‏إظهار الرسائل ذات التسميات هنري ميلر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هنري ميلر. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 9 أغسطس 2016

رسالة حب من "هنري ميللر" إلى "أناييس نن" ترجمة: أسامة منزلجي




ربطت بين أناييس نن (1903- 1977) علاقة قوية واستثنائية، جمعت بين الصداقة والحب والجنس طوال فترة طويلة. كانت صديقة ومُحسنة إليه ومُعيلة. ويبدو جلياً من الرسالة التالية مدى عمق العلاقة بين الاثنين؛ لقد شارك ميللر نن حياتها وعملها وغرفتها وفراشها. كان يتغلغل تحت جلدها وكانت تتغلغل تحت جلده، حتى يكاد المرء لا يصدّق أنها انتهت في وقت من الأوقات. الرسالة التالية مأخوذة من مجموعة المراسلات الضخمة بين نن وميللر وتحمل عنوان
" A LiteratePassion "

نيويورك
آذار (مارس) 1935
أناييس،

ليتك تكونين معي على مدى أربع وعشرين ساعة، تراقبين كل إيماءاتي، تنامين معي، تأكلين معي، تعملين معي، هذه الأمور لا يمكن أنْ تحدث. عندما أكون بعيداً عنك أفكر فيك باستمرار، فذلك يُلوِّن كل ما أقول وأفعل. ليتكِ تعرفين كم أنا مُخلص لك! ليس فقط جسدياً، بل وعقلياً، وأخلاقياً، وروحياً. لا شيء يُغويني هنا، لا شيء على الإطلاق. إنني منيع ضد نيويورك، وضد أصدقائي القُدامى، وضد الماضي، ضد كل شيء. للمرة الأولى في حياتي أنا منغمس تماماً في كائن آخر، فيك. في استطاعتي أنْ أتخلّى عن كل شيء من دون أنْ أخشى الإرهاق أو الضياع. عندما كتبتُ في مقالتي بالأمس "لو أني لم أذهب إلى أوروبا إلى آخره ..." لم أكن أقصد أوروبا، بل أنتِ. لكني لا أستطيع أنْ أجهر بهذا للعالم في مقالة. إنَّ أوروبا هي أنتِ. لقد استوليتِ عليّ، أنا المكسور وأنتِ التي جعلتني كاملاً. ولن أتداعى أبدا – وليس هناك أدنى قدر من الخطر من وقوع هذا. لكني الآن أشدّ حساسية، وأكثر استجابة لأقل خطر. فإذا لاحقتكِ بجنون، وناشدتكِ أنْ تصغي، ووقفتُ خارج بابك وانتظرتكِ، فذلك ليس محاولة لإذلال نفسي. بالنسبة إليّ ليس هناك إذلال في هذا الكفاح للاحتفاظ بك. هذا فقط برهان على أني على وعي تام، ويقظة شديدة، وتوق، بل توق عميق ويأس لأجعلكِ تدركين أنَّ حبي العظيم لك شيء حقيقي وجميل إلى أقصى مدى. في السابق كنتُ أكيل لأي امرأة الصاع صاعين مقابل أي ألم تُسببه لي. لكني الآن أعلم أنَّ الألم هو نتيجة سلوكي أنا. أعلمُ أنه حالما يحدث أمر، أمر خاطئ، فإنَّ الخطأ هو خطأي أنا. إنني لا أشعر بالذنب، بل بمذلة عميقة في مواجهة حبي. إنني لا أشكّ فيكِ، يا أناييس – بأي صورة من الصور. لقد قدّمتِ لي كل البراهين التي يمكن لامرأة أنْ تقدّمها إلى رجل. أنا الذي ينبغي أنْ أتعلّم كيف أقبل هذا الحب وأصونه. لقد ارتكبت الكثير من الأخطاء الفادحة. وسأرتكب المزيد منها، دون شك. لكني لن أتراجع. يبدو أنَّ كل يوم يرفعني إلى مستوى أعلى، إلى الذُري – اتركيني هناك، أتوسّل إليك.

لقد فكَّرت في أنْ أقول لكِ عبر الهاتف، لكني رحت أثرثر – " أناييس، لا أستطيع أنْ أجوب الشوارع وأنا مبتئس. هذا لا يجوز. لدي الكثير من العمل ولا أريد أنْ أُدمّر نفسي، ولا حتى أصغر جزء مني. إنَّ كل ما لديّ نفيس وكنتُ أحاول أنْ أصونه، لأقدّمه هدية إليك .

إنني هنا لا أجوب الشوارع كما كنت أفعل. ليس لدى الشوارع ما تقول لي. هذا أيضاً كان بمثابة إعطاء شيء من نفسي للعالم، بدل جذب العالم إلى داخلي. والآن أفكّر في غرفتي الصغيرة، الغرفة التي وفّرتِها لي، وأشتاق إلى العودة إليها، لكي أُكرّسَها للعمل. يبدو أنَّ العالم كله يبدو ملتحماً بكِ – فلماذا أخرج سعياً وراءه؟

إنني أشعر وأنا أتحدث مع الناس بشيء غاية في الجمال داخلي. أشعر بالمسافة بيني وبين الآخرين. وأصون تلك المسافة. لا أعلم مَنْ أنا. لم تعد هناك أية شكوك. ولكن عندما تبتعدين عني، حتى ولو قليلاً، يهبط السواد عليّ، أشعر بأني مُحاصَر. ولكي نُحافظ على ما خلقنا بيننا، وداخلنا، علينا أنْ نتحرّك بسرعة وأنْ نتعرََّض للخطر، ونحن في كامل وعينا. لقد وصلنا إلى شيء لم تعرفه إلا القِلّة القليلة من الناس. يجب أنْ نكون صادقَين مع نفسينا، ومع ما نعرف ونشعر. إذا زللتِ، يجب أنْ أرفعكِ. وإذا زللت، يجب أنْ تفعلي الأمر نفسه. وإلا اهتزَّ العالم وضعنا .

لا تظني، يا أناييس، أنَّ ما يدفعني إلى التصرُّف بيأس هو خوفي من أنْ أفقدكِ. إنه ليس الخوف، بل الرغبة في التمسُّك بك. إنَّ ذاتي الخائفة ماتت. تلك الذات كانت سلبية، مُهمِلة، وغائبة عن الوعي. والرجل الذي أنا عليه الآن يقِظ وفعّال، إنه يقفز، ويُقاتل، ويرفض أنْ يُرخي قبضته. هناك فرق، ألا ترين؟ الذات القديمة كانت ستنحل وتذوي على السرير، أو ستسكر، أو تهيم على وجهها في الشوارع، أو تلجأ إلى صديق قديم. لم يعُد في استطاعتي أنْ أفعل هذه الأمور. هذه الأمور كلها كانت تُخفف عني، تمكّنني من العويل ألماً ومعاناة، وربما كنتُ أرغم فيهما حينئذٍ. لا أريد أنْ أُعذِّب نفسي، سوف أضع نفسي تحت تصرّفك دائماً، وجهاً لوجه، بسرعة، ومباشرة. لم أسمح بأي غلط، بأي حادث يتطور بسرعة إلى سوء فهم. لن أسمح لنبات ضار واحد ينمو في هذه الحديقة التي نُعدّ. إنَّ الحياة قصيرة قِصراً مُرعباً لنُحقق فيها معاً رغباتنا كلها. يجب أنْ نُمسك بالزمن ونلوي عنقه. يجب أنْ نعيش كلٌ منا داخل الآخر.

عندما اتّصلتُ بك لم أكن متأكّداً من أني سأجدك. في تلك الأثناء اتصلتُ بكِ مرّتين وقيل لي إنكِ في الخارج. كنتُ أتصبّب عرقاً. رحتُ أتمشى في طول شارعك وعرضه وحول منزلك، تفرّجتُ على المطاعم، ثم عدتُ ووقفتُ أمام بابك. ولو أني لم أتمكن من التحدث معك عبر الهاتف كنتُ سأرسل إليك برقية، ومن ثم أعود لأكتب لك رسالة تُسلَّم باليد. نظرتُ في دليل الهاتف بحثاً عن اسم غويلر[1][1]، مُعتقداً أني قد أجدك في منزلك – منزلهم. فلم أعثر على العنوان. ولو أني انتظرتكِ هذا المساء ولم أجدكِ لاقتفيتُ أثر رانك[2][2] وحاولت الحصول عليه منه، بالقوة إذا اقتضى الأمر. لم أتمكن من التفكير أين يمكن أنْ تكوني، وماذا تفعلين. لم أُصدّق أنكِ ما زلت غاضبة مني، لم أفكّر إلا في أنكِ تبتعدين عني، متألمة، وحائرة، ويائسة من حبي. ثم إنَّ نيويورك تلك تبدو كالهولة – بحجمها، بشقوقها التي لا تنتهي، وعبث العثور على تلك التي تبحثين عنها كالمسعور. إنَّ المرء يتحول إلى قشّة، إلى خصلة شعر تذروها الريح، تمزّقه كل ذكرى، يُصبح ملعوناً، ضائعاً ومُحطَّماً، تتقاذفه الرياح. تقولين أنكِ كنتِ تبكين. وأنا كنتُ أبكي، أجوب الشوارع والدموع تسيل على وجهي. آه، لماذا، لماذا ؟ لماذا علينا أنْ نعاني ؟ هل نحن هشّون، مُعرَّضون لكل سهم؟ هذا شيء جميل وفظيع. لكننا أشبه بتوأم نحاول أنْ ننفصل. دعينا نبقى ملتصقَين معاً، بكل ما في الكلمة من معنى. ادخلي فيّ، يا أناييس، وابقي هناك، لا تخرجي مني أبداً، ولا بمقدار فكرةٍ واحدة .

لقد مررتُ وإياكِ بتجارب رهيبة، تجارب مرعبة. ألا نستطيع أنْ نُغرق هذا كله في حبّنا؟ أنتِ تعلمين الآن أني لا أحمل أفكاراً زائفة عنكِ، وأني قبلتكِ كامرأة، امرأتي. فلا تعاقبيني بسبب بطئي. بل اشكري النجوم لأننا كافحنا ونجحنا. لقد أخبرتك ذات مرة في رسالة كم أنا متيقّن من أنَّ مصير الإنسان كامنٌ داخله – وليس هناك في النجوم. وشعوري بهذا يترسّخ أكثر فأكثر. ألستِ معي؟ ألستِ معي؟ يجب أنْ تكوني كذلك، لأنَّ هذا ما أستشفّه من رسالتكِ. كيف يمكن ألا تكون القفزة الجريئة التي قمتِ بها إلا استجابةً لإملاء داخليّ. كان يجب أنْ تقفزي من أجلي، لكي تُنيري لي الطريق. لقد أثبتِّ ما أخبرتكِ ذات يوم أنه قول رائع – هل تذكرين؟ " الجرأة لا تقتل " لقد رأيتِها في الملاحظات التي دوّنتها على الطاولة في فيلا سورا. إنني أتذكَّر جيداً كل ما لاحظتِ. أستطيع أنْ أرى ضياءً في وجهكِ، وفي يديكِ المتلهّفتين، وفي إيماءاتك التي ترسمينها في الهواء وتشبه الطيور. أنتِ بالنسبة إليّ الضوء نفسه – أينما تمرين يومضُ ضياء مُبهِر .

هل ستسامحينني لأني كتبتُ هذا كله، بدل أنْ أعمل؟ أليس هذا، أعني حياتنا، أشدّ أهمية من العمل؟ عمل! عمل! لماذا أعمل؟ لابد أنَّ السبب في الأصل أُبالغ في تقدير نفسي، في حب نفسي، حتى أني حوّلت العمل إلى ولع وحاولتُ أنْ أُبرّره بأنواعٍ شتى من الأكاذيب والأضاليل. كنتُ أُشيدُ نُصُباً للأحزان الماضية. هذا كله انتهى. لقد تحوّل وجهي نحو المستقبل، بفرح. سوف يكون العمل طبيعياً أكثر، ولن يكون غاية بحد ذاته. لقد كدتُ أتجرّد من الإنسانية. وأنتِ أنقذتني.

الآن أُدركُ أني كائن بشري كامل وباعتباري كائناً بشرياً لابد أني أكثر قيمة بالنسبة إليكِ من أعظم الفنانين قاطبة. لم يضِع أي شيء جراء هذا التغيير. على العكس، بل كسبتُ كل شيء. إنكِ لا تنافسين عملي. أنتِ لستِ المُلهِمة التي تمّت التضحية بها. ما أشد حِدّة وعيي، وامتناني لك، لأنكِ اجترحتِ هذه المعجزة. إنها إبداعكِ، وهي إنسانيّة صِرف، تمَّ بلوغها عبر كفاحٍ مرير. وما فعلتِ لا يقلّ عن أي عمل بطوليّ. لو كنتِ مجرد امرأة لفشلتِ. أنتِ فنانة – في الحياة – وأي تقريظ يمكن أنْ أصِفكِ به؟ أنا كنتُ فناناً فقط بالكلام، وفي الحياة كنتُ فاشلاً بمرارة. كلمات، كلمات – كم تخنق روح المرء! أعطني المرأة وسوف تحتل الكلمات موقعها المناسب. لقد كنتُ عبداً للكلمات. الآن سوف أستخدمها.

أحياناً أعتقد أنَّ مجيئي إلى هنا سوف تكون له هذه النتيجة بالذات، أي سوف تصبح شخصيتي محسوسة وملحوظة. أعتقد، إذا توقّعت مكافأة مستحقّة، أني حالما أُقنع الناس بنزاهتي فإنَّ أي شيء أفعله أو أقوله، أي شيء أكتبه، سوف يلقى الاستحسان. لا يمكن للناس أنْ يتجاهلوني وهم يعلمون مَنْ أنا، يعرفون صدقي، ورصانتي. لم تعد لدي أية رغبة في لعب دور المُهرِّج، المتأذّي، المُهمَل. إنني أتوق الآن إلى التمسُّك بالناس، والوقوف أمامهم والتحدُّث إليهم، وإقناعهم. إنَّ الأمر لم يعُد يتعلّق بالأدب، بل بحياتي، بحياتي معك. أشعر بهذا بقوة بحيث أني واثق من أنه يجب أنْ يُحَسّ. قد أُصبح أشدّ بساطة بكثير. كل كلمة يجب أنْ تحترق. الكلمات مملوءة بدمي، بولعي بكِ، بنهمي للحياة، بالمزيد من الحياة، الحياة الأبدية. لقد منحتي حياة، يا أناييس. أنتِ الشُعلة التي تشتعل داخلي. وأنا حارس الشُعلة. أنا أيضاً لديّ مهمة مقدّسة .

آه، ألا ترين وتعرفين وتصدقين كل ما أكتب إليك؟ أليس واضحاً وصحيحاً وعادلاً؟ ألن تمكثي معي، في داخلي دائماً؟ لقد صعدتُ من أعماق سحيقة لأعثر عليك. إنَّ قولي إني أحبك ليس كافياً. إنه أكثر بكثير، بكثير. اسبري أعماقي، أخرجي كل ما في داخلي. أشعر بأني غني غنى لا ينضب.
هنري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هيو باركر غويلر: زوج أناييس نن منذ عام 1923 . – المترجم
أوتو رانك (1884 – 1939) : مُحلل نفسي نمساوي. تلميذ سيغموند فرويد و "ابنه بالتبنّي " . لجأت إليه أناييس نن وزوجها عندما توترت العلاقة بينهما ووصلا إلى حافة الانهيار العصبي. – المترجم


الثلاثاء، 2 أغسطس 2016

«أيام هادئة في كليشي» لهنري ميللر ... ليالي باريس

هيثم حسين

تاريخ النشر: 07 كانون الثاني 2013

يحكي الأميركي هنري ميللر (1891- 1980) في روايته «أيام هادئة في كليشي»، (ترجمة خالد الجبيلي، الجمل، بيروت2012)، حكاية كاتبين أميركيين عاشا معاً في باريس في أواخر النصف الأول من القرن العشرين، يصور بعضاً مما تخلل تلك المدة من مغامرات استثنائية غريبة قاما بها، وذلك من خلال توصيف الظروف العامة للمدينة التي كانت تضج بالجديد والمختلف.

يتتبع الكاتب سيرة بطليه جوي وكارل خلال إقامتهما في باريس، وكيف أنهما كانا يوقفان كل شيء لديهما للانكباب على الجنس والاستزادة منه، وذلك في سعيٍ مجنون منهما للارتواء منه، ومحاولة تجريب مختلف الأنواع والحالات، وأثناء ذلك يكون الكشف المواكب عن الوجه السافر للمدينة، وجه القبح المتنامي داخلها، بالتوازي مع بعض حالات القهر الاجتماعي والإنساني..

يكون جوي هو الراوي المتماهي مع الروائي، يروي حكاياته مع عدة نساء، يقتنص بعضهن من الملاهي، وبعضهن من الشوارع، يحترف حياة الليل، يصرف كل ما يصله من نقود على ملذاته الشخصية، يرتهن للبحث عن اللذة التي يجدها في ممارسات غريبة أثناء علاقاته.

الجنس يكون محور العلاقة التي تربط جوي وكارل بباريس، تدخل المرأة كطرف المعادلة الأهم، تضفي على العوالم الحيوية والتجدد، إذ إن جوي ينتقل من امرأة إلى أخرى، لا يكتفي بحب أو ممارسة، ينبش بهوس شبه مرضي عن إرواء شبقه، وما إن يخمن أنه عثر على ضالته حتى يكاد ينتقل إلى أخرى. أثناء تنقلاته السريعة، وعلاقاته العابرة، يكتشف البؤس القار في دواخل النساء اللاتي يتعرف إليهن، يحرص على معاملتهن بطريقة لائقة، دون الحط من شأنهن، ما كان يبديه غريباً في نظرهن، ولاسيما أنه كان جذاباً لهن باعتباره أميركياً، وكانت لهجته الفرنسية موضع تودد تارة، وموضع سخرية وازدراء تارة أخرى.. ويكون لكل واحدة طريقة في التعامل والتفكير، بحيث يقدم من خلال أولئك الفتيات نماذج للمرأة الباريسية بمختلف حالاتها وأطوارها، ومن أعمار متباينة.

الأيام التي يصفها الكاتب بالهادئة في كليشي، لم تكن بذاك الهدوء، بل كانت صاخبة تضج بالمغامرة والجنون، كانت منطقة كليشي بشوارعها وساحاتها مسرحاً للأحداث التي عاشها الصديقان، حيث شقة صغيرة تحتوي على أثاث بسيط لا يتناسب وحالة الصخب والضجيج التي يعيشانها. ولم يكن الهدوء سوى غطاء لتمرير الجنون، أو أن الذاكرة تهدئ الصخب والضجيج بعد مرور سنوات على الوقائع، بحيث تبدو أنها كانت بغاية الهدوء والرتابة.

يصف جوي صديقه كارل بأنه كان دائم الحرص على الاحتفاظ بمبلغ معين يخفيه في كتاب فاوست في مكتبته، ولا يقربه ولو كان بأمس الحاجة إليه، لذلك كان جوي يسطو عليه بين الفينة والأخرى. وكانت المشكلة المستعصية حين يكون كارل بدوره محتاجاً إلى المال، كجوي تماماً، لذلك لم يكن لديه أي سبيل للتحصل على المال كل مرة يظل فيها مفلساً، إلا أن يرهن آلته الكاتبة التي يعتني بها أيما عناية، ليعمل جاهداً على استرجاعها، وفي بعض الأحيان يجد نفسه غير قادر على إيفاء الديون، ومضطراً إلى الكتابة، فيتورط في البحث عن طرق يرضي بها حاجته وتساعده على استرجاع آلته.

تتمحور حياة جوي وكارل على الجنس في مدينة منفتحة تبث بصخبها الهدوء فيهما، حيث يكون الجنس وسيلة للبعض وغاية في الوقت نفسه لآخرين، يرى جوي الجنس بوابة إلى ليل باريس، أو يرى باريس في علاقة جدلية مفترضة ميدان مغامراته، يرى بأن الجنس لا يصبح رومانسياً، وخصوصاً عندما يكون موضع بيع وشراء، لكنه يخلق رائحة لاذعة، تدعوك إلى الحنين الذي هو أكثر سحراً وإغواء من درب المتع الأبيض المتلألئ بالأنوار. كما يقول راويه: في الحقيقة، إن الحياة الجنسية تزدهر أكثر في الضوء المعتم الدامس، إنها تعيش وتترعرع تحت الأضواء الخافتة، لا تحت وهج أضواء النيون.

لا يقتصر الفضاء المكاني في الرواية على كليشي كمنطقة محددة في باريس، بل ينفتح على آفاق باريس وأزقتها ومقاهيها، يكون للشانزليزيه نصيب وافر من التجول والحضور، كما يكون لمارينيان حضور طاغ، وبخاصة في القسم الثاني من الرواية، المعنون بـ «مارا مارينيان»، ويدخل من خلال تصوير تلك الأماكن في عوالمها الليلية، يصور بعضاً مما يجري على قوارع طرقاتها، حيث تنقسم باريس إلى مدينتين، نهارية وليلية، لكل منها سمات ومزايا تختص بها.

يقدم صاحب «مدار السرطان» و«مدار الجدي» تجاربَ شخصياته الجنسية بطابع يمزج بين الخلاعة والظرف أحياناً، كما يُجري نوعاً من التداخل بين التطرف والغرابة، وتكون الممارسات الغريبة نتاج واقع مختلف، تتظهر فيه الشخصيات بصور وحالات مختلفة، تتناسب وانفتاح المدينة واشتمالها على اللافت والمختلف والغريـب.. كما أنه يـسعى لتـصويـر الجوع المتغلغل في كل تفاصيل الحياة، الجوع للارتواء من الآخر، امرأة كان أو رجلاً، الجوع للارتواء من الطعام والشراب، الجوع للكتابة... وغير ذلك من حالات.

لا تختلف «أيام هادئة في كليشي» عن طريقة ميللر المعروفة في رواياته الأخرى، وهي توظيف الجنس لدرجة يكاد يطغى فيها على ما سواه من أحداث ومشاهد، إذ تبدو عوالمه مفعمة بالجنس، ويكون له قاموسه الخاص في مقاربة الحالة وتوصيفها. كما أنه يستكمل طريقته في مزج السِّيَرِيّ بالروائيّ، ولاسيما أنه اعتمد ضمير المتكلم، والراوي في الرواية هو كاتب وروائي، حتى أنه يذكّر برواية «الربيع الأسود»، وذلك في إشارة واضحة إلى جانب السيرة في الرواية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : الحياة


الاثنين، 1 أغسطس 2016

عودة إلى زمن رسائل الحب.. افتراضيا

الكويتية ليلى البلوشي تتتبع علاقة هنري ميللر بأناييس نن
  
لندن: مريم مشتاوي 
تاريخ النشر: 6 أغسطس 2014


أرادت الكويتية ليلى البلوشي في كتابها «رسائل حب مفترضة» أن تصحبنا معها إلى عالم من الرومانسية والحب بين هنري ميللر الروائي الأميركي والروائية وكاتبة القصص القصيرة أناييس نن عبر رسائل حب مفترضة فجاءت فكرتها سباقة في هذا المجال فقد اعتدنا أن نقرأ رسائل حقيقية بين كتاب وكاتبات عربيا وعالميا ولكننا لم نقرأ سابقا رسائل حب مفترضة.


تمنينا أن نلجأ من خلال كتاب البلوشي إلى زمن «توجد المرأة فيه مرة واحدة في عمر الرجل وكذلك الرجل في عمر المرأة» كما ورد في رسائل غسان الكنفاني لغادة السمان مثلا.

وكنا نود أن نستعيد من خلال هذه الرسائل الزمن الرومانسي.. زمن الرسائل الشعرية المعطرة والمصدقة بالأحمر الأرجواني. زمن التأمل من شرفة الياسمين عند الغروب.. زمن الحب الراقي..

ولكن البلوشي تفاجئنا برسائل حب ليست سوى رسائل سطحية بين متحابين عاديين فكيف يكون الحال إن جاءت هذه الرسائل على لساني كتابين هامين في عالم الأدب أمثال هنري ميللر وأناييس نن.
وهل يعقل أن يعتمد الكاتب الأميركي المشهور الذي «استطاع بمقدرة خاصة ومتميزة أن يجيز التعبير المستحيل، ويفك أسره طوال رحلة كتابته» كما وصفه خليل قنديل، لغة الأصابع والفئران في رسالة حب إلى معشوقته وإن كان كاتبا عُرف بالعبثية.

وهل يمكننا أن نتخيله قائلا: «أصابعي التي كنت تتمرسين في تقبيلها إصبع الخنصر البنصر الوسطى السبابة الإبهام... إن خنصري الذي تفرطين في تدليله وتتغزلين به إنه أشبه ببرج صغير تمرح عليه الفئران... أم الفئران عينها حامت فوقه وأكلت قطعة منه ولكن بقي منه جزؤك المفضل.

إن قارئ هذه الفقرة لا يمكنه أن يشعر بغير سوء الهضم.

ولا تترك لنا البلوشي مجالا للمقارنة بين رسائلها المفترضة ورسائل الحب الحقيقية، بالرغم أن الرسائل المفترضة لا تستند إلى وقائع الحياة، ويمكنها أن تحلق عاليا في عالم الإبداع والخيال الجميل. وعلى سبيل المقارنة، لنبتعد قليلا عن رسائل ميللر وأناييس بن المفترضة، أو، في الحقيقة، رسائل ليلى البلوشي، وننتقل إلى عالم جميل ومختلف كل الاختلاف عن عالم البلوشي، كما في هذه السطور من رسالة جبران لمي، اللذين لم يلتقيا قط، وبمعنى من المعاني أنهما حبيبان مفترضان أيضا:

«نحن اليوم رهن عاصفة ثلجية جليلة مهيبة، وأنت تعلمين يا ماري أنا أحب جميع العواصف وخاصة الثلجية، أحب الثلج، أحب بياضه، وأحب هبوطه، وأحب سكوته العميق. وأحب الثلج في الأودية البعيدة المجهول حتى يتساقط مرفرفا، ثم يتلألأ بنور الشمس، ثم يذوب ويسير أغنيته المنخفضة.
أحب الثلج وأحب النار، وهما من مصدر واحد، ولكن لم يكن حبي لهما قط سوى شكل من الاستعداد لحب أقوى وأعلى وأوسع. ما ألطف من قال:

يا مي عيدك يوم وأنت عيد الزمان».
الأمر الآخر، إنا كنا نتوقع أن تذكر كاتبتنا أسماء بعض الكتاب الذين استوحت أقوالهم بشكل مباشر أو غير مباشر ولكنها تجاهلت هذا الأمر في كتابها.
فعلى سبيل المثال تقول الكاتبة: «وأضيفي بثقة: لست مقعدا شاغرا في قطار فإن جئت متأخرا ولم تجدني فلا تلق اللوم سوى على تأخيرك..».
ألا تذكرنا هذه السطور بما كتبته غادة السمان: «لا تعد فحبي ليس مقعدا في حديقة عامة! تمضي عنه متى شئت.. وترجع إليه في أي وقت».
وفي موضع آخر تذكر في كتابها: «والحب أفضل عملية شد وجه».
وهنا يحضرنا قول أحلام مستغانمي في «ليفتينغ النسيان»: «إن كان الحب هو أفضل عملية شد وجه، فإن أفضل كريم ضد التجاعيد هو النسيان».
وكذلك تقول البلوشي: «أحبك... أحبك كنهر لا مصب له». وهنا يطل علينا باولو كويلو بقوله:
«حب لا اسم له أو تفسير، كنهر يعجز عن تفسير جريانه في مسار محدد، وإنما يجري قدما ببساطة... يمكن لي أن أقول بصراحة: أحبك، أحبك، أحبك».
مما لفت انتباهنا أيضا عدم ربط الأفكار ببعضها بشكل منطقي.

ففي الوحدة السابعة تشير الكاتبة إدراك اليابانيين بأهمية الصوت وطريقة إنقاذ النفس من الخطر بالوسيلة اليابانية «وهي أن تطرق صرخة مهولة كي تهز السيف من يد خصمك فيسقط». وتستطرد قائلة: «يا لها من وسيلة للفرار من قدر قد يكلفنا حياتنا.. لا أعرف كيف أتفاعل مع هذا العالم الآثم في غيابك فصوتك يمنحني التقوى». ما هي الفكرة التي أرادت تقدمها البلوشي بالربط بين وسيلة اليابانيين بالدفاع عن النفس بالصراخ وبين التقوى التي يمنحها صوت الحبيب؟ يغيب الترابط الفكري هنا بين هذه السطور فيتيه القارئ في دائرة مفرغة.

لقد استعرضت الكاتبة، من خلال هذه الرسائل الافتراضية، عضلاتها الثقافية فنجد استشهادات كثيرة تقريبا في أغلب صفحات الكتاب مع عدم الإشارة إلى مصادرها في معظم الأحيان.

وتكمن الكارثة بالأخطاء اللغوية المتراكمة حتى الغلاف الأخير الذي يعد واجهة أساسية للكتاب، فكتب البلوشي: «يحبها لأن لها عينان جميلتان كأيقونتان». فكيف لكاتبة أن تخطئ وتجعل اسم أن مرفوعا وترفع الاسم المجرور! ثلاثة أخطاء نحوية متتالية في جملة واحدة! وتقول أيضا على الغلاف: كي يعتشي! لا وجود لكلمة يعتشي باللغة العربية ربما قصدت الكاتبة كلمة «يعتاش».
وتبدأ فقرة أيضا بقولها: فحسبما احترام الرجل لنفسه... كلمة فحسبما ليست موجودة في قاموس اللغة العربية أيضا فالأصح أن تستخدم كلمة: فحسب.

لو تعمقت البلوشي بشخصيتي الكاتبين وتقمصتهما كما يفترض بشكل شاعري، وإنساني أيضا، لجاءت رسائلها ربما مكثفة بمشاعر أقرب لحقيقة هذين الكاتبين، ولكانت صورها الخيالية أكثر تأثيرا.. وكما قال هنري ميللر نفسه: «الخيال والابتكار هما الخامة الأساسية للحياة».
وربما لو استخدمت شيئا من الرمزية أيضا لأعطت الرسائل معنى أعمق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : الشرق الأوسط


الأربعاء، 27 يوليو 2016

عالم لورنس: تقدير حار

سعد محمد رحيم

تاريخ النشر : 14-03-2015


لكأن هنري ميللر في كتابه (عالم لورنس: تقدير حار)* يروي سيرته هو.. لا سيرته الفعلية: نشأته وأمكنته ورحلاته وعلاقاته، وإنماالذهنية والروحية والعاطفية والأخلاقية.. هذا النمط من كتابة السيرة هو الأشد مخاتلة وإثارة من غيرها، لأن الكاتب وهو يمعن النظر إلى الآخر/ آخر (ه) يجعل من ذلك الآخر مرآة عاكسة يرى فيها أعماقه وما تحوي، وما يعتمل فيها ويتفاعل.. والقدر الأكبر من كشوفات ميللر في كتابه الآنف الذكر هو توغل قاسٍ، لا هوادة فيه،داخل نفسه.

 فليس لورنس سوى مناسبة للتحديق في قاع النفس، ليس سوى عملية تماهٍ معقدة مع آخر للاعتراف من خلاله.. والدافع ليس الخشية من الصراحة وكشف التاريخ الشخصي، ليس الجبن أمام مواضعات المجتمع.فميللر واحد من أكثر الكتّاب جرأة وولعاً بسبر ماضيه ونجاحاته وخساراته وإحباطاته،وعلاقاته مع النساء، وهي كثيرة جداً وفاضحة بشكل مأساوي.. وإذن؛ أكان الأمر يحدث بشكلٍ لا واعٍ؟ وأيضاً؛ ما الذي يقود ميللر إلى أن يتخذ من كاتب بحجم لورنس موضوعاً للتقدير الحار، واللعن في الوقت عينه؟.


   قد يكون ميللر وجد في لورنس هويته الخفية، أي مغزى ذاته ومصيرها.. رآها مبكراً جداً، وقبل أن ينشر أياً من كتبه المستفزة لمشاعر حرّاس التقاليد، وحتى أنه لم يكمل عمله هذا، ولم ينشره إلا في أخريات حياته.. وكان عليه كي يتفادى سوء الفهم المريع الذي ستقابله الجماهير به أن يمد لهم، كما لورنس، ولائم تناسلية، وهذه المرة بكرم ديونيزي باذخ. حتى أن وليمة لورنس التناسلية تبدو حذرة ومخففة وحيية أمام ولائمه التي سيقدمها لاحقاً ببلاغة سلسة جامحة، وعارية. مسوِّغا فحشه الذي سيصل به إلى أقصى نقطة مرعبة. فالفحش عنده"نقي، وينبع من حيوية مفرطة، فائرة، من فرح الحياة، من الانسجام، والإجماع، والاتحاد مع الطبيعة". رائياً في الفحش"صفة التفوق والتميز في الإنسان.. (ولكن) ودائماً يستخدم بطيش، بدون أي تحصّن جمالي أو ديني، وعندما يصبح الجسد مقدّساً، يحصل الفحش على جسد خاص به".

  مع ميللر نحن دوماً إزاء نقائض متصارعة، ومتكاملة في صراعها.. إن الشيء يحمل نقيضه وضده في داخله.. العنصر الخنثوي هو الأساس، والانفصام حالة الأشياء، والسعي الإنساني هو من أجل ردم الهوّة وإكمال النقص.

   استدراكات ميللر ذكية وصادمة.. إنك لا تستطيع أن تطمئن إلى أية فكرة يطرحها.. وهو حين يعظِّم أي شخص أو سلوك أو شيء سرعان ما يطيح به ويسفِّهه.. وحتى نسبيته مقلقة، غير آمنة. ومع أعلى درجات وضوحه لابد من أن يترك مسحة مبهمة.. مساحة خفية معتمة، من الصعب اكتناهه.
   يمكنك أن تقول أشياء كثيرة عن هذا الكتاب، لكن ما تقوله يبقى ناقصاً مبتوراً، قاصراً.فميللر لا يمكن الاطمئنان إليه.

   هذا السيل من عبارات الفحص والتحليل يتدفق بعرامة وغموض.. إنك تنزلق معه من غير أن تمسك به وتثبته.. فميللر لا يدعك تركن إلى الراحة.. ففي رحلته، ثمةَ، إلى جانب التصميم، هذا الزخم الخلاق من التشريح والتجريح... إن جسد العالم عبر جسد لورنس لن يخرج سالماً أبداً من تحت المبضع الحاد والقاسي لميللر. فهو يهجو الحياة المعاصرة؛ حياة الآلة والعلم والعقلانية.. الحياة التي جُردت من الروح أو تكاد.. الحياة التي فقدت شعريتها وبراءتها وطزاجتها ودفقها الحيوي، لتصبح عقلانية جداً، وميتة في الحقيقة.

  يبدو أن لورنس، من حيث لا يعلم، استدرج ميللر إلى حيث لم يعد قادراً، بعد ذلك، على العودة منه.. كان لورنس قدره، وما كتبه لاحقاً كان بوحي من تلك المغامرة التي جنحت به، كما يقول، نحو تلك الجزيرة الغريبة:

  "إن عالم لورنس يبدو الآن لي أشبه بجزيرة غريبةكنت منذ عدد من السنين جانحاً عليها. ولو أني قفلت عائداً إلى العالم المألوف، المعروف لتحدثت ربما بطريقة مختلفة عن مغامرتي. لكن ذلك العالم اندثر بالنسبة لي، والجزيرة التي أُلقيت عليها تعمل عمل الصلة الوحيدة الباقية، ذكرى تربطني بالماضي. إذن فهذا الكتاب  سوف يكون بمثابة سجل مغامرتي الغريبة ـ إذا لم تخنّي الذاكرة".



• عالم لورنس: تقدير حار
هنري ميللر.. ترجمة: أسامة منزلجي..
 دار المدى/ بيروت ـ بغداد 2014.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : المدي



الاثنين، 18 يوليو 2016

شيطان في الجنة - تأليف :هنري ميللر

رشا المالح

تاريخ النشر:

يروي هنري ميللر الكاتب الأميركي الشهير قصته الأخيرة مع التسول، التي شكلت منعطفا في حياته البوهيمية بقوله، كنت في باريس أجوب شوارعها، حينما مر بي رجل يرتدي هنداما ينم عن توجهه إلى الأوبرا، وحينما أصبحت قبالته رجوته أن يمنحني بعض المال حينها دفعني الرجل من أمامه بغلظة وتابع سيره دون أن يتفوه بكلمة. 
ثم حينما أصبح ورائي أخرج من جيوبه بعض القطع المعدنية ورماها باتجاهي على الوحل حينها شعرت بانحطاطي ومذلتي ومهانتي، لكنني انحنيت على الأرض ولملمت بيدي النقود وأنا أزيل عنها الطين. في تلك اللحظة عاهدت نفسي ألا أتسول بعد الآن وذلك ما فعلت. عرف هنري الذي ولد في 26 ديسمبر 1891 في نيويورك، حقيقة الفقر والجوع وكل أوجه الذل والمهانة، حينما كان يعيش في باريس حياة بوهيمية بمحض اختياره. وهذا الكاتب ذو الروح الحرة الثائرة أمضى طفولته في بروكلين، وحينما سجل لدراسة الثانوية في نيويورك، انسحب بعد شهرين فقط لعدم احتماله الروتين الأكاديمي ليمارس بعدها العديد من المهن من سائق تاكسي إلى أمين مكتبة. 
بدأ تجربته مع الكتابة في عام 1920 حينما كان موظفا في خدمة اتحاد البرق الغربي. وبعد مضي ثمانية أعوام ادخر من المال مع زوجته الأولى ما يكفي لتحقيق حلمه بالسفر إلى أوروبا. وفي عام 1930 وبسبب خلافه مع زوجته غادر إلى باريس وعاش فيها ليتابع حلمه بالكتابة. 
كانت بداية دخوله إلى عالم الأدب مع نشره لروايته الشهيرة »مدار السرطان« 1934، ثم ألحقها بروايته الأخرى »مدار الجدي« 1939، سجل فيهما وقائع حياته ومغامراته وتجاربه في باريس كمغترب، علما بأنهما نشرتا أولا في باريس. 
وحينما أخذ الروايتين إلى الولايات المتحدة منعت الرقابة نشرهما لمدة ثلاثين عاما، كان ذلك لدى عودته إلى وطنه بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية. وهناك قرر أن يجوب بلدان الولايات المتحدة، ونتج عن ذلك كتابه عن أدب الرحلات »كابوس مكيف الهواء«. 
ومع زيادة شهرة مؤلف المدارات وشعبيته لدى القراء، مرت كتابته بتحول مهم، حيث أصبح يميل بأسلوبه إلى الصياغة الأدبية وبأفكاره نحو النزعة الروحية مع العمق في التحليل. 
أمضى ميللر السنوات العشرين الأخيرة من حياته في محيط باليساديس حيث كرس طاقته للرسم بالألوان المائية، وعاش من بيع لوحاته الفنية التي كانت تلقى نجاحا كبيرا. وحينما سئل خلال تلك الفترة عن الكتابة قال، »إنها لعنة. نعم إنها شعلة تهيمين عليك وتمتلكك. حيث لا تكون سيد نفسك. 
إنها أمر مريع لا تستطيع معها الاسترخاء أبدا. كان الناس يحسدونني على هذا الإلهام وأنا أكرهه فهو يسيطر عليك تماما. وأنا كنت أتطلع بفارغ الصبر للخلاص منه لأتحرر«. توفي ميللر في 7 يونيو 1980، في بيته وكان معه صديقه بيل بيكريل فقط، وذلك بعد أن مني بخمس زيجات فاشلة. 
ومن رواياته التي لم تحظ بشهرة كبيرة على الرغم من أهميتها، رواية »شيطان في الجنة« التي نشرها في عام 1956، وربما يثير هذا العمل اهتمام القارئ العربي نظرا لموضوعه الذي يمس نسيج حياته وعلاقاته الاجتماعية. وتعكس هذه الرواية بمضمونها الإنساني والاجتماعي ما تعانيه الكثير من العائلات في الماضي والحاضر في مختلف أرجاء الوطن العربي. 
يعتمد ميللر في هذا العمل على أدب السيرة الذاتية أسوة بجميع أعماله وهو ما تميز به عن أقرانه من الأدباء، ولغته في هذا الكتاب تتميز بنبرة جامحة، ذات حرقة وصدق داخلي، واستخدامات ثقافية شتى، محلية وعامية تعطي لأسلوبه فرادة وطرافة وصدقاً نادراً. 
وفي مقدمة الرواية يمهد لأحداث القصة من خلال معرفته الوثيقة بصديقته الروائية الأميركية أناييس نين في باريس في خريف 1936، التي قدمته بدورها إلى كونراد تيريكان الفلكي. ويصف ميللر هذا المنجم بأنه من الأرستقراطيين الذين جار الدهر عليهم ففقدوا ثروتهم بين ليلة وضحاها. وتيريكان غير قادر على التأقلم مع وضعه الجديد، فالبحث عن عمل بالنسبة له يعتبر مهانة، على الرغم من جوعه ومرضه. 
يدرك ميللر بأن هدف صديقته من لقائه به، هو مساعدته لهذا البائس بصورة غير مباشرة من خلال ترتيب لقاءات له مع كبار الشخصيات ليقرأ لهم طالعهم، وبالتالي كسب بعض المال. وكان ميللر يدعوه بين حين وآخر إلى وجبة طعام دسمة ليعوض فيها ما ينقصه من غذاء. 
وعلى الرغم من تعاطف ميللر معه، إلا أنه لا يغفل تحليل شخصيته بصورة واقعية، فهو ذو مزاج كئيب متشائم ومترفع، حريص على الترتيب في حياته حد الهوس، »متربصا منذ الغبش. بارد الطبع. رماديا، رابط الجأش، العين ذات بريق«. ولدى مغادرة ميللر باريس ومن ثم نشوب الحرب العالمية الثانية تنقطع عنه أخبار تيريكان، ويعتقد أنه كان ضمن ضحايا هذه الحرب.
إلا أنه بعد وقت قصير من استقرار ميللر مع زوجته في بيته الجديد في »بارنغتون ريدج« في الولايات المتحدة، يصله مظروف سميك من أميرة إيطالية يتضمن رسالة له من تيريكان. ومن خلاله يعرف بأن الأخير حي، ويعيش في سويسرا في حالة بؤس شديد وقد أنهكه المرض. 
على أثرها، يرسل له ميللر حوالات مالية بين الحين والآخر من مدخراته الضئيلة، إلا أن تيريكان يفيده بأن وضعه يزداد بؤسا ويحتاج إلى المزيد من المال. وفي النهاية خطرت له فكرة عبقرية كما يقول، مؤداها دعوة تيريكان للقدوم والعيش معه ومع زوجته ومقاسمتهما ما يملكان واعتبار منزلهما منزله حتى أواخر أيامه. 
وهكذا يأتي تيريكان في فصل الخريف، وحينما يصل إلى المنزل يعرب عن إعجابه الشديد بالطبيعة والمكان، ويصفه بأنه جنة على الأرض. 
وما هي إلا بضعة أيام حتى يبدأ تيريكان بمطالبه، فهو يصر أن يحضر له ميللر بودرة من ماركة ياردلي فهو لا يستعمل غيرها. وبعد حين يطلب حبوبا بمثابة مخدرات لتسكن الحكة التي يعاني منها، وحينما يخبر ميللر بأنها بحاجة إلى وصفة طبيب، يشعر تيريكان بالحنق ويلوم صاحبه على عدم اهتمامه به. وحينما يحضر ميللر طبيباً لمعاينة ضيفه، يخبر الطبيب أن ما يعاني منه علة نفسية، وبأن تيريكان مجرد طفل كبير يتطلب اهتماماً دائماً. 
ويقتحم تيريكان حياة صديقه العائلية، ولا يتوانى عن توجيه ملاحظاته وانتقاداته لأسلوب تربية ميللر لابنته فالنتين، ويحرض زوجته عليه، ويصفه أمامها بأنه متكبر ومتعال بل أناني ولا يهتم بمشاعر زوجته. وتضيق الحياة بميللر ويتذمر جميع أصدقاء الكاتب من هذا الضيف الثقيل. 
وحينما يحاول وضع حد لمتطلبات هذا الضيف الثقيل، يبدأ الأخير بالهجوم عليه وبلومه وعتابه لعدم قيامه بواجباته تجاهه. ويصر أخيرا على مغادرة المكان ونقله إلى المستشفى للإقامة فيها وبالطبع على نفقة ميللر. 
وبعد معالجته ينتقل للإقامة في أحد الفنادق المتواضعة وبالطبع يطالب ميللر بتسديد الإيجار وجميع نفقاته بما فيها أجرة التاكسيات، فهو يأنف من ركوب المواصلات العامة. 
ويستمر الاستنزاف المعنوي والمادي بالنسبة لميللر، فيطلب مساعدة أصدقائه، ويخبر تيريكان، بأنه لن يستطيع أن يزوده بالمال بعد الآن، وكل ما يمكن تقديمه هو ثمن بطاقة سفر إلى فرنسا. إلا أن الأخير يرفض بشدة ويهدده بالتهجم عليه في الصحف الفرنسية لتشويه سمعته، وكذلك بتقديم شكوى لدائرة الهجرة لكونه كفيله وعليه أن يتحمل نفقاته. 
وهنا ينشد ميللر مساعدة السفارة السويسرية، حيث يجد السفير عملا لتيريكان، إلا أن الأخير يرفض بإصرار. حينها يتعاون الجميع على تسفيره، وفي كل مرة كان يتهرب منهم. 
وأخيرا يتحرر ميللر من الكابوس بعد أن تمكن الأصدقاء من وضعه في الطائرة ليغادر إلى فرنسا. ولم تمض بضع سنوات حتى علم بأن تيريكان توفي في مأوى للعجزة بعد تعرضه لأزمة قلبية، رفض خلالها زملاؤه في المأوى مساعدته ولا عجب في ذلك.

البيان الآماراتية
ـــــــــــــــــــــــــــــ


الجمعة، 8 يوليو 2016

'في ضيافة هنري ميلر' الحرب تساهم في نجاح الكاتب

هيثم حسين


  • يؤسّس الكاتب والصحافي اليوناني بسكال فريبوس عمله “في ضيافة هنري ميلر” على حواراته مع الأميركي هنري ميلر (1891 – 1980) حين زاره لبعضة أيام، وتبادل معه الأحاديث، وحاول التعمق بأسئلته في حياته وكتاباته وأفكاره وآرائه وتصوراته للحياة والأدب والفن والحب والجنس والحرب وغيرها من المواضيع، التي اشتغل عليها ميلر في أعماله.



يقدم الكاتب والصحفي اليوناني بسكال فريبوس عمله “في ضيافة هنري ميلر” طريقة مختلفة للحوار، يخرج عن النمط التقليدي المتمثل في السؤال والجواب، تراه يكتب انطباعاته وتعليقاته ويجادل ويناقش ميلر، ثم يعيد بناء الحوارات بطريقة روائية، كأنه يحكي فصول روائية من حياة ميلر نفسه.
حين يخبره فريبوس بأنه أمام أسطورة صنعها صاحبها بصبر وأناة، يجيب ميلر مستغربا أنه ليس أسطورة، بل هو ضحية أسطورته ذاتها.
ويصف نفسه بالضحية البريء لكتبه أيضا، وأنه لم يكتب لكي يصير أسطورة فقط، ولكن لكي ينبعث من داخلها. يجد أن الأسطورة في حدّ ذاتها هي الإنهاك المستمر بسبب الرسائل والطلبات المتنوعة. ويقول إن النجاح أفظع من الفشل أحيانا.

ابن الشارع

لفت فريبوس انتباه ميلر الذي كان يتلقّى يوميا عشرات الرسائل، برسالة أرسلها إليه وحركته، لأنه وجدها محايدة لا تطلب شيئا، ويخبره أنه يحب كتابة رسالة لشخص عندما يحسّ بشغف لذلك أو يحسّ بإحدى حماقاته.
يصف ميلر نجاحه العالمي بالمتأخر، وأنه انتظر أن يبلغ الستين كي يتمكن من العيش من كتبه، ويقول إن حياته كانت تتأرجح متلاطمة بين الأعلى والأسفل، والأغلب في الأسفل، وإن الحرب هي التي أنقذته.

ورغم أنه لم يشارك في أي حرب إلا أنه لما بلغ الأربعين كان في اليونان، وتراه يتذكر تلك الرحلة، ويتحدث بأنه عندما كان الرعب يكتسح أوروبا كان نور اليونان يفتح عينيه، وأمام قبر أغاممنون كان يصرخ مع كتسيباليس “سلام لكل الناس وحياة أكثر خصبا”، ولم يكن لندائه أي صدى. ويصف تلك الفترة بالعصيبة التي كان الدم يتدفق فيها والشيطان يسفكها، وفي نفس الوقت كان الجنود يقرأون روايته “مدار السرطان”، وهي تحت معاطفهم. وأنه بعد انتهاء الحرب ذهب الجنود الأميركيون إلى باريس ليقتنوا كتبه، ولهذا يعترف أنه دون تلك الحرب ربما لم يكن بإمكانه الوصول إلى هذا النجاح.

يقرّ ميلر أنه عانى كثيرا، وكان يسير في شوارع مدينته نيويورك يبحث عن بعض السنتات، أو عن كسرة خبز، أو عن عمل، أو عن ركن أين يهوي بجسده المنهك.

وأنه قطع آلاف الأميال ببطن خاوٍ مثل متسول، ودون طائل. وفي مفارقة مريرة يقول إنه يعرف كل المطاعم في نيويورك، لا لأنه أكل فيها، بل لأنه تفرّس وجوه الزبائن الآخذين بملء بطونهم. ويصرح أنه أحيانا كان يفكر أنه خُلق جائعا.

حول نشأته في شوارع بروكلين صحبة أبناء الشوارع، يقول ميلر إن طفولته كانت فرحا لا محدودا في المقاطعة 14 ببروكلين حيث نشأ. يقول إنه ولد في الشارع، وإن هذه حقيقة، ولديه إحساس أنه مازال هناك في نيويورك، في باريس… وإن الشارع هو الحرية في اللقاءات والتصرفات. وإنه الحلم أيضا، تعلم الحياة فيه، وتعرف إلى كثير من الأصدقاء الذين أصبحوا شخصيات في أعماله.

يتذكر ميلر أمه بشيء من الأسى والمرارة، ويعترف أنه لم يعرف أبدا حب الأمومة ولا حنان الأم أو قبلاتها. وأنه كان يقترف كل الأفعال التي كانت تزدريها، والتي دفعتها حتى نهاية عمرها ألا تؤمن به أبدا، لا بالإنسان ولا بالكاتب، وهي التي لم تقرأ أبدا سطرا واحدا له. ويقول إنه حين أعلن لأمه قراره بأن يصبح كاتبا، اتخذت موقفا أكثر ذعرا، وكأنه يعلن لها أنه سيصبح مجرما، وتراه يعول على قدرة الأدب على عقد مصالحة بين الأحياء والأموات.

يجد أن ما هو موجود في الواقع والممارسة يدعو إلى التعصب. وأن طرق التحريض سائدة بكثافة والناس يفضلون الأسود أو الأبيض ولا يحبون خلط الأضداد، ويجد أن هذا شديد الواقعية والتعقيد، وأن الإنسان نادرا ما يقبل الحقيقة المتحركة، ولهذا يحاول الإفلات منها. وأنه بدوره حاول النظر إلى الحقيقة وجها لوجه، وأنه قد عانى أيضا.
يقول إن الحدود شديدة الضبابية بينه وبين أبطاله، بين شكله وشكلهم، بين الكذب والخيال. ويتذكر أنه كتب مسرحية وحيدة حين كان في ألمانيا، واضطر لكتابتها في غضون ثلاثة أيام، وقد كان جائعا حينها. ويجد أن الكتابة للمسرح محفوفة بالمخاطر.

أزمات الحب الحميمة

يقر ميلر أنه يحب أزمات الحب الحميمة، لأن البشر يفقدون داخل تجارب الحب المؤلم أقنعتهم. ويكتشفهم المرء ضعفاء وحقيقيين. وأنه من جهة أخرى يحتاج الرجل والمرأة دائما إلى الحب. العيش بالحب ومن أجل الحب هذا هو واجب الإنسان، كما يقول. ويصف نفسه بأنه لا ينفع لأي شيء، ولا يقدر على الكتابة، ويستشهد بعبارة لهيرمان هسه يقول فيها: “لا ينبغي للحب أن يُستجدَى بل أن يُنتزَع″.
وعن اشتهاره بالكتابة الجنسية يصف بعض قرائه بالمهووسين، وأنه ليس مهووسا بالجنس. ويجد أن على الرجل والمرأة أن يتحررا معا، وإلا سيبقيان عبدين لبعضهما بعضا. وأنه في أعماله لم يعزل الجنس أبدا لكي يعطيه خصوصية استثنائية، وتحدث عنه كجزء أساسي من الحياة. ويجد أنه وصف بالفحش لأنه كتب أشياء فاحشة، وليس أبدا بورنو، لأن البورنوغرافية لها هدف وهو دغدغة الأعصاب، أما الفحش فهو قريب من طقوس الحياة، لأنه ينبه الكائن إلى حقيقة الشيء، محولا الإحساس بالواقعي أكثر حدة.

يجد أنّ لائحة الكتاب المتهمين بالفحش منذ بداية الزمن طويلة، ويعتبر أن الفحش الذي حاكموه من أجل أن يتهتك، يشتم أيضا، ينتمي إلى تقاليد أدبية وجدت منذ ألف سنة. غير أن الأدب الأنكلوسكسوني في القرون الثلاثة الأخيرة قد تعرض للحذف مفتقدا بذلك خاصيته الشمولية. يسأل متهميه ماذا يقصدون بالسلوك الجنسي السوي؟ وأنه لا أحد يعرف كيف يستعيد منذ بدء الخليقة سلوك الإنسان تجاه الجنس، وأن البشر سيضيعون داخل متاهة أضاعوا مركزها خلال الطريق. ويجب على الفنان أن يضرب بقوة كي يوقظ رغبة التغيير، يقول في كل مرة تظهر أثناءها الفحشاء، نحسّ الموت الساحق بشكل ما.
يعتقد ميلر، الذي يصفه محاوره بعاشق الحرية، أن الكاتب لا يستطيع فعل أي شيء، ويتساءل مَن هو ذاك الشاعر الذي رجّ العالم في القرن العشرين كما فعل هتلر؟ وهل هناك نصّ معاصر قلب العالم كما فعلت القنبلة الذرية؟ ويقول إنّنا نحن البشر قبضة الشيطان. وفي معرض تذكّره لكتابه المخصّص لرامبو “عصر القتلة” يرى أنّ الشاعر الحقيقي في طريقه للانقراض، وأنّ القصيدة باتت تكتب بعبارات كيمياوية أو بفيزياء نووية.
يصف ميلر الحرب بأنها سمسرة قذرة للسياسيين وأنها لا تعنيه، وأنه مسالم جدا رغم كل العنف الذي يشعر به في داخله، حتى في حياته الخاصة يكره التقاتل. ويحلم أن يجلس عظماء العالم، متأثرين بالحكمة والصفاء، ومحكومين بنشر السلام العالمي على الكرة الأرضية. ويجد أن حضارة الغرب أصيبت بتصلب الشرايين، وأنهم يعيشون موت الثقافة، وأحاطوا أنفسهم بجميع الظروف لموتهم الوشيك. ويقول إنها النهاية، لقد صنعنا كل شيء من أجل الانفجار، والنهضة مجرد شكاوى للمتفائلين، ويقول لقد فات الأوان.

ــــــــــــــــــــــــ
المصدر: جريدة العرب اللندنية، 02/05/2015 ، العدد 9905.

الخميس، 7 يوليو 2016

لقاء بين معجب وكاتب عجوز!

عرض - عبدالله بن عمر


صدر عن دار أزمنة للنشر والتوزيع كتاب "في ضيافة هنري ميلر" بقلم "بسكال فريبوس"، وترجمة "سعيد بوكرامي"، في (٩٠) صفحة من القطع المتوسط.

"بسكال فريبوس" قارئ معجب بأعمال "ميلر" الروائية، وكان على مدى سنوات يتتبع جديد "ميلر" ويقرؤه بشغف شديد، وفي ذات يوم تجرأ وأرسل رسالة إلى "ميلر" يشكره فيها على أعماله ويثني عليه.
لم يكن "بسكال" ينتظر أن يأتيه رد من كاتب بحجم "هنري ميلر"، ولكن رسالة فاجأته تحمل خط "ميلر"، مكتوب فيها كلمات قليلة.. "لم لا نلتقي؟!" وبعد أسبوعين سافر الشاب "بسكال" إلى حيث يقع منزل "ميلر" في كاليفورنيا.

والطريف أن زائر "ميلر" يجد لوحة مسمرة على باب منزله كُتب عليها: "عندما يكبر شخص ويكون قد أدى واجبه على هذه الأرض له الحق في أن يستعد للموت بسلام، فهو ليس بحاجة إلى رؤية الناس، لقد رأى منهم ما يكفيه وعرف منهم ما يكفيه، فلا فائدة من الذهاب لرؤيته وإزعاجه بالثرثرة والسخافات، يجب أن تمر بجانب بيته وكأن لا أحد بداخله".

يستقبله "ميلر" الشيخ الثمانيني الذي انطفأت إحدى عينيه، بمرح وترحاب، وينغمس الاثنان في حوار لذيذ يحاول الكاتب توثيقه في أثناء الكتاب، يتحدث "ميلر" إلى "بسكال" كما يتحدث إلى قرائه في كتابه الشهير "الكتب في حياتي"، يستطرد كثيراً، يدور في إطار الموضوع قبل أن يبتعد قليلا أو كثيراً، يقهقه بشدة ويسخر من كل شيء تقريباً.

تحدث "ميلر" عن نشأته في بروكلين، وعن قرار الكتابة، وصعوبات النجومية وتحدياتها، وعن قضايا كثيرة وتفاصيل متنوعة من حياته المديدة. عن والدته، وتجاربه العاطفية، وسماته الشخصية، وأفكاره الأساسية في مؤلفاته، وذكرياته في باريس.

في الجلسة الأخيرة، أي في اليوم السادس من الزيارة، يقول "هنري ميلر": متعة عظيمة ان يتحاور رجل عجوز مثلي وشاب مقبل على الحياة عن أشياء الحياة دون تلاكم أو تشاتم، ويجدان في ذلك كل الرضى، يودع الشاب البلجيكي مضيفه العجوز، الذي يموت بعد ذلك اللقاء ببضعة أشهر، في التاسع من يوليو سنة ١٩٨٠م.

ــــــــــــــــــ
المصدر: جريدة الرياض، 27 أبريل 2016م، العدد 17474.

حياة هنري ميلر البسيطة

رجاء العالم (*)




"ما نأمله حين نمد أيدينا لتناول كتاب ما ، هو أن نلتقي برجل من لب قلوبنا ، لكي نجرب خوض مآسٍ و أفراح نفتقد في حياتنا الخاصة الجرأة لدعوتها أو لمقاربتها ، لكي نحلم أحلاماً تقود الحياة للمزيد من الهلوسة ، و ربما أيضاً لنكتشف فلسفة الحياة و التي ستجعلنا أكثر ملاءمة لمواجهة المحن و الصعاب التي تُحدق بنا من كل الجهات . أما تناول كتاب لمجرد الإضافة لمخزوننا من المعرفة أو لصقل ثقافتنا ، مهما كان معنى ذلك ، فيبدو لي بلا قيمة ." عبارة هنري ميلر هذه تجعلنا نفكر في هذه الهلوسة التي يسعى للاستعانة بها لإثراء حياته ، هذا الخروج عن اللغة المفهومة و عن العبارات التي تقول ما يتوقعه الآخرون الذين اعتادوا القراءة في سبيلهم للتحول تدريجياً لشرائح ذاكرة كذاكرة الكمبيوتر ، والتي تكدس بلا عناء الإحصائيات و الاسماء و التواريخ والحقائق و النظريات ، و رفع المنسوب النظري في تلافيف عقولهم . دوماً هناك هذا الحد الرفيع بين ما نكتسبه من خزين معلوماتي و بين تشكيل الوعي ، أو بلوغ النشوة الروحية التي تقود لتنوير . كم من الكُتَّاب ينقلك لموسوعته العلمية ، و كم هم أولئك الذين ينطقون من دخيلة قارئهم ، مثل قطب يقدح أقطابهم الخفية ، ليرسل صعقات كهربائية تستقر بقاع الكيان ، تعيد صياغته و جلاءه .. أينها تلك الأقطاب التي تهزك و لا تعود بعدها الأنت الذي كنته . هناك من يجعل المعاني تتفجر برأسك و تنتقل حماها لأصابعك في كلمات تعجز عن تحديد مصدرها ، تحولك من قارىء لضالع في الكتابة ، كتابتك . و من هنا تنبع الحيرة عن أصل الكتابة أو الفن كناقل لوحي.

في عبارة لميلر يقارب بين الكاتب بصفته مرصدا ، أو بالأصح مثل مانعة صواعق تمتص الصعقة و تكون قادرة على تحويلها لتيار يسري في نهر الحياة و الأحياء ، يُعَبِّر ميلر عن ذلك بقوله:

" لكي يُولد الإنسان كاتباً لا بد و أن يتعلم أن يحب الحرمان و العوز ، و العذاب ، و المهانة ، و فوق كل شيء على المرء أن يتعلم كيف يعيش منفصلاً ، أن يبتعد ، مثل القرد الكسلان --sloth الذي يتعلق بأشجار الغابات الاستوائية بأميركا الجنوبية-- ، يتعلق الكاتب بغصنه بينما في الأسفل تجيش الحياة و تتلاطم أمواجها ، مطردة ، مثابرة صاخبة مشاغبة . و حين يصبح جاهزاً بلوب ! يسقط في التيار و يصارع من أجل الحياة . أليس ذلك هو الكاتب ؟" عبارة ترد في كتابه الذي بعنوان رابطة (Nexus) و نعيش فيها عمق السقطة التي مارسها المبدعون الذين نجحوا في خطفنا لحياة وراء حياة . . يقرب ميلر لنا هذه السقطة بقوله:

" يقرأ الناس للتسلية ، و لقتل الوقت ، أو ليتلقوا الإرشاد . و الآن ، أنا لم اقرأ قط لقتل الوقت أو لكي اتعلم ، أقرأ لكي أُؤخذ خارج نفسي ، لكي انتشي . أنا دوماً في حالة بحث عن الكاتب الذي يستطيع أن يرفعني خارج نفسي ." هل الفراغ هو الذي يدفع للقراءة ؟ فيكون غرض القارىء الامتلاء ، و هل يكون الامتلاء بالمألوف أم بالغريب ؟

" من الصعب ألا تُعجب بالكاتب الذي يمضي موطداً العزم في عمله الخاص بطريقته الخاصة بدون أدنى تنازل لأي نمط سائد".

لكن ماذا عن اللحظة التي تتحول فيها هذه الخصوصية لبصمة تلاحق صاحبها كلعنة ، ماذا عن اللحظات التي تسعى الأصابع لخلع نقشها الأبدي والتحول لصمت ، لمساحة من الكتمان ؟ ماذا حين ترفض الأصابع الدلالة على ذاتها؟ في أي نهر تغطس البصمة لتقول حكاية غير حكايتها الأبدية ؟ معضلة تواجه الكثير من الكتاب و تقودهم أحياناً لسكتة قلبية أو دماغية ، في كتابه نيكسوس يحمل البطل اسم إسحاق دست ، بمعنى الرماد أو الغبار ، هذا المتبدد الذي يهتف ( وحيداً أخيراً مع إكزيما الدماغ . يا للروعة ! لكن الأمر ليس كما توقعته ، لو أن بوسعي أن أكون وحيداً مع الله .. اسمي اسحاق دست ، أنا في سماء دانتي الخامسة ... أهذي مثل Strindberg – مطور المسرح الحديث -- ما أهمية أن يكون الواحد هو الوحيد ، أو فيما إذا كان لهذا الواحد من منافس ...) تتلخص هنا الوحدة في المسرح الذي يبتكره الكاتب و يتوحد معه بحيث تتناقض مغادرته مع الحياة اليومية ، وحدة يتناهى فيها الواحد مستشرفاً لكليته.

خلافاً لمذكرات ميلر الشهيرة و لرواياته (مثل مدار السرطان و مدار الجدي) يجيء كتاب هنري ميلر بيق سور،

(Big Sur and the Oranges of Hieronymus) ، و لا يحمل من ملامح الرواية المعروفة عنه . حيث يغادر ميلر مسرحه الكتابي المألوف ليتكلم في كتابه هذا عن الحياة البسيطة في منطقة بيق سور بكاليفورنيا ، و التي تباشر البحر و تغرق في غابتها و طبيعتها المشرقة . منطقة مهددة بالانقراض بكامل قيمها و انعزالها و مجموعاتها الفنية التي اقتناها الفنانون من سكانها ، المنطقة التي ظلت تمثل و حتى الستينيات واحدة من آخر الصوامع النادرة للجمال و البساطة على كوكبنا ، و لقد اعتكف فيها ميلر لما يزيد على الثلاثة عشر عاما من أواخر حياته . سنوات أفرزت كتابه بيق سور ، الذي أقام فيه ميلر أسطورة أميركية للعقل الحديث ، اقام تلك الأسطورة من مفردات المكان البكر و شخصياته الفريدة من الفنانين اللاجئين لتلك الطبيعة الآيلة للانقراض ، شخصيات و طبيعة خارجة عن التيار العام ، و عن تقليدية المجتمع و معوقاته ، لتشكل بعفويتها و إشراقها الروحي نقطة جذب و استقطاب لأصحاب الرؤى ، فيتقاطرون طالبين اللجوء لاستحالتها.

في تلك الأسطورة تبلورت رؤيا ميلر ، و يجيء هذا الكتاب الصغير كخلاصة لصراعه عبر مشوار نضجه ليصير كاتباً معروفاً و ينتهي لمجرد رجل أكثر حكمة ينظر للحياة وراءه و للكون من حوله و يحيل مفرداتها أو لغتها المجردة والمعقدة للغة الرجل العادي . هذا المشوار أو الانحلال للغة الرجل العادي هو ما يُخرس الكتابة عادة ، هو ما يتحدى الكتابة و تفشل في تخليقه ، لأنه تحول درامي من الشفرة لتجلياتها الحية ، الانتقال من الكلمة للحي هو التحدي الذي يواجه الكُتَّاب الذي جربوا مذاق النجاح و خاضوه لما وراء ، لاتخاذ الكتابة كوسيط تواصل مع الكون ، للتماهي مع فكرة الحي ، تنتهي الكتابة كوسيلة تعبير عن أو تقليد للحياة ، لتصير وسيلة وجود ، و اكتشاف متواصل لهذا الوجود.

بيق سور هو خلاصة لفصل يجيء كخاتمة ربما لمجمل حياة ميلر بعنوان ( هذا هو جوابي) ؟ الرجل الذي قضى حياته متنقلاً بين التشرد بأوروبا أو نيويورك أو العزلة في بيق سور ، الرجل الذي تزوج بثلاث من النساء اللواتي ارتبط وجودهن بالفن ، مثل عازفة البيانو بياتريس ويكنز و جون إيديث العاملة بمسرح برودوي.. الرجل الذي عشق باريس و تشرد في شوارعها يكتب ، متأثراً بشخصياتها البوهيمية و بالشاعر رامبو خاصة..

ينبثق الكتاب و يكتمل من عنوان فصل ( هذا هو جوابي)

و يدفعك للتساؤل جواب ماذا؟ الحياة ؟ الكتابة ؟ الفن عموماً؟ لتخمِّن أنها إجابة في البحث عن تواجد الفن ضمن الحياة أو تواجد الحياة في الفن ، أو الفن المعاش ، الذي هو غاية الإبداع أو الوجود الإبداعي.

ــــــــــــــــــ

(*) رجاء العالم : روائية سعودية من مواليد 1956 في مكة يضرب لها الفضل في توثيق البيئة المكية / الحجازية في رواياتها. تختص رواياتها بسردية رمزية صوفية / غنوصية عميقة، وفق رؤى كونية مفتوحة. ترجمت بعض أعمالها للإنجليزية والإسبانية.
المصدر: جريدة الرياض، 12 نوفمبر 2009م، العدد 15116.

هنري ميلر المقيم أبداً في عري الكتابة

خليل قنديل



لعل أهم مزايا الكتابة انها حال حدوثها تتحول بقصدية مدروسة إلى نوع من الإحلال في المعنى، أي انها في القصدية الأولى لنطقها تشكل ما يمكن تسميته بالساتر السميك بين ذات المبدع وأصل خصوصيته المعيشية والحياتية والقارئ المتلقي للنص، القارئ الذي تنطلي عليه لعبة الاستعارة والتورية، هذه اللعبة التي تقود الكتابة نحو إعادة إنتاج الأمكنة والحالات والشخوص لتفرض عليهم الإهانة الجبرية داخل النص.

إن الأنا الإبداعية وهي تختفي وراء هذا الساتر "النص" تمتلك قدرة عجيبة على التشكل الحربائي في اتخاذ اللون الذي تشاء، انها الأنا الموارية القادرة على أن تنهل من تكونها الفطري الخام وتكونها المعرفي والثقافي والفني ما تشاء أيضاً، وهي الأنا التي لا تكتفي بمخزونها الذاتي بل تذهب إلى المجموع الإنساني المحيط بها كي تحل به ويحل بها، لتشكله كما تشاء، وهي تذهب أيضاً إلى الأمكنة كي تؤثثها بالمشهد الذي تريد، وبالشخوص الذين تريدهم أيضاً.

لكن، ماذا لو جاء المبدع الذي قرر سلفاً تفجير هذا الساتر وخدشه بمخالبه الخرافية حد الإزاحة الكاملة؟ ماذا لو قرر الكاتب أن يحذف هذا الساتر تماماً؟ ويزلزل لعبة الكتابة من جذورها ويقف بعري أناه الكاملة أمام القارئ دونما وجل أو خوف، لا بل يقف في منطقة البث الإبداعي المباشر إن جاز التعبير؟

هذا بالضبط ما فعله الكاتب الأمريكي "هنري ميلر" 1891- 1980حيث استطاع بمقدرة خاصة ومتميزة أن يجيز التعبير المستحيل، ويفك أسره طوال رحلة كتابته.

ويبدو ميلر القادم من سلالات أوروبية فرنسية وأسبانية ويونانية تدرجت حتى فرخته في "يوركفيل" بولاية نيويورك، وكأنه أحد ضحايا الترحال المضني للسلالات، وابن نقمتها، مثلما يبدو أنه بحجم هذه القسوة وبمستوى هذا التحدي حيث يقول: "أنا رجلٌ من العالم القديم، أنا حبة جلبتها الرياح".

ونحن حينما نعود إلى المقترح الجغرافي لولادته في مدينة نيويورك التي كانت تستعد عام 1901لكي تكون عاصمة التنوع الإنساني، والقربان الأسمنتي للتشكل الاقتصادي وتورماته.

وقد كان ميلر بحجم هذا الاستدعاء، برغم طأطأة الرأس التي قدمها لمجتمعه النيويوركي مطلع حياته، حيث ترك حياته تتدفق دونما اعتراض عند الأب السكير الذي يعمل في محل للخياطة، وعند الكنيسة التي كانت تقتاده صباح كل أحد لسماع الموعظة والتي كان يحس تجاهها بالضجر، وعند أمه المصابة بالمواظبة البيتية المقيتة وعند المدرسة التي قال عنها ذات مرة: أؤمن بأن كل المدارس مخرِّبة، انها تقتل التطلع والرغبة في التعليم، والفنانون كلهم قتلتهم المدارس.

لكن ميلر حينما نهض بقواه الإبداعية، اتخذ قراره بأن لا يذهب إلى تأليف المشهد الحياتي وكتابته، بل يذهب إلى الحياة ذاتها كي يكتبها كما يعيشها وكما يود أن يقترح عليها من متخيل!

وهكذا بدأ ميلر الخارج من عائلة بالكاد قادرة على سد رمقها الحياتي والمعيشي، إلى حياة تحتاج قدرة هائلة لسد الرمق الإبداعي، وبين الفقر المدقع والحاجة إلى الكتابة كمتنفس وحيد لكيانه، عاش ميلر تجواله في قيعان مدنه التي حط بها. وكانت باريس هي المفجرة الحقيقية للكتابة حيث اندغم في الواقع اليومي لقاع مدينة باريس، باريس التي كتب فيها "مدار السرطان" و"الربيع الأسود" و"مدار الجدي". هذه الأعمال التي جعلته محظوراً في أمريكا ومتاحاً في أوروبا وباقي دول العالم، وهي الأعمال التي أكدت جرأته في اقتحام الحياة والتعبير عنها ببوح أكثر جرأة. وميلر عمم منهجه الإبداعي هذا على تعامله مع الموسيقى حينما كان يعزف على البيانو، مثلما عممه على الرسم أيضاً. وربما يكون ميلر هو الوحيد الذي عبَّر عن نبوءة عصر المعلوماتية والكمبيوتر والإنترنت وثقافة الصورة حينما قال: "أعتقد أن عصر الطباعة والقراءة زائل لا محالة، ومستبدل بشيء آخر، لكني باعتباري كاتباً، والكلمات تعني لدي الكثير، أجد صعوبة في تصور ماذا يمكن أن يكون عليه البديل؟".

ـــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : جريدة الرياض، 15 مارس 2007م، العدد 14143.