤسسات من مثل ‘ الاتحاد الأمريكي للحقوق المدنية’، و ‘مؤسسة الجبهة الإلكترونية’، وحزب الشاي. وفي تحرك مهم قام القاضي في المحكمة الفدرالية ريتشارد جي ليون والذي عينه جورج بوش الإبن بإصدار حكم من 68 صفحة شجب فيه عمليات التجسسس بأنها تذكر بالعالم الإوريلي’ (نسبة لأوريل الكاتب البريطاني)، وقال القاضي ‘ لا أستطيع تخيل اختراق للخصوصية بهذه الطريقة التي لا تميز والغزو العشوائي وهذه العملية المنظمة ذات التكنولوجيا العالية التي تقوم بجمع والإحتفاظ بالمعلومات الشخصية عن كل مواطن تقريبا لأغراض تصنيفها وتحليلها بدون إجراءات قضائية صحيحة’. وأكد القاضي أن هذا البرنامج ‘ينتهك ذلك المستوى من الخصوصية التي ضمنها الآباء المؤسسون في المادة الرابعة’. ويتساءل إيغرز إن كان قرار القاضي ليون سيغير الرأي العام، مجيبا، لا تأمل كثيرا لأن قرارات القاضي هذا غير ملزمة أولا ولا يستبعد قيام الحكومة بالاستئناف عليه.


دعوة للخنوع

وما يهم الكاتب هنا ويهمنا في هذا السياق هي دراسة منظمة ‘بن’ الأمريكية لأنا مثيرة للقلق من عدة جوانب، فمن المفزع قيام كتاب بالتخلي عن مواقفهم وأفكارهم بطريقة سهلة، أي استسلامه بدون أية مقاومة، ففي النهاية لم تؤد عمليات التنصت التي تقوم بها وكالة الأمن القومي إلى رمي أي من الكتاب في السجن أو التحقيق معه لانه قال في هذه المكالمة الهاتفية ما لم يجب أن يقوله، أو لأنه بحث على محرك ‘غوغل’ عن مواد قد تمس الأمن القومي، وفي الإطار نفسه لم يكشف عن قيام وكالة الأمن القومي بإعداد قائمة لمراقبة الكتاب. ويعلق إيغرز أن فكرة العيش في ظل الشك حيث يتساءل الكاتب ‘إذا’ قلت هذا أم لم أقل هذا فماذا سيحدث لي، ومتى ستقوم الوكالة باستخدام المادة التي جمعتها ضدي هي في حد ذاتها حالة من الإذعان. فمجرد التفكير في هذه الأسئلة يتناقض مع جوهر حرية التعبير في ديمقراطية صحية. وكانت العريضة التي وقع عليها أكثر من 500 كاتب من حول العالم قبل إسبوع وشاركت فيها أسماء مهمة وفيها شجب واحتجاج على المراقبة العامة تطورا دوليا مهما ويرى فيها أيغرز خطوة دولية مهمة نحو قانون دولي يضمن الحقوق على الوسائط الرقمية والإجتماعية. ووقع على العريضة كتاب من 81 دولة منهم مارغريت أتوود (كندا)، دون داليلو (أمريكا)، مريد البرغوثي ورجا شحادة وسعاد العامري من فلسطين، وعلاء الأسواني من مصر، وأرنداتي روي من الهند وأورهان باموك من تركيا وغونتر غراس من ألمانيا وجي ام كويتزي من جنوب إفريقيا وغيرهم. وإيغرز نفسه وطالبوا الرئيس أوباما باحترام حقوق الإنسان والحرية الشخصية وتشريعات تحمي مستخدمي العالم الإفتراضي.

منذ 12 عاما نحن مراقبون

وحتى يتم تحقق هذا يقول إيغرز سيظل الاف الملايين من الكتاب حول العالم يعيشون في ظل خوف من أن كل شيء يفعلونه، مكالمة، بحث أو تساؤل سيستخدم ضدهم. ويشير الكاتب إلى وجهت علي، وهو كاتب أمريكي من أصل باكستاني، كاتب مقالات ومسرحيات يتطرق فيها بشكل خاص لأوضاع المسلمين الأمريكيين، وعلق قراءته على تقرير أٌثار الرقابة لمنظمة ‘بن’ قائلا ‘عندما قرأته’ كان ‘رد فعلي هو أهلا بكم للعالم الحقيقي، فالمسلمون الأمريكيون يعيشون في ظل شبه علاقتهم بالإرهاب وأنهم مجرمون محتملون ومنذ 12 عاما، وكان علينا التصرف- الإفتراض أن كل مكالماتنا الهاتفية، رسائلنا الألكترونية والهاتفية مراقبة بطريقة أو بأخرى’. ويقول وجهت علي انه لا يمارس رقابة ذاتية على نفسه ولكنه واع لهذا الوضع ويفترض أن كل مكالمة أو رسالة يكتبها قد تتعرض للتدقيق. ويقول إيغرز ‘ماذا لو لم ترض الحكومة عن رسالة من الرسائل وتقوم بعملية بحث في المعلومات المتوفرة لديها، لتجد أنه تبرع يوما ما لجمعية إغاثة إسلامية تعتبر محل مراقبة أو غير مرغوب فيها؟ وسيكون لديهم ‘ ما يكفي من المعلومات كي يحولوا حياته جحيما’. ومن هنا كان على وجهت علي وغيره من الكتاب المسلمين الأمريكيين تبني موقف كوميدي عن وضعهم والحديث بسخرية سوداء، ويكتب علي أحيانا ساخرا ‘هالو ان أس إي’(وكالة الأمن القومي)، ومع ذلك ‘فلا يمكنني بناء حياتي على الخوف’ ولأنه لا يريد الخنوع قبل وظيفة في قناة ‘الجزيرة ـ أمريكا’.

البحث عن مشاكل

ويشير إيغرز إلى أن مهمة الكاتب ليست الإذعان او الخنوع أمام ما يراه غير صحيح، فـوظيفة الكاتب هي البحث عن المشاكل’ كما قال أحد 

فيلم ‘الواجهة’ (ذا فرنت) (1976) والذي يتحدث عن الحقبة السوداء في تاريخ حرية التعبير في الولايات المتحدة، أي الحقبة المكارثية والقوائم السوداء للفنانين والكتاب والنقاد. ففي هذا الفيلم يلعب وودي آلن دور هاوارد برينس، وهو مقامر صغير، طلب منه صديق كاتب ومسرحي، كان اسمه على القائمة السوداء ان يكون واجهة حيث يوقع اسمه على النصوص التي يكتبها هو وكتاب يتهمون بالتعاطف مع الشيوعية، واوافق برينس على المهمة ولكن نشاطاته الكتابية المفترضة جذبت انتباه لجنة الكونغرس حول النشاطات اللا أمريكية. ويقول إيغرز إن مشاهدة الفيلم اليوم تتيح لنا اكتشاف نوع من الموازاة بين تلك الفترة والفترة التي نعيش فيها، من ناحية جو الشك العام، والشعور الشرير بكون الفرد أو الواحد منا مراقبا بدون أن يعرف متى سيوضع على قائمة المراقبين. فقد كان كاتب نص الفيلم وولتر بيرنستاين نفسه على قائمة المراقبين وحرم من العمل، وكان هاتفه مراقبا ويتبع حركاته عملاء مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي أي)، وتم التحرش بأصدقائه وحرم من الحصول على جواز السفر.


الوضع اليوم أسوأ

ويقول إيغرز إنه تحادث مع بيرنستاين (94 عاما) بالهاتف حيث يعيش اليوم في نيويورك وبعد الكشف الذي قدمه إدوارد سنودين عن تنصت وكالة الأمن القومي، وهو وإن لم يعبر عن دهشته بوجود رقابة من نوع ما ولكن دهشته تركزت على المدى الذي ذهب فيه العاملون في وكالة الأمن القومي ‘ مرة أخرى’ يقول ‘ لو كانت لديهم فرصة عمل كهذا لفعلوه’. وعندما سأله إن كان وضع المراقبة المحلية خطيرا مثل خطورة الزمن الذي عاشه أيام المكارثية أجاب ‘بطريقة ما فالوضع أسوأ اليوم، لان ‘ المراقبة تشمل كل واحد وستصبح أكثر سوءا، فالجرائم التي ارتكبت باسم الأمن القومي كبيرة ولا إجابة عليها’. ولكن برينستاين حصل على الجواب في نهاية فيلمه ‘الواجهة’ عندما قرر هوارد برينس عدم التعاون مع أتباع مكارثي الخلص. ففي لقاء خاص تم ترتيبه من أجل توقيع برينس على قسم الولاء للدولة وتقديم أسماء للمتعاطفين مع الشيوعية، يلتفت برينس والذي كان حتى هذه اللحظة غير مسيس ويصرخ بصوت هادر ‘ لا أعترف بحق اللجنة لتوجيه أسئلة لي ولو تماديت أكثر في الأسئلة فما عليك إلا أن تذهب.. للجحيم’، ويفضل الذهاب للسجن.

كنا نعرف وجوه من يلاحقوننا


ويلاحظ برينستاين أن الحقبة المكارثية كان فيها على الأقل وجوه لمن يتهمك، كان هناك مكارثي نفسه،عملاء الـ أف بي أي، النواب في مجلس الشيوخ، والمحاكم والمنافحون عن الدولة، واليوم من يراقبك هي وكالة ظل لا تخضع لمساءلة أحد. وليس بعيدا، يقول إيغرز قام الروائي ويليام تي فولمان باستخدام ‘قانون حرية المعلومات’ كي يكتشف ان أف بي أي لديه ملفا عنه وعن نشاطاته، ففي التسعينات من القرن الماضي اشتبه العملاء به بأنه ‘يونابومبر’ السفاح الأمريكي والذي قام بسلسلة تفجيرات في الفترة ما بين 1978 -1995 وعرف بأفكاره المعارضة للتصنيع واليسار. وكان فولمان محظوظا لأنه عرف ما كتب عنه مكتب التحقيقات الفدرالي ، أما الآن فأي شخص يريد معرفة ما جمعت عنه وكالة الأمن القومي فلن يحالفه الحظ.


مستحيل

وتقول راشيل ليفنسون وولدمان، الباحثة في دائرة القانون بجامعة نيويورك ‘ استطيع القول أن لا مجال أمامك’ لمعرفة ما جمع عنك. وكتبت وولدمان دراسة واسعة عن التنصت الذي قامت به وكالة الأمن القومي حيث أشارت إلى دراسة ‘بن’ المسحية وأثر التنصت على الكتاب قائلة إذا افترض الكتاب أنهم مراقبون فهذا سيجعلهم يتجنبون الكثير من الأمور، لأن الكاتب سيقول لنفسه ‘ليس جيدا أن يثير اسمي انتباه السلطات ولن يقوم بالتصدي للموضوعات الحساسة إلا الأشخاص الذي يعتقدون في أنفسهم الجرأة على تناولها وأنهم محصنون عن الرقابة’. 


ويقول إيغرز ‘فكر في كل الرسائل التي أرسلتها والمكالمات التي عملتها وعمليات البحث التي عملتها على محرك غوغل وتساءل هل يمكن لواحد منها أن يساء تفسيره؟ وهل يمكن لأي منها استخدامه لتدميرك من مكارثي جديد، نيكسون جديد، أشكروفت (وزير العدل السابق) جديد، فهذا ملمح خبيث ومهلك للنفس للحالة التي وصلنا إليها’، فلا أحد يعرف طبيعة المعلومات التي جمعت، سجلت وخزنت وتم تحليل بعضها وهل ستستخدم في المستقبل.


سورية أيضا تستطيع

ويشير إيغرز لدراسة كتبها قبل مدة جون فيلاسينور من معهد ‘بروكينغز، وهي دراسة مخيفة تحت عنوان ‘ تسجيل كل شيء: التخزين الرقمي كمساعد للحكومات الديكتاتورية’. وأظهرت الدراسة السهولة التي تقوم فيها الحكومة أي حكومة في العصر الرقمي بتسجيل كل المكالمات التي تدور في البلد. فالتكنولوجيا متوفرة ورخيصة الثمن بحيث يمكن لبلد مثل سورية أن تسجل الحكومة فيه المكالمات الهاتفية التي تعمل داخل البلد بكلفة لا تتجاوز مليون دولار أمريكي أو تسع سنتات للمواطن الواحد. ويرى الكاتب أن قيام الحكومة بجمع كل المكالمات الهاتفية أو ما يتم تناوله على الإنترنت ليس قفزة للأمام بقدر ما هو مثير للقلق، فلا معنى لما تقوله اليوم أو ما ستقوله وكالة الأمن القومي غدا من أنها لم تفعل أمرا خطيرا ولم يحدث ضرر لان أجهزة الكمبيوتر تقوم بعمل آلي وتسجل كل شيء، وستقول إن الغالبية العظمى منا (الأمريكيون) في هذه الحالة ممن لا يرتكبون فعلا خطيرا فلا داعي لخوفهم. ومن هنا لا بد من الكفاح كما يقول إيغرز ‘المقاومة المقاومة والمقاومة’ فدراسة ‘بن’ الأمريكية ليست أهم باروميتر لما يفكر فيه المواطنون ولكن إن كان الكتاب يغيرون تصرفاتهم كي تتواءم مع فكرة التنصت فمعنى هذا قيام ملايين المواطنين بعمل نفس الأمر. وتقول وولدمان في هذا السياق ‘أبناء أي ديمقراطية يحتاجون لمحور يحفظ خصوصيتهم والسيطرة عليه’، وبدون هذا فمن الصعب المشاركة بشكل قوي في فعل معارضة أو نقاشات نقدية والتي تعتبر ضرورة للمجتمع. ويقول إيغرز إن أثر امتناع مواطنين بل أمة بكاملها عن كتابة رسالة إلكترونية، مكالمة هاتفية لخشيته او خشيتها من المراقبة وإمكانية استخدامها ضدهم في المستقبل تثير الرعشة في جسد الواحد منا بل وتضعنا في حالة من التجمد الثقافي’. ويختم بالقول إن برينستاين الذي نجا من مرحلة مكارثي التي كان أصدقاؤه يقطعون الشارع ويتجنبون الحديث معه خشية الإتهام، يشعر اليوم بالخوف أكثر من أي وقت مضى ينصح الكتاب قائلا ‘قاوموا قاوموا قاوموا قاوموا’.


من هو ديف أيغرز؟ كاتب وصحافي أمريكي معروف ولد عام 1972 في مدينة بوسطن ماساشوسيتس. وهو ناشر ومحرر صحافي وكاتب مذكرات ومعروف بكتابه الذي فاز بجائزة بوليتزر عام 2000 وأصبح كتابه ‘مذكرات تكسر القلب عن عبقري مذهل’ من أكثر الكتب مبيعا في قوائم الصحف الكبرى، وهو الكتاب الذي كتبه عن تجربته وهو يواجه المسؤولية عندما توفي والداه الواحد بعد الآخر بعد إصابتهما بمرض السرطان، الأب الرئة والأم سرطان المعدة، ولم يكن قد تجاوز الحادية والعشرين حيث ترك دراسته الجامعية وذهب مع شقيقه الصغير ‘تروف’. واثناء رعايته لشقيقه بدأ الكتابة في صحيفة محلية ‘مايت’وظهرت كتاباته فيما بعد في نيويوركر، وصالون. كوم، وسان فرانسيسكو ويكلي وغيرها من مواقع الإنترنت ويعيش في سان فرانسيسكو. في عام 2002 أصدر أولى رواياته ‘عليك أن تعرف سرعتنا’، واصدر مجموعة من القصص القصيرة ‘كيف نحن جوعى’ وغيرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


السبت، 16 يوليو 2016

منتقيات من الشعر الأميركي الحديث

ترجمة: هنري فريد صعب




كمثل العلامات المميزة لكل طابع قومي، تقف الخاصيات لآداب أمة ما، موقفاً لا تحقَّق هويته بسهولة. غير أننا نُسلّم متفقين جميعاً بوجودها، ولا نكفّ عن التحدث عنها كحقائق ظاهرة. إن بوالو وبودلير وڤاليري مثلا، يجمعهم شيء دامغ غير اللغة. هناك إيقاع عقلي يربطهم، ومناخ فكري واحد ينكشف في أعمالهم. وبالنسبة الى الأدب الأميركي، فكثيرون لا يشكّون يوما في التعريف بإحكام، أو تحديد ميزته المسيطرة. ولعل حكم هنري آدامز أحد كبار المتشائمين، هو خير إثبات لشخصية هذا الأدب.

قال آدامز: "إن الروح الأميركية–تلك التي في بوسطن، كما التي في ولايات الجنوب أو الغرب–تحب أن تسعى الى هدفها باستقامة، وأن تواثبه وجها لوجه، كي تؤكد أو تنفي بوضوح شيئاً ما، سوف تعتبره كفعل واقع. إنها روح اتفاقية في نتائجها، اتفاقية اخيراً في تعبيرها، مع إعلانها بضجة استقلالها تجاه كل اتفاق". إن طريقة الحياة الأميركية هي المشكلة الرئيسية، لأديب هذه الولايات، سواء أكان شاعراً، ام روائياً، أم مسرحياً. حيث إن هذه الولايات ليست كياناً ثابتاً، كما فرنسا أو انكلترا مثلا، وغيرهما من الدول العريقة. فهي حديثة العهد، وعلى استعداد لأن تضيف نجمة أخرى الى علَمها إن استطاعت.

وعليه، فالأديب الأميركي ينظر الى وطنه، كتجربة إنسانية. وكل تجربة عنده تُجادَل. وقد يكون الوحيد، منذ الحرب الانفصالية خاصة، الذي تصدى تنظيمياً للحكم على هذه التجربة. وفي مقابل جماعية يتغيّر فيها الأفراد باستمرار، خلقاً وروحاً وتقليداً، كان الأديب يجد تجربته مدعاة للحزن والرثاء. وفي اصطلاح النقاد، أن عام 1912، كان اللبنة الأولى لبناء حركة شعرية جديدة، حينما صدرت مجلة "الشعر" في شيكاغو، لصاحبتها هاربيت مونرو، وتحلّق حولها داڤيسون فك، وليم ڤون مودي، هِلِنْ دادلي، والشاعر الذي تزعّم التجديد في ما بعد: عزرا باوند. ومرت أعوام مثمرة لهذه المجلة، تبدت أثناءها معالم الشعر الأميركي على قاعدة وطيدة حديثة. فكان لنا ادغار لي ماسترز، كارل ساندبرغ، وروبرت فروست. في هذا العهد الذي دمغته جماعة التصويريين بميسمها، جرى أول اتصال بالشعراء الرّمزيين الفرنسيين، فترك أبعد الأثر. ثم أُنشئت بعد ذلك، مجلة أخرى باسم "الآخرون"، اهتمت بشعراء أغفلتهم "الشعر". فكان لنا وليم كارلوس وليمز، ماريان مور، ووالاس ستيڤنز، الذين عُرفوا بنزعة الجدة والابتكار. أما عام 1914 فقد أنتج شاعراً كبيراً، كان ذا أثر بالغ على الشعر الأميركي والانكليزي. حتى أننا نحن هنا في لبنان ومصر والعراق وسوريا، لم نسلم من صنعته، فتبعها تلامذة ومعجبون. في ذلك العام، تعرّف پاوند بالشاعر الشاب تي. اس. إليوت. فأُعجب به كثيراً وراح يشجعه ناصحاً ومعلّماً ومنقّحاً، الى أن اشتهر التلميذ وكاد يحجب معلّمه. ومن هذين الرائدين انطلق الشعر الأميركي والأنكليزي، كما أفاد من أجواء و. هـ. أودن كذلك، في الشكل والمضمون، فصار منفتحاً قابلا لمذاهب وينابيع عدة. وفي المنتقيات التالية والتعريفات الموجزة، ربما تتوضّح الصورة أكثر عن الاتجاهات الشعرية الأميركية الحديثة.


عزرا پاوند (م. 1885)

بعد احتجازه في مستشفى للأمراض النفسية، من 1945 الى 1958، في انتظار الحكم الذي لم يصدر في حقه في دعوى الخيانة العظمى في اشتراكه مع حكومة موسوليني أثناء الحرب العالمية الثانية، بعد ذلك الحين، أصبح پاوند بسرعة، في أعين الشعراء الشباب، شهيد الشعر بالذات، والضحية المثالية لجماعة تضمر الضغينة للشعر.
وفي عام 1912، أخذ زعيم المدرسة التصويرية، يُطري استعمال اللغة العادية، والشعر الحرّ، وفائدة الصورة: عدوة "العموميات والمجرّدات"، وأيضاً يُطري الايجاز: "ماهية الشعر".
يظهر پاوند في آثاره، شاعراً كثير الحركة، وثائراً على اتفاقية العقلية الأميركية، وجامحاً، ومشوشاً، ذا قريحة نابهة تنتزع الاحترام كله. إنه عاجنٌ غريب للثقافات غير المتوقعة، واسع المعرفة، يرصف بغير وفاق، أصداء الشعر القديم، فترى في بنيانه، استشهادات صينية، ويونانية، وإيطالية، واسبانية، جذبت اليه عدداً كبيراً من مواطنيه، ومتذوّقيه في العالم الذين تخدرهم كثرة المعارف السيئة الهضم.
پاوند مفضل كبير وسخيّ، على الشعر الأميركي والأنكليزي الحديث.

النشيد الثالث عشر

ومرّ كونغ
بالقرب من هيكل السلالة الملكية،
ودخل الى غابة الأرز،
ثم نفذ الى جانب النهر المنخفض
بصحبة كيو، تشي،
وتيان الذي كان يتكلم بصوت خافت:
"إننا لم نُعرف"، وقال كونغ،
"هلاّ تتولّى مهمة الحوذي؟
"عندئذ ستصبح معروفاً.
"أو أتولى أنا مهمة الحوذيّ أو أتعلم الرماية؟
"أو أمارس الخُطبة الشعبية؟"
وقال تسو– لو: "سأنظم أُسس الدفاع"،
وقال كيو: "لو كنت حاكم المقاطعة، لكنت أجريت تحسينات على ما هي عليه".
وقال تشي: "أُفضل هيكلاً جبلياً صغيراً، 
أقوم فيه ببعض الطقوس المناسبة".
وقال تيان، ويده على أوتار مزهرة،
فيما الأنغام الهادئة راحت تتردد
حتى بعد رفع يده عن الأوتار،
وتلاشي النغمِ كالدخان، تحت أوراق الشجر،
وهو يتابعه بعينيه:
"وبركة السباحة القديمة،
"والفتيان يقفزون من على لوح الغطس
"أو يجلسون بين الأشجار النامية لعزف المندولينة".
وتبسَّم كونغ للجميع بلا استثناء،
وأراد تسينغ – سي أن يعرف:
"مَن منكم أجاب بدقة؟"
وقال كونغ: "الجميع أجابوا بدقة،
"أي أنّ كل واحد بحسب طبيعته".
ورفع كونغ عصاه على يُوان يانغ،
وكان يوان يانغ أكبر سناً منه.
ويجلس الى جانب الطريق
متظاهراً بتلقي الحكمة.
وقال له كونغ:
"أيها الأحمق العجوز، كفى.
"قُم وافعل شيئاً مفيداً". 
ثم قال كونغ:
"احترموا مواهب الطفل
"منذ يبدأ يتنفّس،
"لكنّ رجلا بلغ الخمسين ولم يتعلّم شيئاً
"ليس جديراً بالاحترام".
و"عندما الأمير يجمع حوله،
كل العلماء، والفنانين، فإن أمواله
ستُستخدم بشكل كامل".
ثم قال كونغ، وكتب على أوراق الخيزران:
"اذا لم يكن المرء نظامياً في صميمه،
"فلن يستطيع أن يفرض النظام على محيطه؛
"واذا لم يكن المرء نظامياً في صميمه،
"فإن عائلته لن تتصرّف وفق النظام؛"واذا الأمير لم يكن نظامياً في صميمه،
"فلن يستطيع ان يفرض النظام على مملكته".
وقد استعمل كونغ الكلمات "نظام"،
و"الاحترام الأخويّ"،
ولم يقل شيئاً عن "الحياة بعد الموت".
ثم قال:
"كل من يستطيع بلوغ الحدّ الأقصى،
"يستطيع أن يتجاوز الهدف،
"ويصعب عليه أن يقف في الوسط".

وقالوا له:
"اذا ما ارتكب امرؤ جريمة،
"هل على والده أن يحميه ويخبئه؟"
وقال لهم كونغ:
"عليه أن يخبئه".

وعقد كونغ زواج ابنته على كونغ – تشانغ
برغم وجوده في السجن.
ثم عقد زواج ابنة أخيه على نان – يونغ،
برغم كونه بدون عمل.
وقال كونغ: "لقد حكم وانغ باعتدال،
"وكان يسود الدولة في عهده النظام،
"حتى أني أذكر
"يوم ترك المؤرخون ثغرا في كتاباتهم،
"أعني بالنسبة الى الحوادث التي غفلوا عنها،
"ولكن يبدو أن ذلك الزمن قد ولّى".
وقال كونغ: "بدون خصيصة،
"لا يمكنك أن تعزف على تلك الآلة،
"أو تعزف الموسيقى التي تناسب الأناشيد.
"إن أزهار شجرة المشمش
"تميل من الشرق الى الغرب،
"وقد حاولتُ أن أمنع سقوطها".

***

إي. إي. كمينعز (م. 1892)

ساهم في فصل الاميركية المكتوبة عن الانكليزية المكتوبة، وفي إعطاء الكتابة في الولايات المتحدة، ليونة لم تحزها لغة الوطن القديم الأم.
وهو يشرّح الكلمات، ويقلب نظام مقاطعها، ويكبّر الحروف داخل الاسماء، بدل أولها، ويلصق حروفاً عدة او يقطعها بالبياض.
تضعه الدوائر الاميركية الأدبية في مركز الصدارة بين شعراء القرن العشرين.

يا حبيبتي

يا حبيبتي
شَعركٍ مملكة
مَلكها حيث الظلام
جبينك درج أزهار

رأسك غابة
ملأى بالطيور الناعسة
نهداك قفيرا نحلٍ أبيض
يجثمان على غصن جسمك الأملود
وجسمك عندي نيسان
في إبطه يُقبل الربيع

فخذاك بيضاوان شدّتا الى
عربةٍ ملكيّة
هما من عزف موسيقيّ ماهر
تُسمع بينهما دائماً أغنية جميلة

يا حبيبتي
شَعر رأسك علبةٌ
لجوهرة عقلك الرائعة
شعر رأسك محاربٌ
يجهل الهزيمة
شعرك المسدَل على كتفيك جيشٌ
يزحف مظفّراً على إيقاع الأبواق

ساقاك شجرتان من صوغ الأحلام
ثمارهما غذاء النسيان

شفتاك حاكمٌ مستبدٌّ في لباسٍ قرمزي
في قُبلتهما مَجمَع ملوك
معصماك
طاهران
يحتفظان بمفاتيح دمك
قدماك تحت رسغيك باقتا زهورٍ
في إناءين من لُجَين

حارت النايات في عَزف جمالك
وعيناك تكشفان عن
كؤوس الزهور المعروفة برائحتها الذكية.

***


ريتشارد إبرهارت (م. 1904)

يتميز شعره الذي تُداخله أفكار مسيحية، ببحث ذهني فكري تتقاسمه تأثيرات من بعض الأدب الاميركي، ومن معظم الأدب الانكليزي التقليدي. موضوعه الرئيسي هو الموت، حيث يتناول موت الناس والحيوانات والاشياء تناولاً مباشراً حاداً وببساطة لا مثيل لها.

متاهة

لديّ في ذراعي شجرة،
وثمّة كلبان في قدمي،
الارض لا يمكن أن تؤذيني
وبُحيرة عيني جميلة.

لكن ناراً أحرقت الشجرة،
ولا دم لي لأجل الكلبين،
فلماذا جعلتْ مني الارادة تاجاً
لعقلٍ بشريّ ذي حدود؟

من صنع الشجرة؟ من صنع النار؟
لقد عاد الكلبان الى صاحبهما.
والارض تقتل رغبتي
التي تقفز أسرع فأسرع.

إنه الانسان، الانسان
الذي تخيّل المخيلة،
والذي صنع ما يستطيع صنعه الانسان؛
إنه ينقض خَلْقَ الخَلْق.

ليس من شجرةٍ في ذراعي،
وليس ثمة كلبان في قدميّ،
يمكن الارض أن تؤذيني أو تُحسن اليّ،
وبحيرة عيني لم تكن سوى مزحة.

عودة الى النظام

أعود الى النظام كمن يتألم
أصير الشيء الذي أتشوّق اليه وأبتغيه.
أنا نظامٌ عابرٌ
يتكلم بانسجام قبل الكارثة.

إنه لأمر لافت، أن ينكر المرء معتقداته.
ولأمر مهم، أن يرى المرء كل عين من جديد.
ولنوعٌ من البعث،
أن يحيا المرء بعد كل حكم مسبَق.

الآن الشمس سيّد معتم،
والهواء غفرانٌ نديّ.
الآن أعتقد بأني حرّ،
إن شاء امرؤ أن يعتقد بأنه حرّ.

وأن يتكلم المرء في زمن الفوضى، هو حق الانسان الاول والراسخ،
وقانون قوة لا تُجحَد، مَرنة،
لأولئك الذين يملكون حوافز خفية.

فَلْتولد السمفونية اذاً،
والحركة البارعة، والوتر المنتظر،
كي تدوّي الانغام الصافية،
وتسكن الروح في الاشياء اللامادية.
ولنكن كما كنّا في الماضي،
قبل أن تقهرنا التجربة والزمان،
وَلننعم باللذة الخالصة
في ممالك أعيننا الاولى.

أنا عائدٌ الى نظام كنتُ فيه
قبل ضرورة العالم،
وأحلم بتلك المملكة
كالغرقى الذين يرون فوقهم السموات.


***


ستانلي كونيتز (م. 1905)

ينتمي كونيتز الى جماعة من الاميركيين البارزين الذين يمتازون بأسلوب تقليدي، وإن لم يكن شديد التقيّد بالاساليب التقليدية القديمة. وفي نظره أن التراكيب الشعرية التقليدية، تحرّر الشاعر أكثر مما تقيّده. قيمة أشعاره الاخيرة في المعنى النافذ للايجاز، والمثل.

نهاية الصيف

هياجٌ في الريح،
واضطراب في الضياء،
أَنذراني بأن السنة البغيضة
قد تدور حول محورها تلك الليلة.

فوقفتُ في الحقل المحرّر من السحر،
بين الجُذامات والحجارة،
مذهولاً، فيما كانت دودة صغيرة تهمس في أذني،
بأغنية عظمي النخاعي.

وسال اللازورد في لازورَد الصيف،
وانطلق صقر من برجه المجرد من السحب،
واشتعل سقفُ الهُري، فأدركتُ
أن جزءاً من عمري قد انقضى.

الآن ينفتح الباب الحديديّ الشمالي
في ضجّة: ها هي الطيور، أوراق الشجر والثلوج،
تدفع بجموعها الى الأمام،
فيما تعصف ريح عنيفة.

افتحوا الابواب

في مدينة السحب الملتهبة،
أسحب خلفي حياتي في كيس،
وأتسكّع عارياً، تجلدني
تجربة الدم السوداء، الدم المفعم بالحيوية.

هنا أمام الباب الضخم،
حيث نُقشت أسطورة شبابي العجيبة،
لوّحت بعظمة موتي الكبيرة،
وضربتُ بها ضربةً واحدة فقط.

غَسق

منتظرٌ أنا. أدخل حتى آخر الغرفة.
أُسودٌ متخمة متوقدة، تحتشد
في الزوايا، وتخبو. فلمن يهمّه
الامر، أنا المسفوع الوجه أنتظر.

الزمن يدفق عبر النافذة؛ النهار
يُريق على الارضية آخر قطرة
دمٍ نقيّة. ومنطوية (كبيرة، شفافة، ورمادية)،
تقف عُثّةٌ في ضوء الغروب.

وعلى قلبي الذي، من كدَره، لا يسكب
قطرة عسلٍ من لُبِّه المثقوب،
بل يُطعم يديّ ويُطعم شفتيّ،
يقف القمر، القمر، عند الباب!


***

ديلمور شفارتز (م. 1913)

شعره يُعبّر، بحميّا أصيلة ولاذعة، عن القلق المعاصر. وهو يعيد باستمرار، تحديد الوضع البشري في هذا العصر، محتجاً بشدة ضد مظاهر الرعب التي تهدّد الانسان. يطغى على شعره البُعد الفكري.

مملكة الشعر (مقطع)

إنه كالنور،
بل هو النور،
ومفيدٌ كالنور، وكالنور
فاتن ورائع.

... الشعر أكيداً،
أهم، وأثمن،
وأكيداً أروع
من شلالات نياغرا، وكانيون العظيم، والمحيط الاطلسي،
وغيرها من الظواهر الطبيعية المثيرة للاعجاب.
إنه مُجدٍ كالنور، وكالنور فاتن.
إنه محالٌ
على وجه الضبط، لكنه يسمح بالقول:
إن يكن لا يمكن حمل جبلٍ، فالقصيدة يمكن حملها
الى أي مكان.
الشعر هائلٌ
بمتعة، حيث يمكنه القول بجدٍّ أو بمزاح:
"الشعر افضل من الأمل،
"لأن الشعر هو صبر الأمل، وكل صور الأمل الحية،
"الشعر أفضل من الاثارة، لأنه أعذب،
"الشعر أسمى من النجاح والنصر، لأنه يبقى
بعد النعمة الصافية
"طويلاً بعد ارتفاع أكثر المفاخر أسطورية
ثم هبوطها.
"الشعر حيوان أكثر قدرة وسحراً
الى أبعد حدّ مما تملكه الغابات، والسيركات
أو حدائق الحيوان.

لأن الشعر يمجّد الحقيقة ويسمو بها.
الشعر يعلن إن تكن الحقيقة رائعة أو غبية؛
لأن الشعر، بطريقة ما، كلّي القدرة؛
لأن الحقيقة متنوعة وغنية، قديرة ونشيطة،
لكنها غير كافية
لأنها مشوّشة وبلهاء، أو بالحريّ تكاد تبدو
بشكل غريب، في أوقات، متّقدة الذهن؛
لأن الحقيقة بدون الشعر خرساء ومفكّكة؛
هي فظّة كأُبّهة الرعد وتفخيمه؛
خواتيم خُطبها تستند الى خُطبة الاوقيانوس الدائمة؛
لأن سطوع الحقيقة ومجدها، بدون الشعر،
يبهتان كما أوبرات الغَسق الحمراء،
وأنهار الصباح ونوافذه الزرقاء.

***

روبرت لويل (م. 1917)

من الشعراء البارزين في الكلاسيكية الكاثوليكية، ذوي الميول التقليدية المتشددة. إلاّ أن لويل أقلع عن هذا المنحى القديم. وإن أشعاره الاخيرة، بما لها من ثقل نوعي، وكمال شكلي كبير، جعلت منه احد الاصوات الاساسية للعبث والسخرية في الادب الأنكلو – ساكسوني الى حد ان هذا الصوت قد حمل مجلة سياسية شهيرة مثل "تايم" على ان تكسر القاعدة، وتزين غلافها الخارجي بكامله، بصورة لويل مع عبارة: "الشعر في زمن النثر" Time, 2 June, 1967

كشجرة حور قرب الماء

الظلمات تنادي الظلمات، والمصيبة تشق طريقها الى نوافذها في بابل 
بوسطن حيث المال يتكلم
ويضاعف ظلمات بلدٍ
ماهر في التخطيط حيث "العذراء" تسير
والورود تلولب وجهها المطلي بالميناء،
او تسقط فتاتاً في الشوارع العطشى.
فيا "سيدتنا البابلية"، اذهبي، اذهبي.
كنت سابقا بؤبؤ عينك،
الذباب، الذباب ملء شجرة الحور في الشوارع.

الذباب، الذباب، ذباب بابل
يطن في طبلة اذني فيما نشيد الشيطان الطويل
والمأتميّ يُعلن للناس ساعة
المدن الطافية حيث لسانه الذهبي
يسحر بَنّائي برج بابل
ويحملهم على الارتفاع بمدينة المستقبل حتى الشمس
التي لن تغرب ابدا عن شوارع بوسطن
الجحيمية، حيث النور سيف
يضرب حارس "السيد"
الذباب، الذباب على شجرة الحور في الشوارع.

الذباب يندفع بسرعة الى المياه العجائبية في الاطلسي
الجليدي، وعينا برناديت
اللتان ابصرتا "السيدة العذراء" منتصبة في مغارة
"ما سابييل" بوضوح تام
الى حد ان رؤياها اطفأت عيون العقل. القبر
مفتوح وقد ازدرده المسيح.
فيا اسوار اريحا! ويا كل الشوارع
التي تقود الى سورنا الاطلسي منشدة: "انشدي انشدي لقيامة الملك".
الذباب، الذباب ملء شجرة الحور في الشوارع.


الموتى في أوروبا

بعد تفريغ الطائرات، سقطنا
منطمرين جميعا، عزّاباً وعوازب،
لا تاج من شوك، ولا من حديد، ولا تاج من لومبارديا،
ولا مسلات مخروطية مشتعلة في اتجاه السماء
يمكن ان تنقذنا. فأنهضينا ايتها "الأم"، لقد سقطنا هنا مختلطين بعضنا مع بعض في النار الهلامية:
ملعونة في زماننا ارضنا المقدسة

فيا "امنا" هل سنبعث في عيد مريم
في ماريلاند، حيث الجيف تمازحني
بين الخرائب؟ صلّي لأجلنا
نحن الذين شوّهتنا القنابل ثم طمرتنا،
عندما يبعثرنا ابليس "يوم الصعود"،
ايتها الام انتشلي اجسامنا من ألسنة النار:
ملعونة في زماننا ارضنا المقدسة.

أمي، ان عظامي ترتجف واسمع
اصداء الارض والبوق
ينوح على بقاياي. فهل،
(يا مريم!) انا العازب دمية التراب،
سأشهد للشيطان؟ اصغي اليَّ،
يا مريم، واخلطي الارض، والبحر، والهواء، والنار:
ملعونة في زماننا ارضنا المقدسة.



http://www.annahar.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ