‏إظهار الرسائل ذات التسميات جاك لندن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جاك لندن. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 25 يوليو 2016

أهل الهاوية تأليف: جاك لندن

ترجمة:  أسعد الحسين 



بدأت التجارب المتعلقة بهذا المجلد في صيف 1902، ذهبت إلى عالم لندن السفلي بموقف المستكشف وكنت راغباً في تصديق الأدلة أراها يعينيّ وليست تعاليم الدين لم يروا شيئاً أو كلمات الذين رأوا وماتوا من قبل.


علاوة على ذلك أخذت معي معايير معينة بسيطة أقيس بها الحياة في عالم لندن السفلي التي بموجبها كل ما يعزز الحياة والصحة البدنية والنفسية جيداً وكل ما يهدد الحياة ويضر بها ويقصرها ويشوهها سيئ.

وسيكون واضحاً للقارئ أن الأشياء السيئة التي رأيتها كانت أكثر دون أن تنسى بأنني أعتبر الزمن الذي كتبت فيه هذا من الأزمان الجيدة في إنكلترا؛ إن المجاعة ونقص المأوى حالات مزمنة من البؤس لم يتم التخلص منها حتى فإني أعظم فترات الإزدهار.

تلا الصيف المذكور شتاء قاس، شكلت أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل مسيرات بالعشرات الذين كانوا يجوبون شوارع لندن يومياً مطالبين بالخبز، لخص السيد جوستين مكارثي في كتاباته إلى نيويورك اندبيندنت في شهر كانون الثاني 1903 الوضع بشكل وجيز في الشكل التالي: (لم يبقَ أي مكان في الملاجئ لتكديس الحشود الجائعة أمام أبوابها التي تتوق للطعام والمأوى، استنفذت المؤسسات الخيرية كل طاقاتها وهي تحاول جمع الطعام للمقيمين الجياع في أقبية وغرف سطوح حارات لندن وأزقتها الضيقة، مقرات جيش الخلاص المنتشرة في أجزاء مختلفة من لندن تطوقها يومياً حشود العاطلين عن العمل والجياع الذين لا يتوفر لهم أي طعام أو مأوى).

ثار جدل بأن الملاحظات النقدية التي كتبتها عن لندن كانت متشائمة جداً، يجب أن أقول رداً على تلطيف المتفائل بأنني من أكبر المتفائلين لكنني أقيس الرجولة من خلال الأفراد وليس بواسطة التجمعات السياسية؛ إن المجتمع ينمو ويتطور بينما الآلات السياسية تبلى وتصبح خردة، بالنسبة للإنكليز، أرى بأن الرجولة والأنوثة والصحة والسعادة تسير نحو مستقبل مشرق لكن كثير من الآلات السياسية التي تسيء التدبير في الوقت الحاضر لا أراها سوى كوم من الخردة.

عن الطبعة
نشر سنة 2010
208 صفحة
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : أبجد

«أهل الهاوية» لجاك لندن ... حياة الضواحي

هيثم حسين
تاريخ النشر :  06 ايلول 2010


كتب الروائيّ الأميركيّ جاك لندن عمله «أهل الهاوية» (نينوى، دمشق، ترجمة أسعد الحسين، 2010)، حين عاش في شرق لندن. ذهب إلى عالم لندن السفليّ، بموقف المستكشف، وكان راغباً في تصديق الأدلّة كي يطّلع عليها، ويراها، لا من خلال الأقاويل والحكايات المرويّة. تسلّح بالحدّ الأدنى من المعايير التي يستطيع من خلالها المحافظة على الحياة والصحّة البدنيّة والنفسيّة، وحاول تجنّب ما يهدّد الحياة ويضرّ بها ويقصّرها، في مغامرته التي وُصفت بأنّها مجنونة.


يتقاطع جاك لندن مع تيودور باركر في توصيفه لإنكلترا بأنّها فردوس للأغنياء، ومطهر وجحيم للفقراء. لم يقف جاك لندن، المولود في سان فرانسيسكو عام 1876، عند حدود المتعة في المعايشة والتجريب، بل آثر نقل معاناة الملايين الذين يرزحون في قلب الجحيم، في عصر يفترض به أن يلبّي احتياجات الإنسان الضروريّة، لا أن يلقي به على قوارع الجوع والبطالة والأسى. لندن الذي نشر قصّته الأولى «إعصار على ساحل اليابان» عام 1893، بعد رحلة بحريّة إلى سواحل سيبيريا واليابان، كانت تلك القصّة السيريّة الشرارة التي فجّرت ينبوع إبداعه. توالت سلسلة أعماله الروائيّة والقصصيّة، منها: «ابن الذئب»، «ربّ الآباء»، «ابنة الثلوج»، «أولاد الصقيع»، «بيت الغرور وحكايات أخرى من هاواي»، «الوحش المخيف»، «وادي القمر»... وغيرها الكثير. وقد أنتجت هوليوود أكثر من أربعين فيلماً سينمائيّاً عن أعماله.

يتوضّح أنّ الأشياء السيّئة التي رآها الكاتب كانت أكثر بكثير من الأشياء الحسنة، من دون أن يغفل التذكير بأنّ الزمن الذي كتب فيه روايته، كان يعدّ من الأزمنة الجيّدة في إنكلترا، حيث كانت المجاعة ونقص المأوى حالات مزمنة من البؤس، لم يتمّ التخلّص منها حتّى في ما يوصف بأعظم فترات الازدهار

في روايته التي يقسّمها إلى ستّة وعشرين فصلاً، يتوغّل جاك لندن في قلب العالم الذي يصفه بأنّه العالم الحقيقيّ، يسبر أعماقه، يتعرّف إلى سكّانه المغمورين، يتقرّب من المهمّشين والمرضى والمنسيّين، يدخل الملاجئ والمشافي، يصادق أناس القاع اللندنيّ، حيث الحياة الحقيقيّة في عاصمة المملكة العظمى، الحياة التي يكون مدماكها القسوة والوحشيّة والأسى والأوجاع المتناسلة المتعاظمة، بعيداً من حياة القصور الزائفة، ويوميّات مَن يصنّفون بأنّهم النخبة، أو الطبقة الأرقى

أثناء سياحته في الهاوية، يتنكّر الكاتب في ثياب بالية، يقتنيها من أحد المحالّ الخاصّة ببيع الألبسة البالية، كي يتمكّن من التنقّل بأريحيّة وسهولة بين الناس، في محاولة منه للاندماج واكتساب ثقة أهل الهاوية، الذين يتجنّبون ذوي الثياب الأنيقة النظيفة، يرون فيهم أعداء محتملين، أو مشاريع أعداء لاحقين. يخبّئ قليلاً من النقود في جيوب سرّيّة، كي لا ينقطع من النقود، يحفظها بعيداً من اللصوص الذين يملأون شوارع شرق لندن، المنطقة الموبوءة بالفقر والجوع، المهملة المنسيّة التي يُنظر إليها على أنّها بركان قذارة راكد، أو مستنقع ينبغي تجنّبه وتجاهله، أو إلقاء النفايات المجتمعيّة إليه. يستكشف خبايا أهل الهاوية وأساطيرهم، يكتشف الطيبة السائدة، واللؤم الدارج، والسذاجة الطاغية، حيث تختلف القيم والمعايير، تختلف الرؤى ووجهات النظر، تغدو أبسط الأمور أحلاماً عصيّة على التحقّق، تتغيّر المفاهيم، يتحوّل الإنسان إلى كائن نهم، معرّض لغزو مستمرّ من المجاعة والحاجة والبرد والعنف من كلّ شيء. كما أنّ البطالة التي تعمّ، لا تفسح أيّ مجال للإنسان كي يستفيد من طاقاته التي يبدأ بهدرها وتبديدها بما يروي الجنون المختلق، الذي ينتعش في الأجواء الفوضويّة العبثيّة

حين أعلن جاك لندن قراره المفاجئ بزيارة شرق لندن، اتّهمه المحيطون به بالجنون، لكنّه قرّر خوض المغامرة، واكتشاف العالم القابع خلف أسوار الفقر والرعب. ثمّ حين دخل قلب المنطقة، وغيّر هيئته، تنفّس الصعداء. وبعد أن أحرق سفنه وأصبح حرّاً، ليغطس في تلك البرّيّة البشريّة التي لا يعرف عنها أحد، كان يرغب في النزول إلى المنطقة، ليرى الأشياء بنفسه، يريد أن يعرف كيف يعيش الناس هناك، ولماذا يعيشون هناك، ومن أجل ماذا يعيشون هناك. يودّ أن يعيش بنفسه هناك. يرى الثملين يترنّحون. الهواء ملوَّث بأصوات الشاحنات والشجار. كبار السنّ من الرجال والنساء يبحثون في القمامة المرميّة في الوحل عن الأطعمة الفاسدة، أو ما يمكنهم التهامه. غدا واحداً منهم، لم يشعر بالاغتراب بينهم، يشقّ طريقه مسروراً باكتشافه أنّ الخوف من الحشود لم يعد ينتابه، لأنّه أصبح جزءاً منها. غمره البحر الواسع ذو الرائحة الكريهة، شعر بالانتماء إلى هذا العالم الذي كان مرعباً جدّاً له ولأبناء الطبقة الأخرى

يوصي الكاتب بوجوب اعتماد التحدّي كسلوك دفاعيّ، في مواجهة النهب المعتمد، ويعزو الكثير من الخطايا المرتكبة إلى سوء استخدام الحضارة، والتلاعب السلبيّ بالإدارة، حيث الحضارة التي يفترض بها أن تزيد قوّة الإنسان الإنتاجيّة، تكون السبب الرئيس في توفير حياة قاسية سيّئة، وظروف أصعب ممّا يعاني المتوحّشون، ما يتسبّب بلجوء الكثير منهم إلى الانتحار كحلّ نهائيّ مريح، أو إلى إدمان الكحول للتهرّب من آلام الواقع غير المحتملة

يقدّم جاك لندن دراسة ديموغرافيّة عن عوالم مختلفة بمقدار ما هي متشابهة، لا ينتقي الأسوأ ليستعرضه للقارئ، ولا يحتفي بالحسن ليعظّمه، بل يسرد مشاهداته في المدينة التي غاص في أعماق أناسها، باعتباره شكّل جسراً بين عالمين: العالم الجديد بكلّ ما يشتمل عليه، والعالم البائس بكلّ ما يغرق فيه. ومحاولته التجسير لم تبدُ بقصد الاستعراض أو البحث عن مغامرة الاختلاف للاختلاف ذاته، بل كانت نابعة من قناعة راسخة، للانتصار للعالم الذي ترزح في أغلاله أعداد هائلة من البشر، يعيشون تحت خطّ الفقر، يحتاجون إلى كلّ شيء

ينضح سرد جاك بالألم الحقيقيّ المصور، والإيلام لواقع الحال، بعيداً من التنبّؤ بالمآل، لم يلغِ التفاؤل، ولم يقصِ الأمل، بل صوّر ما رآه وعاشه، كي يثير الانتباه، ويشحذ الهمم الراغبة في التغيير المنشود

تتأتّى أهمّيّة رواية «أهل الهاوية»، كونها لا تزال متجدّدة ومَعيشة بعد أكثر من قرن على كتابتها (1903)، كأنّها قد كتبت للتو، وعالجت أحوال شرائح واسعة من الناس في كثير من المجتمعات. يودّ لندن أن يبدّد النظرة الساخرة إلى سكّان الضواحي، بعد التحليل الدقيق والتفصيل الممعن، عساه يلفت الأنظار إلى الإنسانيّة المهدورة، في ظلّ التباهي بالتطوّر المنجز الذي لم يتمكّن بعد من إنقاذ الملايين من الهاوية التي وجدوا أنفسهم فيها، بطريقة أو أخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : الحياة

الأحد، 10 يوليو 2016

جاك لندن.. من الجوع والفاقه والتشرد الى «العقب الحديدية»

ترجمة: زياد الملا

تاريخ النشر: 21 ابريل 2009

تبين أن حياة السفن أقسى بكثير من مدرسة الشارع والمعمل إذ اضطر جاك الى قبضة اليد كي ينتزع الاحترام والمكان اللائق بين أفراد الطاقم ويتذكر الكاتب كيف أمكنه اجتياز امتحان الرجولة بنجاح. 

ولد جاك لندن( 1876 ـ 1916) في سان فرنسيسكو كان زوج أمه وليم تشيني ايرلندياً غريباً في أطواره بعض الشيء منجماً وأديباً وفي الآن ذاته فاشلاً وقد تحمل جاك الفتى جميع أعباء حياته الصعبة ويتذكر جاك سنوات الطفولة التي قضاها في اوكلاند إحدى ضواحي سان فرنسيسكو وكتب يقول: (وأنا في العاشرة من العمر صرت أبيع الجرائد في الشوارع وكنت أعطي كل النقود للأسرة وفي كل مرة أذهب فيها الى المدرسة كنت أخجل من طاقيتي ولباسي وحذائي المهترئ كنت أنهض في الثالثة صباحاً كي أستلم الجرائد وبعد بيعها أتوجه مباشرة الى المدرسة وبعد المدرسة أبيع جرائد المساء....) ‏
بعد فترة من الزمن اشتغل عاملاً في معمل كونسروة إذ كان يعمل ثماني عشرة ساعة متواصلة هذه هي مدرسة الحياة التي اجتازها في سن الفتوة. جذبت رومانسية حياة الميناء الشاب اليافع وسرعان مادخل في عداد الباحثين عن المغامرات الذين لم يكتفوا بصيد المحارات بل تمادوا في أعمال مشبوهة ورأى جاك أن مثل هذه الحياة (متوحشة وحرة).

بيد أن نشاط (قراصنة المحار) لم يشبع رغبات الفتى الذي أخذ يحلم بالمغامرة في العالم بأسره وحيث لايتعاركون من أجل قميص عتيق أو سفينة مسروقة بل لأجل غايات سامية. ‏
يبدو أن الخبرة المكتسبة في هذه الفترة أوحت للفتى فكرة التثقيف الذاتي فوجد طريقه الى المكتبة وهكذا أرسل أول قصة له بعنوان (إعصار عند شواطئ اليابان) الى الجريدة ونشرت فعلاً في 12 تشرين الثاني عام 1893. ‏
ولكن لم يستطع جاك لندن العيش حياة العمل الأدبي بعد، وأما النقود فكان بحاجة إليها له ولأسرته وفي عام 1894 صار يعمل وقاداً في محطة كهربائية وسرعان مادخل في صفوف العاطلين عن العمل وأخيراً صار جندياً في (جيش كيللي). ‏
هذه تسمية الحشد الهائل من العاطلين الذي انطلق في مسيرة الى واشنطن كي يستحصل الخبز والعدالة. ‏
مثله مثل الكثيرين من (جيش كيللي) اعتقلوا لندن وحبسوه في السجن بتهمة التشرد ورأى الفتى كيف أنه هو نفسه كتب( المهاوي المرعبة للإذلال البشري) ووصف ملحمة التشرد في وقت لاحق في مجموعته القصصية «الطريق » (عام 1910) عندما خرج من السجن عام 1895 اقترب من صفوف حزب العمال الاشتراكي وبدأ نشاطه كداعية وبالذات بعد المسيرة الى واشنطن وكل ماعايشه شعر لندن نهائياً وجدياً بلقبه ـ كاتب. وكان عام 1896 مفعماً بالنشاط الكتابي. وحسب اعترافه ساعة في اليوم الواحد في مختلف الأجناس الأدبية انتسب الى الجامعة ولكن سرعان ماتركها بسبب العوز المادي. واضطر لندن الى العمل في مغسل بخاري. ‏
ليس من الصعب إدراك مدى معاناة «لندن» بسبب الفقر المدقع والمزمن والاحساس بالتبعية الشاقة للأجور الحقيقية بحيث كان عليه أن يتوقف عن القراءة وعن أي نشاط كتابي، وسقط الشاب في المأزق إذ كانت بانتظاره العبودية التي لاتطاق. ‏
ولهذا السبب انجذب جاك لندن مثله مثل الكثيرين غيره ومن طينته الى كلوندايك (منطقة غنية بالذهب في شمال غرب كندا في حوض نهر كوندايك تم اكتشافها في عام 1897 وانتشرت«حمى الذهب» في بداية العشرينيات ومركزها المأهول بالسكان (مدينة دوسون) لقد وهبته كلوندايك ذخيرة هائلة من تبصر الحياة ودفعته الى الاصطدام بكفاح الإنسان البطولي ضد الطبيعة الشمالية العديمة الرحمة والشفقة وبمشاهد من الصراع الطماع والشره على الذهب وقد انفتح جوهر المجتمع البرجوازي لزمانه أمام الكاتب في أوكار ألاسكا المبنية من جذوع الشجر في الأجزاء الثلجية الشاسعة والشعاب الصخرية وبعد أن شفي لندن من داء الاسقربوط عاد الى الوطن الى العائلة المتيتمة (توفي زوج الأم) فأخذ بخطوات مثابرة يعود الى النشاط الكتابي الإبداعي وفي عام 1899 استطاع فعلاً انتزاع مكان لنفسه في المجلات والجرائد الأمريكية وقد شدت قصصه من حياة الشمال جمهور القراء الذي أحبها وانتهت سنوات البحث المريرة عن العمل. وصار لندن يكسب لقمة العيش لذاته ولأسرته بفضل الجهد الأدبي الذي بذله. ‏
شكلت تسعينيات القرن التاسع عشر الفترة الأولى من طريق لندن الإبداعي عندما انطلق الى الفن الكبير حيث أبدع قصصاً عن ألاسكا وقد تم جمعها في فترة لاحقة في مجموعات قصصية منها: «ابن الذئب» (1900) «وإله آبائه» (1901) و«أطفال الصقيع» (1902) و«وفاء الرجال» (1904) ويتجلى في هذه القصص الانشداد نحو موضوعات البطولة والتي تدخل في إطار سمات الكاتب بشكل عام. ‏
ففي تلك الفترة كان الشمال بالنسبة الى لندن وقبل كل شيء تعبيراً عن القوة الجسدية والروحية التي يستحيل تحطيمها وبالطبع تخص الفرد الجبار الذي يفرض ذاته في الكفاح العنيد مع قوى الطبيعة ومع البشر على حد سواء بيد أن حماسة قصص لندن الشمالية الرائعة والمذهلة بلوحات المناظر الطبيعية الضخمة والطبائع المتحدة والكاملة والظروف الحادة لاتكمن في الصراع على الذهب بل في الكفاح من أجل النفوس البشرية: الإنسان الذي لايجمد ضميره حتى عندما يشير الترمومتر الى الخمسين حتى الصفر هذا هو بطل قصص لندن المبكرة والأصيلة وتسمو قوانين الصداقة والحب الصافي ونكران الذات على ضوضاء الثراء الإجرامية والتي غالباً مايكتب عنها بروح من النفور والاشمئزاز ولكن يستحيل عدم تسجيل تناقضات الشاب لندن الحادة أيضاً، فإذا كانت الغريزة الاجتماعية السديدة للإنسان الشغيل قد قادت الكاتب الى الأمام إلى شخصيات رائعة من البشر البسطاء والشرفاء القادرين على القيام بمأثرة حقيقية بصمت إلا أنها دفعت بالكاتب وبالواقع البرجوازي الى اتجاه آخر، وبرز التأثير القوي للفلسفة البرجوازية التي تشرب بها وهو يجتاز طريقاً صعباً من الروح العصامية وينتقل من شخصية الى أخرى من سبنسر الى نيتشه. ‏
بعد سبنسر صار لندن الشاب يميل الى اعتبار الطبقة العاملة (قاع) البشرية حيث يصطدم جميع (الضعفاء) بحالة ( الانتقاء الطبيعي) و(الأقوياء) الذين يخترقون طريق الثروة والسلطة هذا وتعززت استدلالات فريدريك نيتشه العقلية المشؤومة بصدد (عرق الأرباب) و(عرق العبيد) وحملاته الدغمائية على الديمقراطية البرجوازية التي بدت ليبرالية للغاية بالنسبة إليه تعززت بدغمائية سبنسر وكل هذا ساعد على أن تنحو أمزجة لندن الشاب وفي حالات غير قليلة في الطريق الباطل والملفق وقد بدا للشاب أن العالم عبارة عن عراك رهيب ومستديم بين الأقوياء والضعفاء وحيث النصر دوما وبالضرورة الى جانب الأقوياء ينبغي أن تكون قوياً فحسب كي تنجز احتواء الآخرين أي الأضعف وهذا هو قدرهم وكان تأثير ر.كيبلينغ قد أسهم أيضاً في التولع بمثل هذه الأفكار فالشاب لندن لم يكتف بتقدير مهارة كيبلينغ وموهبته بل انجّر أيضاً الى التأثر بنظراته ويمكن الإصغاء الى أصداء مثل هذه النظرات في قصص لندن مثل«ابن الذئب» بطلها أمريكي لايهاب شيئاً يسحب فتاة هندية حمراء من كوخ آبائها ويقنع الهنود الحمر بأنه كائن «أسمى وأعلى » من البشر وليس عبثاً أن يطلق على الهنود الحمر تسمية« قبيلة الغراب الأسحم» وبالطبع الغراب صياد جريء وكاسر إلا أنه لن يتجاسر على مصارعة الذئب، هذا وتتكشف في رمزية التسميات التي تقلد الأسماء والمفاهيم الهندية خرافات ورواسب لندن الشاب وتدوي أفكار سبنسر ونيتشه بصورة أكثر حدة في رواية لندن المبكرة «ابنة الثلوج» (1912). ‏
تعكس قصص الشمال تطور نظرات لندن التدرجي أيضاً وتتنامى فيها أهمية الموضوع الهندي ولكن في عام 1901 تقريباً يحدث انعطاف جديد وهام للغاية في ابداع لندن ومن بين أولى كتاباته مقالة عن « فوما غوردييف» (1901 ) برنامج «الواقعية الفعالة» التي تخدم الأهداف الاجتماعية السامية. في بداية العشرينيات اقترب لندن من الحركة العمالية المنظمة وصار من أنصار يوجين ديبس زعيم العمال الأمريكيين. ‏
وفي أحد الاجتماعات الاشتراكية الجماهيرية تعرف جاك لندن بامرأة اسمها آنا سترونسكايا التي كانت أسرتها قد غادرت روسيا القيصرية وقد ساعدت لندن على محبة الأدب الروسي الذي انجذب إليه قبل هذا التاريخ. ‏
في تموز عام 1902 اقترحت إحدى الجرائد البرجوازية على لندن السفر كمراسل لها الى جنوب افريقيا حيث انتهت الحرب الأنكلوبويريه وافق لندن إلا أنه تأخر إذ استسلم البوير لغاية هذا الوقت وعند ذاك مكث جاك في لندن لحضور مراسم تتويج ادوارد السابع. ‏
ما إن حل في انكلترا حتى أخذ يهتم بوضع الجماهير الشعبية الانكليزية وحياة القاع اللندني، استأجر غرفة في الحي العمالي في العاصمة وعاش عدة أسابيع حياة عامل عادي وتقاسم الخبز والمبيت وكل قساوات الحياة مع الفقراء المعدمين في الأكواخ الحقيرة وأدت مراقبته لهذه الحياة الى كتاب جديد بعنوان «بشر الهاوية» (1903). ‏
في كانون الثاني عام 1904 يتوجه لندن الى الشرق الأقصى مراسلاً حيث اشتعلت هناك الحرب الروسية اليابانية أقام في كوريا وعاد منها أكثر راديكالية من السابق. ‏
أثرت الثورة الروسية الأولى عام 1905 تأثيراً قوياً للغاية في الكاتب إذ درس تجربتها بكل عمق وحفزته على الكفاح أكثر فأكثر في وطنه أمريكا. ‏
بعد (ابنة الثلوج) كتب جاك لندن «الذئب البحري» (1904 ) وأثار اهتمام القارئ كي يرى جوهر الرواية الفكري خلف السمات الظاهرية للرومانسية المغامرة وهي النضال ضد البؤس المدقع والنقد الملتهب للنزعة الفردية العسكرية فالكابتن وولف لارسين إنسان قوي: في المفهوم النيتشوي لهذه الكلمة ينهزم هزيمة نكراء عميقة وأخلاقية ويدفع حياته ثمناًَ لتصرفاته. كما كشف الكاتب في الرواية، الطابع الد يماغوجي لنقد الرأسمالية النيتشوي. ‏
كانت أعوام 1906 ـ 1909 هي الفترة الأكثر أهمية وسطوعاً في تطور لندن الإبداعي. ففي هذه السنوات أبدع «العقب الحديدية» (1908) ومجموعة مقالات بعنوان «الثورة» (1910) و«مارتن ايدن» (1909). ‏
الشيء الرئيسي في «العقب الحديدية» هو رومانسية الكفاح الثوري ضد الرأسمالي. بطل جاك لندن الجديد هو الثوري المحترف قائد العمال الأمريكيين. وتتجسد فيه وبقوة هائلة الرومانسية الثورية التي يتنفسها الكتاب. ‏
يرتبط المضمون السياسي الثري للعقب الحديدية وحماس أسلوب «العقب الحديدية» ارتباطا وثيقاً بمضمون وأسلوب كتابات لندن الاجتماعية. ‏
تجلت الجوانب الثورية الرومانسية لعلم الجمالي الواقعي عند لندن، في «العقب الحديدية» على وجه الخصوص. وعندما تدرس هذه الرواية كموسوعة متميزة لنضال الطبقة العاملة ومعروضة في صيغة فنية فإنك ترى بسطوع أن بعض المشاهد مستقاة من تاريخ كومونة باريس وأخرى تذكرنا بمعارك ثمانينيات ـ تسعينيات القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة، وغيرها مكتوبة تحت انطباع معارك المتاريس في بريسنا... ‏
«العقب الحديدية» رواية طوباوية سياسية ولوحة ملحمية هائلة حيث تتحرك على خلفية الأحداث التراجيدية ذات الأهمية العالمية شخوص مرسومة بصورة اصطلاحية مثل الخطوط المنقطة. وهذا مفهوم وطبيعي في بناء رواية طوباوية مثلها. ‏
شهرة جاك لندن المتمرد صارت سبباً لتسميمه عن سابق إصرار في عام 1906 ولكنه شفي من ذلك. ‏
من رواياته الأخيرة «قلوب الثلاثة» التي صدرت بعد وفاته كانت بمثابة غروب الكاتب الكبير. فهو لم يستطع أن يقول لذاته، مثل غوركي بأنه «يعرف ولأجل أية غاية ينبغي العيش» ضاع الهدف ولم يعد القارئ يجد في أعمال لندن المتأخرة تلك الواقعية الفعالة والاندماج المثير الذي لمسناه في «العقب الحديدية» و«مارتين ايدن» وصرنا نلحظ في أعماله الأخيرة تناقضات كثيرة وحادة. لقد وقف ضد الحروب الامبريالية وتضامن مع الثورات المكسيكية إلا أنه تعاطف مع وجود المتدخلين الأمريكان في بلد غريب بينما اتخذ جون ريد موقفاً آخر. ‏
في عام 1916 قطع علاقته مع الحزب الاشتراكي متهماً قادته بالانتهازية. وتهادن مع تلك القوى التي كان ضدها سابقاً وعلى مايبدو أنه رأى في أزمة الحزب هزيمته الشخصية إلا أنه خشي الاعتراف بذلك. ‏
عانى من أمراض صعبة الشفاء وفي صباح 21 تشرين الثاني عام 1916 وجدوه في حالة ميؤوس منها فهو إما أنه تناول جرعة كبيرة من المسكنات أو لجأ الى الانتحار المقنع. ‏
أنا مرهق بشكل مميت ـ هذه هي الكلمات التي سمعها منه الكثيرون في خريف عام 1916 وفارق الحياة بعد أن عاش أربعين عاماً لاأكثر. ‏
ــــــــــــــــــ
المصدر: تشرين

إصدارات عربية ...أبيض الناب للكاتب الأمريكي جاك لندن

تاريخ النشر: 7-7-2008

عن دار "سنابل المصرية الأسبانية للكتاب" بالقاهرة صدرت رواية "أبيض الناب" للكاتب الأمريكي "جاك لندن" من ترجمة "عبد الهادي الادريسي,
لتكون بذلك أول ترجمة عربية متكاملة لهذه الرواية التي تعتبر قمة الإبداع لدى الكاتب الأمريكي, إضافة إلى أنها تمثل مرحلة مهمة من الإبداع المتأثر بنظرية الدارونية التي سيطرت على عقول المثقفين خلال النصف الأول من القرن العشرين. نتابع خلال الرواية حياة الذئب الصغير "أبيض الناب" مخلوقا في مغارة مظلمة تحت الأرض بعد موت أخوته جميعا وهو لا يزال "جروا" صغيرا محتكرا لبن أمه فيشب قويا ويحاول الخروج من المغارة قبل الأوان متخبطا داخل المغارة أولا, بعد أن فشل في مغادرتها عن طريق الحائط المضيء بسبب رفض أمه, ويتوه وسط الغابة الصنوبرية مواجهاً الصعاب والأخطار, فيغرق في مجرى مائي فتنقذه أمه.‏
ثم يصطاد الهنود الحمر الكنديون الناب الأبيض وأمه. وفي الأسر تكون الأُم مربوطة وابنها الصغير طليقا يواجه كلاب المخيم الأخرى بعيدا عنها, لكنه يتعلم بحسه الطبيعي كيف يقود أعداءه من الكلاب الكبار إلى مربط أمه فتنتقم من الواحد منهم انتقام الجبابرة لأنهم يعاكسون ابنها الصغير ويقسون عليه, ويحين الفراق المؤلم بين الأم وصغيرها الفتى. بعد أن قرر الهنود الحمر المرتحلون بيعه إلى صياد في ألاسكا في الشمال بلد الثلوج الدائمة والمناجم والأضواء الشمالية العجيبة والتي لا تنبعث من شمس ولا قمر ولا نجم .‏
إذا كان القارئ العربي قد تعرف على "جاك لندن" من قبل من خلال ترجمة روايته الشهيرة "العقب الحديدية" و "القدم الحديدية" في ترجمة أخرى, فإن هذه الرواية "أبيض الناب" لم تترجم كاملة من قبل إلى اللغة العربية رغم أهميتها في الإبداع الأمريكي بشكل عام, ولأنها تعكس تيارا كبيرا تبع ظهور نظرية "التطور" الدارونية, ولكن صدرت منها طبعة "ملخصة" في تلك الفترة التي شهدت نشر العديد من الأعمال على تلك الطريقة التي شوهت أعمالا كان يمكن للقارئ العربي أن يستمتع بها, إلى أن جاءت هذه الترجمة الرائعة للمترجم المغربي "عبد الهادي الإدريسي" لتعيد إلينا "جاك لندن" معاصرا, والتي تصدر في الأيام القادمة في طبعة أنيقة عن "سنابل الإسبانية المصرية للكتاب".‏
ــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الجماهير