‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلاديمير نابوكوف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلاديمير نابوكوف. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 8 يوليو 2016

«تكلّمي أيتها الذكريات» لنابوكوف: سرير يطير ليلاً الى روسيا

إبراهيم العريس 


«هناك ليال يحدث لك فيها أنك ما إن تنام، حتى يطير بك السرير نحو روسيا». هذه العبارة هي سطر من قصيدة كتبها فلاديمير نابوكوف، الذي عُرف دائماً بأنه أكثر الكتاب الأجانب أميركيةً، الى درجة اعتقد معها الملايين من قراء رواياته أنه نسي روسيا تماماً. ونابوكوف كان محقاً في نسيان روسيا، هو الذي نفى نفسه منها باكراً جداً، أي حين كان في العشرين من عمره، عامان بعد اندلاع الثورة البولشفية التي لم يكن هو ولا كان أبواه من النوع الذي يمكن أن يأتلف معها. ومن هنا كانت الهجرة النهائية، جغرافية أول الأمر، الى ألمانيا فلندن فالولايات المتحدة. ثم لغوية بعد ذلك، إذ بعد نصوص أولى كتبها نابوكوف بالروسية ولا سيما خلال مرحلته الألمانية، عاد وكتب بالإنكليزية. والطريف أنه كما أن صمويل بيكيت سيكتب مسرحياته بالفرنسية ونثره وقصائده بالإنكليزية، سيكتب نابوكوف شعراً بالروسية ونثراً بالإنكليزية. فإذا أضفنا الى هذا هواية نابوكوف كجامع ومكتشف للفراشات، يمكننا أن نعتقد أن منافيه كانت من التعدّد بحيث تطغى عليه كوزموبوليتية مطلقة. لكن من قرأ واحداً من أجمل كتب نابوكوف، وهو سيرته الذاتية التي وضع صيغتها للمرة الأولى عام 1947 ثم عاد وطبعها وعدّلها، مضيفاً إليها بعد ذلك، سيكتشف بكل يسر وهدوء أن نابوكوف لم يهجر روسيا أبداً... بل حملها معه حيثما حلّ وارتحل. صارت هي ذكرياته وحياته الداخلية. ومن هنا، لم يكن غريباً أن يعود بعد طبعات أولى من تلك السيرة الذاتية، ليعطيها عنواناً جديداً هو «تكلمي... تكلّمي أيتها الذكريات».

> هنا، وقبل الحديث عن هذا الكتاب، قد يكون من الأمور ذات الدلالة أن نلاحظ كيف أن فلاديمير نابوكوف، لم يترجم بنفسه، من بين عشرات النصوص التي كتبها بالإنكليزية، الى اللغة الروسية سوى عملين له: رواية «لوليتا» وهذا الكتاب. فعمّ تتحدث هذه السيرة الذاتية؟ أولاً، لا بد من التوضيح: ليس هذا الكتاب سيرة ذاتية متكاملة تروي حياة صاحب «لوليتا» و «آدا». بل هو كتاب يكتفي الكاتب بأن يتحدث فيه عن طفولته وعن سنوات منفاه الأوروبي. ومن هنا، اتخذ الكتاب هذه النكهة الروسية التي يكاد القارئ يحسّها في كل صفحة وكل كلمة. ونابوكوف يخبرنا في تقديمه الكتاب، أنه «مجرد توليف بين ذكريات شخصية ربطت في ما بينها لتمتدّ جغرافياً من سانت بطرسبرغ (عاصمة روسيا ما قبل الثورة)، الى سان نازير (مرفأ في الغرب الفرنسي عاش فيه نابوكوف ردحاً من الزمن خلال سنوات المنفى الأولى)، وزمنياً من آب (أغسطس) 1903 الى أيار (مايو) 1940». إذاً، ما لدينا هنا سبعة وثلاثون عاماً متواصلة، حتى وإن كان ثمة بين فصل وآخر، ولوج في سنوات تلي ذلك، وأحياناً تسبقه. غير أن الفترة التي ركّز عليها نابوكوف حديث ذكرياته هي تلك الفترة، التي انتهت يوم 28 أيار 1940، بهجرته الى الولايات المتحدة، حيث كانت أول انطلاقة له هناك ترجمة روايته «الآنسة أو» ونشرها. لكن هذا «الحدث الأميركي الكبير» في حياة نابوكوف كان لا يزال بعيداً في الزمن الذي بدأ يروي لنا أحداثه. الزمن الذي يطل علينا في لغة شديدة السوداوية والتشاؤم، إذ نراه يفتتح الفصل الأول قائلا: «يتأرجح المهد فوق هاوية الفراغ. وها هو الحس العام ينبئنا بأن وجودنا ليس سوى بصيص الضوء القصير الآتي من شق بين أبديتين من الظلام. وعلى رغم أن هاتين الأبديتين توأمان، يرى المرء في شكل عام أن هاوية ما قبل ولادته، أكثر رزانة ودعة من الهاوية التي تنتظره ولا يتوقف عن التقدّم نحوها. وأنا، على أية حال، أعرف مراهقاً كارهاً للزمن، شعر بنوع من الرعب، حين شاهد للمرة الأولى أفلاماً قديمة صُوّرت في بيته العائلي قبل أسابيع من ولادته...». وطبعاً، لسنا في حاجة هنا الى القول أن هذا المراهق كان هو نفسه فلاديمير نابوكوف.

> غير أن الكتاب، لا يواصل طريقه سوداوياً مرعباً على هذه الشاكلة، ذلك أن إنساناً وكاتباً من طينة نابوكوف كان من طبعه إشاعة الأمل من حوله والنظر الى الدنيا والبشر، نظرة أقل قتامة من تلك التي تبدو تلك المقدمة واعدة بها. أو، لنقل على الأقل إن نابوكوف ما كان في إمكانه أن يحمل، في هذا الكتاب، أو في أي كتاب له غير هذا، سوى الروح الروسية الأصيلة: الروح المنطلقة المتطرفة، التي تكاد تكون نموذجها الصورة التي رسمها سلف نابوكوف الكبير دوستويفسكي للأب كارامازوف (في الرواية التي يحمل عنوانها اسم «الإخوة كارامازوف»). وفي هذا المعنى، لا يكون نابوكوف سوى خلف كبير لذلك الرهط من الكتاب الروس الذين زينوا القرن التاسع عشر بقاماتهم، وغلب لديهم حب الحكي. ولعلّ أفضل ما يمكننا أن نذكّر به هنا، هو أن نابوكوف حين قال مرة، في محاضرة جامعية له، أن كل كاتب يضع نفسه وصورته، ولو مواربة، في شخصية أو أكثر من شخصيات عمله، سأله طالب: «... هل يمكننا أن نراك في «لوليتا»، مثلاً، من خلال شخصية هومبير هومبير؟»، فكانت إجابته: «أبداً... بل إنني أجد نفسي في شخصية «لوليتا» نفسها».

> والحقيقة، أن مثل هذه الإجابات والحوارات في حياة فلاديمير نابوكوف هي التي خلقت أطناناً من سوء التفاهم من حوله. ونحن لو حاولنا أن نفعل هذا كله، فلن تكفينا صفحات وصفحات، غير أن ما يمكن قوله بوضوح هنا، هو أن كتاب سيرة الكاتب هذا، يمكنه أن يزيل الكثير من ضروب سوء التفاهم، لأنه يعطي عن نابوكوف صورة تناقض تماماً كل الصور التي كانت له. وسيجمع الباحثون على أن صورته في هذا الكتاب هي الصورة الأصدق، لا سيما إذا تعمّقنا في تفاصيلها... ولعلّ المهم هنا أن نقول إن قراءة أعمال نابوكوف على ضوء ما يرويه لنا في هذا الكتاب (سواء عن ظروف كتابة بعضها، أو عن تفاصيل حياته الشخصية قبل أن يصبح كاتباً)، تضعنا في الحقيقة أمام صورة أخرى للأعمال في حدّ ذاتها. فقراءة «لوليتا» قبل حديث الذكريات هذا، هي غير قراءتها بعدها، وكذلك الحال مع بقية أعمال نابوكوف من «آدا» الى «الساحر»، ومن «اليأس» الى «ملك، ملكة وشاب»، ومن «أنظر أنظر الى الأرلكان» الى «الدون» و «النار التي تخبو». وهذا، على أي حال، ما أكده النقاد والباحثون، منذ بدأوا يتناولون «تكلمي... تكلمي أيتها الذكريات»، إذ صاروا ينصحون منذ ذلك الحين بتحرّي جذور أدب نابوكوف وهمومه في تكوينه الروسي، لا في مكتسباته نتيجة منافيه المتتالية والمتعددة. «في التقنيات فقط صار نابوكوف أوروبياً وأميركياً، وكذلك في أسلوب رسمه لتصرفات شخصياته، وعلاقاتها». أما في الروح وفي نفسيات الشخصيات، فإنه كان روسياً وظل روسياً حتى النهاية. وعلى أية حال، يمكن أن نقول اليوم إن نابوكوف كان كثيراً ما قال وردد منذ بداياته، أنه إذا كان يشجع قراءه على أمر، فإنه إنما يشجعهم على التوجّه صوب فكرة تقول أن «نجاحاته الكبرى لا ينبغي البحث عنها خارج الزمان والمكان السابقين لهجرته. إذ هنا فقط في روسيا طفولته، في عالم هلوساته الأولى وعالم غرامياته البدائية يكمن كل شيء وكل السر».

> ويقيناً أن من يقرأ «تكلمي... تكلمي أيتها الذكريات»، يخرج من الكتاب وهو على قناعة تامة بهذا. ولنضف هنا أن فلاديمير نابوكوف، المولود عام 1899 ليرحل عام 1977 في سويسرا، كان ابناً لعائلة بورجوازية ثرية، وقيّض لأبيه أن يعيَّن وزيراً في حكومة كيرنسكي الانتقالية قبل الثورة. لكن اندلاع الثورة أجبر الأب على الرحيل بأسرته الى القرم لاجئاً أولاً، ثم الى أوروبا الغربية بدءاً ببرلين ولندن. وعلى رغم أن نابوكوف عاش أميركياً بعد ذلك وصار مدرساً للأدب عموماً، وللأدب الروسي خصوصاً، فإنه أمضى سنوات عدة من حياته في سويسرا، حيث انكبّ هناك على جمع الفراشات، واصلاً ذات مرة الى العثور على فراشة غريبة سرعان ما أطلق عليها اسمه.
ـــــــــــــــــــــــ
المصدر: الحياة اللندنية ، 7 أغسطس 2015م.

«لوليتا» ليست من نسج خيال نابوكوف

هناء عليان


هي حتماً من أكثر الروايات إثارة للصدمة أو ربما الاشمئزاز، فهي تتمحور حول فكرة منبوذة اجتماعياً، «الولع الجنسي بالأطفال»، ومع ذلك تبقى «لوليتا» للروائي الروسي نابوكوف تتصدر قائمة الكتب الأكثر قراءة وتميزاً في القرن العشرين.
الرواية التي صُنفت طويلاً في خانة الأدب الإروتيكي هي ليست كذلك فعلاً، وهذا ما كان يؤكده كاتبها والنقاد. المقاطع الحميمة فيها شحيحة، إلّا أن ثيمتها التي تفضح العلاقة المحرمة بين رجل في أواخر الثلاثينات وفتاة في الثانية عشرة من عمرها، جعلتها ضمن قائمة الروايات البورنوغرافية. ولعلّ هذا هو السبب وراء رفضها من دور نشر عدة، وقيام الحكومة الفرنسية بحظرها حينذاك، وهو ما جعلها لاحقاً من الروايات المحظورة الأكثر طلباً.
وبعد مرور عقود على صدورها، ظلّت «لوليتا» رواية مثيرة للجدل والمشاعر المتناقضة، وقد توصّل باحثون آخرون إلى أنّ الرواية لم تكن مجرد خيال، بل إن أحداثها وقعت بالفعل. وأوضح براين بويد، كاتب سيرة نابوكوف الذاتية، أن مؤلفها قام بأبحاث كثيرة تحضيراً لروايته هذه. كان يقرأ بدقة كل جرائم القتل والاعتداء الجنسي في الصحف آنذاك، إلى أن صادف حادثة الفتاة سالي هورنر (12 عاماً) من نيوجرسي التي «اعتقلها» رجل أربعيني، وهي تقوم بسرقة دفتر، وأوهمها أنه من مكتب التحقيقات الفيديرالي، ليجبرها على البقاء معه كعشيقة لعامين كاملين، والتنقل معه عبر الولايات الأميركية من نزل إلى آخر، خوفاً من أن ينفذ تهديده ويدخلها إلى سجن إصلاحي للفتيات «أمثالها». القصة التي أسرت انتباه نابوكوف، إلى حد أنه دوّنها بتفاصيلها في دفتره، تشبه إلى حد كبير ما حصل مع «لوليتا» وإن قام بتحوير بعض الأحداث.

الجدل الاجتماعي
لم يختر نابوكوف أي حادثة عادية ليكتب عنها، بل انتقى إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل والخوف الاجتماعي. وبأسلوب عبقري لا يخلو من سخرية لاذعة، يحملك نابوكوف على قراءة «لوليتا» بدلاً من التخلي عنها منذ الصفحات الأولى باعتبار أنها تعكس صورة عالم منحرف لا يرغب كثيرون في التوغل فيه ومتابعة تفاصيله.

في مقدمته الغريبة بعض الشيء، يؤكد الكاتب الروسي «أن المخطوطة التالية ما هي إلا اعترافات هامبرت هامبرت التي كتبها في سجنه حيث توفي بانتظار محاكمته عام 1952»، كأنه أراد بذلك أن يعترف لقارئه بأن جذور الرواية واقعية بالفعل.

في عمر الثانية عشرة أحب هامبرت صديقته الجميلة أنابيل لكنها رحلت باكراً، فبقي متعلقاً بسحر الفتيات الصغيرات اللواتي أطلق عليهن اسم الـ «الحوريات». وبعد خمسة وعشرين عاماً، خاض خلالها رحلة مطولة مع العلاج النفسي ومع محاولات بائسة من أجل النجاح الأكاديمي وزواج فاشل بسيدة فرنسية خانته، حملته متاعبه المالية إلى منطقة رامزدايل النائية في الولايات المتحدة. هناك، استأجر غرفة متواضعة في منزل الأرملة شارلوت هايز، ليجد نفسه مهووساً بحب ابنتها دولوريس، فتاة جامحة سيئة الطباع لا تتعدى الثانية عشرة من عمرها. ببساطة، قرر أن يتزوج الأم ليبقى قريباً من فتاة أحلامه الصغيرة.

لم يمر وقت طويل قبل أن تكتشف شارلوت نوايا زوجها عبر قراءة مذكراته، لكنّ القدر يتدخل لمصلحته حين تموت الزوجة في الليلة نفسها لتصبح دولوريس أو «لوليتا»، كما يحلو له تسميتها، في عهدته. عندها يصطحب الصغيرة في رحلة أميركية طويلة في سيارته، يتنقّل خلالها من نزل إلى آخر بغية إبعاد الشبهات. ينجح هامبرت في إغواء لوليتا، فتبادر هي إلى العلاقة معه في الليلة الأولى، لكنه يجبرها لاحقاً على البقاء معه وتقديم «واجباتها العاطفية» مقابل هدايا ووعود وتهديدات بإرسالها إلى دور إصلاح ورعاية سيئة الصيت.

بعد عامين من العبودية، تهرب لوليتا برفقة روائي مسرحي التقت به خلال فترة قصيرة قضتها في إحدى المدارس. مع الإشارة إلى أن فتاة القصة الحقيقية (سالي هورنر) تمكنت هي الأخرى من الإفلات من قبضة خاطفها فرانك لو سال، بعد نصيحة تلقتها من صديق لها في مدرسة ارتادتها لمدة قصيرة خلال فترة الترحال القسرية.

خاتمة تراجيدية
في نهاية الرواية، يصبح همّ هامبرت الوحيد العثور على غريمه وقتله إلى أن يفعل ذلك. أما لوليتا فينتهي بها المطاف إلى الزواج بشاب فقير، ما يضطرها إلى طلب المساعدة المادية من «والدها» هامبرت. تلتقيه للمرة الأخيرة وهي حامل، رافضة في شكل مطلق العودة للعيش منه على رغم إلحاحه المستميت. ثمّ تنتهي الأحداث بموت لوليتا أثناء وضعها فتاة، بينما يقضي هو في سجنه عقب كتابته مذكرات اعتبرها الرابط الأزلي الوحيد بينه وبين معشوقته الصغيرة.

الرواية تراجيدية، لكن نابوكوف كتبها بحرفية عالية، مطعماً فصولها بلغة أنيقة وساخرة منحتها شهرة واسعة حتى بعد مرور ستين عاماً على نشرها. فالرواية تجسدت بطريقة نابوكوف في التعمق في أبشع سلوك بشري ممكن، وفي قدرته على إدارة أكثر المواضيع حساسية وإثارة للقرف والاستياء، بأسلوب راق غير منفر.

وكان نابوكوف قد كتب في عام 1939 قصة قصيرة، باللغة الروسية، عن رجل تزوج بامرأة للوصول إلى ابنتها المراهقة. ومع أنها لم تلقَ استقبالاً حسناً عند صدورها في موسكو، لم يتخلَّ الكاتب عن فكرته هذه، بل إنه عمل بعد عشر سنوات تقريباً إلى نقل أحداث قصته هذه في رواية صدرت في الولايات المتحدة، في عنوان «لوليتا». ووفق المقربين منه، فقد قام بالأبحاث للوقوف عند تفاصيل الحياة الأميركية. اعتاد أن يسافر بين الولايات ويتنقل في الحافلات، وهو يدون العبارات القاسية والساخرة التي تصدر عن الفتيات الصغيرات، وهذا ما جعل لوليتا نسخة مطابقة للكثير من الفتيات الصغيرات في ذلك الوقت.

في البداية، روعت الرواية بعض أصدقائه الذين نصحوه بعدم نشرها، إضافة إلى أن خمسة ناشرين أميركيين رفضوا نشرها خوفاً من أن تتم محاكمتهم بتهمة الفحشاء. لكنه تمكن أخيراً من نشر الرواية للمرة الأولى في فرنسا عام 1955 عن دار أولمبيا، التي سبق لها أن نشرت الكثير من المواد الإباحية. بعد ثلاث سنوات نشرت «لوليتا» في الولايات المتحدة وحققت نجاحاً باهراً، و تحولت إلى كتاب الجيب الأكثر شهرة عند الأميركيين.

وفي غضون عام من نشرها أميركياً، غادر نابوكوف مدينة كورنيل التي سكنها لسنوات بعدما حصل على ما يكفي من المال من مبيعات الرواية، علماً أنها ترجمت إلى عشرات اللغات وتحولت إلى فيلم سينمائي، ليتوقف أخيراً عن التدريس ويمتهن الكتابة بدوام كامل. وقد أمضى بقية حياته مع زوجته في مدينة مونترو السويسرية.

ــــــــــــــ
المصدر: جريدة الحياة اللندنية، 16 يناير 2015.

فلاديمير نابوكوف .. جامع الفراشات: لاورا مارش

ترجمة: محمد الضبع




في ربيع سنة ١٩٧٠، طارد الكاتب الذي تجاوز السبعين عامًا فلاديمير نابوكوف فراشة برتقالية على مرتفعات جبل إتنا، وهو يتعرق ويلهث ويتنفس بصعوبة، وشفاهه بيضاء معقودة بالعطش والحماس. ليضع العينة في الجيب الداخلي لمعطفه، وهو الشعور الذي تحدث عنه لمراسل النيويورك تايمز قائلًا: "إنه الشعور ذاته الذي يأتيني وأنا على طاولة الكتابة".
بدأ نابوكوف بجمع الفراشات منذ أن كان طفلًا في روسيا، وعندما هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية قضى سنواته الأولى وهو يعمل في عدة متاحف، وانشغل بنشر عدة أوراق علمية حول جمع الفراشات.
منذ أن نجحت روايته لوليتا في منتصف خمسينات القرن الماضي، حاول نقاد الأدب وعلماء الفراشات من محبيه إعادة تخيل رحلات صيده المنعشة، لأنه من الممكن اكتشاف الطريقة التي يفكر فيها من خلال فهم الطريقة الخاصة التي كان يصيد بها الفراشات.
في سنة ٢٠٠٠، قام روبرت مايكل بايل، محرر سيرة نابوكوف بمحاولة محاكاة إحدى رحلات نابوكوف عبر جبال الألب في سويسرا سنة ١٩٧٧، حيث استقر نابوكوف لنهاية حياته في فندق قصر مونترو. وفي كتاب "خطوط دقيقة"، الذي صدر حديثًا ليتناول الجانب العلمي من حياة نابوكوف، يقوم عالم الحشرات روبرت ديريغ بزيارة لأحد المناطق التي اعتاد نابوكوف الصيد فيها قرب جبال الدخان، وهذا بالضبط ما فعله علماء آخرون قاموا بكتابة تجاربهم في فصول هذا الكتاب.
قام نابوكوف برسم أكثر من ١٠٠٠ رسمة علمية خلال مسيرة بحثه، وفي الكتاب "خطوط دقيقة"، يتم تناول وعي نابوكوف الفني والإبداعي. لأن رسماته تظهر اهتمامًا مختلفًا بالفراشات.
كان نابوكوف قد حصل على منصب أمين الفراشات في متحف هارفرد لعلم الحيوانات المقارن، وأرسل رسالة إلى صديقه "إدموند ويلسون" مازحًا: " لقد تمكنت من الوصول إلى هارفرد بسبب فراشة." وكان جميع الأمناء في المتحف آنذاك يحملون شهادة الدكتوراه ما عدا نابوكوف.
وخلال هذه الفترة التي تكونت من سبع أو ثماني سنوات، تمكن نابوكوف من إنجاز الجزء الأكبر من عمله، بتصنيف مجموعة من الفراشات تحت اسم "أزرق"، وهذا يعني أن عليه أن يجد العلاقة بين مختلف أنواع الفراشات لجمعها ووضعها تحت هذه المجموعة. كانت تصنيفاته تسعى لإظهار المنحى التطوري في الفصائل، وليس فقط الصفات الأفضل بينها. وكان هذا المشروع فائق الصعوبة، لأن العديد من الفصائل الزرقاء كانت مهجنة، وأغلبها يبدو متشابها، وتملك الصفات ذاتها والتصرفات أيضًا، ولم يكن واضحًا أبدًا ما هي المعايير التي يمكن من خلالها أن يتم تصنيف الفصائل.
وكان أهم نتائج نابوكوف في هذا الحقل هو فكرته القائلة بأن الفراشات الزرقاء جاءت من آسيا، وعبرت مضيق بيرنغ، ثم اتجهت جنوبًا نحو أميركا.
عندما توفي نابوكوڤ سنة 1977، كان يعمل على كتاب جديد باتجاه علمي، "تاريخ مصور للفراشات في الفن،" منذ تاريخ مصر القديمة وحتى عصر النهضة. وكان قد تنقّل بين بلدات صغيرة في إيطاليا وفرنسا وهولندا، وكان يسأل أمناء متاحف الفراشات، ويقول "وفي بعض الحالات تعبر الفراشة عن رمز ما، يقع تمامًا خارج دائرة اهتماماتي."
ـــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: جريدة الرياض، 27 أبريل 2016م، العدد 17474.

نابوكوف في أميركا بحثاً عن «لوليتا»

أليكس بيم - ترجمة، محمد الضبع



هنالك ثلاث فترات مهمة في قصة الكاتب الشهير نابوكوف. وصل الروائي الأربعيني إلى الولايات المتحدة الأميركية سنة 1940، وخلفه مسيرة طويلة من الكتابة في أوروبا؛ ليجد نفسه غير معروف لدى القارئ الأميركي، ولكنه في السنوات اللاحقة أصبح أشهر كاتب روسي مهاجر في تلك الفترة، وحتى قبل أن يهم بإحضار عائلته إلى أميركا، بدأ بالكتابة باللغة الإنجليزية. وكان والده يقرأ له مقاطع من ديكنز عندما كان طفلًا قبل أن يعلمه الروسيّة. ويكتب نابوكوف رغم هذا عن اللغة الروسيّة قائلًا:

"توسكا: كلمة روسية تُرجمت بالكاد إلى الإنجليزية لتصبح بمعنى الحزن، التجهم. لا توجد كلمة واحدة في الإنجليزية تستطيع لمس كل ظلال كلمة توسكا. في أعلى مراحلها عمقًا وألمًا تكون عبارة عن الإحساس بالكرب الروحي العظيم، غالبًا دون سبب يذكر. وفي بعض مراحلها السطحية تكون عبارة عن حكة بليدة في الروح، حنين إلى لا شيء، لهفة مريضة، قلق غامض، مخاض عقلي، وشوق أيضًا. أما في أدنى مراحلها فلا تكون سوى الملل". قضى نابوكوف الثلث الأخير من حياته في عزلة تامة حين أقام في فندق قصر بسويسرا. حينها كتب الروائي روبرت روبر كتابه الجديد "نابوكوف في أميركا"؛ ليصف تلك الفترة بالأسعد والأكثر إنتاجية في حياة نابوكوف، العشرون سنة التي قضاها هناك جعلته يشعر وكأنه في موطنه. ويقول روبرت عن ذلك: "هنالك جمال وسحر يغشى جميع أعمال نابوكوف، لكن وصف العظمة لا ينطبق إلا على أعماله في أميركا". وكان روبرت على حق. الأعمال التي كتبها نابوكوف في أميركا، والتي تمثل فقط أقل من نصف أعماله الكلية، تجعل أي كاتب يغار من صاحبها. كانت سنوات كتابة "لوليتا" من أجمل وأمتع السنوات التي عاشها نابوكوف في الغرب. المعنى الأميركي كان مصيريًا بالنسبة له. غذّى أعماله وأعطاها المدى والاتساع اللازم. تلك العدة القديمة الميتة التي جاء بها من أوروبا بعثت للحياة مرة أخرى في أميركا. واكتشف نابوكوف شخصيته "همبرت همبرت" في أميركا، متمثلة في شخص بروفيسور اللغة ولاعب الشطرنج هنري لانز، الذي التقاه في ستانفورد، والذي كان لديه بعض الرغبات الخفية التي اكتشفها نابوكوف واستخدمها في روايته "لوليتا". أنكر نابوكوف صلة هنري لانز بالرواية. أنكر نابوكوف كل شيء. إنه الرجل الذي عرّف الواقع بقوله: "هو احدى الكلمات التي لا تعني شيئًا دون اقتباس". تحدث روبرت في كتابه أيضًا عن "ديميتري" ابن فلاديمير وفيرا الوحيد، وأطلق عليه اسم "الابن الأميركي"، ولد ديميتري في فرنسا وأصبح "متأمركًا" في مدارس نيو إنجلاند الخاصة وفي هارفرد. التحق ديميتري بالجيش وعمل بعدها في CIA. وكالأميركيين الحقيقيين بدأ أفراد عائلة نابوكوف بتعريف مراحل حياتهم بالسيارات التي امتلكوها. ولكنهم في النهاية أحبوا أميركا. ورغم مشاعر نابوكوف الكبيرة لأميركا، إلا أنه اختار أن يعيش قرب ابنه، فرحل إلى أوروبا، ليقترب أيضًا من موطنه روسيا. ولم يعد إلى أميركا إلا مرتين بعد سنة 1959؛ مرة ليحضر حفل إطلاق فيلم لوليتا، ومرة ليحضر تدشين ترجمة لأحد كتبه.

ـــــــــــــــــــــــــ
المصدر : جريدة الرياض، 29 يونيو 2015م، 17171.

فلاديمير نابوكوف يخالف تعليمات كافكا

تقرير - جوش جونز، ترجمة: محمد الضبع



                              نسخة نابوكوف من رواية «المسخ» لفرانز كافكا، التي كان يدرّسها بالجامعة لطلابه



إذا كنت قد قرأت رواية كافكا «المسخ» فإنك على الأغلب قد قرأت ترجمة التحول الذي حدث لغريغور سامسا «صرصور»، «خنفساء»، أو بشكل عام «حشرة عملاقة». هذه الاستخدامات لا تخطئ بالضرورة في ترجمة المفردة الألمانية التي استخدمها كافكا بالأساس. برغم أن المفردة الأصلية التي استخدمها كافكا كانت أكثر غموضًا، وربما أكثر غرابة أيضًا، وتوحي بمعنى ميتافيزيقي بعض الشيء. تقول المترجمة سوزان بيرنوفسكي: كان كل من الصفة الألمانية «ungeheuer» بمعنى «متوحش» أو «ضخم»، والاسم «Ungeziefer» يحتويان على نفي ظاهر باستخدام الأداة «un». ويعود أصل الكلمة إلى اللغة الألمانية الوسطى، ليصف شيئًا أشبه ب «الحيوان المتسخ» والذي ينتمي ل «شعبة كائنات مخيفة تزحف على أجسامها»، وهذا الوصف يقترح العديد من الحشرات بالطبع. وهذا ربما هو السبب الحقيقي وراء منع كافكا لأي صور أو رسومات لغريغور. سنة ١٩١٥ قام كافكا بإرسال رسالة إلى الناشر يقول فيها: «لا أريد للحشرة أن تُرسم في الكتاب. ولا أريد لها أن تُرى حتى من مسافة بعيدة.» وفي غلاف الكتاب الأصلي تظهر صورة لرجل طبيعي، والذي يبدو وكأنه يتخيل حدوث مسخ هائل، ولكننا لا نرى هذا التحول ظاهرًا عليه بشكل فيزيائي. نعم كان يبدو من الواضح أن كافكا كان يقصد تحوّل غريغور إلى حشرة، لأنه في رسالته إلى الناشر خلال عملية كتابته للراوية قام بإرسال مفردة «Insekt» الألمانية ليصف الكائن الذي تحول إليه غريغور. والتي تأتي بمعنى حشرة. واستخدم في مناسبة أخرى وصف «Wanze» والتي تعني حشرة أيضًا. وبوضع جميع صعوبات الترجمة والتصنيف جانبًا، قرر العبقري الروسي فلاديمير نابوكوف أنه عرف تمامًا مقصد كافكا، وتمكن من الوصول إلى سر الكائن الذي تحول إليه غريغور سامسا. وقام بمخالفة تعليمات كافكا، ورسم مسودة للحشرة في نسخته التي كان يدرّسها في الجامعة للطلاب. وقام نابوكوف بفعل أكبر من هذا عندما قام بإعادة تحرير الرواية، وتعديل العديد من المفردات والاستخدامات. وفي إحدى محاضراته يستنتج أن غريغور سامسا ما هو إلا خنفساء ضخمة، ولاحظ أنه يحذف كلمة «ضخم» من الرواية ويكتب فوقه «بطول ٣ أقدام»، ويقترح أن الحشرة قادرة على الطيران كالخنفساء، وهذا ما يفسر وصولها إلى السقف. كل هذا قد يدل على عدم احترام نابوكوف لكاتب المسخ فرانز كافكا. ما نعرفه تمامًا أن نابوكوف لم يكن في يوم من الأيام ذلك الشخص الذي يقدم الاحترام لكتّاب الأدب، وقد فعل هذا من قبل مع فوكنر وجيمس جويس عندما وصف أعمالهما بأنها حجرية. ورغم كل هذا يصف نابوكوف كافكا في محاضرته بأنه «أعظم كاتب ألماني في عصرنا. شعراء مثل ريلكه، أو روائيين مثل توماس مان ليسوا سوى مجرد أقزام، أو قديسين صنعوا من البلاستيك مقارنة به.» وكافكا فنان أولًا وأخيرا، ولا يجد نابوكوف أي إيحاءات دينية في عبقرية كافكا. رفض ميل كافكا نحو الغموض، يسير باتجاه معاكس لأغلب تفسيرات كتاباته. قد يظن البعض أن الدافع وراء فعل نابوكوف هو أنه رأى نفسه في كافكا، عندما قارن بين كافكا وفلوبير، «يحب كافكا أن يرسم مصطلحاته من لغة العلم والقانون، ليعطيها نوعًا من الوعي الساخر، دون تدخل من حس الكاتب الداخلي.» ويبقى Ungeheueres Ungeziefer مصطلحًا غير علمي، وله أصل في الألمانية الوسطى، والذي تعرّف عليه كافكا حتمًا بسبب دراسته. ومع كامل الاحترام لسعة اطلاع نابوكوف، يبدو في هذا الموقف أن كافكا كان يقصد عدم الدقة، وهو ما تدعوه بيرنوفسكي: «تصورات واضحة من الحيرة،» بلغة «اختيرت بحذر لتجنّب الوضوح،» فن كافكا يتكون من هذه القدرة على استغلال هذه المطابقات العتيقة في اللغة. وهو المصدر الرئيسي لعبقريته الغريبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: جريدة الرياض، 26 أكتوبر 2015م، العدد 17290.

نسخة نابوكوف من رواية «المسخ» لفرانز كافكا، التي كان يدرّسها بالجامعة لطلابه